حافظ/ي على هدوئك| «اليوم السادس» الذي تنتظره مصر
 
 

بدأ العزل يحاصرنا أكثر فأكثر، بعد أن كان عزلًا ذاتيًا، صار حظر تجول. لا نخشى على أنفسنا فقط، ولكن على أحبابنا أيضًا. نرشح في كوكبة «حافظ/ي على هدوئك.. ياما دقت عالراس طبول» عدة أعمال، من وسائط متعددة، تتحدث عن الأوبئة. لا نقصد من الترشيحات أن نجعلك تنغمس في حالة الذعر، ولكن ربما تفيدك في التعامل مع الموقف، أن تتعرف على حقيقة وضعك، وأن تتصرف من خلاله، بدون هلع مُعطِل أو تفاؤل مفرط.

في الحلقة الأولى قدمنا الترشيح الأكثر شهرة فيما يخص هذا السياق «الطاعون» لألبير كامو، وتناوله أمير زكي من زاوية مختلفة.

وفي الحلقة الثانية كتاب «ديكاميرون» الإيطالي الذي صدر في القرن الرابع عشر عقب تفشي الطاعون في فلورنسا، والذي يعلمنا كيف ننجو من الوباء باستخدام «القَص»،

وهنا في حلقتنا الثالثة نقدّم رواية «اليوم السادس» والتي دارت أحداثها في وقت تفشي الكوليرا في مصر الأربعينيات، لنحافظ على هدوئنا ونعرف أن «ياما دقّت عالراس طبول».

المحرر

______________

لم تكن مصر بحكم موقعها الجغرافي بعيدة عن الأوبئة والأمراض التي تنتقل من بلد لآخر، فحسب محاضرة نادرة للدكتور سيف النصر أبوستيت والتي نشرتها  وزارة المعارف في عام 1948، فلقد تعرضت مصر لوباء الكوليرا عشر مرات خلال تاريخها الحديث، آخرها عام 1947.

 وبينما قد يتذكر البعض وباء الكوليرا الأخير لقربه الزماني، ولتوافر بعض المواد الإعلامية من تلك الفترة، فلقد قضت موجات الأوبئة السابقة على آلاف المصريين في ظل عدم توافر رعاية صحية. وكانت أسباب دخول الوباء لمصر متعددة، ففي موجة عام 1865 مثلًا كان السبب سفينة حجاج في السويس أخفى قبطانها المرضى، أما موجة عام 1883 فلقد بدأ انتشارها في مولد الشيخ أبوالعاطي في دمياط لينتشر الوباء ويقتل 15 ألف مصري، أما الموجة التي ضربت مصر في الأربعينيات فهي الأشهر والأقرب، وربما يعلم عنها الكثيرون من خلال فيلم «اليوم السادس» للمخرج يوسف شاهين (1926-2008) وبطولة المغنية داليدا ومحسن محيي الدين، والمأخوذ عن رواية بالعنوان نفسه للكاتبة أندريه شديد (1920-2011)، وهي كاتبة مصرية  والدها من أصل لبناني ووالدتها من أصل سوري. وقد صدرت ترجمة رواية «اليوم السادس» عن المركز القومي للترجمة بترجمة حمادة إبراهيم .

 رواية  «اليوم السادس»

تستعرض الرواية رحلة «صِدِّيقة» التي تذهب لقريتها التي ترزح تحت وطأة وباء الكوليرا لإنقاذ حفيدها المصاب حسن. وبينما يفضل أهالي القرية دفن موتاهم في سرية بعيدًا عن أعين الحكومة التي يخافون حضورها، لأن هذا يعني إرسال المرضى إلى المجهول حيث اللاعودة وإحراق البيوت المصابة منعًا لانتشار العدوى، تقوم «صِديقة» التي تعمل غسَّالة بإخفاء حسن في مدينة القاهرة بعيدًا عن الأعين، في إحدى غرف الغسيل فوق الأسطح، وذلك انتظارًا لمرور ستة أيام، فلو مرت ستة أيام على المريض وهو حي فذلك يعني الشفاء، كما أخبرها معلّم حسن في المدرسة .

تبدو «صديقة» شخصية حزينة تحارب الموت وحيدة في صمت. تلتقي بالشخصية النقيضة لها «أوكازيون» مروِّض القرود أو القرداتي المحب للحياة، والذي قد حصل على عشرة جنيهات كاملة نتيجة لإبلاغه عن حالات مصابة بالكوليرا، كمكافأة من الحكومة لمن يقوم بالإبلاغ عن المرضى.

«عاشت الكوليرا.. إنني كالبصل الذي يتدخل في كل شيء، ولكن وا أسفاه، لقد أدركت بعد فوات الأوان أين مصلحتنا، يا للخسارة! ان الوباء يقترب من نهايته. لو كنا عرفنا ذلك من مدة، لكنا قد أصبحنا من أصحاب الملايين وملكنا قصرًا يرتفع حتى السماء».

 وبينما تخاف «صديقة» منه خوفًا من أن يبلغ عنها، يرى هو أنه يقوم بعمل خيري لإيقاف عجلة العدوى بالإضافة لكونها وسيلة لكسب النقود. لا يستسلم «أوكازيون»  لحالة الخوف السائدة في مصر، فهو يصطحب قرده ويقوم بعزف الموسيقى والرقص من أجل الحصول على النقود والطعام.

ترسم أندريه شديد شخصية «أوكازيون»، حيث تجعله أقرب لصعلوك أوروبي، أو صورة من «شارلي شابلن«، أكثر منه صعلوكًا مصريًا. «أوكازيون» هو الشخصية المعبرة عن التمسك بالحياة.

«وبعد.. هل تتمسك إلى هذا القدر بحياتك؟ فماذا يوجد في الحياة؟

 – في الحياة، توجد حياة.

-بالأمس ، كنت تشكو، لقد سمعتك تقول «الحياة مصيبة!»

-الأمس غير اليوم»

تستعين «صديقة» بـ«أوكازيون» من أجل الوصول للبحر، الذي يمثل لها رمز الهواء النقي، كما أن رؤيته هي الأمنية التي يتمناها حفيدها المريض حسن. يركبان معًا مركبًا نيليًا، وحتى اكتشاف «أوكازيون» لمرض حسن وخوفه منه وتعاطفه مع «صديقة»، نكون قد وصلنا لليوم السادس الذي ترجو «صديقة» أن يكون هو يوم الشفاء، ولكن الكوليرا تقتل حفيدها، وأملها الوحيد في الحياة.

«الموت مع الحياة. لم يعد في الإمكان الفصل. ولا بد من اجتياز هذه المرحلة. وبعد ذلك يصبح كل شيء على ما يرام».

اليوم السادس 2020

رغم أن شخصيات أندريه شديد أقرب لرموز منهم لشخصيات كلاسيكية مصرية، فهي غير مشغولة بما يمكن أن نسميه نقل «الخصوصية المصرية»، بل مهتمة أكثر بالمعاني الكبيرة عن الموت والحياة والصراع أكثر من كونها مشغولة بكتابة رواية تقدم فيها «الأجواء المصرية» لقراء الفرنسية، إلا أن هناك تقاطعًا بين الواقع الذي تنقله الرواية واليوم، حتى مع اختلاف الظروف، تحديدًا فيما يخص ردود فعل الناس وتصرفاتهم خلال فترة الوباء.

تختلف ظروف الرواية إلى حد ما عن الوقت الحالي، فبينما كان المرضى يُنفون في خيم في الصحراء لا يعودون منها، يتم احتجازهم اليوم في مستشفيات يخرجون منها حال شفائهم، وبينما في الأربعينيات كانت المشكلة الأساسية هي عدم توافر المياه النظيفة للغالبية العظمى من المصريين، فالوضع أفضل الآن، هذا بخلاف أن نسبة الأمية كانت أعلى.

لكن تتقاطع رواية الأربعينيات مع الواقع اليوم، حيث ما زال هناك نقصًا نسبيًا في الخدمات خاصة في المناطق الريفية والنائية، ويظل هناك الخوف من الحجر الصحي المرتبط بالحبس من قبل الحكومة، وبالطبع نلاحظ تشابهًا بين ردود فعل الناس في الأربعينيات وبينها الآن، فنظل نشاهد حالة عدم الثقة بين المواطن والدولة المستمرة عبر السنوات الطويلة، والتي تتدرج بين عدم التصديق لبيانات الحكومة ومعلوماتها وصولًا للهرب من أجهزتها أو حتى تحديها. فهناك من يخشون إبلاغ وزارة الصحة عند شكهم في الإصابة، خوفًا من العدوى داخل المستشفيات الحكومية، وهناك من يتحدونها بإقامة الأفراح والموالد وعدم الإلتزام بالتعليمات، وهناك من يعتقدون بوجود مؤامرة حكومية أو حتى عالمية، وذلك كنتيجة لسنوات انعدام الثقة، وكأن الأربعينيات لا تزال تعيش حتى الآن.

 نشاهد نموذج «صديقة» الفطرية المقاومة للموت والمنتظرة ليوم الخلاص والتي تقاوم بعيدًا عن العلم؛ اليوم، بوجود من يحاولون قتل «كورونا» بالوصفات الشعبية أو من يفضلون الذهاب للمساجد حتى ولو كانت هناك خطورة على حياتهم، مسلمين بقضاء الله ومنتظرين فرجه، منتظرين معجزة اليوم السادس.

أيضًا، نشاهد نسخًا عديدة من «أوكازيون» الذي يستفيد من الوباء ماديًا والذي يأخذ حذره كابن للمدينة الواعي، وفي نفس الوقت هو اللامبالي بالخوف والمصمم بالاستمتاع بالرقص والغناء والأمل حتى النهاية.

تبدو مصر الآن في انتظار يوم سادس يعلن نهاية الوباء، يصلي البعض من أجل مجيئه، ويأخذ البعض احتياطاته الصحية، ويتكسب منه البعض، ويهلع منه آخرون، ويقاومه آخرون، وينكره غيرهم، ولكن الجميع في معركة الحياة والموت، الصحة والمرض، يحاربون ويأملون في «يوم سادس» شافٍ.

اعلان
 
 
محمد يحيى 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن