رغم حمى التخزين.. «كورونا» لم يُفرغ السوبرماركت
 
 

بشكل آلي جدًا، شقت سيدة أربعينية طريقها وسط زحام شديد بأحد فروع السلاسل التجارية. وبشكل آلي أيضًا، جمعت كل ما تقابله من مواد غذائية على الأرفف؛ لحوم مجمدة ودجاج مجمد وخضروات مجمدة. حركة يديها كانت عشوائية بطريقة ملفتة. كل ما تطاله يدها يوضع في عربة المشتريات. من قسم اللحوم للألبان، ومنه إلى قسم المعلبات المختلفة، وضعت السيدة ما لا يقل عن 30 علبة فول ومثلها تونة، وانتقلت إلى البقوليات والمكرونات، لتجمع ما تصل إليه يديها من هذه المنتجات. امتلأت عربة مشترياتها، فركنتها بجوار «الكاشير» وسحبت أخرى لتبدأ جولة مشتريات ثانية.

انعكست هذه الحالة على أفرع أخرى لسلاسل سوبر ماركت كبيرة خلال الأيام السابقة، بعدما بدأت مصر في اتخاذ عدّة إجراءات للحد من انتشار مرض «كوفيد-19»، الذي يسببه فيروس «كورونا» المستجد، والذي وصلت الإصابات به في مصر أمس، الأربعاء، إلى 210 أشخاص، بحسب ما أعلنته وزارة الصحة أمس.

«إجراء احترازي عشان الكورونا»، أجاب مدير إحدى السلاسل التجارية بسرعة على سؤال حول حالة الزحام الشديد داخل أحد فروع السلسلة بمنطقة الدقي، مشيرًا إلى بعض أرفف المواد الغذائية التي بدت خالية إلا من بعض أنواع الطعام المعلب. يقول إن حالة الزحام بدأت عقب قرار الحكومة بتعليق الدراسة: «الناس حست أن الموضوع جد بعد قرار تعليق الدراسة». بسبب هذا الضغط، اضطر فرع سوبر ماركت «الهواري» في ميدان لبنان إلى إغلاق أبوابه يوم الإثنين الماضي لتنظيم عملية الدخول، بحسب أحد العاملين هناك.

تسببت مشاهد الشراء المحموم والطوابير الطويلة في بعض سلاسل السوبر ماركت في فزع قطاع من الطبقات الغنية والمتوسطة، والتي اندفعت لإنفاق جزء من مدخراتها على شراء وتخزين المنظفات والمواد الغذائية. لكن هذا لا يعكس طبيعة الحالة الشرائية في بلد كبير بحجم مصر. على العكس، التزمت الشريحة الدنيا من الطبقة المتوسطة والشريحة الفقيرة بـ«العادي». وبحسب تقديرات مختلفة، فإن أيًا من هذا لن يتسبب في أزمة نقص حقيقية في السلع والبضائع.

على الرغم من الزحام، كانت أرفف «الهواري» ممتلئة. كل أنواع الأرز والمكرونة والتونة واللحوم لم يظهر أنها في شح، فيما كانت عربات التوريد تفرغ منتجاتها من باب المحل الخلفي. يوجه العملية عيد الهواري، مدير الفرع، والذي أكّد لـ«مدى مصر» أن الزبائن مقبلين بشدّة على المكرونة والأرز والدقيق والعدس والبقوليات المختلفة والمعلبات والزيت والشاي والسكر والجبن واللحوم، وكذلك المنظفات، مثل الديتول والكلور. الأخير فقط لم تكن متوفرًا.

يشير أحمد محمد، مهندس في إحدى شركات الاتصالات يسكن في مدينة الشيخ زايد، والذي شاهد الطوابير أول الأسبوع الجاري أمام محلات السوبر ماركت الكبيرة هناك، إلى أن هذه المحلات تخدم الكومباوندات الثرية التي يستطيع قاطنوها إنفاق بضعة آلاف جنيه في رحلة تسوّق واحدة، ولديهم السعّة لتخزينها في المنزل، بالقدرة على اقتناء ثلاجات كبيرة وثلاجات ديب فريزر.

يعتقد محمد أن من يعانون جراء هذا هم سكّان تلك المناطق الذين يذهبون لشراء منتجات عادية بكميات عادية ولا يجدونها: «ذهبنا أنا وزوجتي منذ يومين لشراء سلع تافهة، كنا نريد شراء نوتيلا وعيش توست أبيض وبرطمان طماطم معلبة للطبخ، لم نحاول دخول محلات سوبر ماركت مثل سعودي وفريش فود لوصول طوابير الزبائن إلى خارجها».

نفس التجربة مرّت بها نوران حامد، المدرسة الساكنة في حي التجمّع، والتي اضطرت للوقوف في طوابير هائلة في سوبر ماركت «أوسكار» هذا الأسبوع، ولم تجد حتى الخل، الذي تعتقد أنه اختفى من على الأرفف لاستخدام الناس له كمطهّر، فضلًا عن غياب العيش الأبيض من على الأرفف.

يقول عضو سابق بشعبة المواد الغذائية في الغرفة التجارية بالقاهرة، رفض نشر اسمه، إن بعض الطبقات سخرت جزءًا من مدخراتها لتخزين السلع الاستراتيجية للمنازل أسوة بما حدث في بريطانيا عقب تفشي المرض، لافتًا إلى أن حجم الطلب في لندن مثلًا ارتفع على سلعتين أساسيتين هما المكرونة والمناديل الورقية، لدرجة أحدثت عجزًا في المعروض منهما، وتم تحديد كميات معينة من السلعتين لكل أسرة.

لكن عددًا من مسؤولي سلاسل السوبر ماركت أكدوا توافر السلع رغم زيادة الطلب، بسبب الطبيعة الخاصة لهذه السلاسل. هذه السلاسل تتخصص في تقديم الكميّات الكبيرة ومتنوعة، ويعرضونها بأسعار مخفّضة لاجتذاب الزبائن. ولهذا يكون أغلب تعاقدات هذه السلاسل مع الشركات المنتجة للمواد الغذائية طويلة الأمد، كما أن لديها مخازن كبيرة تجعلها قادرة على تخزين كميات هائلة، وهو ما ينقذ الفروع المختلفة في أوقات الأزمات، بحسب ما قاله أحد موظفي خدمة العملاء في أحد فروع سلسلة ثانية بمنطقة الهرم لـ«مدى مصر».

كما أن هذه السلاسل الكبيرة لا تعبر بشكل دقيق عن طبيعة عملية شراء وتموين السلع والبضائع في مصر. بحسب تقرير صادر عن وزارة الزراعة الأمريكية حول سوق بيع الغذاء بالتجزئة في مصر لعام 2019، لا تمثل سلاسل السوبر ماركت الكبيرة سوى 2% فقط من منافذ بيع الغذاء بالتجزئة، مقابل 98% للبقالات التقليدية التي تستحوذ على 75% من إجمالي مبيعات الأغذية في مصر.

لا تتمتع هذه البقالات الصغيرة المنتشرة في أنحاء مصر بالقدرة التخزينية الكبيرة التي تملكها محلات السوبر ماركت الضخمة. لكنها لم تشهد في معظم المناطق زحامًا أو إقبالًا كثيفًا على المحال. يقول محمد حسين، صاحب أحد محلات البقالة ببولاق، إن «الحركة عندي في المحل أقل من العادي، بالعكس أنا عندي حالة ركود بسبب وقف الأولاد عن المدارس، أطفال المدارس كانوا عملين رجل للمحل، دلوقت كل واحد يشتري احتياجاته وبس».

من جانبه، اعتبر حمدي، صاحب محل بقالة بمنطقة «ناهيا»، أن «الشركات هي اللي مصدرة حالة الفزع»، مشيرًا إلى أن مندوبي بعض الشركات المنتجة للمواد الغذائية يصدرون لأصحاب المحال شعورًا بأن الإنتاج سيتوقف، ويروجون أنه حال اتخذت الحكومة قرار بحظر التجول ستتوقف المصانع عن الإنتاج، وهو ما يفزع أصحاب المحال ويدفعهم لشراء مخزون سلعي لتشغيل محالهم به. وعليه يقوم أصحاب محلات البقالة بتصدير نفس الحالة للمواطنين.

لكن استجابة المواطنين لهذا تتعلق بشكل أساسي بالقدرة الشرائية لهم بشكل عام، والتي تأثرت كثيرًا خلال السنوات الماضية بتأثير الإجراءات التقشفية المختلفة التي اتخذتها الحكومة ضمن خطة «الإصلاح الاقتصادي». وارتفعت نسبة الفقر لتصل إلى 32.5% من إجمالي عدد السكان، بحسب بحث الدخل والإنفاق الذي صدر العام الماضي.

إلى جانب هذا، وعلى عكس ما يحدث في الغرب، لا يملك معظم المصريين أدوات تسمح لهم بالاستهلاك بالدين، مثل بطاقات الائتمان. تشير إحصائيات البنك المركزي أن عدد بطاقات الائتمان في مصر حوالي ثلاثة ملايين بطاقة فقط في يونيو 2019.

ومع انخفاض القدرة الشرائية وأدوات الشراء بالدين، تنخفض قدرة شرائح واسعة من الشعب على الشراء المذعور وتخزين كميات هائلة من البضائع. 

ولهذا ينفي حسين لجوء أهالي منطقته للتخزين، قائلًا إن «الناس هنا عايشين اليوم بيومه، مش معاهم فلوس للخزين ، يعني كل اللي بيجيني ياخد كيس سكر، علبة شاي، علبة سمنة، كده مش أكتر». ويتفق حمدي أن «السحب في المنطقة هنا [ناهيا] عادي جدًا ومفيش طلب عالي، اللي بيشتري حاجاته بالشهر بيشتريها واللي بيشتري حاجاته باليوم بيشتريها كله عادي».

لهذه الأسباب، يبدو من المرجح ألا تشهد مصر في الظروف الحالية نقصًا في السلع والبضائع، أو على الأقل نقصًا يبرر جنون الشراء الذي اندفع له البعض. يشير يحيى كاسب، رئيس شعبة المواد الغذائية بغرفة الجيزة التجارية، إلا أن معدلات الطلب على السلع الغذائية تختلف من منطقة جغرافية لأخرى بحسب الطبقات الاجتماعية.

يعتبر كاسب أن هذه المخاوف «مفهومة ولكنها غير مبررة» لأن المخزون الاستراتيجي من السلع الغذائية «آمن جدًا»، مستنكرًا حالة الهلع التي أصابت بعض المواطنين ودفعتهم لتخزين السلع الغذائية.

وأوضح كاسب أنه تم تشكيل غرفة عمليات في كل الغرف التجارية بالمحافظات لمتابعة حالة العرض والطلب، ولم يُلاحظ نقص أي سلعة غذائية حتى الآن. «إذا كان هناك نقصًا في المعرض من سلعة رائجة والطلب عالي عليها حتمًا سيرتفع سعرها»، يقول كاسب، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

عضو الشعبة العامة للمستوردين بالاتحاد العام للغرف التجارية، متى بشاي، أشار في تصريحات صحفية إلى أنه قد توجد بعض الارتفاعات في الأسعار تتراوح بين 5-10% فقط نتيجة تأخر بعض الشحنات والبضائع المستوردة.

لهذا يعتبر العضو السابق في شعبة الأغذية في الغرفة التجارية بالقاهرة أن انكباب الطبقات «المستريحة»، بحسب وصفه، على شراء جميع السلع الغذائية من لحوم وألبان وخضروات وبقوليات وغيرها بكميات كبيرة، غير مبرر، لأن تفشي المرض في مصر لم يصل لمعدلات دول أخرى مثل بريطانيا، كما أن المخزون السلعي آمن جدًا، ولا يستدعي الأمر البدء في شراء مذعور. يقول إنه «على من يرغب في التأكد أن المخزون آمن ألا يذهب للسلاسل الكبرى، وإنما عليه أن يستكشف الوضع في المجمعات الاستهلاكية، وهي المنافذ المملوكة للدولة لتداول المواد الغذائية، حيث تتوافر جميع السلع». بحسب رأيه، فإن حالة الفزع الشرائي أصابت من يملكون، أما من لا يملكون، وهم كُثر، فلا يهتمون.

اعلان
 
 
أميمة إسماعيل 
عثمان الشرنوبي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن