سابع مدى| بلدنا بالفصحى
قصة قصيرة
 
 
 
لوحة للفنان عمر مصطفى مستوحاة من أجواء القصة
 

كان يوم عادي في حياة مريم. مريم لسه تامة الخمسة وثلاثين، حياتها مستقرة، متجوزة وعندها ابن، وكل يوم بتروح شغلها في ماسبيرو اللي هي مابتحبوش قوي، بس برضو مابتكرهوش. مريم بتشتغل مذيعة أخبار في البرنامج العام، ومؤخرًا اترقِّت وبقت نائب رئيس قطاع الأخبار، مع إن سنها لسة صغير نسبيًا.

لكن اليوم ده خد منحى مختلف، ومن غير أي سبب واضح. مريم خلصت شغل ونزلت من مبنى الإذاعة والتليفزيون، واستلمت عربيتها من السايس. حاولت تاخد اليو تيرن جري على طريق المعادي قبل ما أتوبيسات الموظفين تتحرك وتقفل الطريق، بس ما لحقتش. قفلت الشبابيك وشغلت التكييف وضبطت الفلاشه على أغاني محمد منير وقدرت تفصل نفسها عن العالم حواليها.

وفي اللحظة دي فكرت: «أبويا ابن متناكة».

هزت مريم راسها بعنف عشان تطرد الخاطر الغريب ده اللي عمره ما كان جه على بالها قبل كده. علت المزيكا شوية، وضربت كلاكس لعربية فيرنا كسرت عليها من الشمال. بس الفكرة رجعت. ورجعت ومعاها صورة أبوها وهو على سرير الموت، ضعفان، جسمه هزيل، أنبوبة التغذية الصناعية في مناخيره.

«أيوة، أبويا ده كان ابن وسخة، أنا فرحت قوي لما أبويا مات».

لكن مريم مينفعش تكره أبوها. أبوها كان أطيب راجل في الدنيا. يمكن تقليدي شوية في تفكيره. بس أكيد أطيب من أمها بكتير. ده غير إنه مات من أكثر من خمس سنين.

مريم رفعت سماعة التليفون وطلبت جوزها، أحمد، وحاولت تركز تفكيرها كله على إن النهارده الخميس، وإنها كانت مخططة تودي ابنها عمر عند صاحبتها مها في التجمع يبات هناك مع ولادها، عشان هي وأحمد يعرفوا يسهروا سهرة حلوة لوحديهم، وطول الوقت الفكرة عماله تزعق في دماغها: «أبويا ابن شرموطة»، «أبويا ابن شرموطة».

2

وفي اللحظة اللي رد فيها أحمد، بعد محاولتين، كانت أعصابها بقت خلاص مشدودة على الآخر. كانت تقريبًا وصلت كوبري أكتوبر، بس طبعًا لسه هتقف كثير عند إشارة القصر العيني وبعديها إشارة المنيل. هتقول له إيه؟ موش مهم تقول حاجة، المهم تسمع صوته، ترتب معاه لـ بالليل . ولما رد، عملت حاجة ماعملتهاش من زمان، كلمته بالفصحى:

«يا مريم، إيه الأخبار؟ معلهش كان عندي ميتينج معرفتش أرد على طول».

ردت مريم بمسرحية، وبصوت حاولت تخليه على الأقل عشر طبقات أوطى من صوتها العادي: «ماذا قلت؟ ميتينج؟ خسئت يا رجل. حدثني بلغة أفهمها. إنكم أيها الفرنجة لوثتم البلد بآفة الانحطاط اللغوي».

أحمد ضحك ضحكة مقطومة وقال: «ياااه. ده زي أيام زمان. معلهش يا حبيبتي أنا موش فاضي أتكلم دلوقتي قوي، ممكن نتكلم كمان شوية؟».

مريم ردت بنفس الطريقة الحازمة: «تبًا لك يا رجل، تبًا لك ألف مرة. حسنًا إذن، سأتركك لشأنك. لكن لا تنسى أننا على موعد الليلة. سيكون حسابك عسيرًا إذا تأخرت كعادتك. ستصلى جهنم وبئس المصير».

أحمد قال في حرج: «… ما هو يا حبيبتي… طيب، حاضر، هحاول، هحاول والله… مانت عارفه إننا اليومين دول بنقفل السنة المالية… حاضر والله، أوعدك، باي باي، قصدي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته».

وقفل أحمد السكة من غير ما يستنى رد منها. مريم كانت عارفة ده معناه إيه. 

3

 مريم اتجوزت متأخر، لأسباب ليها علاقة بمرض أبوها أولًا، وتفانيها في شغلها ثانيًا، وكانت كل الناس بتستغرب إنها وصلت لمنصب نائب المدير في السن الصغير ده. مسألة الارتباط ما كانتش سهلة خالص على مريم، مع إن أحمد شاب هادئ بطبعه ومالهوش متطلبات كثير. الفترة الأولى بالذات ما كانتش سهلة خالص، الخروج من بيت الأهل ومن عوالمها المألوفة، وشهر العسل على المركب اللي طافت المدن الساحلية في المتوسط.

ساعتها المسألة بدأت، ظاهريًا كأنها لعبة، على الأقل أحمد كان فاكر كده، لكن مريم كانت محتاجة تعمل ده عشان تتغلب على توترها ومخاوفها. كانت كل ما أحمد يقرب منها عشان يناموا مع بعض، تبتدي تكلمه بالفصحى، باللغة اللي اتفوقت فيها على كل زميلاتها المذيعات، اللغة اللي كانت من البداية حليفتها في نجاحها المهني. ودلوقتي كمان وقفت جنبها كأنها صديقتها، موش زي العامية، العامية خذلتها، اللغة اللي هي المفروض أقرب لحياتها الشخصية، لكن هي خذلتها في التعبير عن مشاعرها الحقيقية.

فكانت تكلم أحمد بالفصحى، تقول له «هلّا أطفأت النور أولًا يا أحمد؟ ولما تلاقيه بينقَض عليها بغشم تقول له «اهدأ يا حبيبي، على مهل، لا تكن مندفعًا هكذا. قبلني القبلة على مهل ودعها تدوم ألف سنة». أحمد كان بيعتبر ده كله جزء من تمنعها، وحتى لما جرأتها زادت مع الوقت وابتدت تقول حاجات زي «إلثم فرجي» أو «أحب قضيبك عندما يلجني»، كان بيستمتع بالكلام على إنه لعبة جنسية بتزود من إثارة الموقف، حتى ساعات كانت بتحيي فيه روح الأفلام التاريخية، وساعات يتخيل نفسه محارب عربي سبى أميرة جميلة ونام معاها في الحال على إنها غنيمة من غنائمه. 

وبكده أصبح للفصحى معزة خاصة عند أحمد ومريم، وبتستدعي ذكريات أيامهم الأولى بالإضافة إنها ذكريات جنسية مثيرة. يمكن علشان كده أحمد متأخرش في الشغل اليوم ده بالذات، مع إن مريم توقعت العكس.

ويمكن عشان كده مريم قدرت تسيطر مؤقتًا على الأفكار السودة الغريبة اللي كانت بدأت تجيلها، وقدرت تنكب على تحضير سهرة لطيفة ليها ولجوزها. وفضلت الأفكار في خلفية دماغها متربصة، نص نايمة، لكنها ما تجرأتش تنقض مرة ثانية.

ليلتها، بعد ما هي وجوزها شربوا نبيذ مع بعض، واتفرجوا على فيلم أمريكاني لطيف، وبعدين أحمد قال لها «أريد أن أضاجعك يا امرأة»، وبصت هي لبتاعه الواقف لما قلع بنطلونه وضحكت من قلبها وقالت له المقولة الشهيرة «لو أدبرك بما يستقبلني به لعظم في عينك» وبعد ما ناموا مع بعض بحرارة كانوا مفتقدينها من شهور، وراحوا هما الاثنين في سابع نومة، ليلتها مريم حلمت بأبوها.

4

 ثاني يوم صحيت صدرها مقبوض. صحيت بإحساس اللى نسي يعمل حاجة مهمة، بس موش فاكر هي إيه.

أحمد كان نزل، وكان سايب لها رسالة بخط الإيد جنب السرير، بيقولها فيها إنه اضطر يروح الشغل يخلص حاجات، لأنه كان مشي بدري امبارح عشان يقضي الليلة معاها. بصت على تليفونها لقت الساعة بقت عشرة، وهي ما بتحبش تصحى متأخر. ومبتحبش كمان تسيب ابنها مع حد ثاني كثير، حتى لو الحد ده أعز صديقة ليها.

مع ذلك ضغطت على نفسها وقعدت تشرب قهوتها في البلكونة، طقسها المقدس كل يوم الصبح، قهوة وسيجارة. كانت بتسميها الربع ساعة بتاعتها. الشقة اللي هما قاعدين فيها شقة أهل أحمد، ورثها بعد ما ماتوا. شقة إيجار قديم في شارع الجولف. ليها بلكونة حلوة موصولة بأوضة النوم لكن باصَّة على شارع النادي اللي بقى زحمة قوي ومقرف. وليها شبه بلكونة تبع الصالون على شارع الجولف، يدوبك فيها مكان لكرسي تقعد عليه، بس الفيو منها مفتوح، على جنينة فيللا فيها شجرة بونسيانا كبيرة. للأسف حاليًا الفيللا دي بتتهد، وبيقولوا هيتبني مكانها عمارة.

وهي بتشرب القهوة افتكرت. افتكرت «أنا باكره أبويا» وافتكرت الحلم. حاولت تركز تفكيرها على الحلم، بس ما كانش فيه حاجة تفتكرها قوي، مجرد مشهد ضبابي هي قاعدة فيه مع أبوها، وأبوها لابس بدلة، مع إنه نادرًا ما كان بيلبس بدلة. فكرة إنها موش قادرة تفتكر التفاصيل خلتها تتضايق أكثر. بالفعل دي كانت أول مرة تحلم بأبوها من ساعة ما مات، حلم حلم موش كوابيس بتفتكره فيها في آخر أيامه لما المرض اشتد عليه وشفط جسمه خالص. فكرت إنه يمكن كان عاوز يقولها حاجة. موش هما بيقولوا إن الواحد لما بيشوف الميت في المنام، يبقى روحه زارته فعلا؟ وفكرت إذا كان فيه أي طريقة ممكن تحلم بيها نفس الحلم تاني، وتحاول تركز أكثر في اللي بيحصل فيه.

حاولت تلهي نفسها بإنها تفكر في برنامج النهارده، لازم تروح تجيب عمر وتوديه التمارين. السباحة الأول وبعدين الاسكواش. عمر. كانت هتعمل إيه من غيره؟ ساعات بتأنب نفسها إنها بتخاف عليه زيادة، وده ممكن يخليها تتعصب عليه كثير. الحياة بقت صعبة، نفسها الولد يطلع متأسس كويس. لكن نفسها تعرف تعمل ده كله بهدوء، زي أبوها، اللي كان دايمًا مبتسم مهما حصل، وفي أسوأ الحالات يهز كتافه ويقول «هنعمل إيه، الله غالب». هو ده الحاج حسين. تكرهه إزاي؟ مفيش حد بيكره أبوه.

مريم كانت بتحاول دايمًا تسيطر على أعصابها، وكتير كانت بتعرف تعمل ده، بس موش دايمًا. افتكرت ليلة امبارح وقد إيه كانت مبسوطة هي وأحمد. ضحكت لأن كل ده كان بسبب الفصحى.

5

من اللحظة دي ومريم ماعرفتش تبطل. ماعرفتش تبطل تتكلم فصحى. موش يوم أو يومين. ماعرفتش تبطل تتكلم فصحى لمدة سنة كاملة. 

مريم في صباحية اليوم ده حست إنها مسكت حاجة، أو تقريبًا مسكتها، حاجة مهمة قوي. وإنها لو بطلت تتكلم بالفصحى بعد كده كل حياتها هتنهار. كان طبيعي إنها تركز كل مجهودها على الموضوع ده. مريم ابتدت تتخيل حياة ثانية، حياتها في القاهرة زي ما هي، لكن كل الناس اللي فيها بيكلموا بعض بالفصحى. موش ده يبقى أحسن؟ اللغة الجميلة الراقية دي، اللي كل قواعدها واضحة ومعروفة ومفهاش فصال. التخيلات دي خلت مريم تحس بخفة وبهجة، وفورًا كانت الأفكار السودة عن أبوها بتختفي. بتختفي وترجع. بس مريم ماكنتش بتيأس، بالعكس. كانت بتضاعف من مجهودها.

لما يوميها مريم وصلت بيت صاحبتها مها، ماسلمتش على ابنها عمر زي عادتها بـ«أهلًا أهلًا أهلًا حبيب مامي»، لأ. مريم قالت:

«كيف حالك يا فتى؟ هل قضيت وقتًا ممتعًا مع أصدقائك ومع مها؟».

ولما لقت عمر ومها وولاد مها الاثنين بيبصُّلها باستغراب ضحكت وقالت: «حبيبي، يا حبيب والدتك، لا تنظر إليَّ هكذا. ألم أحدثك من قبل أن علينا أن نعمل على تقوية لغتك العربية الفصيحة؟».

وبصت لمها بصَّة جادة عشان تجاريها في الموضوع، أما الولاد الثانيين فابتسمت وقالتلهم: «وأنتم يا شطار، لنرى من منكم الأكثر تفوقًا في إجادة لغة آبائنا وأجدادنا».

ولأنه كان فاضل وقت على ميعاد التمارين، مريم ومها قعدوا يرغوا شوية. مها موش متعودة ترفض طلب لمريم، فقعدت تتكلم معاها بالفصحى لما مريم قالتلها إنهم لازم يبقوا قدوة للعيال، أو الحقيقة إن مها حاولت، ولما لقت مريم عمالة تصلحلها أخطاءها النحوية فضَّلت ما تتكلمش أصلًا، بس تهز راسها وتقول «نعم» أو «كلا» أو «حقًا؟ يا للغرابة» أو «معكِ حق يا عزيزتي». مريم قعدت تشتم كثير في البلد وحال البلد، وبعدين حكت لمها عن الحلم بتاع أبوها، لكن ماحكيتلهاش عن الأفكار المؤلمة اللي كانت بتجيلها. مها كمان كان رأيها إن الحلم ده أكيد له معنى، وإنه موش غريب ولا حاجة إنها تحاول تكرره. يمكن لو زارت القرافة ده يساعد، أو تزور أمها، أو قبل ما تنام على طول تتفرج على ألبومات صور قديمة لأبوها.

 

6

لوحة للفنان عمر مصطفى، مستوحاة من أجواء القصة

الشجاعة كانت بتخونها ساعات، بالذات في الأول. كانت بتقفش نفسها وهي بتقلل كلامها على قد ما تقدر عشان الإحراج، أو تدور على كلمات تمشي فصحى وعامية في نفس الوقت. «صباح الخير» دي مثلا، هو فرق صغير في التشكيل، لما بتقولها بسرعة ماحدش كان بياخد باله. و كان فيه حاجات كثير بتعدي، لأن الناس أصلًا موش مركزة. كان بتقول للسايس «هات لي السيارة» وما كانش بيعلق. أو تقول لعم أحمد البقال في شارع النادي «ليس معي فكة»، أو «أريد نصف كيلو جبنة رومي وعلبة حليب» ومايستغربش.

لما مريم النهارده بتفتكر الحاجات دي كلها، بتفتكر كل حاجة بدأت إزاي، بتقول لنفسها يمكن الموضوع ماكانش طوِّل قوي كده لو كانت الناس استغربت أكثر.

لكن اللي حصل كان العكس. مديرها -اللي كان غايب معظم الوقت- قعد معاها مرة بالضبط، بعد ما زمايلها اشتكوا. بالذات لأنها كانت بتدير اجتماعاتها بالفصحى وتعنِّف أي حد يغلط في النحو وهو بيتكلم. مديرها شجعها على اللي هي كانت بتعمله. واتفق معاها تمامًا إن «ولادنا» مابقوش يتعلموا فصحى صح. وإن الجيل الجديد بيفهم إنجليزي أحسن من الفصحى. وقال لها «برافو»، بطريقته زي دايمًا، كان بيسرح شوية، بعدين يبصلها وبيربش جامد ويقول «برافو، برافو يا مريم». وشرب قهوته وقال إنه عنده مشوار مهم، فمشي.

وأحمد؟ أحمد كمان ماعترضش. أحمد نادرًا لما كان بيعترض على حاجة مريم بتطلبها منه. ده غير إنه أصلًا تقريبًا ما كانش بيتكلم. حتى لما الفصحى فقدت دورها الأصلي كمنشط جنسي بينهم، ما كانش بيعترض. وصحباتها الثانيين؟ وأمها؟

ما كانش فيه حد بيعترض. حتى الأمهات الثانيين في النادي، إللي هم مابيتكلموش غير في إن دي متخانقة مع جوزها ودي لبست إيه في الفرح امبارح، حتى دول، بقوا يتكلموا معاها بالفصحى، ويقولولها معكِ حق، هذا أفضل بكثير من الفرجة – أعني مشاهدة، سوري، آسفة – قناة براعم. أو هذا أفضل بكثير من الدروس الخصوصية.

الوحيدة اللي ماكنتش مبسوطة، برغم كل جهودها، هي مريم.

7

الصفحات الفائتة هي شهادة مريم النحاس عن حالتها، كما كتبتها بتشجيع مني، باللغة العامية تحديدًا. طلبتُ من مريم أن تكتب عن نفسها وكأنها تكتب عن شخص آخر، وهي تقنية استخدمها أحيانًا وتساعدني على فهم ما يدور بداخلي، خصوصًا في أوقات الأزمات.

مريم راسلتني على فيسبوك، بعد تجارب غير مجدية مع أطباء مختلفين، وكان تشخيص حالتها وسواس قهري مقرون باكتئاب، ثم محاولات للتدخل بعقاقير عدة لم تفض إلى شفاء تام. ذهبت مريم للأطباء بإرادتها هي، فلم يكن لأحد من أصدقائها أو أقربائها أن يطلب منها ذلك أو يشجعها عليه، بل كانوا كلهم على قناعة بأن المسألة بسيطة، وهتعدي.

كان بيني وبين مريم أصدقاء مشتركين على فيسبوك، ولم نكن قد التقينا من قبل. لا أعرف إلى اليوم لِمَ وقع اختيارها عليَّ تحديدًا، فأنا لست طبيبًا نفسيًا، وإن كان لي تجربة شخصية مع وساوس مختلفة وفترات اكتئاب لم أستحِ من مشاركتها علنًا على فيسبوك. أنا صحفي، وأديب، وشاعر أغاني، ولست أفصح الأدباء على الإطلاق، بل على العكس: من بين ثلاث روايات نشرتها كتبت واحدة بالعامية من أولها لآخرها، وقد عرفت بشكل عام بمواقفي الحادة دفاعًا عن العامية كلغة تصلح للكتابة. جائز أيضًا، أن أكون لفتُّ انتباه مريم بقصيدة نشرتها مؤخرًا، وقبل أن تصلني رسالتها بأيام قليلة، قلت فيها الآتي:

ثاني عرفت

أزحم دماغي بحاجات كثير

عندي ميعاد!

ومشاوير!

المهم مافكرش

أفكر في إيه ماعرفش

أصلًا نسيتك من زمان

أصلًا نسيتك وإن كان

لسه صداكي أكيد موجود

في شكل علامة استفهام

من غير سؤال

من غير ردود

على أي حال: لم أتخيل في أبدًا أنني سأمارس في يوم من الأيام ما يمكن تسميته «علاجًا بالعامية». 

قررت أن أجاري مريم في البداية في هوسها، بل وقلت لها إنني من الآن فصاعدًا سأكثر من استخدام الفصحى في تعاملاتي اليومية، فهذا يتوافق تمامًا مع قناعاتي. ثم خضت معارك ضارية لإقناعها بكتابة قصتها -فأنا أعرف المفعول الشافي للكتابة- وكتابتها بالعامية أيضًا. وعندما اتهمتني بالانحياز للعامية قلت لها أن المسألة ليست في تفضيل الواحدة على الأخرى لأي سبب كان، بل بالعكس: أنا أرى الحل الأمثل في وجودهما بالتوازي، وفي تساويهما الكامل في الحقوق والواجبات. كتبت لها، يا مريم: لستُ من سعداء الحظ الذين حظوا بتعليم خاص أو أجنبي. لكنني أعتبر نفسي أتقن لغتين، حديثًا وكتابة، هما العامية والفصحى. فلِمَ أحِدُ من كل هذا الثراء وأقصر الفصحى على الكتابة ونشرات الأخبار والمسلسلات التاريخية، والعامية على كل ما عدا ذلك؟

وأخيرًا شرحت لمريم كيف أتعامل أنا بشكل شخصي مع مسألة اللغة. فأنا لا أختار أبدًا اللغة التي أكتب بها نصوصي بشكل واعي. لكنني أحاول أن ألتزم بما يخرج مني عفويًا. لذلك حدث أنني كتبت رسائل إلى جهات حكومية بالعامية، ومقالات بحثية، عن الصراع العربي الاسرائيلي مثلًا، وفي المقابل كنت أجد نفسي أحيانًا أرسل إس إم إس بالفصحى لأصدقائي أدعوهم فيها للسهر عندي وشرب البيرة حتى الصباح. وعند هذه النقطة كان عليَّ مرة أخرى أن أمدح محاولاتها لتحويل الفصحى إلى لغة مخاطبة شفاهية يومية، وأن أؤكد على أنني لو لم أحذو حذوها، على الأقل بين الحين والآخر، فإن ذلك يعني أنني شخص لا يلتزم بمبادئه حتى النهاية. 

فاجأتني الصراحة التي كتبت بها مريم شهادتها. خاصة كلامها عن حياتها الجنسية. حتى أنني للحظة من اللحظات ارتبت في القصة برمتها، وتوجست فيها حيلة متقنة من إحدى المعجبات للتقرب مني. لكن إن كانت كذلك، فهي حيلة متقنة بالفعل. بل وتستحق أن أجاريها ولو لفترة.

تحدثت مع مريم، عبر فيسبوك، كثيرًا عن أبيها. نصحتها أن تتوقف عن محاولة استدعائه إلى أحلامها. الأفضل أن تراسله، كما تراسلني أنا الآن.

كتبت هي: «لكنه لن يستطيع الرد».

فقلت لها أن رده ليس مهمًا، وأن باستطاعتها أن تكتبه بالنيابة عنه، فآباؤنا، عندما يموتون، يتحولون لشخصيات خيالية في أدمغتنا، ويكون من حقنا إعادة خلقهم من جديد، وإعادة صياغة علاقتنا بهم، وكأنهم شخصيات في نصوص أدبية.

سألتني حينها: «وأنا؟ هل أتحول يومًا ما إلى شخصية خيالية داخل أحد نصوصك؟».

قلت بعد تردد: «وهل يروق لك ذلك؟». 

ردت: «لا أعرف. أعترف أنني فكرت في الأمر كثيرًا. لكنني لم أتمكن من الوصول إلى إجابة».

فقلت أنا: «أعتقد أن مريم العائشة داخل النص قد تجد مساحات حرية افتقدتها مريم الحقيقية. لن أتمكن من الذهاب بعيدًا طبعًا: فلن أستطع تغيير تفاصيل البيئة المحيطة، أي خلق بلد غير البلد التي نعيش فيها، فانتازيا يعني، فأنا لا أحب ذلك النوع من الأدب. لكن هناك شيء يمكنني أن أفعله بالتأكيد. يمكنني أن أجعل المحادثات بين الشخصيات في النص كلها بالفصحى… ».

*القصة من مجموعته القصصية «15 م2 سعادة» (2018)، صادرة عن دار صفصافة.

اعلان
 
 
محمود توفيق 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن