«كورونا في اللوكيشن».. أقوى مسلسلات الرعب
 
 

لم يكن أحمد رمزي* يشعر بتهديد كبير من فيروس كورونا، ولم يشعر أن الأمر يستدعي التوقف عن الذهاب إلى العمل. تصوّر رمزي أن بإمكانه الاستمرار في تصوير المسلسل الذي يمثل فيه أحد أدوار البطولة، وكان يرغب في ذلك، فهو يحتاج إلى دفعة من أجره تُصرف له بعد عدد من أيام التصوير، وكان يريد الانتهاء منه في أقرب وقت لأسباب أخرى.

لكن مع توالي الأخبار عن ازدياد سريع في أعداد المصابين بفيروس كورونا المستجد والمتوفين منه في إيطاليا، ومع اتخاذ إجراءات جادة من الحكومة المصرية للحد من انتشاره، انضم رمزي إلى العاملين السينمائيين الذين تنامت عندهم مخاوف من النزول إلى اللوكيشن.

«لم أكن أحاول تعليق التصوير أو مدّه، لكني شعرت أنه خطأ، ورغم اتخاذ المنتجين إجراءات كثيرة لتعقيم المكان والمعدات وحماية الطاقم من خلال القفازات الطبية التي تستبدل بغيرها كل ساعة، إلا أنني أدركت سريعًا أن التعقيم مستحيل»، يقول رمزي لـ«مدى مصر».

أحد مشاهد رمزي في سيارة. قبل أن يستقلها مباشرة، يخرج أربعة أشخاص منها، ويعطيه أحدهم هاتفًا يستخدمه بعد أن يدخلها. يؤكّد رمزي أن هناك، على أقل تقدير، ست مساحات داخل السيارة لا بد من أن يلمسهما، تشمل عجلة القيادة والمقعد ومقبض المقعد الذي يعدل مسافته من عجلة القيادة. كيف يضمن خلوها جميعًا من الفيروس؟ خصوصًا مع العلم أن نصف طاقم العمل لا يأخذ موضوع الكورونا بجدية، ويتصافح الكثيرون في اللوكيشن كأن كل على شيء ما يرام.

أخذ رمزي استعداداته: زار والدته للمرة الأخيرة قبل نيته مقاطعتها لأسابيع التصوير، حماية لها، وتصالح رمزي مع فكرة أنه في الغالب سيصاب بالعدوى. بدون ذلك التصالح، كان قلق رمزي المستمر وتركيزه في التعقيم سيمنعه من التمثيل، الذي يستدعي قدر كبير من الاسترخاء.

طال القلق من العدوى قطاعات أخرى في مجال الإنتاج الدرامي، وأثار تساؤلات بين العاملين فيه عمّا يجب عمله في مواجهة مخاطر العمل في بيئة تستوجب تواجد عدد ضخم من الأشخاص في مكان واحد. 

في جروب واتساب، طرح عبدالعزيز فهمي*، سؤالًا عن العمل في ظل تفشّي «كورونا». كان فهمي قلقًا، وشعر أنه في ظل انتشار الوباء، فإن طبيعة عمله وعمل زملائه في المهنة، باقي أعضاء الجروب، قد تعرضهم للخطر.

الجروب يضم مجموعة من العاملين في أحد قطاعات المهن السينمائية، وسرعان ما بدأ أعضاؤه -بعد تساؤل فهمي- خوض مناقشة طويلة حول أمانهم، فهم يعلمون مثل رمزي أنه مهما حاول المنتجون، فإنه يستحيل مكافحة الفيروس في اللوكيشن.

طبيعة العمل السينمائي تتطلب اقتراب مستمر بين أفراد الطواقم المختلفة، فقسم الصوت مثلًا يعلّق الميكروفونات على ملابس الممثلين، وتستخدم نفس الميكروفونات مع ممثلين مختلفين، وقسم الأزياء يتعامل مع طاقم التمثيل بأكمله، ويخزن الملابس في مكان واحد، تدخل وتخرج منه طوال الوقت، الماكيير يقترب من وجوه الممثلين، ويستخدم نفس الأدوات لهم جميعًا، والممثلون يتفاعلون جسديًا في الكثير من المشاهد.

تدرجت المناقشة في الجروب ليُطرح سؤال محوري: ماذا نفعل؟ هل نطالب بإجراءات أمان صارمة في «اللوكيشن»، كالتطهير والتهوية وقياس حرارة أي شخص يدخل إليه؟ هل نرفض أي عروض عمل غير ضرورية لتجنّب العدوى؟ ما هو العمل الضروري؟ هل مسلسلات رمضان ضرورية؟ أم نطالب المنتجين بتعليق العمل لبضعة أسابيع في هذه الفترة الحرجة من تفشي الوباء؟

رغم اتخاذ الحكومة المصرية عددًا من القرارات لمنع التجمعات الكبيرة، آخرها فرض حظر تجوّل جزئي يبدأ من اليوم الأربعاء، وشملت تقليص أعداد العاملين في أماكن العمل ومنع الحفلات والفعاليات الرياضية وغلق أماكن التجمعات كالحدائق والنوادي والمطاعم، ولكن تصوير المسلسلات والإعلانات، التي بدأ موسمها كالعادة في الشهرين السابقين على رمضان، مستمر.

خلق ذلك توترًا بين طواقم العمل، من بينهم بعض الممثلين والمصممين والكتّاب من ناحية، وبين المنتجين من ناحية أخرى، وهو توتر تمتد جذوره إلى طبيعة علاقات العمل بين العاملين وأصحاب العمل في مجال الإنتاج التليفزيوني، وأبرزت الأزمة الحالية معضلات بشأن حقوق العمال في التعامل معها، والتزامات المنتجين تجاه أمانهم، وكيفية إيجاد حلول لتجاوز الأزمة.

فاقمت أزمة «كورونا» وضعًا صعبًا للإنتاج التليفزيوني المصري. ففي السنوات الماضية، أصبح إنتاج المسلسلات يتم في أضيق الحدود الزمنية قبل موسم عرضه المعتاد في شهر رمضان، حيث تبدأ القنوات التي تتعاقد مع شركات الإنتاج في الإنفاق قبل نحو شهرين فقط من بداية رمضان، كما يوضح المخرج السينمائي يسري نصر الله.

يشير نصر الله إلى الظرف المعتاد لبدء تصوير المسلسلات قبل رمضان مباشرة، حيث إن المحطات تبدأ في الإنفاق على المشروع في ذلك الوقت، ما يجبر المنتجين على العمل لفترات تتجاوز 17 ساعة في اليوم، لتصوير حلقات يتم كتابتها في ذلك الوقت أيضًا نتيجة عدم تعاقد المنتج مع الكتاب إلا بعد الحصول على الأموال من القنوات، مما لا يتيح وقتًا للتحضير والعمل مع الممثلين، ومما يؤدي إلى العمل أثناء رمضان نفسه، بالتوازي مع عرض حلقات تم إنتاجها، والعمل مع أكثر من طاقم أحيانًا لضرورة إنجاز الحلقات.

يقول نصر الله إن طريقة إنتاج المسلسلات في مصر غير إنسانية، بـ«كورونا» أو بدونه، وأنها تضع العاملين تحت «ضغط رهيب» من المنتجين، وتضع المنتجين تحت نفس الضغط من القنوات، كأنهم في «بطارية فراخ»، على حد تعبيره.

استخدمت كاتبة السيناريو مريم نعوم، التي تشترك في كتابة أحد المسلسلات، استعارة التدجين أيضًا لوصف تلك العلاقة، حيث استنكرت على صفحتها على فيسبوك رؤية المنتجين للعاملين كدجاج يبيض ذهبًا، بحسب ما كتبت، وأنهم إن كانت حيواتهم تحت التهديد فإن المنتجين يخافون على ذهبهم وليس على حيوات عامليهم.

لخصت نعوم المشهد قائلة: «قنوات ضاغطة على المنتجين عشان يعرضوا.. والمنتجين ضاغطين على الفنانين والفنيين عشان يصوروا.. والفنانين والفنيين مجبرين يصوروا عشان إحساسهم بالمسؤولية وخوفهم من قطع العيش في المستقبل.. والنقابات بتتفرج علينا ومش قادرة تطلع بيان يلزم بوقف التصوير مع إنه بيجيلهم عشرات التليفونات يوميًا من فنانين وفنيين مش عايزين ينزلوا التصوير».

أحد أفراد الطواقم الذين أبلغوا النقابات الفنية بأنهم لا يرغبون في النزول إلى اللوكيشن هي الممثلة سناء جميل*.

بدأ الوضع مع سناء فقط بالسؤال عن الإجراءات الاحترازية في موقع التصوير، من أدوات وإجراءات للتعقيم ومنع نقل العدوى. ولكن حتى مع التطمينات من مسؤولي الموقع التي شملت إرسال صور تظهر وجود ما يمكن وصفه بـ«جاردات التعقيم»، وهم موظفون على مدخل اللوكيشن مسلحون بالمعقمات للحيلولة دون تسلل الفيروس إلى الموقع، قررت سناء أن الاحتياطات ليست كافية، ويجب تعليق تصوير المسلسل، وهو القرار الذي اتخذه ممثلون آخرون.

«جميع البروتوكولات الدولية تؤكد خطورة تواجد عدد كبير من الأشخاص في أي مكان، ومنهم أماكن العمل، وبدأنا في رؤية أصدقائنا يعملون من المنزل، وشاهدنا تقليص أعداد العاملين في الأعمال التي تتوجّب الذهاب إلى مكان العمل، فكيف يستمر التصوير في مواقع تستوجب وجود نحو 150 عاملًا، وذلك في الأيام التي لا يتواجد فيها مجاميع؟»، تقول سناء.

أبلغت سناء رؤساءها بقرارها، كما أبلغهم ممثلون آخرون في مسلسلها. وفشلت محاولات المنتجين لإثناءها عنه، ودفعها عدم تقبلهم للقرار، وامتناعهم حتى عن إظهار أنهم يفكّرون في تعليق العمل، إلى لجوئها إلى نقابتي التمثيليين والسينمائيين طلبًا لتدخّلهم. كانت تعلم أن لها الحق في الامتناع عن العمل مع وجود وباء، وأن المنتجين لن ينطبق عليهم الشرط الجزائي في حال تأخروا في تسليم حلقاتهم للقنوات التي تعاقدوا معها عليها، ولم تفهم لِمَ يعرضونها للخطر.

يؤكّد محمود عثمان، المحامي المتخصص في قضايا الإبداع بمؤسسة حرية الفكر والتعبير، أن القانون المدني المصري الحالي واضح في سماحه بإيقاف المسؤولية التعاقدية للفنان في حال وجود قوة قاهرة، أو ما يشير إليه الكثيرون بالمصطلح الفرنسي «force majeur»، التي قد تكون ظواهر طبيعية أو كوارث.

يؤكد عثمان أن القوة القاهرة يُنص عليها في أي عقد، والتي تكون خارج إرادة طرفي العقد، وأنه في حالة وجودها يتم إيقاف العقد لحين انتهاء تلك القوة القاهرة، بدون تعويض. أي أنه في حالة الإنتاج التليفزيوني، يخلي هذا الشرط مسؤولية الفنان بتعويض شركة الإنتاج.

يشدد عثمان على أن القوة القاهرة تسري أيضًا على تعاقدات شركات الإنتاج مع القنوات، حيث تخلي مسؤولياتها تجاههم، وتعفي من أي شروط جزائية بموجب بند القوة القاهرة. يقول إن ذلك حق لهم، فإذا قررت الشركات أن تتنازل عنه فذلك قرارهم، ولكن لا يجب أن يُلزموا العاملين لديهم به أو إجبارهم على النزول، حيث إن هناك قوة قاهرة تعطيهم حق الامتناع.

هنا يأتي دور النقابات، بحسب عثمان. لجوء سناء إليها كان في صميم عملها، حيث يؤكّد عثمان أنه بحسب نص الدستور، وبحسب المادة 5 من قانون النقابات الفنية رقم 35 لسنة 1978، تجبر أي شخص سيعمل في أي عمل مرتبط بنقابة المهن السينمائية أو التمثيلية أو الموسيقية أن يكون عضوًا بها أو ينال تصريح منها مقابل مراجعة هذه النقابات للعقود وحماية مصالح هؤلاء الفنانين في عقودهم. يؤكّد أن ذلك الدور هو من اختصاص النقابات بشكل أصيل.

ولكن إلى اليوم، وحتى بعد صدور قرار بحظر التجوّل، لم تصدر النقابة أي قرار محدد بوقف تصوير الأعمال الدرامية والإعلانات، ولم يصدر القرار مجلس الوزراء، وهي الجهة الأخرى التي لديها القدرة على إصدار مثل هذا القرار بحسب عثمان.

كان رد النقابة على سناء هو تسجيل مذكرة ودية، ولكن بشكل ليس له أي مردود قانوني يلزم أي طرف بأي شيء، ولم ترد النقابة على أسئلة «مدى مصر» بخصوص ذلك، ويستمر تصوير المسلسل الذي تمثّل فيه سناء رغم الحظر.

يرى نصر الله أنه لا بد من وقف التصوير لمدة 14 يومًا على الأقل، وأن يتكافل الجميع في الأزمة لأن الأمان هو الهم الأول الآن، وليس فقط الأمان الجسدي ولكن المادي أيضًا للذين يعتمدون بشكل كلي على موسم المسلسلات في «أكل عيشهم». يرى نصر الله أن هناك واجبًا إنسانيًا من المحطات والمنتجين والنقابات بوقف التصوير دون انتظار قرارات حكومية والتكفّل بعامليهم الذين «يُحلبون» منذ سنوات، على حد تعبيره، بصرف الحد الأدنى على الأقل من أجورهم حتى تمر الأزمة ويستمر العمل.

أما عثمان، المحامي، فيرى أن المسؤولية تقع بشكل رئيسي على الجهات الرسمية، متمثلة في النقابات الفنية والحكومة، التي يجب أن تصدر قرارًا يلزم الجهات الإنتاجية بمنع تصوير الأعمال الفنية، ويلزمهم بالتزاماتهم المالية تجاه العاملين، لأن العقود ما زالت سارية ولأن العاملين لن يستطيعوا البقاء في منازلهم دون أجور، ويجب أن تشرف الدولة على تطبيق ذلك، مؤكدًا أن الجهات الإنتاجية في أغلب الأحوال تغطي تكاليفها، وإن خسرت فإن الدولة هي التي يجب أن تعوضها، وليس العاملون.

دون صدور ذلك القرار، سيعمل السينمائيون تحت ظروف أشد وطأة من الظروف الصعبة التي يعملون فيها عادة. يقول رمزي: «لا أستبعد نهائيًا استمرار التصوير وسط الحظر، فأنا أتخيل بسهولة الانتهاء من تصوير مشاهدي في الحادية عشر ليلًا، وتوجيهي إلى الكارافان لأبيت حتى انتهاء الحظر في السادسة صباحًا، احتمال كبير ‘نتفشخ’».

* اسم مستعار.

اعلان
 
 
عثمان الشرنوبي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن