ديتوكس| ثلاث غرف معزولات وصالة
 
 

#جو عام

أحباؤنا في خطر، بل كل واحد منّا في خطر. البعض في عزلة، والبعض يرفض أن يضع حياته في عزلة، هناك مَن عُزلوا/عُزلن، منّا مَن يجبره أكل العيش على المخاطرة.

في أجواء «كورونا»، نتعلم الوقاية، ونفهم معنى الاقتصاد في التلامس، في التقارب، في ملامسة الأسطح، أضحت الحياة شيئا آخر.

هذه المرة، نرتب دليلنا الأسبوعي ليكون مساحة آمنة؛ بيت آمن من ثلاث غرف وصالة معزولات.

تخطينا العتبة، وصرنا في صالة البيت.

البيت بيتكن/ بيتكم. رجاء المحافظة على عدم التزاحم، وضعنا منظفات للأسطح، وكحول طبي، كما أكثرنا من المناديل والكلور المخلوط بالماء.

 

#قراءة

لنتخيل أولى غرفنا، وهي مخصصة للقراءة، سنحاول أن نرتبها معًا، نمدّ أيادينا بكتب، حسنًا علينا التأكد من تنظيفها جيدًا. ثم نحاول أن نستمتع بأوقاتنا التي يحتمل أن تمتد لما بعد الويك إند مع هذه الكتب.

يمكن أن تحملن/ تحملوا لهذه الغرفة كل القراءات المؤجلة.

يذكرنا أحمد وائل بأبيات من «جدارية» محمود درويش: «هل كتاب واحد يكفي لتسليتي مع اللاوقت؟ أم أحتاج مكتبة؟ وما لغة الحديث هناك، دارجة لكل الناس، أم عربية فصحى..».

تردد درويش تجاه اختيار كتاب مقابل مكتبة، يذكر فتحي الشيخ بكتاب عن لعبة الشطرنج كان يؤنس عزلة بطل «لاعب شطرنج»، رواية النمساوي ستيفان زفايغ، الذي قضى سنوات في حبس انفرادي. ومن عزلة السجين، تتوالد عزلة أخرى لكنها عزلة في البحر عن اليابسة، حيث وضع عازف البيانو نفسه في عزلة دائمة، كما جرى في رواية «مونولج عازف بيانو في المحيط 1900» للإيطالي أليساندرو باريكو، فهو وُلد على ظهر سفينة تتنقل بين أوروبا وأمريكا، ولم يغادرها أبدًا. ثم قرر هذا العازف الاستثنائي الاستمرار في عزلته، فلا  يغادرها، هكذا تكون حياة «ت.د.ليمون ألف وتسعمائة» قد بدأت وانتهت على متن سفينة. كما يتذكر فتحي جمال حمدان، صاحب أشهر عزلة بين الكُتّاب المصريين، صاحب «شخصية مصر».

في حين تحدثنا كارولين كامل عن نيتها قراءة «الهدنة» رواية الأورجوايّ ماريو بينيديتي التي ترجمها صالح علماني وتدور حول العزلة الشخصية، وكذلك تنوى إعادة قراءة «غرفة تخص المرء وحده» لفرجينيا وولف (1882- 1941)، بينما تأمل أن تقرأ خلال العزلة أيضًا كتاب «الجنس الآخر» للفرنسية سيمون دو بوفوار، و«الضفادع» رواية الصيني الحائز على نوبل الأدب مو يان. وفي هذه الأجواء، تقرأ لينا عطاالله «رسائل إلى شاعر شاب» للألماني راينر ماريا ريلِكه، تبدو الرسائل مناسبة في لحظات التباعد، ومن وحيها تكتب لينا: «الرسائل ليست فقط مساحات تشارك للتجارب والأفكار تنقصنا في ظل أنماط التواصل السريعة والمهيمنة، ولكنها أيضًا مساحات أدائية للذات، مساحات عبور من الداخل للخارج. وجدتُ نفسي مع رسائل ريلكه للشاعر الشاب. في أدائه، يكتب ريلكِه لخافيير كابوس عن «ميلاد الوضوح» من نضوج انطباعاتنا داخلنا. عبور آخر لكن من الخارج للداخل. دعوة لطيفة في حالة التباعد التي نحاول أن نعيشها ونكتب رسائل لبعضنا البعض خلالها». كما ستختار للقراءة «The Administration of Fear» للمفكر بول فيريليو، فهو «اختيار منطقي للقراءة»، وتقول لينا بينما تمسك بالكتاب: «في هذا اللقاء مع الفيلسوف بول فيريليو، نتعرض لأفكار عن حياة الخوف في ظل الحروب والمجاعات والأوبئة. ويتحدث عن إدارة هذه الحياة من قِبل الدولة، وتحديدًا التواصل المتسارع حولها وهو ما تمكنه التكنولوجيا الحديثة. سرعة التواصل تلك هي إحدى مسارات الخوف حيث إنها تسيطر على الفضاء الحقيقي بالحالة التي تخلقها».

الكاتب الأمريكي بول أوستر

وعلى شاشة كيندله، سيتابع محمد حمامة قراءة رواية «Cat’s cradle» للأمريكي كيرت فونيجوت (1922- 2007). بينما سيركز مصطفى محيي، خلال فترة تعليق الطيران والعزل الاجتماعي، على قراءات مرتبطة بالمكان، أولها كتاب علاء خالد «أكتب إليك من بلد بعيد»، الذي استقى خالد عنوانه من شِعر البلجيكي هنري ميشو، و«ثلاثية نيويورك» للأمريكي بول أوستر (1947)، كما سيتجول بين صفحات العدد الأحدث من «أمكنة» المجلة غير الدورية المعنية بثقافة المكان، وربما إذا طالت العزلة فإن مصطفى سيتجه نحو «إسطنبول» الذي ألّفه الـ «نوبل» التركي أورهان باموك. السفر عبر القراءة، يبدو مثل ردة لزمن ما قبل اختراع الطائرة، هذا ما تخبرنا به اختياراتنا في العزلة داخل غرفتنا، وقبل مغادرتها وجدنا ياسمين زهدي تتابع قراءة قصص هيثم الورداني في كتابه «ما لا يمكن إصلاحه».

[للتزود بالكتب يمكن طلبها عبر موقع «سوق»، أو خدمة مكتبات «ديوان» للتوصيل، أو «عرض الفيروس» من «المحروسة»]

 

#مشاهدة

من غرفة مشاهدتنا يمكننا الاتجاه إلى الأماكن المعتادة: «نتفلِكس»، «وافو» (مُتاح عليه مجموعة كبيرة من أفلام يوسف شاهين المُرمَمة)، «أمازون»، و«شاهد» إن كنت من هواة المسلسلات العربية (توجد عليه أيضًا النسخ المدبلجة من أفلام ديزني المفضلة للأطفال الذين يبحثون عن طُرق تسلية في امتداد فترات التواجد بالمنزل مع تأجيل الدراسة). في حال توفّر تلفزيون «ذكي»، فأغلب هذه المنصات ستكون متاحة كتطبيقات على واجهة التلفزيون نفسه، ولكن في كل الأحوال يمكن تحميل التطبيقات على التليفون أو الدخول على مواقع أي من تلك المنصات على اللابتوب وتوصيل شاشتكم الصغيرة بشاشة التلفزيون.

ولكننا هنا نرشح منصة محددة: «The Criterion Channel» التي أطلقتها مجموعة «كرايتيريون»، وهي شركة توزيع تشتري حقوق أفلام كلاسيكية ومعاصرة من حول العالم وتقوم بإتاحتها على أسطوانات دي في دي، وبلو-راي للاستهلاك المنزلي. تميزت إصدارات «كرايتيريون» بالمواد الإضافية التي تحتويها، فإلى جانب الفيلم، توجد دومًا مقابلات حصرية مع صُنّاعه أو نقاد أو أكاديميين قاموا بدراسته، أو أفلام وثائقية عن عملية صناعته، وأحيانًا تعليق صوتي من المخرج/ة يـ/تناقش فيه اختياراته/ا في كل مشهد، وأيضًا نص مكتوب في ملحق داخل غلاف الأسطوانة، والذي عادة ما يحمل تصورًا جديدًا لأفيش الفيلم، من إبداع أحد المصممين والفنانين البصريين الذين اشتهرت الشركة بالتعامل معهم.

أطلقت «كرايتيريون» منصتها الرقمية العام الماضي، وتحتوي مكتبة المشاهدة الدائمة على الغالبية العظمى من إصدارات الشركة السابقة، ومعها كل المواد الإضافية المتاحة على الأسطوانات (بينما يبلغ سعر الأسطوانة الواحدة عادةً 30 دولارًا -فضلًا عن كونها غير مُتاحة للبيع في مصر- فاشتراك «كرايتيريون» يكلفك 11 دولارًا). ولكن ما يميز هذه المنصة حقًا هو البرمجة، فكأنها دار عرض بديلة تقدم برامج أفلام معدّة بعناية كل شهر: استعادات لمخرجين أو مخرجات عالميين، عرض أسبوعي لفيلمين متتاليين تجمعهما ثيمة معينة، فيلم روائي طويل بصحبة فيلم تجريبي قصير تخلق مشاهدتهما معًا حوارًا من نوع ما، برنامج حول موضوع معين يضم قائمة من الأعمال المتنوعة التي تتناول هذا الموضوع من زوايا مختلفة، قد تجد فيها على سبيل المثال فيلمًا لأيقونة السينما اليابانية المخرج ياسوجيرو أوزو جنبًا إلى جنب مع فيلم معاصر للأمريكي ستيفن سودربيرج، وفيلم آخر لرائدة السينما السوفييتية لاريسا شيبيتكو.

توفر «كرايتيريون» بديلًا مسليًا في ظل إغلاق السينمات، ومنها «زاوية» التي كانت -هي و«سيماتيك: مركز الفيلم البديل»- المكانين الوحيدين تقريبًا اللذين يقدمان هذا النوع من البرمجة أحيانًا في القاهرة. في بعض الأوقات تكون كثرة الاختيارات المُتاحة على منصات العرض الرقمي في ذاتها موترة، ولذلك فالبرامج المتاحة على «كرايتيريون» تساعد في صنع إطار منظم للمشاهدة قد يكون مفيدًا أثناء وجودنا المكثف في المنزل الأسابيع المقبلة، كما تترك للمشاهد/ المشاهدة كذلك الفرصة لاختيار المناسب من ضمن مكتبة الأفلام الواسعة في حال الرغبة بذلك. هنا جدول القناة لهذا الشهر، ويحتوي مثلًا على استعادة لأفلام المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي، وتحية إلى نجمة زمن هوليوود الذهبي ريتا هايوورث، وكذلك أسطورة السينما الفرنسية كاترين دينيف (مجموعة أفلام من بطولتهما)، وكذلك نظرة على أفلام إحدى أهم مخرجات السينما الأمريكية المستقلة، كيلي ريكاردت، وعدد من الأعمال السينمائية للشاعرة الأمريكية الإفريقية والناشطة بحركة الحقوق المدنية في الستينات كاثلين كولينز (بالإضافة إلى لقاء معها من الأرشيف)، والعديد من البرامج الأخرى.

لاستقبال «كرايتيريون» يجب استخدام الـ«في بي إن» (حيث إنها إلى الآن غير مُتاحة سوى في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا)، بالإضافة إلى وصلة HDMI لتوصيل شاشة اللابتوب إلى التلفزيون إن لم تتوفر خاصية العرض على التلفزيون من اللابتوب عن بعد، لأن تطبيق «كرايتيريون» على الهاتف كذلك ليس مُتاحًا خارج الدولتين السابق ذكرهما. هنا بعض برامج الـ«في بي إن» المضمونة لاستكشاف الأمر، أما بالنسبة للوصلة فننصح بضمها إلى قائمة الأغراض المُخطط لشرائها قبل العزل. نذكر أيضًا بأن القناة توفر خاصية التجربة المجانية لمدة 14 يومًا.

نتمنى قضاء وقت ممتع في غرفتنا، وأن تهون مشاهدة هذه البرمجة بعضًا من آلام التباعد الاجتماعي.

قد نُحرم من الذهاب لقاعات العرض بسحرها المعهود، ولكن في واقع الأمر، وُجدت السينما لأوقات كهذه.

 

#سماع

هذه مساحة عُزلت عن الخارج، جدران سميكة مغطاة بالفلين والإسفنج. يمكن لبعضنا الاسترخاء، وفي أوقات أخرى من اليوم الصراخ، فما نراه أو نفكر به بشأن ما يحدث خارج غرفتنا خطير، موتر، مُقلق، لكن هكذا هي الحياة.

في غرفتنا نرهف السمع، يحتمل أن تتسلل لنا أصوات من الخارج، ناس يستجمون بالجلوس إلى المقاهي، أو أشخاص يحدثون جلبة وهم يشترون كل ما يمكن أن يُشترى من محال قريبة، أو فقط أصوات نحنة أو كحة، كما ولّفها حميد الشاعري في فيلم «قشر البندق» 1995:

هذا ما سيدفعنا للتخيّل أكثر ما الذي يحدث في الخارج، ويحتمل أن يسحرنا الخيال ويسرح بنا أبعد مما نتوقع، مع اللبيتلز و«تخيل»:

The House Of The Rising Sun 1964:

«يا عيني علينا منك يا مدينة» محمد فؤاد:

و«الشوارع حواديت» أيضًا:

ومن فيلم يوسف شاهين عن وباء الكوليرا «اليوم السادس» أغنية «حدوتة حتتنا»:

 

«في الشارع»، يسرا الهواري:

لكن علينا طرد أصوات الخارج من غرفتنا، من رؤوسنا، لنحاول مع «خليك بالبيت» لفيروز:

أو أن ندوق الحب كما فعلت هدى سلطان:

مزاولات كثيرة غُنت للباقيات والباقين في البيت، نانسي عجرم حدثتنا عما يفعله «ابن الجيران»:

هذا ما جرى مع الابن، وننتقل إلى ما جرى مع «بنت الجيران» (فيبدو أننا سنفتقد «روقان» أزمة المهرجانات التي صنعها نقيب الموسيقيين ):

الاحتمالات كثيرة، فيمكن مثلًا قراءة «إنجلز» مثلما يحدث حين يكون «الحل رومانسي» بطريقة «مشروع ليلى»:

لكن «ولاد الحلال» يحتمل ألا يتركونا لحالنا:

والوحدة واردة أيضًا:

البعض يمكنه سماع شوبان:

أو يستمتع بهذه الليلة مع أم كلثوم:

قد يفضل البعض البقاء في هذه الغرفة، وتشغيل موسيقى مناسبة للذوق والمزاج (أو الصراخ مستغلًا عزلها)، فكل أدرى بهواه، لكن نحب أن ننوه إلى مبادرة «رووم» لبث موسيقى حيّة يوميًا في العاشرة مساءً أونلاين على فيسبوك «لأهمية الموسيقى»، وحفاظًا على الصحة النفسية.

#سلام 

بينما نحن في عزلتنا، والأنشطة الثقافية وأغلب المؤسسات مغلقة، نرشح الجولات الافتراضية، ونقدم بينما نعود إلى الصالة بهذا المنزل الافتراضي من جديد، جولتين في متحف «متروبوليتان» للفنون بنيويورك، هُنا الأولى وهذه الأخرى.

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن