العدوى الاجتماعية

  مقال مترجم عن الإنجليزية، يمكن قراءة النص الأصلي هُنا، وننشر هذا المقال، بعد نشر موقع «الهامش» الزميل لترجمة أخرى.

الفُرن

تشتهر مدينة ووهان كواحدة من «الأفران الأربعة» بالعامية في الصين، وذلك لصيفها الرطب الحار الذي يشترك فيه تشونجتشينج ونانجينج وهناك تناوب بين مدينتي نانتشانج أو تشانجشا، وهي جميعًا من بين المدن الصاخبة ذات التاريخ الطويل على طول أو بالقرب من وادي نهر اليانجتسي. ومن بين المدن الأربع، تتسم ووهان أيضًا بأفران حرفية: تعمل المُجمعات الحضرية الضخمة كمركز لصناعة الفولاذ والخرسانة وغيرها من الصناعات الإنشائية في الصين. وتظهر في فضاء المدينة أفران التبريد البطيء لمسابك الحديد والصلب التي كانت تملكها الدولة، والتي ابتُليت في الوقت الراهن بالإفراط في الإنتاج وأُجبرت على الدخول في جولة جديدة مثيرة للجدل من تقليص الحجم والخصخصة وإعادة الهيكلة، ما أدى إلى العديد من الإضرابات والاحتجاجات الكبيرة في السنوات الخمس الماضيات. المدينة هي في الأساس عاصمة البناء في الصين، ما يعني أنها لعبت دورًا مهمًا بشكل خاص في الفترة التي أعقبت الأزمة الاقتصادية العالمية، إذ كان النمو الصيني مدعومًا بتوجيه أموال الاستثمار إلى البنية التحتية والمشروعات العقارية في تلك السنوات. لم تواكب ووهان هذا التوجه فحسب، من خلال زيادة المعروض من مواد البناء والمهندسين المدنيين، بل شهدت كذلك ازدهارًا عقاريًا. وفقًا لحساباتنا الخاصة، في 2018-2019، كانت المساحة الإجمالية المخصصة لمواقع البناء في ووهان تعادل حجم جزيرة هونج كونج.

ولكن يبدو أن هذا الفرن الذي كان يقود الاقتصاد الصيني في فترة ما بعد الأزمة، بدأ يبرد مثل أفران مسابك الحديد والصلب. على الرغم من أن هذه العملية كانت قد بدأت بالفعل، إلا أن الاستعارة لم تعد اقتصادية ببساطة، حيث أُغلقت المدينة التي كانت تعج بالحركة لأكثر من شهر، وأصبحت شوارعها خالية بتفويض من الحكومة: «أعظم مساهمة يمكنك تقديمها هي: عدم التجمع، وعدم إثارة الفوضى»، هذا ما جاء في مانشيت صحيفة «جوانجمينج ديلي»، التي تديرها إدارة الدعاية بالحزب الشيوعي الصيني. الآن، أصبحت شوارع ووهان الواسعة والمباني الفولاذية والزجاجية المتلألئة التي تتوجها باردة وجوفاء، حيث يتراجع الشتاء خلال السنة القمرية الجديدة، تزامنًا مع ركود المدينة تحت قيود الحجر الصحي واسع النطاق. إن العزل الذاتي هو النصيحة المُثلى لأي شخص في الصين، إذ أدى تفشي فيروس كورونا المُستجد (الذي أُعيد تسميته مؤخرًا باسم «سارس كو في-2»، وأُطلق على مرضه اسم «كوفيد 19») إلى موت أكثر من ألفي شخص -أكثر من سلفه، وباء سارس عام 2003. أُغلقت البلاد بأكملها، كما حدث خلال سارس. المدارس مغلقة، والناس محاصرون في منازلهم على الصعيد الوطني. توقفت جميع الأنشطة الاقتصادية تقريبًا في عطلة رأس السنة القمرية في 25 يناير الماضي، ولكن جرى تمديد فترة الإغلاق لمدة شهر للحد من انتشار الوباء. يبدو أن أفران الصين قد توقفت عن الاحتراق، أو على الأقل تحوّلت إلى فحم يتوهج ببطء. بطريقة ما، على الرغم من ذلك، أصبحت المدينة نوعًا آخر من الأفران، إذ انتشر فيروس كورونا بين عدد سكان الصين الضخم مثل حمى مُستعرة.

جرى إلقاء تفشي الفيروس بشكل غير صحيح على كل شيء من الإطلاق التآمري و/ أو العرضي لسلالة فيروس من معهد ووهان للفيروسات -وهو ادعاء مريب نشرته وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة عبر منشورات هونج كونج وتايوان على فيسبوك، ولكنه يُعزى الآن من جانب المنافذ الصحفية المُحافظة وأصحاب المصالح العسكرية في الغرب– إلى ميل الصينيين لاستهلاك أنواع «قذرة» أو «غريبة» من الطعام، لأن تفشي الفيروس مرتبط إما بالخفافيش أو الثعابين التي تُباع في «أسواق لحوم» غير قانونية متخصصة في بيع لحوم الحيوانات البرية وغيرها من الحيوانات النادرة (على الرغم من أن هذا لم يكن السبب النهائي). كلا الفكرتين الرئيسيين تظهران النزعة العدائية والاستشراقية الشائعة في التقارير عن الصين، وقد أشار عدد من المقالات إلى هذه الحقيقة. لكن حتى هذه الإجابات تميل إلى التركيز فقط على الأسئلة المتعلقة بكيفية النظر إلى الفيروس في المجال الثقافي، ما يقضي وقتًا أقل بكثير في البحث عن الديناميكيات الأكثر وحشية التي يخفيها الجنون الإعلامي.

هناك متغير أكثر تعقيدًا، يمكننا من خلاله فهم العواقب الاقتصادية، حتى في ظل المبالغة عن التداعيات السياسية المُحتملة للتأثير الخطابي الناجم عن تفشي الفيروس. هنا نجد المشتبه بهم المعتادين، بدءًا من السياسيين التقليديين من صقور الحرب، الذين يرغبون في قتل التنين الصيني إلى الليبراليين المحافظين: لقد أشارت منافذهم الإعلامية؛ من مجلة «ناشيونال ريفيو» إلى «نيويورك تايمز» بالفعل إلى أن التفشي قد يؤدي إلى وقوع الحزب الشيوعي الصيني في «أزمة شرعية»، على الرغم من حقيقة أنه لا يوجد أي مؤشر على انتفاضة ضده. لكن نواة الحقيقة لهذه التنبؤات تكمن في فهم الأبعاد الاقتصادية للحجر الصحي -وهو أمر لا يمكن أن يفوت الصحفيين الذين يمتلكون أسهمًا ضخمة في البورصة. لأن الحقيقة هي أنه على الرغم من دعوة الحكومة للعزل الذاتي، فقد يضطر الناس قريبًا إلى «التجمع» لتلبية احتياجات الإنتاج. ووفقًا لأحدث التقديرات الأولية، سيؤدي الوباء بالفعل إلى تباطؤ الناتج المحلي الإجمالي للصين إلى 5% هذا العام، وهو أقل من معدل النمو المتدهور بالفعل، والذي بلغ 6% في العام الماضي، وهو الأدنى للنمو منذ ثلاثة عقود. وقال بعض المحللين إن نمو الربع الأول من العام الجاري قد ينخفض ​​بنسبة 4% أو أقل، وأن هذا قد يؤدي إلى حدوث نوع من الركود العالمي. لقد طُرح سؤال كان من المستحيل التفكير فيه سابقًا: ما الذي سيحدث بالفعل للاقتصاد العالمي عندما يبدأ الفرن الصيني في البرودة؟

داخل الصين نفسها، يصعب التكهن بالمسار النهائي لما يحدث الآن، لكن اللحظة الراهن أسهمت بالفعل في عملية جماعية نادرة من الرغبة في المعرفة والتساؤل عن طبيعة المجتمع. لقد أصاب الوباء بشكل مباشر ما يقرب من 80 ألف شخص (في أكثر التقديرات تحفظًا)، كما أربك الحياة اليومية رأسمالية الطابع، لنحو 1.4 مليار شخص، أصبحوا مُحاصرين داخل لحظة من لحظات التأمل الذاتي المؤقت. ورغم أن الخوف كان يسود تلك اللحظة، إلا أنها دفعت الجميع إلى طرح بعض الأسئلة العميقة في وقت واحد: ماذا سيحدث لي؟ ولأطفالي وعائلتي وأصدقائي؟ هل سيكون لدينا ما يكفي من الطعام؟ هل سأحصل على نقود؟ هل سأستطيع سداد الإيجار؟ من المسؤول عن كل هذا؟ بطريقة غريبة، فإن هذه التجربة الذاتية تشبه إلى حد ما إضرابًا جماعيًا. لكنها تجربة غير عفوية، ومفروضة من أعلى إلى أسفل، وتتسم بالتشظي اللاإرادي، ما يعني أنها قادرة على حل ألغاز سياستنا الخانقة، التي تجلت بوضوح أثناء الإضرابات الجماهيرية الفعلية خلال القرن السابق، وأظهرت تناقضات تلك الحقبة. الحجر الصحي، إذًا، هو بمثابة إضراب يخلو من ميزات مجتمعية، لكنه قادر على إحداث صدمة عميقة لكل من الذات الفردية والاقتصاد. هذه الحقيقة وحدها تجعله تجربة تستحق التأمل.

بطبيعة الحال، لا تعدو التكهنات بشأن السقوط الوشيك لحزب الشيوعي الصيني كونها مجرد هراء، وهي أحد الموضوعات المفضلة في منافذ إعلامية مثل «ذا نيويوركر»، و«ذي إكومنيست». في هذه الأثناء، يجري تنفيذ بروتوكولات قمع وسائل الإعلام العادية، حيث يُتصدى للمقالات العنصرية المنشورة علنًا في وسائل إعلام تقليدية بعدد من المقالات الفكرية على شبكة الإنترنت، والتي تجادل ضد الاستشراق وجوانب إيديولوجية أخرى. ولكن تبقى هذه المناقشة بالكامل تقريبًا على مستوى تخيلي، أو في أحسن الأحوال، بشأن سياسة الاحتواء والعواقب الاقتصادية للوباء -دون الخوض في أسئلة حول كيفية إنتاج مثل هذه الأمراض في المقام الأول، والحد من انتشارها. حتى هذا لا يكفي. ليست اللحظة الراهنة مناسبة للأطروحات الماركسية التي تميط اللثام عن وجه الشرير، لكي نكتشف أن الرأسمالية هي التي تسببت في ظهور الفيروسات التاجية طوال الوقت! لن يختلف هذا عن لهفة المعلقين الأجانب على تغيير النظام في الصين. بالطبع الرأسمالية مذنبة -ولكن كيف، على وجه الدقة- يتفاعل المجال الاجتماعي الاقتصادي مع البيولوجيا، وما هي الدروس التي يمكن استخلاصها من التجربة بأكملها؟

بهذا المعنى، فإن تفشي الفيروس يقدم فرصتين للتأمّل: أولًا، إنه يُعد فرصة لمراجعة أسئلة جوهرية حول كيفية ارتباط الإنتاج الرأسمالي بالعالم غير البشري على مستوى أكثر جوهرية. وكيف لن نتمكن من فهم «العالم الطبيعي»، وخصوصًا الميكروبيولوجي، دون الرجوع إلى كيفية تنظيم المجتمع للإنتاج (لأن الاثنين لا ينفصلان في الواقع). في الوقت نفسه، هذا تذكير بأن الشيوعية الحقيقية هي التي تتضمن إمكانية التعامل وفق رؤية سياسية شاملة مع الطبيعة. ثانيًا، يمكننا أيضًا استخدام هذه اللحظة من العزلة للتفكير في الحالة الراهنة للمجتمع الصيني. تتضح بعض الأمور فقط عندما تتوقف الأشياء على نحو غير متوقع، ولا يمكن أن يساعد تباطؤ من هذا النوع إلا في إظهار التوترات المحجوبة سابقًا. سنكتشف أدناه كلا هذين السؤالين، لنوضح فقط كيف ينتج التراكم الرأسمالي مثل هذه الأوبئة، وكيف أن لحظة الوباء هي في حد ذاتها مثال متناقض للأزمة السياسية، التي تكشف عن الإمكانات غير المرئية ومدى اعتماد دول العالم على بعضها البعض، كما تقدم تبريرًا إضافيًا لاستمرار الأنظمة الشمولية في التحكم بشكل أكبر في الحياة اليومية.

إنتاج الأوبئة

كان الفيروس الكامن وراء الوباء الحالي «سارس- كو في-2»، مثل سابقه في عام 2003، بالإضافة إلى H5N1 المعروف بـ «إنفلونزا الطيور» وH1N1 المعروف بـ «إنفلونزا الخنازير» قبله، نتيجة العلاقة بين الاقتصاد وعلم الأوبئة. ليس من قبيل المصادفة أن العديد من هذه الفيروسات أخذت أسماء الحيوانات: إن انتشار الأمراض الجديدة بين البشر دائمًا ما يكون نتاجًا لما يسمى النقل الحيواني، وهي طريقة فنية للقول بإن هذه العدوى تقفز من الحيوانات إلى البشر. هذه القفزة مشروطة بأشياء مثل القرب وانتظام الاتصال، وكلها تبني البيئة التي يؤدي إلى تطور المرض. عندما يتغيّر هذا التفاعل بين البشر والحيوانات، فإنه يغيّر أيضًا الظروف التي تتطور فيها هذه الأمراض. تحت الأفران الأربعة، إذًا، يوجد فرن أكثر أهمية، يقوم على المحاور الصناعية في العالم، ويعمل على تطور الزراعة الرأسمالية والنزعة الحضرية، كما يوفر الوسيلة المثالية التي تولد من خلالها الأوبئة المدمرة أكثر من أي وقت مضى، ويساعدها في التحوّل والتطور السريع، ثم التفشي بين السُكّان. يُضاف إلى ذلك عمليات مكثفة مماثلة تحدث على هامش الاقتصاد، حيث تواجه سلالات الحيوانات البرية محاولات التوسع البشري لأهداف اقتصادية زراعية في النُظم البيئية المحلية. ويشير انتشار فيروس كورونا المفاجئ في بؤرة كثيفة الصناعة والتمدن، إلى أننا دخلنا حقبة جديدة من الأوبئة التي تصنعها السياسة والاقتصاد.

جرى تطوير الفكرة الأساسية التي أطرحها هنا من جانب علماء البيولوجيا اليساريين من أمثال روبرت ج. والاس، الذي يربط كتابه الصادر عام 2016 «المزارع الكبيرة تصنع إنفلونزا كبيرة»، بين الأعمال التجارية الرأسمالية الزراعية ومسببات الأوبئة الحديثة التي تتراوح من سارس إلى إيبولا. [i] يمكن تقسيم هذه الأوبئة بشكل فضفاض إلى فئتين، تنشأ الأولى في القلب من الإنتاج الاقتصاد الزراعي، والثانية في المناطق النائية. في تتبع انتشار الفيروس المعروف باسم إنفلونزا الطيور، يلخص ولاس العديد من العوامل الجغرافية الرئيسية لتلك الأوبئة التي تنشأ في قلب عملية الإنتاج:

تتميز الطبيعة الريفية في العديد من أفقر البلدان الآن بالأعمال الزراعية غير المنظمة التي تضغط على المناطق الفقيرة حول المدن. ضاعف انتقال البشر غير الخاضع للرقابة إلى المناطق المعرضة للتنوع الجيني من قدرة فيروس إنفلونزا الطيور على تطوير خصائص تساعد على انتقاله للبشر. وفي انتشاره عبر ثلاث قارات، اتصل فيروس إنفلونزا الطيور سريع التطور أيضًا بمجموعة متنوعة من البيئات الاجتماعية والاقتصادية، من بينها أنواع مختلفة من العائل الوسيط، بسبب مزارع الدواجن وتدابير العناية بصحة الحيوان.[ii]

كان هذا التفشي للوباء مدفوعًا بالطبع بحركة السلع عالميًا والهجرات المنتظمة للعمالة، التي تميز الجغرافيا الاقتصادية الرأسمالية. والنتيجة هي «نوع من الانتقاء الديموجرافي المتصاعد»، الذي يمنح الفيروس عددًا أكبر من المسارات التطورية في وقت أقصر، ما يمكّن المتغيرات الأكثر ملائمة من التفوق على غيرها.

من السهل إثارة هذه القضية، وهي شائعة بالفعل في الصحافة: حقيقة أن العولمة تساعد على انتشار هذه الأمراض على نحو أسرع، وإن كنت أؤكد هنا على ملاحظة إضافية عن أن عملية تداول السلع عالميًا تعمل كذلك على تحفيز الفيروس وتسهم في تحوله بسرعة أكبر. ومع ذلك، فإن السؤال الحقيقي أتي في وقت سابق: قبل تداول السلع الذي يعزز مرونة هذه الأمراض، أسهم منطق رأس المال في نقل سلالات فيروسية كانت معزولة أو غير ضارة سابقًا ووضعها في بيئات شديدة التنافسية، ما أدى إلى ظهور الأوبئة، مثل دورات الحياة الفيروسية السريعة، والقدرة على القفز من العائل الوسيط إلى البشر، والقدرة على تطوير ناقلات جديدة بسرعة. تميل هذه السلالات إلى التميز على وجه التحديد بسبب ضراوتها. من حيث القيمة المطلقة، يبدو أن تطوير سلالات أكثر ضراوة سيكون له تأثيرًا معاكسًا، لأن قتل المُضيِف في وقت أسرع، لا يمنح الفيروس الوقت الكافي للانتشار. تعد نزلات البرد مثالًا جيدًا على هذا المبدأ، لأنها تحافظ بشكل عام على مستويات منخفضة من الضراوة، ما يسهل انتشارها على نطاق واسع بين البشر. ولكن في بيئات معينة، يكون المنطق المعاكس أكثر منطقية: عندما يكون للفيروس العديد من العوائل الوسيطة، ذات دورات الحياة القصيرة، تصبح الضراوة ميزة تطورية.

مرة أخرى، يُعتبر مثال إنفلونزا الطيور مهمًا. يشير والاس إلى أن الدراسات أظهرت «عدم وجود سلالات شديدة الإمراض [من الإنفلونزا] في مجموعات الطيور البرية، والتي تُعد المصدر الأساسي لجميع الأنواع الفرعية للإنفلونزا تقريبًا» [iii]. ولكن يبدو أن حشد أعداد كبيرة من الطيور في المزارع هو سبب تفشي تلك الأوبئة، والأسباب واضحة:

يؤدي التطور الوراثي للحيوانات الأليفة إلى إضعاف قدرتها المناعية التي تعمل على إبطاء انتقال الفيروسات. وتسهم أحجام الحيوانات وكثافتها في زيادة معدلات الانتقال. يقلّل الزحام من الاستجابة المناعية، كما توفر الإنتاجية العالية، وهي جزء من أي إنتاج صناعي، موارد لا تنضب من أجل تطور الفيروسات. [iv]

وبطبيعة الحال، تعتبر كافة هذه الخصائص ثمرة لمنطق المنافسة الصناعية. وعلى وجه التحديد، فإن المعدل السريع «للإنتاجية» في مثل هذه السياقات له بُعد بيولوجي صارخ: «تُذبح الحيوانات في المزارع بمجرد أن تصل للحجم المناسب. وبالتالي، يجب أن تُصاب الحيوانات بالإنفلونزا بسرعة. وكلما زادت سرعة إنتاج الفيروسات، كلما زاد الضرر الذي يلحق بالحيوان». [v] ومن المثير للسخرية، أن محاولات التخلص من الفيروس عن طريق الذبح الجماعي للحيوانات -كما حدث مؤخرًا في حالات حمى الخنازير الإفريقية التي أسفرت عن فقدان ما يقرب من ربع إمدادات لحم الخنزير في العالم– ربما تتسبب على نحو غير مقصود في زيادة ضغط الانتقاء الطبيعي، ما يؤدي إلى تطور سلالات فيروسية شديدة الضراوة. على الرغم من حدوث مثل هذه التفشي الواسع للفيروسات تاريخيًا في الأنواع المستأنسة، غالبًا ما تلى فترات الحروب أو الكوارث البيئية التي تؤثر سلبًا في الثروة الحيوانية، إلا أن الزيادة في شدة وانتشار هذه الأمراض قد ظهرت دون شك عقب انتشار الإنتاج الرأسمالي.

التاريخ والمسببات المرضية

يُمكن اعتبار الأوبئة ظلًا للتصنيع الرأسمالي، كما أنها بمثابة نذير يحذرنا من عواقبه. إن الحالات الواضحة من الجدري والأوبئة الأخرى التي جرى إدخالها إلى أمريكا الشمالية بسيطة للغاية كمثال، إذ زادت ضراوتها نتيجة فصل السُكّان على المدى الطويل من خلال الجغرافيا الطبيعية -وقد اكتسبت هذه الأمراض ضراوة بالفعل عبر الشبكات التجارية الرأسمالية والتحضر المبكر في آسيا وأوروبا. وإذا نظرنا إلى إنجلترا، حيث نشأت الرأسمالية أولًا في الريف من خلال الإخلاء الجماعي للأراضي من الفلاحين، واستبدالهم بتربية نوع واحد من الثروة الحيوانية، فإننا نرى أقدم الأمثلة على هذه الأوبئة الرأسمالية المتمايزة. تفشت ثلاثة أوبئة مختلفة في إنجلترا في القرن الثامن عشر، امتدت من 1709-1720 و1742-1760 و1768-1786. كان أصل كل منها ماشية مستوردة من أوروبا، مُصابة بالأوبئة العادية قبل الرأسمالية، والتي كانت تظهر عقب الحروب. ولكن في إنجلترا، بدأت الماشية تتركز بطرق جديدة، وبالتالي فإن إدخال المخزون المُصاب سوف ينتشر بين السكان بشكل أقوى مما كان عليه في أوروبا. ليس من قبيل المصادفة إذًا أن يتمركز تفشي الأوبئة في مصانع الألبان الكبيرة في لندن، والتي توفر بيئات مثالية لتطور الفيروسات.

في نهاية المطاف، تمّ احتواء كل حالة من حالات التفشي من خلال عمليات ذبح انتقائية على نطاق ضيق، مصحوبة بتطبيق بعض الممارسات الطبية والعلمية الحديثة -تشبه في جوهرها طريقة القضاء على مثل هذه الأوبئة في الوقت الراهن. هذا هو المثال الأول لما يمكن أن يصبح نمطًا واضحًا، يحاكي نمط الأزمة الاقتصادية نفسها: انهيارات أكثر شدة من أي وقت مضى يبدو أنها تضع النظام بأكمله على حافة الهاوية، ولكن يجري التغلب عليها في نهاية المطاف من خلال مجموعة من التضحيات الجماعية التي تؤدي إلى تطهير الأسواق/ السُكّان، وتكثيف التقدم التكنولوجي -في هذه الحالة الممارسات الطبية الحديثة بالإضافة إلى اللقاحات الجديدة، غالبًا ما تصل في وقت متأخر جدًا، ولكنها مع ذلك تساعد في رفع المخلفات في أعقاب الدمار.

لكن هذا المثال من الدولة التي نشأت فيها الرأسمالية يجب أن يقترن أيضًا بتفسير الآثار التي خلفتها الممارسات الزراعية الرأسمالية في محيطها. في حين تمّ احتواء وباء الماشية في إنجلترا الرأسمالية، كانت النتائج في أماكن أخرى أكثر تدميرًا. ربما يكون المثال ذو التأثير التاريخي الأكبر هو تفشي مرض الطاعون البقري في إفريقيا الذي حدث في تسعينيات القرن التاسع عشر. التاريخ نفسه ليس من قبيل المصادفة: لقد تفشى طاعون البقر في أوروبا بكثافة، عقب انتشار الزراعة على نطاق واسع، ولم تنجح السيطرة عليه إلا بتقدم العلوم الحديثة. لكن أواخر القرن التاسع عشر شهدت ذروة الإمبريالية الأوروبية، التي تجسدت في استعمار إفريقيا. لقد وصل الطاعون البقري من أوروبا إلى شرق إفريقيا مع الإيطاليين، الذين كانوا يسعون إلى اللحاق بالقوى الإمبريالية الأخرى عن طريق احتلال منطقة القرن الإفريقي عبر سلسلة من الحملات العسكرية. انتهت هذه الحملات في الغالب بالفشل، ولكن المرض انتشر بعد ذلك بين الماشية الأصلية ووجد طريقه في نهاية المطاف إلى «جنوب إفريقيا»، حيث دمر الاقتصاد الزراعي الرأسمالي المبكر للمستعمرة، حتى أنه تسبب في مقتل قطعان الماشية في الدولة العنصرية التي تجادل بتفوق الرجل الأبيض. لا يمكن إنكار هذا التأثير التاريخي الأكبر: قتل ما يتراوح بين 80 و90% من جميع الماشية في إفريقيا. ولقد أدى الطاعون إلى مجاعة غير مسبوقة في المجتمعات التي يغلب عليها الطابع الرعوي في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وكانت النتيجة هي حالات هجرة إلى منطقة السافانا، ما أدى إلى ظهور ذبابة «تسي تسي» التي تحمل مرض النوم وتمنع رعي الماشية. وضمن ذلك أن تكون محاولات إعادة إعمار المنطقة بعد المجاعة محدودة، وهو ما مكّن القوى الاستعمارية الأوروبية من الانتشار في جميع أنحاء القارة.

بصرف النظر عن إثارة الأزمات الزراعية بشكل دوري وإنتاج الظروف المروعة التي ساعدت الرأسمالية على تجاوز حدودها، فإن هذه الأوبئة تطارد البروليتاريا في قلب العالم الصناعي نفسه. قبل العودة إلى العديد من الأمثلة الأحدث، تجدر الإشارة مرة أخرى إلى أنه لا يوجد ببساطة شيء صيني فريد حول تفشي فيروس كورونا. التفسيرات لسبب ظهور الكثير من الأوبئة في الصين ليست ثقافية، إنها مسألة جغرافية اقتصادية. ويتضح هذا تمامًا إذا ما قارنا الصين بالولايات المتحدة أو أوروبا عندما كانت الأخيرة محورًا للإنتاج العالمي والعمالة الصناعية الضخمة. [vi]والنتيجة متطابقة بشكل كبير، ولها نفس السمات. لقد كان سبب نفوق الماشية في الريف هو الممارسات الصحية السيئة والتلوث واسع الانتشار في المدن. أصبح هذا بؤرة الجهود الليبرالية التقدمية المبكرة للإصلاح في مناطق الطبقة العاملة، التي يجسدها استقبال رواية «الغابة» لأبتون سنكلير التي كُتبت في الأصل لتوثيق معاناة العمال المهاجرين في صناعة تعبئة اللحوم، ولكنها أثارت قلق الليبراليين الأغنياء إزاء الانتهاكات الصحية والظروف غير الصحية بشكل عام التي يُنتج فيها طعامهم.

لا يزال هذا الغضب الليبرالي على «عدم النظافة»، بكل ما ينطوي عليه من عنصرية ضمنية، يحدد ما قد نفكر فيه على أنه إيديولوجية تلقائية لمعظم الناس عند مواجهة الأبعاد السياسية لفيروس كورونا أو وباء سارس. لكن العمال ليس لديهم سيطرة تذكر على ظروف عملهم. الأهم من ذلك، في حين أن الظروف غير الصحية تتسرب من المصانع، من خلال تلوث الإمدادات الغذائية، فإن هذا التلوث هو في الحقيقة مجرد نقطة في بحر. مثل هذه الظروف هي الواقع الذي يحيط بمَن يعملون في هذه المصانع أو يعيشون في مستوطنات بروليتارية قريبة. وتؤدي هذه الظروف إلى انخفاض في مستوى الصحة، ما يوفر ظروفًا أفضل لانتشار أوبئة الرأسمالية العديدة. على سبيل المثال، هناك الإنفلونزا الإسبانية، واحدة من أكثر الأوبئة فتكًا في التاريخ. كانت هذه واحدة من أقدم حالات تفشي إنفلونزا H1N1 (ذات الصلة بتفشي طور جديد من إنفلونزا الخنازير وإنفلونزا الطيور)، وكان من المفترض منذ فترة طويلة أنها تختلف نوعًا ما عن الأنواع الأخرى من الإنفلونزا، نظرًا لارتفاع عدد الوفيات. على الرغم من أن هذا يبدو صحيحًا جزئيًا (بسبب قدرة الإنفلونزا على إحداث رد فعل مبالغ فيه لجهاز المناعة)، إلا أن المراجعات اللاحقة للأدبيات وبحوث علم الأوبئة التاريخية وجدت أنها ربما لم تكن أكثر ضراوة من سلالات أخرى. وربما كان سبب ارتفاع معدل الوفيات في المقام الأول هو انتشار سوء التغذية على نطاق واسع، والاكتظاظ الحضري، وظروف المعيشة غير الصحية بشكل عام في المناطق المتضررة، ما أسهم في انتشار الإنفلونزا، فضلًا عن توطن العدوى البكتيرية مع الفيروس الأساسي. [vii]

وبعبارة أخرى، فإن عدد القتلى من الإنفلونزا الإسبانية، على الرغم من تصويره على أنه انحراف غير متوقع في طبيعة الفيروس، تضاعف بسبب الظروف الاجتماعية. وفي الوقت نفسه، انتشرت الإنفلونزا سريعًا من خلال التجارة العالمية والحرب العالمية، وتركز الانتشار في ذلك الوقت حول الإمبرياليات التي نجت من الحرب العالمية الأولى. ونجد في الوقت الراهن قصة مألوفة عن كيفية إنتاج هذه السلالة القاتلة من الإنفلونزا في المقام الأول: على الرغم من أن الأصل الدقيق لا يزال غامضًا إلى حد ما، إلا أنه يُفترض الآن على نطاق واسع أنه نشأ في الخنازير أو الدواجن المستأنسة، على الأرجح في ولاية كانساس الأمريكية. الوقت والمكان يثيران الاهتمام، لأن السنوات التي تلت الحرب شهدت نقطة تحوّل كبيرة في الزراعة الأمريكية، إذا استُخدمت أساليب الإنتاج الميكانيكية على نحو متزايد وعلى نطاق واسع. نمت هذه الاتجاهات بشكل مكثف فقط خلال عشرينيات القرن العشرين، وتسبب التطبيق الشامل للتكنولوجيات مثل استخدام آلات الحصاد في احتكار تدريجي وكارثة بيئية، نتج عنهما أزمة عواصف الغبار الشديدة والهجرة الجماعية التي تلت ذلك. لم يكن التركيز المكثف للماشية الذي سيميز المزارع الصناعية في وقت لاحق قد ظهر بعد، ولكن الأشكال الأساسية للتركيز والإنتاج المكثف التي تسببت بالفعل في انتشار أوبئة الماشية في جميع أنحاء أوروبا هي القاعدة في الوقت الراهن. إذا كانت أوبئة الماشية الإنجليزية في القرن الثامن عشر هي أول حالة لوباء الماشية الرأسمالي بشكل واضح، واندلاع طاعون الماشية في إفريقيا في تسعينيات القرن التاسع عشر، وهو أكبر الكوارث الوبائية للإمبريالية، يمكن عندئذٍ فهم الإنفلونزا الإسبانية على أنها أول وباء رأسمالي يداهم البروليتاريا.

العصر المُذهب

إن أوجه التشابه مع الحالة الصينية الحالية شديدة الوضوح. لا يمكن فهم تفشي «كوفيد 19» دون مراعاة الطُرق التي شكّلت نظام الرعاية الصحية والأوضاع الصحية بشكل عام في الصين، على مدى العقود القليلة المنصرمة، داخل النظام الرأسمالي العالمي وعبره. وبالتالي، فإن الوباء، مهما كان حديثًا، يشبه أزمات الصحة العامة الأخرى التي سبقته، والتي تحدث بنفس وتيرة الأزمات الاقتصادية تقريبًا، ويُنظر إليها بطُرق مماثلة في الصحافة الشعبية -كما لو كانت عشوائية، ولا يمكن التنبؤ بها تمامًا وتحدث على نحو غير مسبوق. لكن الحقيقة هي أن هذه الأزمات الصحية تتكرر على نحو فوضوي ودوري خاص بها، كما أنها أصبحت أكثر احتمالية من خلال سلسلة من التناقضات الهيكلية في طبيعة الإنتاج والحياة البروليتارية في ظل الرأسمالية. وعلى غرار حالة الإنفلونزا الإسبانية، كان فيروس كورونا قادرًا في الأساس على الانتشار بسرعة بسبب تدهور الخدمات الصحية الأساسية بشكل عام. ولكن لأن هذا التدهور حدث في خضم النمو الاقتصادي المذهل، فقد تمّ حجبه وراء روعة المدن البراقة والمصانع الضخمة. ومع ذلك، فإن الحقيقة هي أن الإنفاق على الخدمات العامة مثل الرعاية الصحية والتعليم في الصين لا يزال منخفضًا للغاية، في حين تمّ توجيه معظم الإنفاق العام نحو البنية التحتية الخراسانية: الجسور والطُرق والكهرباء الرخيصة لخدمة عمليات الإنتاج.

وفي الوقت نفسه، غالبًا ما كانت جودة منتجات السوق المحلية رديئة بشكل خطير. على مدى عقود، أنتجت الصناعة الصينية صادرات عالية الجودة وذات قيمة عالية، وفقًا لأعلى معايير السوق العالمية، مثل أجهزة آيفون وشرائح الكمبيوتر. لكن السلع التي طُرحت في السوق المحلية لها معايير مختلفة، ما تسبب في فضائح مستمرة تسببت في انعدام ثقة العامة. تتضمن عدة حالات أصداء لا يمكن إنكارها لرواية «الغابة»، وحكايات أخرى عن العصر المُذهب في الولايات المتحدة الأمريكية [في الفترة من 1877 إلى 1900]. أكبر حالة في الذاكرة الحديثة هي فضيحة حليب الميلامين عام 2008، والتي خلفت عشرات القتلى وعشرات الآلاف في المستشفيات (على الرغم من أن مئات الآلاف قد تضرروا). منذ ذلك الحين، هزت عدة فضائح الرأي العام على نحو منتظم: في عام 2011 اكتُشف إعادة استخدام «زيت الميزاب» المُعاد تدويره من مصائد الشحوم في المطاعم في جميع أنحاء البلاد، وفي 2018 قتلت اللقاحات الخاطئة العديد من الأطفال، ثم بعد ذلك بعام واحد دخل العشرات إلى المستشفى عقب إعطاء لقاحات مزيفة لفيروس الورم الحليمي البشري. هناك المزيد من القصص الأخف وطأة والأكثر انتشارًا، على نحو يوفر خلفية مألوفة لأي شخص يعيش في الصين: حساء فوري ممتزج بالصابون لخفض التكاليف، رجال أعمال يبيعون الخنازير التي ماتت لأسباب غامضة لسُكّان القرى المجاورة، أحاديث عن المتاجر الصغيرة التي ربما تسبب تفاصيلها الغثيان.

قبل دمج الدولة تدريجيًا في النظام الرأسمالي العالمي، قُدمت خدمات مثل الرعاية الصحية في الصين ذات مرة (إلى حد كبير في المدن) في إطار نظام دانوي [نظام الرعاية الاجتماعية والحضرية الذي قدمه الحزب الشيوعي الحاكم] من المزايا القائمة على المشروعات (والتي كان أغلبها في الريف)، وتقديم الرعاية الصحية مجانًا في عيادات يعمل فيها «أطباء غير مؤهلين». كانت نجاحات الرعاية الصحية في الحقبة الاشتراكية، مثل نجاحاتها في مجال التعليم الأساسي ومحو الأمية، واضحة لدرجة اعتراف أقسى منتقدي البلاد بها. تمّ القضاء على حُمى الحلزون، التي ابتليت بها البلاد لقرون، والتي عادت مرة أخرى بمجرد بدء تفكيك نظام الرعاية الصحية الاشتراكي. انخفض معدل وفيات الرضع، وعلى الرغم من المجاعة، تحققت قفزة كبيرة في معدلات متوسط ​​العُمر المتوقع من 45 إلى 68 سنة بين 1950 وأوائل الثمانينيات. انتشر التحصين والرعاية الصحية العامة على نطاق واسع، وكانت المعلومات الأساسية عن التغذية والصحة العامة، فضلًا عن الحصول على الأدوية البدائية، مجانية ومُتاحة للجميع. وفي الوقت نفسه، ساعد نظام الأطباء غير المؤهلين على نشر المعرفة الطبية الأساسية، وإن كانت محدودة، لجزء كبير من السكان، ما ساعد على بناء نظام رعاية صحية قوي من أسفل إلى أعلى في ظروف الفقر المادي الشديد. من الجدير بالذكر أن كل هذا حدث في وقت كان فيه متوسط دخل الفرد في الصين أقل من نظيره في بلدان جنوب الصحراء الإفريقية في الوقت الراهن.

منذ ذلك الحين، أدى مزيج من الإهمال والخصخصة إلى تدهور كبير في هذا النظام، في نفس الوقت الذي جعل فيه التحضر السريع والإنتاج الصناعي غير المنظم للسلع المنزلية والمواد الغذائية بحاجة إلى رعاية صحية واسعة النطاق، ناهيك عن أنظمة الغذاء والدواء والسلامة، كلما كان ذلك ضروريًا. اليوم، يبلغ الإنفاق العام للصين على الصحة 323 دولارًا أمريكيًا للفرد، وفقًا لأرقام منظمة الصحة العالمية. هذا الرقم منخفض حتى بين الدول الأخرى «ذات الدخل المتوسط ​​الأعلى»، وهو نصف ما تنفقه البرازيل وبيلاروسيا وبلغاريا. اللوائح المنظمة للممارسات الطبية قليلة أو غير موجودة، ما أدى إلى فضائح عديدة من النوع المذكور أعلاه. وفي الوقت نفسه، يتأثر مئات الملايين من العمال النازحين بقوة، نتيجة تبعات هذا الوضع الذي يحرمهم من أي حق في الحصول على الرعاية الصحية الأساسية عندما يغادرون مسقط رأسهم في الريف (في ظل نظام هوكو، يُعتبر العامل مقيمًا في مسقط رأسه بشكل دائم، وبغض النظر عن موقعه الفعلي، ما يعني عدم قدرته على الحصول على الموارد العامة في أي مكان آخر داخل الصين).

ظاهريًا، كان من المفترض أن تُستبدل الرعاية الصحية العامة في أواخر التسعينيات بنظام أكثر خصخصة (وإن أشرفت الدولة على إدارته) حيث سيوفر مزيجًا من مساهمات صاحب العمل والموظف في الرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية والتأمين على السكن. لكن مخطط التأمين الاجتماعي هذا عانى من نقص حاسم في الموارد، بسبب تجاهل المساهمات «المطلوبة» من جانب أرباب العمل، تاركًا الغالبية العظمى من العمال هي التي تدفع مساهماتها. ووفقًا لأحدث التقديرات الوطنية المُتاحة، فإن 22 بالمائة فقط من العمال المهاجرين لديهم تأمين طبي أساسي. ومع ذلك، فإن الافتقار إلى المساهمات في نظام التأمين الاجتماعي ليس مجرد فعل مديرين وأصحاب عمل فاسدين بشكل فردي، ولكن ينظر إليه من خلال حقيقة أن هوامش الربح الضئيلة لا تترك مجالًا للمزايا الاجتماعية. في حساباتنا الخاصة، وجدنا أن محاولة تحصيل التأمين الاجتماعي غير المدفوع في مركز صناعي مثل «دونجوان» سيخفض الأرباح الصناعية إلى النصف ويدفع العديد من الشركات إلى الإفلاس. لتعويض الثغرات الهائلة، وضعت الصين مخططًا طبيًا تكميليًا لتغطية احتياجات المتقاعدين والعاملين لحسابهم الخاص، والذي يتطلب فقط دفع بضع مئات من اليوان للفرد سنويًا في المتوسط.

ينتج هذا النظام الطبي المحاصر توترات اجتماعية مرعبة. يُقتل العديد من الأطقم الطبية كل عام، ويُصاب العشرات بجروح في الهجمات التي يشنّها المرضى الغاضبون، وفي كثير من الأحيان أفراد أُسر المرضى الذين يموتون. وقع أحدث هجوم في ليلة عيد الميلاد، عندما طُعن طبيب في بكين حتى الموت على يد ابن مريضة يعتقد أن والدته توفيت بسبب سوء الرعاية في المستشفى. وجدت دراسة استقصائية للأطباء أن نسبة مذهلة بلغت 85% منهم تعرّضت للعنف في مكان العمل. وأشارت دراسة أخرى عام 2015، أن 13% من الأطباء في الصين تعرّضوا لاعتداء جسدي في العام السابق. يعالج الأطباء الصينيون أربعة أضعاف عدد المرضى سنويًا مقارنة بالأطباء الأمريكيين، بينما يتقاضون أقل من 15000 دولار أمريكي سنويًا -على سبيل المثال، هذا أقل من دخل الفرد (16760 دولارًا أمريكيًا)، بينما في الولايات المتحدة متوسط ​​راتب الطبيب (حوالي 300.000 دولار أمريكي) هو خمسة أضعاف دخل الفرد تقريبًا (60200 دولار أمريكي). قبل إغلاقها في عام 2016 والقبض على منشئيها، سجل مشروع المدونة الإلكترونية «لو يويو» و«لي تينغيو»، المتوقفتين عن العمل في الوقت الراهن، عددًا من الإضرابات والاحتجاجات كل شهر على الأقل من جانب العاملين في المجال الطبي. [viii]في عام 2015، وهو العام الأخير الذي عرضت فيه المدونتان بيانات جُمعت بدقة، كان هناك 43 احتجاجًا. كما سجلا عشرات «الاحتجاجات من أجل العلاج» شهريًا، بقيادة أفراد أسر المرضى، والتي بلغت 368 حالة في 2015.

في ظل هذه الظروف من التصفية العامة الضخمة لنظام الرعاية الصحية، ليس من المستغرب أن يتفشى «كوفيد 19» بسهولة. وإلى جانب حقيقة أن الأمراض المعدية الجديدة تظهر في الصين بمعدل مرة واحدة كل عام إلى عامين، تبدو الظروف مُهيأة لاستمرار مثل هذه الأوبئة. وكما كان الحال في الإنفلونزا الإسبانية، ساعد تردي أوضاع الصحة العامة بشكل عام بين البروليتاريا الفيروس على التفشي بسرعة. ولكن، مرة أخرى، لا تقتصر المسألة على انتشار الفيروس فقط، بل علينا أن نفهم أيضًا كيف أُنتج.

لا توجد برية

في حالات تفشي المرض في الآونة الأخيرة، كانت القصة أقل وضوحًا من حالات إنفلونزا الخنازير أو الطيور، والتي ارتبطت ارتباطًا واضحًا بنواة النظام الزراعي الصناعي. من ناحية، لم تتضح الأصول الدقيقة للفيروس بشكل كامل بعد. ربما يكون قد نشأ داخل الخنازير، وهي واحدة من العديد من الحيوانات المستأنسة والبرية التي تُباع في سوق ووهان للحوم، والذي يبدو أنه مركز تفشي المرض، وفي هذه الحالة قد يكون السبب أكثر تشابهًا مع الحالات المذكورة أعلاه، ما لم يظهر خلاف ذلك. ومع ذلك، يبدو أن الاحتمالات الأكبر تشير إلى أن الفيروس نشأ داخل الخفافيش أو ربما ثعابين، واللذين يجري اصطيادهما من البرية عادة. فمنذ الانخفاض في توافر وسلامة لحم الخنزير بسبب تفشي حمى الخنازير الإفريقية، أصبحت تلبية الطلب المتزايد على اللحوم تجري في أسواق اللحوم التي تبيع لحوم الطرائد «البرية». ولكن بدون الاتصال المباشر بالزراعة الصناعية، هل يمكن القول إن بيع اللحم على هذا النحو كان سببًا في هذا التفشي بالتحديد؟

الجواب نعم، ولكن بطريقة مختلفة. مرة أخرى، يشير والاس إلى مسارين رئيسيين، وليس مسارًا واحدًا، تساعد الرأسمالية من خلالهما على تفشي الأوبئة الفتاكة وإطلاق العنان لها: أولهما، الموضح أعلاه، هو الحالة الصناعية المباشرة، حيث يتم نقل الفيروسات داخل البيئات الصناعية التي تُدمج بالكامل داخل المنطق الرأسمالي. لكن الحالة الثانية هي الحالة غير المباشرة، التي تتم عن طريق التوسع الرأسمالي في المناطق النائية، حيث يجري التقاط فيروسات غير معروفة سابقًا بشكل أساسي من التجمعات البرية وتوزيعها على طول دوائر رأس المال العالمية. كلاهما ليسا منفصلين تمامًا بالطبع، ولكن يبدو أن الحالة الثانية هي أفضل وصف لظهور الوباء الحالي. [ix]في هذه الحالة، يساهم الطلب المتزايد على أجسام الحيوانات البرية للاستهلاك والاستخدام الطبي، أو (كما في حالة الإبل ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية «ميرس») مجموعة متنوعة من الوظائف ذات الأهمية الثقافية في بناء سلاسل سلع عالمية جديدة، تعتمد على الحيوانات «البرية». في حالات أخرى، تمتد سلاسل القيمة الزراعية الإيكولوجية الموجودة مُسبقًا إلى المجالات «البرية» السابقة، وتغيّر الإيكولوجيات المحلية، ما يغيّر طبيعة التفاعل البشري وغير البشري.

كان والاس واضحًا في هذا الأمر، وأوضح العديد من الديناميكيات التي تخلق أمراضًا أسوأ على الرغم من وجود الفيروسات نفسها في البيئات «الطبيعية». إن التوسع في الإنتاج الصناعي نفسه «قد يدفع نحو الاستثمار في الأطعمة البرية على نحو متزايد، والبحث عنها في أبعد المناطق البرية، ما يجتذب مجموعة متنوعة من مسببات الأمراض التي قد تتحوّل إلى جائحة». وبعبارة أخرى، كلما تراكم رأس المال، كلما احتاج إلى مناطق جديدة. سيؤدي هذا إلى دفع الحيوانات إلى مناطق أبعد، حيث يمكن أن تتعرض لسلالات الأمراض المعزولة. يحدث هذا في الوقت الذي أصبحت فيه هذه الحيوانات نفسها أهدافًا للتسويق حيث «حتى أن أكثر الأنواع البرية ضآلة، تصبح جزءًا من سلاسل القيمة». وبالمثل، يدفع هذا التوسع البشر أقرب إلى هذه الحيوانات وهذه البيئات، والتي «قد تزيد من التفاعل (والانتشار) بين الحيوانات البرية وسُكّان المناطق الريفية الحديثة». وهذا يمنح الفيروس المزيد من الفُرص والموارد للتحول بطريقة تسمح له بإصابة البشر، ما يزيد من احتمال الانتشار البيولوجي. الجغرافيا الصناعية نفسها، سواء حضرية أو ريفية، ليست خالية تمامًا من الفيروسات على أي حال، تمامًا مثلما تستفيد الزراعة الصناعية الاحتكارية من المزارع الكبيرة والصغيرة: «في المزارع الصغيرة القريبة من حافة الغابة، قد يأكل حيوان ما طعامًا موبوءًا قبل أن يُشحن إلى مصنع معالجة في ضواحي مدينة كبيرة».

والحقيقة هي أن المجال «الطبيعي»، بالكامل، قد أُدرج بالفعل في النظام الرأسمالي العالمي، الذي تمكن من تغيير الظروف المناخية الأساسية وتدمير العديد من النُظم البيئية ما قبل الرأسمالية[x] وما تبقى منها لم يعد يعمل كما في السابق. هنا يكمن عامل مسبب آخر، لأنه، وفقا لوالاس، فإن جميع عمليات الدمار البيئي هذه تقلّل من «نوع التعقيد البيئي الذي تستخدمه الغابة في تعطيل انتقال الفيروسات من كائن لآخر». وبالتالي، من الخطأ أن نعتقد أن هذه المناطق هي «المحيط» الطبيعي للنظام الرأسمالي. الرأسمالية عالمية بالفعل، وهي تتراكم بالفعل. لم يعد لها حافة أو حدود يخرج عنها المجال الطبيعي غير الرأسمالي، وبالتالي لا توجد فُرص حقيقية للتنمية لدى الدول «المتخلفة» في محاولتها للحاق بالدول المتقدمة التي سبقتها في سلسلة القيمة، ولم يعد هناك كذلك أي «برية» يمكن الحفاظ عليها في حالة نقية لم يمسها شيء. من جهة أخرى، يحتوي النظام الرأسمالي فقط على منطقة داخلية ثانوية، وهي نفسها مدرجة بالكامل ضمن سلاسل القيمة العالمية. إن الأنظمة الاجتماعية التي أنتجها الرأسمالية -من «القبلية» المفترضة إلى تجديد الأديان الأصولية المُعادية للحداثة- هي منتجات معاصرة كليًا، وغالبًا ما ترتبط فعليًا بالأسواق العالمية، وغالبًا بشكل مباشر. ويمكن قول الشيء نفسه عن النُظم البيولوجية الإيكولوجية الناتجة عن الرأسمالية، حيث أن المناطق «البرية» هي بالفعل في صميم هذا الاقتصاد العالمي، سواء بالمعنى المُجرد بالاعتماد على المناخ والنُظم الإيكولوجية المرتبطة به، أو بالمعنى المباشر للاندماج في سلاسل القيمة العالمية نفسها.

وتنتج هذه الحقيقة الظروف اللازمة لتحويل السلالات الفيروسية «البرية» إلى أوبئة عالمية. لكن «كوفيد-19» يُعتبر بالكاد أسوأها. يمكن العثور على توضيح مثالي للمبدأ الأساسي -والخطر العالمي- بدلاً من ذلك في إيبولا. فيروس إيبولا[xi] هو حالة واضحة لمخزون فيروسي موجود بالفعل ويتفشى بين البشر. تشير الدلائل الحالية إلى أن مضيفاتها الأصلية هي عدة أنواع من الخفافيش المحلية في غرب ووسط إفريقيا، والتي تعمل كحاضن للفيروس، ولكنها لا تتأثر به. لا ينطبق الأمر نفسه على الثدييات البرية الأخرى، مثل الرئيسيات التي تُصاب بالفيروس بشكل دوري وتعاني من تفشيه بشكل سريع وقاتل. دورة حياة إيبولا عدوانية بشكل خاص خارج الحاضن. من خلال الاتصال بأي عائل من الحيوانات البرية، يمكن أن يُصاب البشر أيضًا، ونتائج الإصابة كارثية. حدثت العديد من الحالات الكبيرة لتفشي الأوبئة، وكان معدل الوفيات مرتفعًا للغاية، دائمًا ما يزيد عن 50%. شهدت أكبر حالة تفشي مسجلة، والتي استمرت بشكل متقطع من عام 2013 إلى عام 2016 عبر العديد من دول غرب إفريقيا، 11000 حالة وفاة. كان معدل الوفيات بين المرضى الذين دخلوا المستشفى يتراوح من 57 إلى 59%، في حين ارتفعت النسبة بين مَن لم يتمكنوا من الوصول إلى المستشفيات. في السنوات الأخيرة، تمّ تطوير العديد من اللقاحات من قِبل الشركات الخاصة، لكن آليات الموافقة البطيئة وحقوق الملكية الفكرية الصارمة اقترنتا بالافتقار واسع النطاق إلى البنية التحتية الصحية، ما تسبب في عدم قدرة أحدث اللقاحات على وقف انتشار الوباء. وتمركز التفشي في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ويعتبر في الوقت الراهن أطول حالة من حالات تفشي الأوبئة.

غالبًا ما يُقدم المرض كما لو كان كارثة طبيعية -في أفضل الأحوال يُعتبر عشوائيًا، في أسوأ الأحوال يُعزى إلى الممارسات الثقافية «غير النظيفة» للفقراء الذين يعيشون في الغابات. لكن توقيت موجتَي تفشي الوباء الرئيسيتين (من 2013 إلى 2016 في غرب إفريقيا ومن 2018 حتى الآن في جمهورية الكونغو الديمقراطية) ليس من قبيل الصدفة. وقد حدث كلاهما على وجه التحديد عندما أدى توسع الصناعات الأولية إلى زيادة تشريد الأشخاص الذين يعيشون في الغابات وتعطيل النُظم البيئية المحلية. في الواقع، يبدو هذا صحيحًا وينطبق على حالات أخرى، لأنه، كما يشرح والاس، «يبدو أن كل تفشي لفيروس إيبولا مرتبط بالتحولات المدفوعة برأس المال في استخدام الأراضي، ومن بينها التفشي الأول في نزرا، جنوبي السودان في عام 1976، حيث جرى افتتاح مصنع نسيج بتمويل بريطاني لنسج القطن المحلي». بالمثل، حدثت حالة تفشي للوباء عام 2013 في غينيا فور أن بدأت الحكومة الجديدة فتح البلاد للأسواق العالمية وبيع مساحات كبيرة من الأراضي لتكتلات الأعمال الزراعية الدولية. يبدو أن صناعة زيت النخيل، التي تشتهر بدورها في إزالة الغابات والتدمير الإيكولوجي في جميع أنحاء العالم، هي السبب الرئيسي، لأن زراعة صنف واحد يدمر التنوع الإيكولوجي القوي الذي يساعد في عرقلة نقل الفيروسات، وفي نفس الوقت يجذب حرفيًا بعض أنواع الخفافيش التي تعمل كحاضن طبيعي للفيروس. [xii]

وفي الوقت نفسه، يستلزم بيع مساحات كبيرة من الأراضي لشركات الزراعة في الغابات نزع ملكية السُكّان المحليين الذين يعيشون في الغابات وتعطيل أشكال الإنتاج والحصاد المحلية التي تعتمد على النُظم الإيكولوجية. وكثيرًا ما لا يترك ذلك لفقراء الريف خيارًا سوى الزحف نحو أعماق الغابة، بعد أن انتهت علاقتهم التقليدية بهذا النظام البيئي. والنتيجة هي أن البقاء على قيد الحياة يعتمد بشكل متزايد على صيد الحيوانات البرية أو حصاد النباتات والأخشاب المحلية للبيع في الأسواق العالمية. ومن ثم يصبح هؤلاء السُكّان بمثابة أهداف لسخط المنظمات البيئية العالمية، الذين ينتقدونهم على أنهم «يصطادون على نحو غير شرعي» و«يقطعون الأشجار على نحو غير قانوني»، ويُتهمون بإزالة الغابات والتدمير الإيكولوجي، على الرغم من أنهم ضحاياه في المقام الأول. غالبًا ما تأخذ العملية منعطفًا أكثر قتامة، كما هو الحال في جواتيمالا، حيث تمّ تحويل المجموعات شبه العسكرية المناهضة للشيوعية المتبقية من الحرب الأهلية في البلاد إلى قوات أمن «خضراء»، مكلفة بمهمة «حماية» الغابة من قطع الأشجار والصيد غير القانوني وتجارة المخدرات. لقد كانت تلك هي التجارة الوحيدة المُتاحة لسُكّانها الأصليين -ولقد دُفعوا إلى مثل هذه الأنشطة بسبب القمع العنيف الذي واجهوه على يد القوات شبه العسكرية خلال الحرب. [xiii] لقد استُنسخ هذا النمط في أغلب بلدان العالم، ويُحتفل على مواقع التواصل الاجتماعي في البلدان ذات الدخل المرتفع بإعدام «الصيادين غير الشرعيين» (غالبًا ما يتمّ تصويرهم حرفيًا) من قِبل قوات الأمن التي يفترض أنها «خضراء».[xiv]

احتواء الأزمات كممارسة في إدارة الدول

حصل «كوفيد-19» على اهتمام عالمي غير مسبوق. وبطبيعة الحال، كان هناك جنون إعلامي مصاحب لإيبولا وإنفلونزا الطيور وسارس. لكن هذا الوباء الجديد أدى إلى اهتمام من نوع مختلف. يرجع ذلك جزئيًا إلى رد فعل الحكومة الصينية واسع النطاق، والذي شمل على إغلاق وإخلاء المدن، ما رسم صورة مذهلة عن المدن الكبرى على نحو يتناقض مع الصورة الإعلامية العادية للصين على أنها مكتظة وشديدة التلوث. كانت هذه الاستجابة أيضًا مصدرًا للتكهنات العادية حول الانهيار السياسي أو الاقتصادي الوشيك للبلاد، خصوصًا في ظل التوترات المستمرة للحرب التجارية المبكرة مع الولايات المتحدة. اقترن هذا بالانتشار السريع للفيروس، ما أعطاه طابع التهديد العالمي الفوري، على الرغم من انخفاض معدل الوفيات الناجمة عنه. [xv]

ولكن على مستوى أعمق، فإن الأمر الذي يبدو أكثر إثارة للإعجاب بشأن استجابة الدولة هو طريقة هذه الاستجابة التي بدت، عبر وسائل الإعلام، كنوع من «البروفة» للتعبئة العامة من أجل قمع تمرد محلي. ويعطيننا هذا فكرة حقيقية عن القدرة القمعية للدولة الصينية. ولكنه يؤكد أيضًا على العجز الأعمق لتلك الدولة، والذي كشفته حاجتها إلى الاعتماد بشدة على مجموعة من إجراءات الدعاية الشاملة التي نُشرت عبر كافة وسائل الإعلام والرغبة في تعبئة السكان المحليين دون الحاجة لأي التزام مادي للامتثال. أكدت كل من الدعاية الصينية والغربية على القدرة القمعية الحقيقية للحجر الصحي، حيث تعتبره الصين نموذجًا للتدخل الحكومي الفعّال في حالة الطوارئ، في حين يراه الغرب حالة أخرى من حالات التجاوز الشمولي من جانب الدولة الصينية البائسة. ومع ذلك، فإن الحقيقة غير المعلنة هي أن حملة القمع العدوانية تشير إلى عجز كبير داخل الدولة الصينية، التي تُعتبر قيد الإنشاء لا تزال.

يُطلعنا هذا على طبيعة الدولة الصينية، ويوضح كيف أنها تطور تقنيات جديدة ومبتكرة للتحكم الاجتماعي والاستجابة للأزمات، والتي يمكن استخدامها حتى في الظروف التي تكون فيها آليات الدولة الأساسية قليلة أو غير موجودة. وفي الوقت نفسه، تقدم هذه الظروف صورة أكثر إثارة للاهتمام (وأكثر إثارة للتأمّل) لكيفية استجابة الطبقة الحاكمة في بلد معين عندما تتسبب أزمة واسعة النطاق وحالة تمرد في حدوث انهيار مماثل، حتى في أقوى الدول. يرجع السبب في سرعة انتشار الفيروس إلى الصلات الضعيفة بين مستويات الحكومة: قمع الأطباء «المُبلِغين عن المخالفات» من قِبل المسؤولين المحليين يتعارض مع مصالح الحكومة المركزية، وآليات الإبلاغ عن المستشفيات غير الفعالة وتقديم الرعاية الصحية الأساسية السيئة للغاية هي مجرد أمثلة قليلة. وفي الوقت نفسه، عادت الحكومات المحلية المختلفة إلى طبيعتها في خطوات مختلفة، خارجة تمامًا عن سيطرة الدولة المركزية (باستثناء هوبى، مركز التفشي). في وقت كتابة هذا التقرير، ليس من الواضح تقريبًا أي الموانئ تعمل، وما هي المواقع التي عادت تعمل وتنتج. لكن هذا الحجر الصحي يعني أن شبكات النقل اللوجستي من مدينة إلى أخرى لا تزال معطلة، إذ يبدو أن أي حكومة محلية قادرة على منع القطارات أو شاحنات الشحن من المرور عبر حدودها. وبسبب عجزها الكبير، أُجبرت الحكومة الصينية على التعامل مع الفيروس كما لو كان تمردًا، وشنّت حربًا أهلية ضد عدو غير مرئي.

بدأت آلية الدولة الوطنية في الواقع يوم 22 يناير الماضي، عندما قامت السلطات بتحديث تدابير الاستجابة الطارئة في كافة أنحاء مقاطعة هوبي، وأخبرت العامة بأن لديها السلطة القانونية لإنشاء مرافق الحجر الصحي، وكذلك «استخدام» أي أفراد أو مركبات، أو مرافق لازمة لاحتواء المرض، أو وضع عوائق للسيطرة على حركة المرور (وبالتالي فقد صدرت مصادقة تلقائية على كافة القرارات). بعبارة أخرى، بدأ النشر الكامل لموارد الدولة فعليًا بدعوة لبذل جهود تطوعية نيابة عن السكان المحليين. ستؤدي مثل هذه الكارثة الهائلة إلى إجهاد قدرة أي دولة (انظر، على سبيل المثال، الاستجابة للأعاصير في الولايات المتحدة). ولكن، من ناحية أخرى، فإن هذا يُعتبر تكرارًا لنمط شائع في نظام الحكم السياسي الصيني، إذ تلجأ الدولة المركزية، التي تفتقر إلى هياكل فاعلة وقادرة على فرض التعليمات على المستوى المحلي، إلى الاعتماد بدلًا من ذلك على مجموعة من الدعوات التي يوجهها قادة الدولة للمسؤولين والمواطنين المحليين من أجل التعبئة العامة، إضافة إلى عدد من العقوبات اللاحقة التي ستفرضها الدولة على أسوأ المستجيبين (باعتبارها قمعًا للفساد). كانت الاستجابة الوحيدة الفعّالة هي في مناطق محددة حيث تركز الدولة المركزية الجزء الأكبر من قوتها واهتمامها -في هذه الحالة، هوبى بشكل عام ووهان على وجه التحديد. بحلول صباح 24 يناير، كانت المدينة بالفعل في حالة إغلاق كامل وفعّال، ولم تدخل إليها القطارات أو تخرج منها إلا بعد شهر تقريبًا من اكتشاف الفيروس. أعلن مسؤولو الصحة الصينيون أن السلطات الصحية لديها القدرة على فحص وعزل أي شخص وفقًا لتقديرها. وإضافة إلى المدن الكبرى في هوبي، قررت عشرات المدن الأخرى في جميع أنحاء الصين، من بينها بكين وقوانجتشو ونانجينج وشنجهاي، فرض عمليات إغلاق متفاوتة على تدفقات الأشخاص والبضائع داخل وخارج حدودها.

استجابة لدعوة الدولة المركزية للتعبئة، اتخذت بعض المناطق مبادرات غريبة وقاسية. ويمكن العثور على أكثر هذه المخاوف في أربع مدن في مقاطعة تشجيانج، حيث تمّ إصدار جوازات سفر محلية لثلاثين مليون شخص، ما يسمح لشخص واحد فقط لكل أسرة بمغادرة المنزل مرة كل يومين. أمرت مدن مثل شنتشن وتشنجدو بإغلاق الأحياء كافة، وفرضت حجرًا صحيًا على بعض المباني السكنية بالكامل لمدة 14 يومًا إذا تمّ العثور على حالة واحدة مؤكدة للفيروس داخلها. في غضون ذلك، جرى اعتقال أو تغريم المئات بسبب «نشر شائعات» حول المرض، وأُلقي القبض على بعض الأشخاص الذين فروا من الحجر الصحي وحكم عليهم بالسجن لفترة طويلة. وتعاني السجون نفسها الآن من تفشٍ حاد، بسبب عدم قدرة المسؤولين على عزل الأفراد المرضى حتى في بيئة مصممة حرفيًا لسهولة العزل. تعكس هذه الإجراءات العدوانية اليائسة طريقة التعامل من أي حالة تمرد، وتذكرنا بشكل واضح بممارسات الاحتلال العسكري-الاستعماري في أماكن مثل الجزائر، أو فلسطين في الآونة الأخيرة. لم تُتخذ هذه الإجراءات من قبل على هذا النطاق، ولا في المدن الكبرى التي يعيش فيها الكثير من سُكّان العالم. ومن ثم، فإن إجراء حملة القمع تقدم درسًا غريبًا لأولئك الذين يفكرون في الثورة العالمية، حيث إنه، في الأساس، يوضح ردود الأفعال التي ستلجأ إليها الدولة.

العجز

تستفيد هذه التدابير الخاصة من الطابع الإنساني على ما يبدو، فقد استطاعت الدولة الصينية تعبئة أعداد أكبر من السُكّان المحليين للمساعدة في تحقيق هدف نبيل، وهو السيطرة على انتشار الفيروس. ولكن، كما هو متوقع، فإن هذه الإجراءات الصارمة تأتي بنتائج عكسية دائمًا. في نهاية المطاف، تُعتبر مكافحة التمرد نوعًا من الحرب اليائسة التي تندلع فقط عندما تصبح الوسائل القوية للقهر أو الاسترضاء أو الدمج الاقتصادي مستحيلة. كما تعتبر فعلًا مُكلفًا وغير فعّال، يتسم بالتخلف، ويحاول الالتفاف على العجز الأعمق لأي سلطة مكلفة بتطبيقه -سواء كان بهدف تحقيق مصالح استعمارية فرنسية، أو إمبريالية أمريكية متضائلة، أو غيرها. غالبًا ما تكون نتيجة حملة القمع عبارة عن تمرد جديد، ينجم عن سحق الأول ويصبح أكثر يأسًا. هنا، بالكاد يعكس الحجر الصحي واقع الحرب الأهلية ومكافحة التمرد. ولكن حتى في هذه الحالة، فإن حملة القمع جاءت بنتائج عكسية بطُرقها الخاصة. مع تركيز الكثير من جهود الدولة على السيطرة على المعلومات والدعاية المستمرة المنتشرة عبر كل جهاز إعلامي محتمل، عبّر الشعور بالقلق عن نفسه، إلى حد كبير، داخل نفس المنصات.

هزت وفاة الدكتور لي وينليانج، وهو المُبلِغ المُبكر عن مخاطر الفيروس، يوم 7 فبراير الماضي المواطنين المُحاصرين في منازلهم في جميع أنحاء البلاد. كان «لي» أحد ثمانية أطباء اعتقلتهم الشرطة لنشرهم «معلومات كاذبة» في أوائل يناير، قبل أن يصابوا بالفيروس في وقت لاحق. أثارت وفاته غضب مستخدمي الإنترنت، وصدر بيان يُعرب عن الندم من حكومة ووهان. بدأ الناس يعتقدون أن الدولة تتكون من مجموعة من المسؤولين والبيروقراطيين الذين لا يعرفون كيف يتصرفون، ومع ذلك يتظاهرون بالقوة. [xvi] ظهرت هذه الحقيقة عندما أجبر عمدة ووهان، زو شيانوانج، على الاعتراف على شاشة التلفزيون الحكومي بأن حكومته أرجأت نشر معلومات مهمة حول الفيروس بعد تفشي المرض. بدأ التوتر الناجم عن تفشي المرض، إلى جانب التوتر الناجم عن التعبئة العامة للدولة، في فضح الشروخ العميقة التي تكمن وراء الصورة الرقيقة التي ترسمها الحكومة بنفسها. وبعبارة أخرى، كشفت تلك الظروف العيوب الأساسية للدولة الصينية أمام أعداد متزايدة من الناس الذين كانوا يصدقون الدعاية الحكومية في السابق.

 

إذا تمّ العثور على رمز واحد للتعبير عن الشخصية الأساسية لاستجابة الدولة، فسيكون شيئًا مثل مقطع الفيديو أعلاه، الذي التقطه أحد سُكّان ووهان ونشره على الإنترنت عبر تويتر من هونج كونج،[xvii] والذي يظهر عددًا من الأشخاص الذين يبدو أنهم أطباء أو مسعفين مجهزين بأجهزة واقية كاملة يلتقطون صورة وهم يحملون العلم الصيني. أوضح الشخص الذي التقط مقطع الفيديو أنهم يخرجون يوميًا أمام المبنى لالتقاط صور مختلفة. يتتبع الفيديو بعد ذلك نفس الأشخاص وهم يخلعون معدات الحماية ثم يتحدثون معًا ويدخنون، حتى أنهم ينظفون سيارتهم بإحدى السترات. وقبل قيادة السيارة، قام أحد الرجال بإلقاء السترة الواقية في سلة مهملات قريبة، ولم يكلف نفسه عناء وضعها في السلة لكي لا يراها أحد. انتشرت مقاطع فيديو أخرى على غرار هذا الفيديو بسرعة قبل أن تفرض الدولة رقابتها على ما يُنشر. إنها ثقوب صغيرة في وشاح الدولة.

على مستوى أكثر جوهرية، شهد الحجر الصحي أيضًا الموجة الأولى من التأثيرات الاقتصادية في الحياة اليومية. هناك تقارير واسعة النطاق عن أوضاع الاقتصاد الكلي، تشير إلى انخفاض هائل في معدل النمو الصيني، ما يهدد بركود عالمي جديد، خاصة مع استمرار الركود في أوروبا والانخفاض الأخير في أحد مؤشرات التعافي الاقتصادي الرئيسية في الولايات المتحدة التي أظهرت انخفاضًا مفاجئًا في النشاط التجاري. في جميع أنحاء العالم، تبحث الشركات الصينية وتلك التي تعتمد بشكل أساسي على شبكات الإنتاج الصينية الآن عن بنود «الظروف القاهرة»، التي تسمح بالتأخير أو إلغاء المسؤوليات التي تترتب على كلا الطرفين في عقد العمل عندما يصبح تنفيذ هذا «العقد» مستحيلًا. من غير المحتمل أن يحدث هذا في الوقت الراهن، لكن مجرد طرح الفكرة تسبب في سلسلة من المطالبات بإعادة دوران عجلة الإنتاج في جميع أنحاء البلاد. ولقد بدأ العمل بالفعل على نحو سلس في بعض المناطق، بينما لا يزال متوقفًا إلى أجل غير مسمى في مناطق أخرى. وأصبح اليوم، الأول من مارس، هو التاريخ المبدئي الذي دعت فيه السلطات المركزية إلى عودة جميع المناطق خارج مركز تفشي المرض للعمل.

لكن التأثيرات الأخرى كانت أقل وضوحًا، على الرغم من أنه يمكن القول إنها أكثر أهمية بكثير. العديد من العمال المهاجرين، ومن بينهم أولئك الذين بقوا في مدن عملهم أثناء عيد الربيع أو تمكنوا من العودة قبل تنفيذ عمليات الإغلاق المختلفة، أصبحوا عالقين في مأزق خطير. في شنتشن، حيث الغالبية العظمى من السُكّان من المهاجرين، أفاد السكان المحليون أن عدد المشردين قد بدأ في الارتفاع. لكن يبدو أنهم ليسوا مشردين منذ وقت طويل، بل إنهم عمالة تمّ التخلص منها ولا يجدون مكانًا آخر يذهبون إليه -لا يزالون يرتدون ملابس جميلة نسبيًا، ولا يعرفون أفضل مكان للنوم في العراء أو مكان الحصول على طعام. شهدت المباني المختلفة في المدينة زيادة في عدد السرقات الصغيرة، ومعظمها سرقة المواد الغذائية التي توضع أمام أبواب السُكّان الذين يقيمون في المنزل بسبب الحجر الصحي. في جميع المجالات، يفقد العمال أجورهم بسبب توقف الإنتاج. وأفضل مثال على التوقف عن العمل بسبب الحجر الصحي هو ما حدث في مصنع فوكسكون في مدينة شينزين، حيث يلتزم العمال العائدون مساكنهم لمدة أسبوع أو أسبوعين، ويحصلون على ثلث أجورهم العادية ثم يُسمح لهم بالعودة إلى خطوط الإنتاج. لا تملك الشركات الصغيرة مثل هذا الخيار، ومن المرجح أن المحاولات الحكومية لتقديم وسائل جديدة للائتمان الرخيص للشركات الصغيرة لن تُجدي على المدى الطويل. في بعض الحالات، يبدو أن الفيروس سيسرع الاتجاه السابق بنقل المصانع، حيث تقوم شركات مثل فوكسكون بالتوسع في فيتنام والهند والمكسيك لتعويض تباطؤ النمو.

الحرب السريالية

وفي الوقت نفسه، فإن الاستجابة المبكرة الخرقاء للفيروس، واعتماد الدولة على الإجراءات العقابية والقمعية بشكل خاص للسيطرة عليه، وعدم قدرة الحكومة المركزية على التنسيق الفعّال بين الحكومات المحلية للتوفيق بين الإنتاج والحجر الصحي في وقت واحد، تشير جميعها إلى أن العجز العميق لا يزال يكمن في صميم أجهزة الدولة. إذا كان ما يقوله صديقنا لاو زي صحيحًا بشأن إن إدارة الرئيس الصيني كانت تركز على «بناء الدولة»، فيبدو أنه لا يزال هناك الكثير من العمل في هذا الصدد. في الوقت نفسه، إذا كان من الممكن قراءة الحملة ضد «كوفيد 19» أيضًا على أنها «بروفة» ضد التمرد، فمن الجدير بالملاحظة أن الحكومة المركزية لديها القدرة فقط على توفير تنسيق فعّال في مركز هوبي، وأن استجاباتها في المحافظات الأخرى -حتى الأماكن الثرية والمعروفة جيدًا مثل هانجتشو- لا تزال غير فعّالة وبائسة إلى حد كبير. يمكن أن نستفيد من هذا بطريقتين: أولًا، باعتباره درسًا حول الضعف الكامن وراء الحواف الصلبة لسلطة الدولة، والثاني كتحذير من التهديد الذي لا تزال تمثله الاستجابات المحلية غير المنسقة وغير العقلانية عندما تتعرّض آليات الدولة المركزية لضغوط شديدة.

هذه دروس مهمة لحقبة امتد فيها الدمار الذي أحدثه التراكم الذي لا ينتهي إلى أعلى؛ في النظام المناخي العالمي، وإلى أسفل في الطبقات الميكروبيولوجية للحياة على الأرض. ستصبح مثل هذه الكوارث أكثر شيوعًا. بينما تتخذ الأزمة الرأسمالية طابعًا غير اقتصادي على ما يبدو، فإن الأوبئة الجديدة والمجاعات والفيضانات والكوارث «الطبيعية» الأخرى ستُستخدم كمبرر لبسط سيطرة الدولة، وستمنح طريقة الاستجابة لهذه الأزمات فرصًا متزايدة لممارسة أدوات جديدة وغير مجربة لمكافحة التمرد. يجب على أنظمة الحكم الشيوعية المتماسكة استيعاب كل من هذه الحقائق. يعني هذا على المستوى النظري ضرورة فهم أن نقد الرأسمالية يصبح فقير المحتوى كلما ابتعد عن العلوم البحتة. ولكن على المستوى العملي، فإنه يعني أيضًا أن المشروع السياسي الوحيد الممكن اليوم هو المشروع القادر على مواجهة كوارث بيئية وميكروبيولوجية واسعة النطاق، والعمل في هذه الحالة الدائمة من الأزمات والتشظي.

في الصين المعزولة، بدأنا نرى الشوارع الفارغة في أواخر الشتاء، تكسوها طبقة رقيقة من الجليد، ووجوه تظهر في ضوء الهواتف المحمولة أثناء تطلعها من النوافذ، وحواجز يقف عندها عدد قليل من الممرضات أو عناصر الشرطة أو المتطوعين أو الممثلين مدفوعي الأجر والمكلفين برفع الأعلام وإخبارك بوضع الكمامة على وجهك والعودة إلى المنزل. العدوى اجتماعية. لذا، لا ينبغي أن نندهش لأن الطريقة الوحيدة لمكافحتها في مثل هذه المرحلة المتأخّرة هي شنّ نوع من الحرب السريالية على المجتمع نفسه. لا تجتمعوا، لا تسببوا الفوضى. لكن الفوضى يمكن أن تحدث أثناء الحجر الصحي. بما أن الأفران الموجودة في جميع المسابك باردة ولا تستطيع حرق الجمر برفق ثم تحوّله إلى رماد ثلجي، فليس أمام العديد من الإحباطات الصغيرة إلا أن تتسرب خارج الحجر الصحي وتتجمع ببطء، وتصنع فوضى أكبر ذات يوم، ولن يكون من السهل احتوائها، مثل هذه العدوى الاجتماعية.

هوامش:

[i] الكثير مما سنشرحه في هذا القسم هو ببساطة ملخص أكثر اختصارًا لحجج والاس الخاصة، موجه نحو جمهور واسع، ولا يهدف «لطرح القضية» على علماء الأحياء الآخرين من خلال تقديم الحجج والأدلة القوية واسعة النطاق. ولمَن يرغبون في تحدي هذه الأدلة الأساسية، فإننا نشير طوال المقال إلى والاس ورفاقه.

[ii] روبرت ج. والاس، المزارع الكبيرة تصنع إنفلونزا كبيرة: موجز حول الأمراض المعدية، الأعمال الزراعية، وطبيعة العلم، مانثلي ريفيو برس، 2016. ص 52

[iii] السابق، ص 56

[iv] السابق، ص 56-57

[v] السابق، ص 57

[vi] هذا لا يعني أن المقارنات بين الولايات المتحدة والصين اليوم ليست مفيدة أيضًا. نظرًا لأن الولايات المتحدة لديها قطاع صناعي زراعي ضخم، فإنها مساهم كبير في إنتاج فيروسات جديدة خطيرة، ناهيك عن الالتهابات البكتيرية المقاومة للمضادات الحيوية.

[vii] انظر: Brundage JF، Shanks GD، «ما الذي حدث بالفعل خلال جائحة إنفلونزا عام 1918؟ أهمية العدوى الثانوية البكتيرية». مجلة الأمراض المعدية. المجلد 196، العدد 11، ديسمبر 2007. ص 1717-1718، رد المؤلف 1718-1719؛ و: Morens DM، Fauci AS، «جائحة الإنفلونزا عام 1918: رؤى للقرن الحادي والعشرين». مجلة الأمراض المعدية، المجلد 195، العدد 7، أبريل 2007. ص 1018-1028

[viii] راجع Picking Quarrels في العدد الثاني من مجلتنا: http://chuangcn.org/journal/two/picking-quarrels/

[ix] بطريقتهما الخاصة، يعكس هذان المساران لإنتاج الجائحة ما يسميه ماركس الاندماج «الحقيقي» و«الرسمي» في مجال الإنتاج الصحيح. في عملية الاندماج الحقيقية، يتم تعديل العملية الفعلية للإنتاج نفسها من خلال إدخال تقنيات جديدة قادرة على تكثيف وتيرة وحجم الإنتاج -على غرار الطريقة التي غيّرت بها البيئة الصناعية الظروف الأساسية للتطور الفيروسي بحيث يتم إنتاج الطفرات الجديدة في بوتيرة أكبر وبقدر أكبر من القوة. في الاندماج الرسمي، الذي يسبق الاندماج الحقيقي، لم تُنفذ هذه التقنيات الجديدة بعد. بدلًا من ذلك، تُجمع أشكال الإنتاج الموجودة سابقًا في مواقع جديدة لها بعض التفاعل مع السوق العالمية، كما هو الحال في وضع عمال المناول اليدوية في ورشة عمل تبيع منتجاتهم مقابل ربح -وهذا مشابه لطريقة إخراج الفيروسات من البيئات «الطبيعية» عبر سُكّان البرية وإدخالها إلى السكان المحليين عبر السوق العالمية.

[xi] من الخطأ مساواة هذه النظم البيئية بنظم «ما قبل ظهور الإنسان». تعتبر الصين مثالًا مثاليًا، نظرًا لأن العديد من المناظر الطبيعية «البدائية»، كانت في الواقع نتاجًا لفترات أقدم من التوسع البشري والتي قضت على الأنواع التي كانت شائعة سابقًا في البر الرئيسي لشرق آسيا، مثل الفيلة.

[xi] تقنيًا هذا مصطلح شامل لخمسة فيروسات أو ما شابه، أكثرها فتكًا هو ببساطة فيروس إيبولا، المعروف باسم فيروس زائير سابقًا.

[xii] بالنسبة لقضية غرب إفريقيا على وجه التحديد، انظر: RG Wallace و R Kockو L Bergmannو M Gilbertو L Hogerwerf و C Pittiglioو Mattioli Rو R Wallace، «هل أحدثت النيوليبرالية بؤرة جديدة في غابات غرب إفريقيا لفيروس إيبولا»، المجلة الدولية للخدمات الصحية، المجلد 46، العدد 1، 2016؛

وللحصول على نظرة عامة أوسع للعلاقة بين الظروف الاقتصادية وإيبولا، انظر Robert G Wallace and Rodrick Wallace (Eds):Neoliberal Ebola: Modeling Disease Emence from Finance to Forest and Farm، Springer، 2016؛

وللحصول على أكثر بيان مباشر للحالة، وإن كان أقل علمية، انظر مقال والاس، المرتبط أعلاه: «إيبولا النيوليبرالية: الأصول الزراعية لتفشي إيبولا»، Counterpunch، 29 يوليو2015.

https://www.counterpunch.org/2015/07/29/neoliberal-ebola-the-agroeconomic-origins-of-the-ebola-outbreak/

[xiii] انظرMegan Ybarra، «الحروب الخضراء: الحماية وإنهاء الاستعمار في غابات المايا»، مطبوعات جامعة كاليفورنيا، 2017.

[xiv] من المؤكد أنه من غير الصحيح اعتبار كافة عمليات الصيد التي يقوم بها سُكّان الريف الفقراء غير مشروعة، أو أن حراس الغابات الوطنية في مختلف البلدان يعملون بنفس الطريقة التي كانت تعمل بها القوات شبه العسكرية السابقة المناهضة للشيوعية، ولكن المواجهات العنيفة و يبدو أن معظم الحالات العنيفة من عسكرة الأراضي المحيطة بالغابات تتبع هذا النمط بشكل أساسي.

للحصول على نظرة عامة واسعة النطاق على هذه الظاهرة، راجع العدد الخاص لعام 2016 من Geoforum (69) المخصص لهذا الموضوع. يمكن العثور على المقدمة هنا: «مقدمة لمناقشة قضية: الأمن الأخضر في المناطق المحمية»، Alice B. Kelly and Megan Ybarra، Geoforum، Volume 69، 2016. pp.171-175. http://gawsmith.ucdavis.edu/uploads/2/0/1/6/20161677/kelly_ybarra_2016_green_security_and_pas.pdf

[xv] بالنسبة للأمراض المذكورة هنا، فإن ارتفاع عدد القتلى كان إلى حد كبير نتيجة لانتشارها السريع بين عدد كبير من المضيفين البشريين، ما أدى إلى ارتفاع حصيلة الوفيات المُطلقة على الرغم من انخفاض معدل الوفيات.

[xvi] في مقابلة بودكاست، قال أو لونج يو نقلًا عن أصدقاء في الصين إن حكومة ووهان مشلولة بسبب الوباء. وأشار إلى أن الأزمة لا تمزق نسيج المجتمع فحسب، بل أيضًا الجهاز البيروقراطي للحزب الشيوعي الصيني، وهو ما سيتفاقم مع انتشار الفيروس ويصبح أزمة حادة للحكومات المحلية الأخرى في جميع أنحاء البلاد. أجرى المقابلة دانيال دينفير، وهي مُذاعة في 7 فبراير: https://www.thedigradio.com/podcast/hong-kong-with-au-loong-yu/

[xvii] الفيديو نفسه حقيقي، لكن من الجدير بالذكر أن هونج كونج كانت مرتعًا خصبًا للمواقف العنصرية ونظريات المؤامرة الموجهة ضد الصين وضد الحزب الشيوعي الصيني، والكثير مما يتمّ مشاركته على وسائل التواصل الاجتماعي من قِبل سُكّان هونج كونج حول الفيروس يجب التحقق بعناية من الحقائق.

اعلان
 
 
تجمّع تشوانك 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن