حكايات الأطباء مع شبح العدوى
 
 
الصورة من صفحة الدكتورة منى مينا على فيسبوك
 

تستطيع داليا*، طبيبة القلب الثلاثينية في مستشفى مركزي تابع لهيئة التأمين الصحي في شرق القاهرة، كبت مشاعر الخوف من التقاط عدوى فيروس كورونا المستجد «كوفيد-19/كورونا»، ربما لأنها معتادة الأمر «أدرك أنني اتعرض للعدوى طوال الوقت في ظل غياب الإجراءات الكافية للحماية منها». في صيف 2015، تعرضت داليا للإصابة بنوع معين من البكتيريا لا يمكن الإصابة به إلا في حالتين: إما في حالة نقص المناعة الحاد من قبيل الإصابة بمرض الإيدز [مرض نقص المناعة البشري المكتسب]، أو خلال العمل في منشآت الرعاية الصحية.

«أصبت بهذه البكتيريا بسبب اضطراري للعمل على إنعاش قلب مريض توقف وكان [المريض] يواجه الموت بسبب احتقان بالرئة عبر تركيب جهاز تنفس صناعي، وهو ما يستلزم دس أنبوب في حلق المريض»، تقول داليا، «ما حدث وقتها أن المريض قذف من فمه سوائل جسمه على الفور على وجهي، ولأنني لم أكن أرتدي كمامة فقد انتقلت العدوى على هذا النحو.. كنت مضطرة للإسراع في إتمام هذه العملية في ثواني معدودة لأن الوفاة محتملة جدًا ووشيكة ما دام القلب قد توقف». استلزم شفائها من هذه البكتيريا علاجًا مكثفًا لمدة أربعة أشهر، حسبما تقول.

هذه المخاطر جزء أساسي من عمل الأطباء في المعتاد. لكن ما يفاقم الوضع هي الظروف شديدة الصعوبة التي يعمل بها أطباء القطاع الحكومي. لا يحصل هؤلاء على مقابل مادي مناسب لطبيعة عملهم. ولا يوجد تدريب وإرشاد كافٍ لتقليل مخاطر الإصابة بالعدوى، أو بدل عدوى يلائم حجم هذه المخاطر. وفي أوقات الوباء، كما يحدث مع «كورونا» اليوم، يزداد تعقيد أوضاع الأطباء أكثر فأكثر.

عدوى مستمرة

أطلقت وزارة الصحة عام 2003 برنامج مكافحة العدوى، بهدف مكافحة العدوى في المستشفيات وأثناء تلقي الخدمة الصحية. و«بناءً عليه، تأسست إدارات لمكافحة العدوى في كل مستشفى تتحمل مسؤولية التوجيه لاتخاذ تدابير معينة بناءً على سياسات مكافحة العدوى ومراقبة التنفيذ وإصدار تقييمات دورية للمستشفيات والوحدات [بناءً على تنفيذ هذه السياسات]، وأصبح البرنامج تابعًا للقطاع الوقائي في الوزارة»، بحسب علاء غنام، مسؤول برنامج الحق في الصحة في «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية».

طبقًا للنسخة الأخيرة من دليل مكافحة العدوى الصادر ضمن البرنامج، والتي صدرت في 2016، تشمل أدوات الوقاية الشخصية «القفازات والعباءات والمرايل والأقنعة وواقيات العين، والتي تعمل على وقاية العاملين في الرعاية الصحية من خطورة تعرض البشرة أو الأغشية المخاطية أو الجهاز التنفسي من الإصابة بالمواد المعدية.. ويتعين أن يقوم القائمون على هذه المنشآت الصحية بتوفير هذه الأدوات للعاملين وضمان حصولهم عليها بسهولة. ويلتزم العاملون في منشآت الرعاية الصحية باستخدام هذه الأدوات بشكل منتظم وقاية لهم من الإصابة بالعدوى والمخاطر الأخرى».

لكن الواقع العملي مختلف. تعددت حوادث وفاة الأطباء بسبب عدوى تصيبهم من أماكن العمل. خلال شهر واحد في 2014، توفي أربعة أطباء في مستشفى المنصورة الجامعي إثر إصابتهم بعدوى تنفسية. وفي نوفمبر الماضي، توفيت طالبة امتياز بكلية العلاج الطبيعي في جامعة القاهرة بعد إصابتها بعدوى تنفسية أثناء عملها، إلى جانب إصابات مختلفة تحدث طوال الوقت على مستويات أصغر.

ورغم كل المخاطر، لا يحصل الأطباء على بدل ملائم للعدوى. أقامت نقابة الأطباء دعوى أمام القضاء الإداري لإجبار الحكومة على رفع بدل العدوى المقرر للأطباء من 19 جنيهًا إلى ألف جنيه. وحكمت المحكمة في الدرجة الأولى لصالح النقابة.

تروي منى مينا، الوكيلة السابقة لنقابة الأطباء، لـ«مدى مصر» أن الأمر انتهى إلى مفاوضات تجريها وزارة المالية معهم للقبول برفع بدل العدوى إلى 38 جنيهًا فقط. «بدا أمرًا مثيرًا للسخرية للحد الذي استلزم وقف المفاوضات بطبيعة الحال»، تقول مينا. لكن، وبينما كانت المفاوضات تصل إلى طريق مسدود، انتزعت الحكومة من المحكمة الإدارية العليا انتصارًا كبيرًا على نقابة الأطباء عبر حكم يلغي الحكم الأول، بدعوى عدم اختصاص المحكمة بالنظر في القضية. و«بعدها طرقت النقابة مرارًا باب مجلس الوزراء والبرلمان دون جدوى»، حسب مينا.

دفعت هذه الظروف عددًا كبيرًا من الأطباء للتخلي عن وظيفتهم الحكومية وتوجههم إلى القطاع الخاص أو السفر للعمل خارج مصر. اتسعت الأزمة على نحو واضح في عام 2018، والذي شهد ارتفاعًا واضحًا في عدد استقالات الأطباء من المستشفيات العامة. واعترفت وزيرة الصحة هالة زايد وقتها بالعجز الكبير بالأطباء في المستشفيات التابعة للوزارة بسبب العجز عن منافسة الرواتب خارج مصر أو في القطاع الخاص، قائلة إن 60% من اﻷطباء المصريين يعملون في السعودية.

في زمن الوباء.. ما الجديد؟

إذا كان هذا هو الحال في الأوقات العادية، فإن الأزمة تزداد تعقيدًا في حالات الطوارئ، مثل «كورونا» الآن. تقول مينا إن الأطباء الآن يتعرضون لخطر إضافي، بسبب احتمال الاختلاط بمرضى «كورونا» دون القدرة على مقاومة المرض بالمناعة الطبيعية. «ثمة توجه حالي لدى وزارة الصحة بوقف كل الإجازات للأطباء بما فيها الإجازات المرضية والعارضة، ما يعني أن الطبيب إذا تعرض لأي مرض ولو عارض بما يضعف مناعته سيضطر لمواجهة خطر فيروس كورونا في المستشفى الذي يعمل به إذا خالط أي مصاب به دون أن يعلم هو أو المريض بالإصابة»، حسبما توضح.

بحسب دليل مكافحة العدوى، قد تنشأ العدوى في المنشآت الصحية بسبب «زيادة عدد المترددين على المنشآت الصحية وتزايد معدلات الإقامة داخل المستشفيات بحيث لا يتوافر الوقت والمكان اللازمين لمراعاة الالتزام باحتياجات مكافحة العدوى».

إسماعيل*، أخصائي أمراض صدرية يعمل في مستشفى حكومي طلب عدم تحديده، يعتبر أن الأزمة الحقيقية تكمن في «الزحام الشديد وضغوط العمل، لأن وزارة الصحة كان ينبغي عليها في وقت استثنائي كالوقت الحالي أن تعمم نصائح للجمهور بعدم اللجوء للمستشفيات وعيادتها الخارجية إلا عند الضرورة». يقول إنه «لا يجوز في وقت انتشار وباء مثل كورونا أن تمتلئ المستشفيات بمن يشكو من أعراض بسيطة مثل الكحة، التي يمكن أن تشفى بوصفات طبيعية أصلًا».

إلى جانب هذا، هناك أزمة حقيقية في توافر المستلزمات الضرورية للالتزام بإجراءات مكافحة العدوى. يحذر دليل مكافحة العدوى من تعرض العاملين في المنشآت الطبية للعدوى بسبب عدم الالتزام بارتداء واقيات العدوى المختلفة.

لكن توافر هذه المستلزمات مسألة أخرى. في خطاب بتاريخ 18 مارس الحالي، طالب مدير مستشفى الدلنجات المركزي في محافظة البحيرة وكيل وزارة الصحة بـ«توفير الماسكات والكحول»، بعدما طلب المدير سابقًا من مديرية الصحة توفيرها، والتي ردت بدورها أنها لا تملك أي مخزون منها.

«لا تملك [هذه المنشآت الصحية] شراء المستلزمات نفسها [الضرورية لمكافحة العدوى]»، كما يشير غنام. ويقول: «يعتمد نظام شراء المستلزمات في وزارة الصحة على شراء مركزي للسلع الاستراتيجية كالأجهزة الطبية عبر المناقصات لتقليل احتمالات الفساد كونها تسمح برقابة أكبر للجهاز المركزي للمحاسبات، الذي قد لا يصل إلى المستشفيات في الأطراف».

ويوضح أنه يحق للمستشفيات والمديريات الصحية شراء الكثير من المستلزمات الصحية الأخرى من قبيل الكمامات مثلًا من موازنتها السنوية. «لكن ما يحدث هو أن الموازنات الضعيفة للمستشفيات تضطرها للجوء للمديريات الصحية طلبًا للمزيد من المستلزمات».

ومع بدء وباء «كورونا»، ظهرت «مشكلات في سرعة توفير بعض الواقيات الشخصية وتوحيد معايير تطبيق إجراءات مكافحة العدوى»، كما يشير خطاب أرسلته نقابة الأطباء إلى وزارة الصحة قبل أيام.

نقابة الأطباء طالبت بإعادة التأكيد على جميع مديري المنشآت الطبية بضرورة متابعتهم لتوفير جميع مستلزمات مكافحة العدوى بصورة مستمرة.. وذلك لضمان الوقاية لمقدمي الخدمة الصحية والحد من انتشار «كورونا» بداخل المنشآت الصحية».

لكن داليا تؤكد أنه لم يتغير شيئًا في حياتها اليومية في المستشفى التي تعمل بها منذ بدء وباء «كورونا». «على سبيل المثال، لا يوجد أي وفر إضافي لمستلزمات الحماية من العدوى وبالذات الكمامات، فضلًا عن أننا [الأطباء في المستشفى] لم نتلق أي معلومات أو تعليمات واضحة من قبل إدارة المستشفى أو وزارة الصحة موجهة للأطباء بالذات نتأكد منها على الأقل أن المستلزمات المتوفرة هي أصلًا قادرة على مواجهة العدوى الجديدة، التي تعد بالنسبة لنا كأطباء مرض مستجد جدًا للدرجة التي يمكن القول إننا لا نعلم عنه أكثر مما يعرفه الجمهور العادي».

يزداد تعقيد الأزمة في المناطق النائية. يعمل علي*، الطبيب العشريني، في وحدة صحية في إحدى القرى في محافظة أسوان كطبيب مكلف. في حديثه لـ«مدى مصر»، يتحدث علي عن توتره الشديد من احتمال إصابته بعدوى «كورونا» بسبب النقص الحاد في مستلزمات الوقاية من العدوى في وحدته.

«أنا مضطر لشراء معظم المستلزمات الطبية الأخرى على نفقتي الشخصية وصولًا لخوافض اللسان [أداة خشبية صغيرة تستخدم في الكشف على الحلق] والسرنجات»، على حد قوله.

يقول علي إنه لاحظ تزايدًا كبيرًا في عدد حالات الإصابة بأعراض ارتفاع درجة الحرارة خلال الأسبوع الماضي، حتى «أصبحت افحص يوميًا عشرات الحالات التي تتجاوز حرارتها 40 درجة مئوية، وهو ما يعني بالنسبة لي احتمال إصابتها بكورونا، دون حماية من كمامة ولا قفاز أصلًا، فضلًا عن عدم وجود المطهرات».

يشير «علي» إلى أنه طالب الإدارة الصحية بتوفير هذه المستلزمات، لكن الرد جاءه بأن مديرية الصحة لا تملك أي من تلك المستلزمات. و«الآن أنا مضطر لدس أصابعي في فم مريض محتمل بالكورونا دون قفاز ودون كحول لتطهير يدي بعدها، فضلًا عن أن إتمام الفحص أصلًا يتطلب الاقتراب الشديد من أنف المريض وفمه دون ارتداء كمامة»، حسبما يقول.

موازنات فقيرة.. مرض لا تعالجه المسكنات

ترى منى مينا أن الوضع الحالي الذي يواجه فيه الأطباء خطرًا داهمًا بالإصابة بفيروس كورونا كان يستدعي إقرار رفع بدل العدوى على نحو يمثل تقديرًا لخطر العدوى الذي يواجه الأطباء حاليًا.

وقالت نقابة الأطباء في بيان قبل أيام إنها خاطبت رئيس الجمهورية لرفع بدل العدوى، موضحة أن بدل العدوى الحالي «لم يطرأ عليه أي زيادة منذ خمسة وعشرين عامًا تضاعفت خلالها الأسعار عشرات المرات».

تقول مينا إن توفير مستلزمات الحماية من العدوى لطالما كان ضمن مطالب النقابة الدائمة، مضيفة أن مجلس النقابة كثيرًا ما كان يعاني من تردد الكثير من الأطباء في تقديم شكاوى للنقابة بشأن نقص المستلزمات الطبية الضرورية لمنع انتشار العدوى، وهو ما كان يعوق قدرة النقابة في حصر حجم النقص في هذه المستلزمات، مبررة عدم الشكوى: «ربما بسبب اليأس من النتائج»، على حد تعبيرها.

«أما الصورة التي تظهر عليها الفرق الطبية المرافقة والمعالجة للمصابين أو المشتبه إصابتهم بفيروس كورونا، فليست إلا تجهيزات متاحة لفرق العزل فقط لا عموم الأطباء ممن قد يتعاملون مع مصابين بكورونا دون أن يعلموا أصلًا بذلك»  بحسب مينا.

يضيف إيهاب الطاهر، أمين عام نقابة الأطباء، لـ«مدى مصر» أن «الكثير من مستلزمات مكافحة العدوى تلك متوفرة بالفعل في مخازن المستشفيات، لكن الكثير من المستشفيات تلجأ لعدم توفيرها للأطباء على نحو كاف في محاولة لادخارها خشية نفادها والاضطرار لشراء المزيد بغرض التوفير».

يعترف سامي المشد، عضو لجنة الصحة في مجلس النواب، أن بدل العدوى الحالي متدنٍ جدًا، «لكن تعديله يتطلب تعديلًا شاملًا لقانون الخدمة المدنية»، على حد قوله. لكن الطاهر يقول إن الأطباء لا يخضعون لقانون الخدمة المدنية إلا فيما يتعلق بالشؤون الإدارية، أما فيما يتعلق بالشؤون المالية للأطباء فتخضع لقانون تنظيم شؤون أعضاء المهن الطبية رقم 14 لسنة 2014، وبالتالي لا يتطلب رفع بدل العدوى للأطباء إلا تعديل هذا القانون أو إصدار قرار بهذا الشأن من رئيس مجلس الوزراء، لأن بدل العدوى الحالي كان قد أقر بقرار سابق من رئيس الوزراء أيضًا.

يرى المشد أن الأجدى هو «ما تسعى إليه وزارة الصحة من تعديل اللائحة الداخلية للوزارة نفسها بحيث يمنح الأطباء حوافز إضافية مرتبطة بحد أدنى من ساعات العمل على نحو يمثل عاملًا لجذب الأطباء للعمل في المستشفيات الحكومية». لكن المشد لم يطلع أصلًا على تلك اللائحة، ومع ذلك فهو يؤكد أن الحوافز الجديدة مرتفعة للغاية لكن دون أن يحدد حجمها ولا تكلفتها، مشددًا في المقابل أن رئيس الجمهورية يساندها وتعهد بتوفير مخصصات مالية كافية لتغطيتها.

اللائحة الجديدة لا تعد تشريعًا بطبيعة الحال، وإنما مجرد قرار إداري وبالتالي لن تخضع لرقابة البرلمان، «لكن وزارة الصحة أخبرتنا أنها ستطلعنا [أعضاء لجنة الصحة] عليها بعد الانتهاء منها»، حسبما أضاف المشد.

وتعذر الاتصال بأي ممثل لوزارة الصحة، فقد امتنع خالد مجاهد المتحدث باسم وزارة الصحة عن الرد على هاتفه، وكذلك علاء عيد مسؤول الطب الوقائي في الوزارة، وحسام الخطيب مساعد وزيرة الصحة.

* أسماء مستعارة للطبيبة والطبيب

اعلان
 
 
بيسان كساب 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن