سابع مدى| موت مُنسِّق موسيقى
 
 

يُحكى أن رجلًا، وهو ينسق الموسيقى، رأى مَن تبيّن في هيئته الغرابة.

عرف أن هذا الشخص الواقف بين الراقصين هو الموت الذي وصفه له أبوه قبل موته.

عينا الموت مرعبتان، حذره أبوه. «إن أطلت النظر فيهما تسقط في الحال».

عليك أن تقاوم، ألا تنظر، قال الأب محذرًا ولده.

الرجل لم ينظر إلى الموت، شعر أن النظرة القاتلة موجهة له فهرول هاربًا.

سأل الرجل وهو يشيح بنظره عن مُحدِثه: «يا موت لقد هربتُ منك، وسافرتُ لبلد آخر غير بلدي، فكيف دنوتَ مني؟ ألا يوجد مفر منك؟»

فرد: «أتعرف أيها الميت، أنت في حكم الميت على أي حال، وباعتبار ما ستكون أحدثك. قيل لي إن مهمتي أن أقبض روحك فوق بلد آخر غير بلدك في طريقك لبلد ثالث، فتعجبتُ حين رأيتك تعزف الموسيقى، قلت لنفسي: عجيب.. كيف سيموت هذا الرجل بين السحاب؟».

«أردتُ الهرب، عرفتُك فخفتُ من قبضتك، أشحتُ ببصري بعيدًا عن عينيك.. وجريتُ قدر طاقتي، ورغم ذلك ها أنت أمامي في حمام طائرة».

«أنا لا أريد الموت، اتركني أعيش يا موت».. هكذا قال الرجل وهو بين يدي الموت الذي أراد أن يطمئنه: «أتظن أنك ستُخلد أبدًا، كل إنسان يموت، لكن في طريقه إليّ سيقاوم طلبًا للخلود» قال الموت، ثم نظر إلى الرجل فصار ميتًا، وبقيت حكايته:

في صيف القاهرة قد يحدث أي شيء، تدب الحرارة في العروق، يغرق النائم في عرقه، ويجف ريقه. يهرب الناس إلى البحر، تحدث المشاجرات بين الجيران لأتفه الأسباب، يقوم الضباط بثورات. صيف القاهرة تسكنه المفاجآت.

في مطعم وبار بالزمالك، جلس ثلاثة، ناقد وروائي وصديقهما محمود.

الروائي يكتب مقالات ناقدة للحكم، نُشرت له خمس روايات ونال جائزة عن أحدثها. أما الناقد فهو متخصص في الدراما ويلوم الرئيس على الأمور كافة، وأسس حركة احتجاجية سمّاها: «لُمْ المتشددين».

خلال أيام حكم محمد مرسي الأخيرة، جلس الثلاثة معًا في المطعم والبار. تحدث الروائي عن ضرورة الكتابة عن الرئيس عبر عمل ملحمي ينتقده بعنف.

الناقد تحمّس للفكرة قائلًا إن الكتاب سيكون «خريف الغضب» بروح معاصرة. التشبيه دفع محمود للتفكير في شخصية الرئيس المقتول في 1981. فكر في أن يستوحي من السادات حكاية، وتحمّس محمود شارحًا إياها مثل أي مهتم بالفنون يروي تنظيراته لمُجالِسيه: «شخصية فنية غنية، رجل يحكم البلاد ويفتش عن طُرق الخلود، يبحث عن شهرة عالمية، ينقلب على سياسات سلفه ويخوض حربًا ثم يتجه للسلام. وفي حياته الكثير من الألغاز والمؤلفات والمشاريع الفنية، حين أراد أن يعمل الموسيقار بليغ حمدي مع المنشد سيد النقشبندي». الصديقان تعجبا من رجعيته وهروبه من إدراك اللحظة الفارقة بالحديث عن السادات كشخصية فنية.

يحذر الناقد محمودًا من خطورة استمرار حكم المتشددين، الذي سيؤثر فيه على نحو مباشر. ثم يستلم الروائي الخيط شارحًا سيناريو تدمير حياة الليل عبر إغلاق أماكن بيع الخمر وشربه.

يحضر الطعام مصحوبًا بزجاجتي نبيذ، يبدأ الصديقان في الأكل والشرب، ومحمود يدخن.

وهو يأكل قطع من اللحم المشوي المغمور في صوص المشروم، يقول الناقد إن الموسيقى ستُحرم في طول البلاد وعرضها، ثم يقول الناقد مقربًا كأسه من فمه: «دعك من السادات، لُمْ المتشددين يا مان».

***

اعتاد مشاركة ذوقه في الموسيقى مع الآخرين. كل تِراك جديد يلقى إعجابه يعامله كوحي، إن ذاع سينشر البهجة في نفوس السامعين. كأنه مُكلف برسالة ويحشد التابعين عبر تقديم ذوق فني يختلف عن المكرس من قِبل وسائل الإعلام التقليدية.

منذ كان في المدرسة يبثّ الموسيقى في الإذاعات الداخلية. حدث ذلك في كل مكان عمل به، وكثيرًا ما عمل بوظائف مختلفة. تركز هوسه على شراء أجهزة توليف الصوت، وطمح في أن يكون مهندس صوت.

عرف محمود أن من الصعب أن تقدم جديدًا، لكن يمكن أن توهم بوجود جديد بين يديك لتسمعه للناس. الكلام، والحكم، والحكايات، كل شيء قد قيل بالفعل، لكن إذا نُسق بطريقة ما سيحمل دلالة أخرى، ويصبح خلقًا جديدًا.

انتبه مبكرًا إلى أن هناك أغاني لا ينبغي أن تُسمع كاملة، هناك مساحات يمكن حذفها من كل أغنية لتكون مكثفة وقوية ومؤثرة. أيضًا قد تتلاقى جملة لحنية مع أخرى، ويمكن قطع لحن ووصله بآخر، سيكون ذلك اللحن المخلوق أفضل من الأصليين.

فكر في طُرق تجعل النقلات غير مزعجة للمزاج، وذلك عبر إضافة أصوات، واللعب في شريط الصوت.. هكذا نشط في تعديل شغل الفنانين.

ثم طفق يطارد الفاعلين في عالم إنتاج الموسيقى، حتى نال فرصته الذهبية؛ فقرة أسبوعية في واحد من أكبر الملاهي بجزيرة الزمالك.

***

الثلاثاء يوم سعد زبائن الملهى، موعدهم مع فقرة محمود الأسبوعية. لا يعزف الموسيقى بل ينسقها؛ يقود الإيقاع بلوح المزج الـ mixer. يحركهم ويتابعهم.

يرفع كأسه الخضراء المشتعلة في العتمة. يرتدي نظارة شمسية داخل المكان المكتوم، ثم يشرب.

يزيد البخار، ويتكثف.

تتعالى الرطوبة، تتضاعف الكتمة؛ العرق يختلط مع رائحة الدخان. الجمهور مسحور، منسق الموسيقى يسيطر على الأجساد وباله مشغول بسعادة العيش الآنية، وكيفية الإفلات من الموت.

***

محمود يحلم، هو في حديقة بُنيت من خيال، ورودها صُنعت من طبقة رفيعة من الحديد.

ورود تستشعر طلبات رواد الحديقة، بل تلبيها. تتحرك ويستخدمها الرواد في التنقل بالمكان، وعبر الزمان أيضًا.

الحديقة بها مساحة مخصصة للسباحة، وأخرى للجلوس في الشمس، بها أشجار فاكهة، وورود نادرة. وحشائش مريحة للنوم، ودثار من أوراق الشجر، في الظل يمكن النوم، وفي الشمس يتغذى الجسد ويتشبع بما يحافظ على نضارة الجلد، وصلابة العظام أيضًا.

حديقة مفتوحة للجميع، وبلا مواعيد أو تذكرة. وُجدت كما الحلم؛ لا يُعرف أين موقعها، ولا مَن أسسها، ولا علم لأحد بالغرض من وجودها. لم يعلم كيف دخل الحديقة الجميلة.

سمّى الحديقة التي رآها في الحلم: «حديقة ورد الحديد».

حين استيقظ لم يتذكر تفاصيل الحلم، لكنه كان سعيدًا. مرة وراء الأخرى بدأ مكان الحلم يتكرر، وبدأ محمود يلم بجوانب الحديقة. يتخيل أركانها، أي ثمار سيجد ناحية الشمال، وأي الأشجار أعلى، وأيها يمكن تسلقها ليرى مناظر الحديقة الممتدة.

لا تخبرنا الأحلام بالكثير، بل تخلف فينا المشاعر.

الآثار اليسيرة التي نعجز عن تفسيرها بالكلام أو إعادة التخيل.

***

ضمن فقرة موسيقية، وضع صرخة السادات: «اوقف مكانك.. مكانك»، وهي تتداخل مع الموسيقى الإلكترونية، ثم تعلو الصرخة فيرتبك الراقصون.

ينتزع الصوت الراقصين من سعادتهم، تتجمد أجسادهم.

ظن الراقصون أن العازف أراد أن يصنع نكتة تكسر الإيقاع المحفز للرقص بتثبيت أجسادهم. سرّب محمود مقاطع صوتية أخرى، يتلو سطورًا طويلة من كتاب «البحث عن الذات»، يتقاطع شريط صوت خطب السادات مع الموسيقى. ثم استحدث حضورًا مختلفًا للفرعون الذي طلب الخلود، مقاطع مؤلفة بالكامل؛ أعمال فنية قوامها هذيان عن الموت، وخطوات التحنيط، وعبارات من كتاب الخروج إلى النهار عن الانتقال إلى الأبدية.

***

كل ثلاثاء يرى محمود حديقة ورد الحديد في حين يرقص الناس على قوائم الموسيقى، المشبعة بمقاطع شِعرية عن الخلود في جنة ورودها من حديد.

وفي مرة فتح عينيه فرأى رجلاً تبيّن في هيئته الغرابة.

 

تُنشر قريبًا عن دار «المحروسة» ضمن مجموعة قصصية بعنوان «تربية حيوانات مُتخيَّلة».

اعلان
 
 
أحمد وائل 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن