هل هناك إرادة سياسية لمواجهة الوباء؟

قبل أن نبدأ حديثنا عن موضوعنا الراهن، نريد أن نستعرض مجموعة من الخصائص الجوهرية التي نستشف من خلالها كيف يفكر ويتصرف على أساسها الحكام، وكيف يمكن أن تؤثر في بنية الحدث العالمي الأهم.

تبدو القصة أن العالم كان يسير وأتي الفيروس لتعطيله، والحقيقة عكس ذلك. العالم مأزوم، ومعدلات النمو في تراجع، ومعدلات التضخم في ازدياد، والقدرة الشرائية في انخفاض مستمر، واقتصادات فاقت الديون قدرتها على السداد، وفي ظل تلك الظروف، أتي الوباء. هذه هي القصة الحقيقية.

في قلب هذه القصة تبزغ الأزمة، التي يُخيّل للكثيرين أنه لا بد لها من حل، ولكن النشاط الطبيعي للمديرين والاستشاريين ورجال المال والسلطة في الأزمات هو التربّح، وبدلًا من وضع استراتيجية «لحل الأزمة»، تظهر ميول ربحية واستغلالية باسم «إدارة الأزمة».

من هم مديرو الأزمة؟

بعد إعلان منظمة الصحة العالمية أن «كورونا» أصبح وباءً عالميًا، لم يعد الأمر مقتصرًا على عدد من التعليمات الإرشادية أو إجراء الفحوصات وضخ مجهودات علمية وطبية فقط، فالأمر سياسي بحت حين يتعلق بالعلم نفسه، وبالتحديد العلم الذي تطور في ساحات ومنارات البرجوازية العلمية هارفارد وكامبردج وغيرهما؛ علم مستشاري وباحثي الشركات العالمية؛ علم جني الأرباح الذي ترعاه مافيات البحث العلمي والدواء العالمي: نوفارتيس وبي فايزر وجلاكسو سمينثكلاين؛ العلم الذي يمكنهم من الوصول لأوراق بحثية هامة من المفروض أن تصب لصالح وخدمة المواطنين، إلا أنه من الممكن أن يتراجعوا عن إنتاج تلك الأبحاث وتحويلها لعقاقير وأدوية لمجرد أنها ستؤثر على أرباح ومبيعات منتجات أخرى بديلة كالمسكنات مثلًا، أو لأن هذه الأنواع من الأمراض لم تعد مجالًا مناسباً للاستثمار.

فالعلم اليوم، هو تعبير عن مفهوم «التطور المركب غير المتكافئ»، الذي تحتويه الرأسمالية كطبيعة خاصة بها، ففي الوقت الذي تطور فيه البحث العلمي والتكنولوجيا والروبوتات والخوارزميات والأسلحة والميكنة الزراعية والصناعية والتواصل الاجتماعي، كل ذلك سجل وجوده في ظل بؤس وتدني معيشة وصحة وحياة المواطن العالمي.

ولهذا لا يستطيع أليكس عازار، وزير الصحة الأمريكي والمدير التنفيذي السابق لشركة إيلي ليلي الأمريكية، الهروب من كونه مديرًا للأزمة في تصريحه التالي:

«لا يمكننا أن نعد بإتاحة لقاح كورونا بأسعار في متناول اليد، ناهيك عن طرحه للجمهور بالمجان. لا يمكننا أن نتحكم في سعر كهذا لأننا بحاجة إلى استثمارات القطاع الخاص».

هذا ما يؤكده مسار الواقع، حيث تم إسناد مشروع البحث لتطوير وتصنيع علاج «كورونا» لتسع شركات في الداخل الأمريكي بحسب «ماركت ووتش»، منها: تاكيدا وسانوفي وجلاكسو سمينثكلاين وجونسون اند جونسون، وجميعها عمالقة وحيتان في صناعة وتجارة الدواء.

علاج ليس للجميع

حين يكون العلاج والتداوي والوقاية ليس حقًا للجميع، فهذه فكرة تاريخية مرعبة، في الماضي كان يموت الآلاف والملايين بسبب ندرة الأدوات والمعدات الطبية والأدوية واللقاحات ودور العناية الصحية، أما الرعب الحالي يتمثل في وجود كل الإمكانيات العلاجية وانعدام الحصول عليها لعدم القدرة على الدفع؛ دفع ثمن العلاج وكلفة الإنفاق، وهذا يتم تحديده على أساس السوق والجهة المنتجة وكتيبة المديرين والعاملين والمنتفعين من أرباحه.

في صورة شهيرة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك لعامل يقف حاملًا جهاز تعقيم داخل شركة آرامكو، نرى من خلالها كيف يتم التعامل مع الإنسان في ظل عالم يجوبه الوباء، نعرف من خلالها أن الجسد ليس عنصرًا طبيعي بيولوجي، بل مؤسسة سياسية، وعلاقة السلطة بالجسد هي علاقة أكثر شمولًا وتعقيدًا من علاقة القمع به، حيث جانب من توطد السلطة وهيمنتها هو مدى قدرتها على إخضاع الجسد الفردي من تسليعه وإهانته وسجنه وتعذيبه وتشريده وإهمال تغذيته والتحرّش به واغتصابه، بكلمة: استباحة انتهاكه بجميع السُبل.

وعلى ذلك فالمرض والوباء ليسا بالشيء الواحد على الجميع، والحصول على علاج ودواء ليس متاحًا للجميع.

نظرة على الماضي لفهم ما ينتظرنا

تعرفنا على مديري الأزمة الذين ينتجون علاجات ويطورون لقاحات، لكنها ليست للجميع، ففي الوقت الذي ننتظر منهم النصح والإرشاد والعلاج، تجدهم ينتظرون شيئًا آخر، إنهم ينتظرون الأرباح.

في عام 2004 قام ثلاثة من العلماء بكتابة إرشادات الصحة العالمية الصادرة بخصوص التعامل مع الانفلونزا، هؤلاء الثلاثة تلقوا أموالًا وتمويلات ضخمة من قبل شركات بعينها، إذ صاغ هؤلاء العلماء المبادئ التوجيهية الرئيسية للمنظمة، بما يصب في مصلحة تلك الشركات، من خلال نصح الحكومات بتخزين الأدوية في حال تفشي وباء الانفلونزا. وبحسب محللين، جنت شركات الأدوية أكثر من سبعة مليارات دولار، حينما استجابت الحكومات لفكرة تخزين أدوية الانفلونزا، عندما أعلنت منظمة الصحة العالمية عن تفشي وبائي انفلونزا الطيور والخنازير، فمن خلال تحقيق نشرته صحيفة الجارديان وأجرته المجلة الطبية البريطانية ومكتب الصحافة الاستقصائية، تم اكتشاف تلقيهم أموالهم من شركة «روش» المصنعة لمنتج «تاميفلو»، و«جلاكسو سمينثكلاين» البريطانية المصنعة للمضاد الفيروسي «ريلينز»، حيث قامت الحكومة البريطانية بشراء حوالي 15 مليون جرعة من «تاميفلو» بعد أن تسببت انفلونزا الطيور في وفاة 40 شخصًا في آسيا، وخزنت الحكومة لقاحات وأدوية بما يقارب المليار جنيه استرليني،  وبالنهاية لم تستفد الحكومة بتلك الكميات المخزنة، حيث انحسر المرض وتراجع، وكان المستفيد الوحيد هم مافيات الأدوية.

في عام 2003 حققت شركة «SciClone Pharmaceuticals» مبيعات قدرها 20 مليون دولار أمريكي داخل الصين فقط، إثر انتشار «سارس»، من خلال منتج «زاداكسين» الذي صُنع بالأساس لعلاج الكبد الوبائي، ولكن التسويق وحده استدعى «زاداكسين» كدواء يساعد على مواجهة «سارس».

وقبل «سارس» والانفلونزا، كانت القارة الإفريقية تنزف يوميًا الٱلاف والٱلاف من ضحايا الإيدز، خاصةً في جنوب إفريقيا، الدولة التي خاضت صراعًا مريرًا ضد رابطة الدواء العالمية التي رفضت توفير اللقاحات بأسعار في متناول اليد، ثم الإيبولا التي اجتاحت الكونغو الديمقراطية، وما زالت تفتك بمواطنيها حتي اليوم، كل هذا وأكثر نخلص منه بما لا يدع مجالًا للشك، أن منظومة الدواء هي آلة ربحية بالدرجة الأولى وعلاجية بعد ذلك.

استثمار للعلاج أم علاج للاستثمار؟

في تصريح لـ«swissinfo.ch»، قال برنارد بيكول، المدير التنفيذي لمبادرة أدوية الأمراض المُهمَلة، وهي منظمة غير ربحية تُكَرّس جهودها لإيجاد علاجات للأمراض التي لا تشكل أولوية لقطاع صناعة الأدوية: «لقد تخلى الكثير من كبرى شركات إنتاج الأدوية عن إجراء البحوث في مجال الأمراض المُعدية، هذا يقلقنا كثيرًا، لأننا نعتقد أننا لم نصل إلى مرحلة استئصال الأمراض المُعدية بعد، وهو ما اتضح مع تفشي فيروس كورونا مؤخرًا». 

تم تحويل دفة الموارد المالية والبحثية تجاه مجالات أكثر ربحًا مثل علاج الأورام والأمراض السرطانية، حيث نجد أن قرابة نصف مشاريع البحث والتطوير المُنجزة من قبل أكبر 20 شركة أدوية في العالم تستهدف طب الأورام، ولم تكن هناك أي مشاريع بشأن فيروسات كورونا [فيروس كورونا المرتبط بمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية الذي يُعرف اختصارًا بـ MERS-CoV، وفيروس كورونا المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة أو فيروس سارس (SARS-CoV)] ليتحول سوق الدواء والعلاج لعالم مستقل من الاحتكارات والتوجهات الربحية البعيدة تمام البعد عن الفرد وصحته وحياته، يهيمن من خلاله ثلاث شركات فقط على نحو 80% من سوق صناعة وتطوير اللقاحات، وهي: جونسون آند جونسون، ميرك، جلاكسو سمينثكلاين.

الآن، ونحن نعيش أيامًا يجتاح «كورونا» معظم دول العالم، نرى الولايات المتحدة تسعى لشراء إحدى المحاولات الجادة التي تقوم على أساسها الشركة الألمانية «كيور فاك» بتطوير لقاح مضاد لفيروس كورونا، مقابل مبلغ مالي ضخم وتسهيلات بحثية فائقة، بحسب تصريح وزير الداخلية الألماني هورست زيهوفر، لكن العرض الاحتكاري رُفض من قبل كريستوف هتيش، الرئيس التنفيذي للشركة والمشارك في تأسيس شركة «ديفيني هوب بيو تك» الاستثمارية القابضة: «نريد أن نطور لقاحًا للعالم كله وليس لدول بعينها».

هكذا يسعى مديرو الأزمة دومًا، ليصبح التربح وفقط، هو النشاط الطبيعي للرأسماليين.

هل هناك إرادة سياسية للمواجهة؟

هناك تناقض صارخ بين الإمكانات المتاحة من الموارد والتقدم العلمي والتكنولوجي من جهة، واللاعقلانية التي تحكم مجتمع يقوم على السعي الدائم وراء الأرباح، وبالنهاية الوصول لأقل قدر من المنتفعين من جهة أخرى، وهذا هو شيء جوهري يحرك الممارسات السياسية على الدوام.

بنظرة على أحد مراكز العالم الرأسمالي، الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعتبر الدولة الأولى عالميًا في الإنفاق والرعاية الصحية، إلا أن المواطن الأمريكي هو أكثر الجهات التي تتحمل نفقات العلاج، حيث نحو 35% من إجمالي الإنفاق الصحي في الولايات المتحدة تحملته الأسر، بينما دفع مشغلو العمالة نحو 20%. أما الحكومة الفيدرالية فقد مولت نحو 28% من إجمالي الإنفاق الصحي، بينما دفعت حكومات الولايات والحكومات المحلية نحو 17%.

لذلك نجد أحد المدافعين عن تبني إرادة سياسية مغايرة في الداخل الأمريكي هو بيرني ساندرز، المرشح الاشتراكي المحتمل للحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة، كان أول ما يرتكز عليه في برنامجه الانتخابي هو «العلاج/الطبابة للجميع»، من خلال تحصيل قيمة الإنفاق الصحي وزيادة معدلات الإنفاق بزيادة ورفع الضرائب على الشركات الأمريكية الكبرى.

من زاوية أخرى من العالم، نحن نعيش في دولة انحرفت بالموارد والطاقات من الإنتاج والإنفاق الخدمي والمعيشي بالأساس إلى أمور أخرى: كالحراسة وأدوات التأمين من أجهزة وأسلحة ومعدات وشرطة وسجون وقضاء وأنظمة مراقبة وتجسس وإرشاد، دولة تبيع أصولها وممتلكاتها العامة لصالح خدمة الديون والقروض، دولة أزالت التأمين الصحي والمعيشي وقطعت الدعم وخصخصت العلاج وهمّشت وفرغت المستشفيات العامة ومهدت الطريق للانتفاع والتربح من العلاج الخاص والتعليم الخاص والشركات الخاصة.

في هذا السياق العالمي والمحلى، نرى حجم الأزمة التي تختمر حاليًا، لنرى أن مسألة مواجهة الأمراض ليست معضلة علمية بقدر ما هي سياسية، حيث الملايين الأفقر والأكثر عرضة للإصابة والذين يعيشون في بيئات موبوءة بالفقر والإهمال والتردي الخدمي والمعيشي، الذين لن يحظوا بفرص البقاء بمنازلهم للاستشفاء، المهددون دومًا بفقدان رواتبهم ووظائفهم، وبالنهاية حياتهم.

وعلى أثر ذلك، فضرورات الإرادة السياسية لا بد أن تنفذ لإغلاق جميع أماكن التجمعات وتعويض أصحابها والعاملين بها، توفير فحص كورونا للجميع وبالمجان، توفير الغذاء المناسب مجانًا لملايين المصريين غير القادرين، توفير أماكن مبيت للساكنين في العشوائيات والخيام والمشردين والمعرضين للتلوث والأمراض، إخلاء سبيل المعتقلين والمساجين، توفير علاج مجاني ورعاية صحية شاملة مجانية -على الأقل الآن لأصحاب الأمراض المزمنة وكبار السن والأطفال- توزيع أدوات النظافة بالمجان، التواصل مع الصين للاستفادة منها ونقل تجربتها الفريدة في احتواء المرض -أفضل تجربة حجر صحي على مر التاريخ بحسب منظمة الصحة العالمية وأصحاب معجزة احتواء المرض- ..إلخ.

كل هذا وأكثر من أبسط حقوقنا ومن الواجبات الأساسية على الدولة تجاهنا.

اعلان
 
 
أحمد منتصر 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن