حافظ/ي على هدوئك| «فامبير»: هل تنتزع كورونا آدميتنا؟
 
 

بدأ العزل يحاصرنا أكثر فأكثر، بعد أن كان عزلًا ذاتيًا، صار حظر تجول. لا نخشى على أنفسنا فقط، ولكن على أحبابنا أيضًا. نرشح في سلسلة «حافظ/ي على هدوئك.. ياما دقت عالراس طبول» عدة أعمال، من وسائط متعددة، تتحدث عن الأوبئة. لا نقصد من الترشيحات أن نجعلك تنغمس في حالة الذعر، ولكن ربما تفيدك في التعامل مع الموقف، أن تتعرف على حقيقة وضعك، وأن تتصرف من خلاله، بدون هلع مُعطِل أو تفاؤل مفرط.

في الحلقة الأولى قدمنا الترشيح الأكثر شهرة فيما يخص هذا السياق، «الطاعون» لألبير كامو، لكن تناوله أمير زكي من زاوية مختلفة.

وفي الحلقة الثانية كتاب «ديكاميرون» الإيطالي الذي صدر في القرن الرابع عشر عقب تفشي الطاعون في فلورنسا، والذي يعلمنا كيف ننجو من الوباء باستخدام «القََص».

وفي الحلقة الثالثة، قدّم محمد يحيى رواية «اليوم السادس»، والتي دارت أحداثها في وقت تفشي الكوليرا في مصر الأربعينيات، لنقارن  بين ردود فعل الناس وقتها وبين الآن.

وفي هذه الحلقة، نقرأ عن اللعبة التي صدرت عام 2018، وتدور أحداثها عام 1918، بعد الحرب العالمية الأولى، وقت تفشي وباء الانفلونزا الأسبانية، وتضعنا أمام أحد أسوأ أوجه الوباء، الاختيار بين المرضى، حال انهيار المنظومة الصحية.

عند حدوث أزمة عالمية، كتهديدات باندلاع حرب نووية، أو أزمة وباء الإيبولا في غرب إفريقيا، وبالطبع مثل أيام وباء كورونا الحالي؛ يتباهى مجتمع لاعبي الفيديو جيمز بأنهم أكثر فئة مستعدة للكارثة، فقد عايشوا محاكاة تجربة الوباء وسيناريوهات نهاية العالم مرات لا تحصى، حيث إن الشريحة العظمى للألعاب تتناول أفكار «ماذا لو؟».

 أمثال تلك الألعاب Bloodborne, The Last of Us, Days Gone, The Division، التي تناولت بشكل مكثف فكرة انهيار الحضارة البشرية بالكامل بسبب الوباء والمرض وحدوث انهيارات مالية عالمية أو كوارث نووية.

وإذا تجاوزنا تلك الفكرة، ووضعنا بنادقنا وأسلحتنا الافتراضية جانبًا، فسنجد لعبة جهزتنا لكارثة تشبه مأزقنا الحالي، ولكن من زاوية أكثر عمقًا وأهمية، وهي الزاوية الأخلاقية. وهنا، نحن نتحدث عن أحد أفضل ألعاب تقمص الشخصية Role Playing Games -وهي نوعية ألعاب تدور حول اختيارات اللاعب وتأثيره المباشر وغير المباشر بعالم اللعبة- لعام 2018، وهي «فامبير» Vampyr والتي طورها ستديو Dontnod الفرنسي المشهور بسلسلة Life is Strange.

 يتحكم اللاعب بشخصية دكتور جوناثان ريد عند عودته للندن، بعد الحرب العالمية الأولى في 1918، ليجد المدينة على شفا الهاوية بعد إصابة سكانها بالانفلونزا الأسبانية، إلا أنه، وفي ظروف غامضة  يتحول لمصاص دماء. ويبدأ في رحلة البحث عن سبب ذلك التحول، والرابطة بين اجتياح مصاصي الدماء للندن وانتشار الوباء في المدينة المنكوبة. يجبره تعطشه للدماء على قتل الأبرياء، وكي يتسنى له فعل ذلك فعليه بجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن ضحاياه ودراسة عاداتهم وأسرارهم عن طريق حواراته معهم في عالم لندن شبه المفتوح. 

أحد أحياء لندن الغنية

تتركز تجربة اللعبة على الحوارات وإنشاء علاقات وثيقة بين ريد وسكان المدينة في إطار تحقيقاته المضنية، لكشف غموض المؤامرة المحاكة ضد سكان المدينة وربما ضد البشرية جمعاء. وبهذه الطريقة، نكتشف الكثير عن النفسية البشرية تحت وطأة الضغط وحصار الوباء، بدايةً من مستشفى «بينبروك»، وأحياء لندن الفقيرة والبرجوازية على حد سواء، وكيف تتغير بنية المجتمع ونظرة بعض تلك الطبقات للبعض الآخر، بعد حلول الأزمة.

تطل «فامبير» برأسها علينا اليوم بعد حلول وباء الكورونا ورؤيتنا للتغيرات الجذرية التي طرأت على المجتمعات المختلفة وانهيار نظم عدة تحت وطأة تلك الأزمة، فالمعضلات التي تطرحها اللعبة لا تختلف كثيرًا

مثل المعضلة الأخلاقية التي طرحها قرار بعض دول الاتحاد الأوروبي أن تتخلى كليًا عن علاج كبار السن (فوق 80 عامًا) المصابين بالفيروس، وأيضًا عن المصابين بعدة أمراض مزمنة، ورأينا تبعات ذلك بأسبانيا التي وجد بها عناصر من الجيش مجموعة من المسنين قضوا نحبهم بإحدى دور الرعاية بعد أن هجرهم الموظفون المنوط بهم رعايتهم بعد دخول الفيروس لبلادهم.

تضعك «فامبير» في تحديات أخلاقية مماثلة، فهي تفرض عليك باستمرار أن تختار من يصلح للحياة ومن عليك قتله كي تصبح قادرًا على اكتساب قدرات جديدة تسهل لك خوض عالم اللعبة. وذلك هو الميكانيزم الرئيسي في اللعبة، الذي يعد رسالة في حد ذاتها: إذا قتلت أكبر عدد من الناس، تحت أي مسمى، ستصبح تجربتك في اللعب سهلة جدًا، لكن ذلك سيكون على حساب كل سكان المدينة المنكوبة متصلة الأركان.

فامبير

أما اختيار الحفاظ على أرواحهم مهما كانت طبقتهم الاجتماعية أو أرضيتهم الأخلاقية، سيزيد حتمًا من صعوبة اللعبة، ولكن، في المقابل، ستلحظ تغيرًا كبيرًا في عالمها، حيث ستتحسن صحة سكانها، وسيتسنى لك اكتشاف أهمية كل شخصية بالنسبة للسكان الآخرين، وترابطهم المجتمعي، الذي يعزز استقرار المدينة ونسيجها الاجتماعي.

ربما تكون أكبر معضلة أخلاقية في اللعبة هي أن هؤلاء المدنيين الذين تقع حيواتهم أو مماتهم بين يديك يعرفونك شخصيًا ويثقون بك ويأتمنونك على أسرارهم، كونك تتقمص شخصية طبيب. وهكذا الحكومات في الواقع؛ سلمت الشعوب حيواتها لهم لحمايتها والحفاظ عليها، مقابل عملهم وضرائبهم، طيلة عمرهم.

وذلك النمط في التفكير يثير قلق وحفيظة الكثيرين، فإذا حكمنا اليوم على كبار السن، والمصابين بعدة أمراض مزمنة، فمن عليه الدور بعد ذلك؟ وها نحن نرى انتشار الفيروس وسط المهاجرين في أوروبا وتجاهل السلطات لهم، واضطرار بعضهم لمنحهم إقامة كي يتم معاملتهم معاملة آدمية كأمثالهم من مواطني القارة.

وذلك أيضًا ما تضعك اللعبة أمامه، فهي تفرض عليك اتخاذ قرارات صعبة كلاعب يمتلك قوى شبه مطلَقة ضد سكان المدينة طيلة الوقت

بالمدينة المنكوبة يقابل دكتور ريد عدة شخصيات تتمحور حولها أحداث اللعبة وعن طريق حواراته معهم يقرر مصيرهم، مثل طبيب رفيع الشأن ارتكب أخطاء جسيمة بحق مرضاه تحت تأثير المخدرات، أو مسعف مفلس يبتز بعض المرضى مقابل سرير بالمستشفى ليهرب من جحيم لندن، أو مريضة نفسية تعتقد أنها مصاصة دماء، ومريض آخر تشوَّه وجهه في الحرب وغير قادر على العيش بشكل طبيعي نتيجة لآلام جروحه وصدمته النفسية. هناك أيضًا الأب الذي كان يعمل لأوقات مطولة ليعيل أطفاله، ما يتسبب في حدوث جرح قطعي في يده، ليقع ضحية تناحر طبيبين بشأن طريقة علاجه بين الطرق التجريبية الجديدة أو الطرق التقليدية التي ربما ينتهي بها الحال لجعله قعيدًا. 

ويقابل ريد أيضًا الفتاة الرومانية الهاربة من بلدها الواقعة تحت رحى الصراعات العسكرية، لتقابل برفض المجتمع للمهاجرين، مما يضطرها للعمل الوحيد المتاح أمامها بالدعارة كي تصبح قادرة على تمويل رحلة أخيها الوحيد لإنجلترا، لينجو هو الآخر من ذلك الصراع الدائر ببلادهم.

الفتاة الرومانية

ونجد أيضًا جنديين سابقين، عادا من الحرب بعد حادثة مريعة، اضطرتهما للبقاء لأسابيع تحت أنقاض مبنى متهدم خلال الحرب، إلى أن أصيبا بفوبيا من الفئران والأماكن المغلقة، لتتطور علاقتهما لعلاقة عاطفية،  تضطرهم للعيش بقنوات الصرف الصحي تحت المستشفى التي يعمل بها دكتور ريد، للهروب من نظرات وأحكام مجتمع إنجلترا المحافظ وقتها.

الجندي السابق

هذه هي الخيارات التي تضعك أمامها «فامبير». تظهر لك كل أسرار مواطني لندن، والصعاب التي تواجههم، وتتركك لتحكم من يستحق الحياة ومن يستحق الموت، ولهذا تتعدد نهايات اللعبة حسب اختياراتك، 

 فالنهاية «الحقيقية» كما يسميها لاعبي الـ RPG أو النهاية الرسمية Cannon Ending التي يعترف بها المؤلف الأصلي للعبة] تحدث تبعًا لاختيار اللاعب لاحترام حياة وحقوق «كل» مواطني لندن، والحفاظ عليهم وعلاجهم، وعلى العكس فإن اختيار اللاعب لقتل المواطنين وترويعهم، والاستهانة بقيمة حياتهم، والعبث بترابط مجتمع لندن المنكوب وصحته العامة، تؤدي لنهايات مأساوية تصيب دكتور ريد، بداية من الجنون للتحول لوحش مخبول.

يمكننا بكل بساطة القول إن حكومات العالم في وضع يشبه ذلك الذي يوضع به لاعب «فامبير». فاللعبة تعطيك قوى أكبر من كل من شخصيات عالمها، وأنت وحدك من يرسم الخطوط الحمراء.

 إلا أنه في الواقع لا يجب أن نسمح للخوف من الوباء أن ينسينا من نحن، أو أن يتم إجبارنا على تجاوز الخطوط الحمراء، وهي في حالتنا تقع على كاهل كل من مواطني العالم وحكوماتهم على حد سواء، عن طريق اتباع الناس لتعليمات منظمة الصحة العالمية في النظافة الشخصية وتقليل الاختلاط بالغير بقدر الإمكان، وعلى صعيد الحكومات، فعليها احترام حياة شعوبها وحقهم في العلاج بغض النظر عن سنهم أو حالتهم الصحية الحالية.

ما تريد «فامبير» إيصاله هي أن ميكانيزمات اللعبة مطابقة لحد كبير للواقع. يمكنك تسمية تلك الإجراءات التعسفية التي اتخذتها بعض الدول بعدم علاج كبار السن ومن لديهم أمراض مزمنة بأي اسم: «إجراءات واقعية أو أن هؤلاء المرضى عبء على خزائن الدولة بالفعل، أو أنه لا يوجد أمل لهم، أو أن المرض عندما يصيب كبار السن فإنه بمثابة حكم إعدام، أو حتى أن تلك الإجراءات، على الرغم من قسوتها، إلا أنها في قمة العملية. «إلا أن تلك الميكانيزمات توصلك للنتيجة ذاتها: لا أحد لديه الحق في الحكم بأحقية الحياة لأي بَشري، وعلينا الإدراك مرة أخرى أن البدء بذلك له تأثير الدومينو. فاليوم نحكم على كبار السن وغدًا المسجونين بجرائم خطيرة، بعدها المهاجرين غير الشرعيين ثم الأقليات إلخفي تلك الحالة نفقد إنسانيتنا ونتحول بكل بساطة إلى ما حذرتنا «فامبير» منه: «مصاصو دماء».

اعلان
 
 
محمد عبد المحسن 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن