حافظ/ي على هدوئك| ما الذي يمكن أن نتعلمه من «Pandemic»؟
 
 

بدأ العزل يحاصرنا أكثر فأكثر، بعد أن كان عزلًا ذاتيًا، صار حظر تجول. لا نخشى على أنفسنا فقط، ولكن على أحبابنا أيضًا. نرشح في سلسلة «حافظ/ي على هدوئك.. ياما دقت عالراس طبول» عدة أعمال، من وسائط متعددة، تتحدث عن الأوبئة. لا نقصد من الترشيحات أن نجعلك تنغمس في حالة الذعر، ولكن ربما تفيدك في التعامل مع الموقف، أن تتعرف على حقيقة وضعك، وأن تتصرف من خلاله، بدون هلع مُعطِل أو تفاؤل مفرط.

في الحلقة الأولى قدمنا الترشيح الأكثر شهرة فيما يخص هذا السياق «الطاعون» لألبير كامو، لكن تناوله أمير زكي من زاوية مختلفة. وفي الحلقة الثانية كتاب «ديكاميرون» الإيطالي الذي صدر في القرن الرابع عشر عقب تفشي الطاعون في فلورنسا، والذي يعلمنا كيف ننجو من الوباء باستخدام «القَص».

وفي الحلقة الثالثة، قدّم محمد يحيى رواية «اليوم السادس»، والتي دارت أحداثها في وقت تفشي الكوليرا في مصر الأربعينيات، لنقارن  بين ردود فعل الناس وقتها وبين الآن. وفي الحلقة الرابعة، قرأنا عن اللعبة التي صدرت عام 2018، وتدور أحداثها عام 1918، بعد الحرب العالمية الأولى، وقت تفشي وباء الانفلونزا الأسبانية، وتضعنا أمام أحد أسوأ أوجه الوباء، الاختيار بين المرضى، حال انهيار المنظومة الصحية.

وفي هذه الحلقة نقرأ عن السلسلة الوثائقية التي أصدرتها نتفليكس أوائل هذا العام، وتتناول كيفية منع تفشي وباء، متنبئة بوجود وباء جديد قادم يغزو العالم كله مثلما حدث وقت تفشي الانفلونزا الأسبانية بداية من عام 1918.

«ياما دقت على الراس طبول»، حينما يزداد الضغط النفسي بسبب امتحانات كلية الطب التي لا تنتهي أكرر هذة الجملة على سبيل التعزية.

في السنة الرابعة من كلية الطب درست «طب المجتمع»، هذا الفرع من الطب الذي يهتم بصحة أفراد مجتمع أو منطقة، وينصبّ التركيز على معرفة الأخطار البيئية والمهنية التي تؤثر على الصحة الجيدة، والتشخيص المبكر للمرض، والوقاية من الأمراض في المجتمع والصحة العامة

لا أتذكر محتويات المنهج اﻵن، لكني أتذكر محاضرة ألقتها علينا أستاذة بقسم طب المجتمع يُقال إنها تعمل في «منظمة الصحة العالمية»، نصحتنا فيها أن ننجب في سن صغيرة، ونترك أطفالنا لأمهاتنا تربيهم، ونبدأ نحن في بناء مستقبلنا المهني. كان تعليلها أن الإنجاب في سن صغيرة أفضل ويقلل من خطر الإصابة بالسرطان.

لم أكن من الطلبة التي تنوي التخرج بتقدير امتياز، لكن ما سمعته في تلك المحاضرة جعلني ناقمة على الطريقة التي يتم تدريس «الصحة العامة» بها في مصر. 

لم أفهم أهمية «الصحة العامة» كمجال أثناء دراستي للطب، لم يكن موضوعًا مفيدًا لنا كطلاب أغلبنا يظن أن المواد الإكلينيكية مثل الباطنة والجراحة أكثر أهمية من الأرقام التي تملأ كتاب طب المجتمع. كنا نعتقد أنه حشو لا فائدة منه. 

لم أحب «الصحة العامة» إلا بعد حصولي على درجة البكالوريوس، وبدأت البحث في تاريخ الطب في مصر، حينها فقط أدركت أن الصحة العامة، أهم في وجهة نظري، من المعلومات الإكلينيكية التي يعرفها كل ممارسي الطب في مصر. كنت قد التحقت بدورة الأنثربولوجيا الطبية في معهد القاهرة للآداب الحرة والعلوم، واشتملت القراءات على كتب توضح تاريخ تدريس الطب في مصر، وكيف نتعامل مع مفهوم المرض في مجتمعنا مثل الجسد والحداثة لخالد فهمي، وAll bodies belong to God لشيرين حمدي. 

بعد انتهاء الدورة، وقعتُ في حب «الصحة العامة»، وفهمت سبب غضبي في السنة الرابعة من تعليق المحاضِرة، ومن طريقة تدريس «الصحة العامة» في كليات الطب في مصر، التي تجعلنا، نحن الطلاب، نراه حشوًا لا فائدة منه،  لكن الحقيقة أن عدم ربط المناهج بالواقع الذي نعيشه هي التي جعلته غير مستساغ لطالبة مثلي. 

في الحادي عشر من مارس 2020 أعلنت منظمة الصحة العالمية على لسان مديرها العام أن فيروس كورونا المستجد (COVID-19) يمكن وصفه بأنه «جائحة»، وعلق أيضًا: «جائحة ليست كلمة تستخدم باستخفاف أو بلا مبالاة، لأنها كلمة، إذا أسيء استخدامها، يمكن أن تسبب خوفًا غير معقول أو قبولًا غير مبرر قد يشير إلى أن المعركة قد انتهت، مما يؤدي إلى معاناة وموت غير ضروريين».

جائحة هي الترجمة لكلمة Pandemic، التي درستها داخل منهج «طب المجتمع»، الذي غضبت منه بسبب مدرسيه، وهو أيضًا اسم لسلسلة وثائقية من إنتاج نتفليكس تتحدث عن الأوبئة، والتي انتهى تصويرها، أواخر عام 2019 وأُتيحت للجمهور في يناير 2020.

تتنبأ السلسلة بوجود وباء جديد قادم يغزو العالم كله مثلما حدث وقت تفشي الانفلونزا الأسبانية بداية من عام 1918. وينتقل المسلسل بين اﻷوبئة بدءًا من انفلونزا الطيور مرورًا بانفلونزا الخنازير وفيروس الإيبولا إلى فيروس سارس وميرس، تغطي السلسلة أيضًا الحملات المضادة للتطعيمات في أمريكا، التي تعتبر أكثر الحملات خطرًا على الصحة العامة، وكذلك الخطر الواقع على الأطباء في العالم كله. 

تتنبأ السلسلة ببعض الأحداث التي قد تساعدنا في فهم ما الذي يحدث في تلك اللحظة في هذا العالم، حيث كل شيء قد يمر أو لا يمر. لا أحد يعلم متى سينتهي هذا الوضع، لكن السلسلة قد تهدئ من روعك.

الوباء قادم لا محالة ومصدره حيوان

يقول دنيس كارول، مدير وحدة التهديدات الناشئة في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية: نحن نعرف أن هناك وباء انفلونزا جديد قادم؛ نجهل فقط متى سوف يحدث، بينما تقول سيرا مداد، المسؤولة عن إعداد المستشفيات البلدية في مدينة نيويورك ضد تفشي الأمراض المعدية إن ما يقلقها حقًا هو أن الوباء يحتاج لشخص واحد فقط كي يتفشى، إنها مجرد مسألة وقت، لا نعرف متى سيظهر الوباء الجديد، لكنه قادم لا محالة.

يقول دنيس كارول إن مصدر الوباء القادم يأتي من حيوان في صورة فيروس من نوع جديد لم نسمع عنه ولا نعرفه من قبل، وأضاف «عندما ينشأ فيروس جديد من الحيوانات، لن يكون لدينا مناعة تجاهه».

وتحدث أيضًا عن انفلونزا الطيور (H7N9) في الصين، وقال إنها كانت «أشد أنواع الانفلونزا ضراوة، حيث مات 60% من المصابين بها». في وقت تسجيل المسلسل، لم يكن فيروس كورونا قد انتشر في الصين أو خارجها، لكن كارول قال «يمكن أن يحدث ذلك قريبًا».

100 مليون شخص «تحت التهديد»

يبدأ المسلسل بالعودة إلى جثث ضحايا الانفلونزا الأسبانية سنة 1918 في بنسلفانيا. تقدر عدد الوفيات عالميًا بسبب الانفلونزا في ذلك الحين بأنها أكثر من قتلى الحرب العالمية الأولى والثانية معًا. كان عدد سكان الأرض وقتها حوالي ملياري نسمة، وانتشر الفيروس ليقضي على عدد يتراوح بين 50 إلى 100 مليون شخص. أما اليوم، يبلغ عدد سكان الأرض حوالي ثمانية مليارات نسمة.. كم ستكون نسبة الخسارة إذن؟ 

في حديثه عن نقص التمويل للقاحات الانفلونزا، أوضح طبيب باحث: «إنه أمر مخيف، لأنه في عام 1919، قُتل أكثر من 50 مليون شخص، لكن لم يكن لدينا حتى طائرات ولم يكن لدينا أشخاص يسافرون من آسيا إلى أمريكا الشمالية يوميًا. لم يكن لدينا مزارع تضم الآلاف من الخنازير وآلاف الدجاج، لكننا اليوم نمتلك. يمكن أن يموت مئات الملايين من الناس من الوباء القادم إذا كان معديًا مثل فيروس H1N1 في عام 1919».

الحملات المضادة للتطعيمات.. أو كيف تُمرض نفسك ذاتًيا

تلقى السلسلة الضوء على العائلات المناهضة للتطعيمات، حيث يختار بعض الآباء عدم تلقيح أطفالهم، وهو الأمر الذي تعده منظمة الصحة العالمية أكبر «تهديد» للمجتمع. يقول الطبيب ديف راج إن مرضاه أخطأوا في علاج أمراض خطيرة، ظنوا أنها مثل السعال واتخذوا وصفات منزلية مثل «العسل والليمون» علاجًا لها.

في الحلقة الثانية، التي تتضمن الفصل «لا نحتاج إلى أي كوارث بشرية»، يلتقي صناع السلسلة بأم تُدعى كايلان واجار، التي اختارت تعليم أطفالها الخمسة الصغار منزليًا، وهي تقول: «يتطور أسلوب حياتنا والطريقة التي أربي بها أطفالي باستمرار لكي ننمي وعينا وإدراكنا.. أعتقد أن الطفل الذي يتمتع بصحة جيدة لديه القدرة على بناء مناعة بشكل طبيعي». 

بينما ناقوس الخطر يدق، يحتاج العاملون في القطاع الطبي لحماية أنفسهم أولًا

تشير الوثائقية إلى أن الوباء سيُحدث قلقًا عارمًا بين الناس، وغالبًا ما ينتج عنه أشخاص يتصرفون بدافع الخوف بدلًا من المنطق. تقول الطبيبة مداد: «أنا أعرف هذا القلق جيدًا، أنا لا أخبر أطفالي بما أفعله في العمل، ولا أتحدث مع الآباء في مدرسة أطفالي بخصوص طبيعة عملي، بسبب عامل الخوف قبل المنطق. إذا كانوا يعتقدون أنني قد أصبت بسبب أي تواصل مع أي مريض، فهذا يعني، لا تلمسني! لا تقترب مني!».

في «الجائحة اﻵن»، الحلقة الثانية من المسلسل، نرى ما يحدث في من تهديدات يتعرض لها الأطباء إما بسبب ضعف التمويل للأبحاث العلمية أو بسبب تعرضهم للخطر الذي قد يصل للقصف كما حدث في الكونغو بسبب الحرب الأهلية.

لم أتخيل معاناة الشعوب مع الأوبئة داخل كتب طب المجتمع في السنة الرابعة في كلية الطب، ولم أدرك أهمية أساليب مكافحة العدوى عند تفشي الأوبئة، لم أحاول تخيل ماذا سيحدث لو امتنع الآباء عن تطعيم أبنائهم! في المسلسل كل تلك الأشياء ظهرت واضحة الملامح بين عينيي، فأدركت أكثر أهمية الصحة العامة، و هدَّأت التنبؤات الضغط النفسي الذي أعانيه من دق الطبول على راسي. 

يمكن لتنبؤات المسلسل أن تساعدك في فهم الوضع الحالي للعالم، القلق لن يفيد في تغيير أي شيء يحدث. السيناريوهات التي يتحدث عنها المسلسل تتحقق بشكل كبير، القلق يضرب الشريحة العريضة من المجتمع، والعاملون في المجال الطبي هم من يدفعون الثمن في تلك اللحظة في العالم كله. إذا كنت تريد مكافحة الوباء، ننصحك بالجلوس في المنزل ومشاهدة الوثائقية، هذا ما يريده الأطباء في الوقت الحالي. 

اعلان
 
 
سلمى الديب 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن