حافظ/ي على هدوئك| طاعون ألبير كامو.. من العزلة إلى التضامن
 
 

بدأ العزل يحاصرنا أكثر فأكثر، بعد أن كان عزلًا ذاتيًا، صار حظر تجول. لا نخشى على أنفسنا فقط ولكن على أحبابنا أيضًا. نرشح في كوكبة «حافظ/ي على هدوئك.. ياما دقت عالراس طبول» عدة أعمال، من وسائط متعددة، تتحدث عن الأوبئة. لا نقصد من الترشيحات أن نجعلك تنغمس في حالة الذعر، ولكن ربما تفيدك في التعامل مع الموقف، أن تتعرف على حقيقة وضعك، وأن تتصرف من خلاله، بدون هلع معطل أو تفاؤل مفرط.

في عام 1947 وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، كتب ألبير كامو روايته «الطاعون»، عن وباء يسود مدينة وهران بالجزائر، فيحتجز السكان بداخلها، ويودي بحياة العديد من مواطنيها.

جاءت الرواية بعد عدة أعمال بارزة للكاتب، ربما أهمها روايته «الغريب» وكتابه «أسطورة سيزيف»، الذي يمكن أن نقول إنه يلخص فيه فلسفته.

على الأرجح كانت الرواية رد فعل مباشرًا على الحرب العالمية الثانية، والرمز الأساسي فيها لا يشير إلى وباء يهدد الصحة بل إلى النازية، وتحديدًا فترة الاحتلال الألماني لفرنسا، وكذلك أعمال المقاومة الفرنسية.

ولكن رغم أن هذا هو التفسير المباشر لكنه ليس التفسير الأوحد، يمكن أن تعتبرها رواية عن التضامن الإنساني، أو انتصار الإنسان (المؤقت) على شر كبير، أو اعتناقه لقضية تفوق القضايا الفردية، أي يمكن أن تقرأها كوصف لحالة الوجود عامة، خاصة أن كامو منسوب إلى التيار الوجودي الذي بدأ من فرنسا وانتشر منذ أربعينيات القرن العشرين وحتى ستينياته.

ولكن بالنسبة لي، فالأهم من هذا كله أن «الطاعون» عمل أدبي كبير وعظيم، ومثل كل الأعمال الكبيرة والعظيمة، يعنينا فيها ما تقوله لنا أكثر مما تقوله لعصرها.

منذ انتشار وباء كورونا، وتحوله إلى «جائحة» على حد وصف منظمة الصحة العالمية، تضاعفت مبيعات رواية «الطاعون» في العديد من أنحاء العالم. كذلك اهتم النقاد بأن يضعوها على رأس، أو من ضمن، قوائم الكتب التي ينبغي عليك أن تقرأها خلال فترة العزل الصحي.

قد يعتبرها البعض قراءة معزية في زمن الوباء، ولكن قد يعتبرها آخرون مرشدًا للتعامل مع الوضع الحرج الذي نعيش فيه، ورأيي أن الرواية ينبغي قراءتها في كل وقت، لأنه كما تبين لنا؛ فجميع الأوقات حرجة.

تدور الأحداث (المتخيلة) في مدينة وهران بالجزائر، التي بدأت تظهر فيها فئران ميتة، لم يأبه بها الأهالي أولًا، قبل أن تصل الحمى إلى البشر ويبدأ السكان في السقوط.

يسرد القصة الطبيب ريو، بأسلوبه التقريري والبارد رغم بؤس الأحداث التي تدور من حوله. وخلال سرد القصة يظهر التنوع بين موقف شخصيات العمل من هذا الحدث الكبير. ولكن كذلك من خلال السرد يظهر مدى الشبه بين ما يرويه كامو/ريو، وبين ما نعيش فيه حاليًا.

في البداية لم يصدق الناس ولا السلطات بوجود انتشار لوباء في المدينة، عاش البعض في الإنكار لفترة قبل أن تنزل عليهم البلايا.

«الواقع أن البلايا هي شيء شائع، ولكنك تصدقها بصعوبة حين تسقط على رأسك. لقد عرف العالم من الطواعين ما عرف من الحروب. ومع ذلك فإن الطواعين تفاجئ الناس دائمًا».

مثلما يشير الفيلسوف آلان دو بوتون في مقال له عن الرواية، لم يصدق الناس في وهران أن الطاعون سيصل إليهم، لأن القصص التي يعرفونها عنه تعود إلى عصور قديمة. قتل الملايين في أوروبا في القرن الرابع عشر ومئات الآلاف في إيطاليا في القرن السابع عشر، ولكن الآن (لنقل في عام 1947 أو عصرنا الحالي) نحن أكثر تقدمًا من أن يصيبنا الطاعون، لدينا العلاجات والتطعيمات والأنظمة الصحية فكيف نشهد هذه الكارثة؟

ربما هذا هو ما جعل الناس يتجاهلون الإشارات في البداية، (موت الفئران)، حتى بدأ الوباء يحصد البشر.

ومع ذلك أدت «وصمة» الطاعون إلى تردد السلطات الصحية في التعبير عن الوباء بهذا الاسم، هذا الذي جعل الطبيب ريو يقول لهم، بطريقة تناسب شخصيته: «يبقى سيان أن تسموه طاعونًا أو حمى متفاقمة. فالمهم فقط أن تحولوا بينها وبين أن تقتل نصف المدينة».

منذ وقت مبكر كان ريو يعرف ما الذي ينبغي عليه عمله، هو طبيب وعليه أن يقوم بدوره، أن يصارح الجميع، وأن يساعد أكبر قدر ممكن من الناس، بدون أن يكون هناك وازع ديني (هو الملحد)، أو أخلاقي نابع من فكر بعينه، ومتجاوزًا أحزانه الشخصية نفسها، إذ إن زوجته مريضة (مرض غير متعلق بالطاعون) وتحتضر خارج المدينة.

في نفس الموقف أسرع الأب الجزويتي بانولو بإلقاء عظة قال فيها للمؤمنين إن الوباء عقاب لهم على خطاياهم «إنكم في المصيبة يا إخوتي، وإنكم لتستحقونها». قبل أن يشهد بنفسه موت طفل من الطاعون فيراجع أفكاره، مما يجعل الراوي يعلق قائلًا إن «دين عهد الطاعون لا يستطيع أن يكون دين جميع العهود».

وكذلك رامبير الصحفي الذي عَلِق في وهران وأراد أن يعود إلى حبيبته في فرنسا، لأنه ليس مواطنًا من هنا والوباء لا يخصه، قبل أن يعرف أن ريو يمر بموقف أكثر قسوة، ذلك الذي جعله يبادر بالتطوع في مجموعات مكافحة الوباء.

من شخصيات الرواية الأخرى كان تارو، الذي قدم إلى وهران منذ فترة قصيرة، لا يُعتبر مواطنًا ولكنه نظم مجموعات التطوع، وكانت هذه فرصته في أن يكون «قديسًا بغير أن يؤمن بالله».

وجران الموظف البائس الذي لا يحقق أحلامه الأدبية، ولكنه يلتزم التزامًا كبيرًا في التطوع في مواجهة الطاعون.

وأخيرًا كوتار الذي كان يحاول الانتحار في بداية الرواية، الأمر الذي أزعج السلطات المشغولة بالطاعون، والذي بدا أنه استطاع أن يتفاهم مع المجتمع من حوله حين شعر الجميع بالخوف، وحين انتهى الطاعون، بد أنه فقد عزيزًا عليه، اختل عقله وبدأ يطلق الرصاص على الناس في الشوارع.

أكثر ما سيؤثر فينا عند قراءتنا، أو إعادة قراءتنا، للرواية هو أوجه الشبه بين ما يتحدث عنه كامو وما نعيش فيه.

بشكل مباشر يلجأ الناس لرجال الدين عند الأزمة، لكن بعدها يلجأون للخرافات والوصفات وتمائم الحظ.

حتى المعلومات المغلوطة التي تنتشر في مواقعنا الاجتماعية تحدث عنها كامو، إذ ظهرت صحيفة مخصصة لأخبار الوباء ومكافحته، ثم تحولت إلى الإعلانات المزيفة عن عقاقير ووصفات تعالجه.

ولكن الأبرز من كل ذلك، وهو ما نشهده، وما سنشهده بشكل أكبر، هو التغير الذي حدث للشخصيات ولأهالي وهران، بحيث رأينا مواقف وتصرفات لم نكن نتوقع أن تصدر منهم: «إن العاطفة التي تنسج حياتنا والتي كنا نحسب أننا نعرفها حق المعرفة كانت تتخذ وجهًا جديدًا. فقد اكتشف أزواج وعشاق كانوا يثقون أعظم الثقة ببعضهم أنهم غيار، واستعاد رجال كانوا يحسبون أنهم طائشون في الحب ثباتًا واستمرارًا، ووضع أبناء عاشوا بالقرب من أمهاتهم دون أن يهتموا بهن، كل قلقهم وندمهم في ثنية من وجوههن التي كانت تراود ذكرياتهم».

من السهل إضفاء حس أدبي وفلسفي على وضعنا الحالي، وكذلك يمكن أن نسرع بالبحث عن مغزى أخلاقي لانتشار الوباء، وبالمناسبة هذا لا يسهل على المتدينين فحسب بل على حاملي أي أيديولوجيا.

والحقيقة أن وباء عصرنا فريد من نوعه، لا يطلب منك أن تحمي نفسك فحسب بحرصك، ولكن أن تحمي الآخرين. أنت لا تخشى على نفسك فقط، هذا الذي يجعل في يديك الحق في أن تُهمل، ولكنك تهدد الآخرين أيضًا، إذن نجد أنفسنا مجبرين، أكثر من شخصيات كامو، على البحث عن الخلاص الجمعي.

يقول كامو في رسالة له: «النقلة من (الغريب) إلى (الطاعون) هي النقلة من العزلة إلى التضامن».

وكذلك بعدما عرفنا من «أسطورة سيزيف»، أن الوجود عبثي، ولكن علينا أن نتقبل ذلك ونمضي قدمًا من خلاله، عرفنا من «الطاعون» أن المجموع يمكن أن يتعرض للسخف: «حين تنشب حرب ما يقول الناس: (إنها لن تدوم طويلًا، فهذا أمر مفرط في السخف)، ولا ريب أن حربًا ما هي أمر مفرط في السخف، ولكن ذلك لا يمنعها من أن تدوم. إن السخف يلح دائمًا».

بالتالي علينا أن نتقبل هذا الوضع ونمضي قُدمًا، مسترشدين بأسلوب الطبيب ريو.

ولكن قبل أن ننهي الرواية، التي انتهت بالخلاص من الوباء، لا ينسى ريو أن يذكرنا أن الطاعون، مثل الموت، قائم وسيعود من جديد:

«والواقع أن ريو، إذا كان يستمع إلى صيحات الفرح والجذل التي كانت تتصاعد في المدينة، كان يتذكر أن هذا الجذل كان دائمًا مهددًا. ذلك أنه كان يعرف ما كان هذا الجمهور الفرح يجهله، وأن بإمكان المرء أن يقرأ في الكتب أن قُصيمة الطاعون لا تموت ولا تختفي قط، وأنها تستطيع أن تظل عشرات السنوات نائمة في الأثاث والملابس، وأنها تترقب بصبر في الغرف والأقبية والمحافظ والمناديل والأوراق التي لا حاجة لها، وأن يومًا قد يأتي يوقظ فيه الطاعون جرذانه، مصيبة للناس وتعليمًا لهم، ويرسلها تموت في مدينة سعيدة».

المقاطع المقتبسة من ترجمة سهيل إدريس.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن