حافظ/ي على هدوئك| «ديكاميرون»: نصائح الناجين من الطاعون للعالقين في كورونا
كتاب «ديكاميرون»، ألفه جيوفاني بوكاتشيو، عقب تفشي الطاعون في فلورنسا عام 1348
 
 
 
جيوفاني بوكاتشيو، مؤلف «ديكاميرون» (1313-1376)
 

بدأ العزل يحاصرنا أكثر فأكثر، بعد أن كان عزلًا ذاتيًا، صار حظر تجول. لا نخشى على أنفسنا فقط، ولكن على أحبابنا أيضًا. نرشح في كوكبة «حافظ/ي على هدوئك.. ياما دقت عالراس طبول» عدة أعمال، من وسائط متعددة، تتحدث عن الأوبئة. لا نقصد من الترشيحات أن نجعلك تنغمس في حالة الذعر، ولكن ربما تفيدك في التعامل مع الموقف، أن تتعرف على حقيقة وضعك، وأن تتصرف من خلاله، بدون هلع مُعطِل أو تفاؤل مفرط.

في الحلقة الأولى قدمنا الترشيح الأكثر شهرة فيما يخص هذا السياق «الطاعون» لألبير كامو، وتناوله أمير زكي من زاوية مختلفة.

وفي الحلقة الثانية نقدم هذا الكتاب الإيطالي الذي صدر في القرن الرابع عشر عقب تفشي الطاعون في فلورنسا، يضم الكتاب 100 حدوتة، يقصها علينا عشرة أصدقاء، سبع نساء وثلاثة رجال، هربوا إلى فيلا مهجورة، في محاولة للنجاة من الطاعون. لنقرأ المقال ونحافظ على هدوئنا طالما نعرف أن «ياما دقّت عالراس طبول».

[المحرر]

استحث انتشار فيروس كوفيد-19 وباء النصيحة، وللنصيحة أهميتها. لكنها على ما يبدو مُعدة لكي تجعل حياتنا أكثر بؤسًا وعزلة. إلا أن هناك مرجعًا غير معتاد يعرض سبيلًا آخر للتعامل مع الوباء، ذاك المصدر هو «ديكاميرون» *

كتب جيوفاني بوكاتشيو، مؤلف عصر النهضة الإيطالي، كتابه «ديكاميرون» عقب تفشي الطاعون في فلورنسا عام 1348. خرَّب المرض المدينة، وقلص عدد سكانها بما يقرب من 60%. صوّر بوكاتشيو كيف «سقط الفلورنسيون صرعى في شوارع مفتوحة نهارًا وليلًا، بينما يعتقد أن عددًا كبيرًا غيرهم لقوا حتفهم في منازلهم. كانت رائحة جثثهم المتعفنة أكثر ما جذب انتباه جيرانهم».

تفسخت الروابط الاجتماعية لأن «هذا الوباء زرع رعبًا كبيرًا في قلوب الرجال والنساء حتى أن الأخوة تخلوا عن إخوتهم والأعمام والأخوال عن أبناء إخوتهم وأخواتهم»، و«رفض الآباء والأمهات رعاية الأطفال ومساعدتهم». انسحب بعض الناس داخل منازلهم، فيما شكل آخرون مجموعات وساروا مترنحين عبر المدينة في أيام غير عادية

رحل الأصدقاء العشرة، الذين يسرد «ديكاميرون» قصتهم، عن فلورنسا، إلى فيلا مهجورة في الريف. وعقب وصولهم إلى جنتهم الريفية، أمضوا أيامهم في قص حكايات مسلية وفي أغلب الأحيان مثيرة. 

ننظر اليوم إلى «ديكاميرون» باعتبارها مجموعة من القصص المسلية التي نحتفظ بها إلى جوار أَسرتنا، أما في القرن الرابع عشر فكانت تعتبر نوعًا من الوصفات الاجتماعية، ووفقًا لمارتن مارافيوت، من جامعة بيس Pace، فإن وصفة بوكاتشيو للوباء تعد جرعة جيدة من «الوقاية باستخدام القَص»، مما يعني حماية نفسك بالقصص. اقترح بوكاتشيو أن تنقذ نفسك بأن تفر من المدن، وتحيط نفسك بصحبة ممتعة وتروي قصصًا مسلية للحفاظ على الروح المعنوية. فبمزيج من العزلة الاجتماعية والأنشطة اللطيفة، كان من الممكن البقاء على قيد الحياة في أسوأ أيام الوباء.

ألهمت وصفة بوكاتشيو طائفة كبيرة من المراجع في العصور الوسطى. واقترح توماسو ديل جاربو، أحد أطباء فلورنسا البارزين في ذلك الوقت، أنه عندما يحل الطاعون، يجب على الناس تجنب التفكير في الموت. ونصحهم بدلًا من ذلك بالتجمع في حديقة غناء و«استخدام الأغاني والألعاب والقصص الممتعة الأخرى التي لا ترهق الجسم، وكل تلك الأشياء المبهجة التي تجلب الراحة».

من كتاب «ديكاميرون»

 في مرجع آخر عن الطاعون، أوصى اللاهوتي الإيطالي نيكولاس بورجو، بضرورة أن «يحذر الناس من الخوف والغضب والحزن والألم المفرط والأفكار الثقيلة وما شابه ذلك. وبالمثل فيجب على المرء الحرص على قدرته على المرح والابتهاج، وأن يستمع إلى التهويدات والقصص والألحان».

قد تبدو وصفة بوكاتشيو قديمة. فهو لم يفهم ما نفعله الآن فيما يخص طريقة انتشار الأوبئة. ومع ذلك، يشير البحث اﻷخير في علم الأوبئة الاجتماعي إلى أن بوكاتشيو ربما يكون قد قبض على ما هو ذو أهمية بخصوص الأوبئة. فمن خلال توصية الناس بتجنب المدينة، كان بوكاتشيو يناصر ما يسميه خبراء الصحة العامة الآن بـ «العزلة الاجتماعية».

فهم بوكاتشيو كذلك أهمية ما نسميه الآن «السلامة النفسية». يمكن أن يكون للحجر الصحي أثرًا كبيرًا على الصحة العقلية. كشفت إحدى الدراسات أن حوالي 30% من الأشخاص الذين عُزلوا أثناء تفشي مرض سارس عام 2003 في مدينة تورونتو بكندا عانوا لاحقًا من الاكتئاب أو اضطراب ما بعد الصدمة. ويرجع هذا إلى مشاعر العزلة والوصم. مشاركة القصص يمكن أن تساعد في إبقاء المشاعر الكئيبة بعيدًا.

اعتقاد بوكاتشيو بالقوة العلاجية للقصص تم دعمه بعشرات الدراسات التي أجريت حول تأثير رواية القصص على صحتنا. بمراجعة هذه الدراسات، استنتج جيمس بنيبكر من جامعة تكساس أنه «عندما يحوّل الناس اضطراباتهم العاطفية إلى كلمات، تتحسن صحتهم البدنية والعقلية بشكل ملحوظ». في حين أن القصص قد لا تحميك من الفيروس، إلا أنها يمكن أن تحميك من المشاعر السيئة التي تولدها الأوبئة.

فهم بوكاتشيو كذلك الدور الحاسم لما نسميه الآن الشبكات الاجتماعية في أزمات الصحة العامة. فعلى سبيل المثال، كشفت دراسة أجراها نيكولاس كريستاكيس عام 2010 أن أكثر الطلاب الجامعيين شعبية في جامعة هارفارد كانوا الأكثر تعرضّا للإصابة بالانفلونزا. وعلى النقيض من ذلك، فإن الطلاب ذوي الشبكات الاجتماعية المحدودة نجوا في الغالب. هذا يشير إلى أن الشبكات الاجتماعية المتطورة يمكن أن تعرض صحتنا للخطر.

لكن شبكاتنا الاجتماعية يمكن أن تساعدنا كذلك إذا ما حل بنا مصاب. كشفت دراسة أجراها عالم النفس الإكلينيكي «كيتي وو» عن الأشخاص الذين وضعوا في العزل خلال تفشي سارس عام 2003 في هونج كونج، أن الأشخاص ذوي الشبكات الاجتماعية الأكثر كثافة كانوا الأقل تعرضًا للإصابة بالاكتئاب والمعاناة من اضطراب ما بعد الصدمة. هذا درس فهمه بوكاتشيو قبل ما يزيد على 750 عامًا *: المرض غالبًا ما يؤدي إلى ابتعادنا عن الآخرين، لكن في الوقت نفسه يعاني الناس من التعاسة عندما يعزلون تمامًا.

ليس لدى الغالبية منا فيلا ريفية للعودة إليها، لكن توجد طرق تجعل نصيحة بوكاتشيو وثيقة الصلة بالموضوع. تذكرنا «ديكاميرون» أننا نحتاج إلى دعم الآخرين للتعافي خلال أزمة الصحة العامة، فبدلًا من أن نترك أنفسنا نهبًا لوباء الخوف، علينا السعي لشغل أنفسنا بالمتع المشتركة مثل ممارسة الألعاب والاستمتاع بالموسيقى وتبادل القصص. ولا تعمل هذه الأنشطة على تحسين شعورنا بالسلامة النفسية فحسب، بل تربطنا ببعض كذلك.

ويبدو أن بعضًا مما تعلمه إقليم توسكاني [وعاصمته فلورنسا] في القرن الرابع عشر من دروس، تعلمتها الصين مجددًا في القرن الحادي والعشرين. فخلال الأيام والليالي الطويلة من العزلة القسرية عندما كانت بعض المدن الصينية مغلقة بسبب فيروس كورونا، سعى السكان إلى وسائل جديدة للتواصل مع الآخرين. نشأت نوادي الكتاب على الإنترنت ومنتديات الطبخ، كما بثت أجهزة «دي جي» بثًا حيًا، وحوّل الناس شققهم إلى نوادٍ ليلية غير مخطط لها. وفي المساء، كان سكان الشقق في البنايات المرتفعة يطلون من نوافذهم ويرددون «ووهان جيانيو» (تقريبًا: «استمر في القتال»).

تذكرنا أنشطة كتلك بأهمية الاتصال عندما نكون معزولين اجتماعيًا. من المؤكد أنها تقدم تجربة أفضل من أن نتبع نموذج ذلك الرجل الذي تعرض للعزل خلال تفشي كوفيد-19 في الصين، فقضى أيامه جريًا في ماراثون يدور في شقته الصغيرة.

* كُتب المقال في الأصل بالإنجليزية، ونشر في مجلة Newstatesman America، بتاريخ 9 مارس 2020. الترجمة منشورة بإذن المؤلف. 

* الرقم الصحيح 672 عامًا حسابًا على سنة الوباء عام 1348. [المحرر]

اعلان
 
 
أندريه سبيسر 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن