حفلة بيجاما: ما نفعله في السرير
 
 

باغتنا انتشار فيروس كورونا حول العالم، واضطر ملايين العمّال والعاملات إلى الخروج في إجازات غير مدفوعة، أو إلى العمل من منازلهم تفاديًا للظهور في العلن، والحدّ من انتشار الوباء. ونظرًا لهشاشة الوضع وخلخلة الاستقرار الطارئة، رأينا في المقالة التالية بعض المواساة في ظل التأقلم مع بيئات عمل جديدة، آملين أن تحافظوا على سلامتكم وأن تبدوا مسؤولية في الحفاظ على سلامة أحبائكم.

*تُنشر المقالة بموافقة الكاتبة والناشر. تُرجمت المقالة عن الإنجليزية، نُشرت النسخة الأصلية بعنوان Pyjama party: what we do in bed في مجلة The Architectural Review عدد شهر مارس 2019 حول الجنس والمرأة والعمارة، ويمكن شراءه هنا.

عندما ارتبط جون لينون بيوكو أونو سرًّا في جبل طارق يوم 20 مارس من العام 1969، استغرق طقس الزواج 3 دقائق فقط. ولكن، هذه الدقائق المعدودة والمحجوبة بعناية فائقة مثّلت لحظات فناء الخصوصية. إذ دعا الزوجان جماهير الكوكب إلى سرير شهر العسل، ومكثا فيه لمدة أسبوع كامل من أجل حلول السلام بين 25 و31 مارس، كل يوم من التاسعة صباحًا وحتى التاسعة مساءً، في غرفة رقم 902 في فندق هيلتون أمستردام الدولي. وضع شخصان من بين أكثر المشاهير عرضةً للجمهور حول العالم نفسيهما للفرجة في حوض أسماك، هو في الواقع صندوق فندق هيلتون الزجاجي. إلا أنه لم يتوقف يوم العمل عند التاسعة والنصف في المساء. كرر جون ويوكو تصريحًا يفيد بأنهما عازمان على الحَْمل خلال ذلك الأسبوع. السرير، إذًا، هو مطرحٌ للتظاهر ومطرحٌ لإنجاب الأطفال: مصنعٌ للجنس.

لم يكن ما فعلاه جون ويوكو احتلالًا للغرفة، بل أعادوا تصميمها واستخدموها منصة لعرض الوسائط. خططا في ذهنيهما صورة دقيقة للمشهد ولعبا دور المعماريين في صياغة الصورة. تشابه الصور المنشورة ليس مصادفة: جميعها اُلتقطت من زاوية واحدة، الزاوية الوحيدة المتاحة للرؤية. فرّغا غرفة فندق هيلتون من محتوياتها، أخرجا الأثاث منها والأعمال الفنية وديكور الزينة تاركين السرير مَلَكِيّ الحجم فقط، ووضعاه بمحاذاة الحائط الزجاجي بحيث يطل على مشهد بانورامي لمدينة أمستردام.

وبينما أدارا ظهريهما للشباك في الخلف، تموضعا في فضاء الغرفة بنمط لوسيّ – وضع لوس[1] الكنبة دائمًا على عكس الشّبّاك، ليجلس الجالسون بمواجهة المحيط الداخلي للغرفة فيتحولون إلى بقعة ظل وسط الضوء النافذ من الشباك. جسديهما كتلة واحدة في مواجهة مع الضوء – والخلفية بيضاء نقية، حيطان بيضاء، شراشف بيضاء، بيجامات بيضاء وزهور بيضاء – كأنما يحلقان فوق العاصمة الهولندية.

يقع الفندق داخل المدينة، ولكنه منفصل عنها كواحة شفافة. كيف يبدو المشهد في الخارج؟ في الخلفية مدينة أمستردام،  التي اُعتبرت في تلك الحقبة من ستينيات القرن الماضي مركز الثورة الثقافية والجنسية في أوروبا؛ مركزًا للتجريب في الجنس، المخدرات، الروك آند رول. وكذلك نبض الحراك السياسي والتظاهرات؛ تظاهرات ضد حرب فيتنام، وضد الحكومة المحلية من أجل حلّ أزمة الإسكان، ومن أجل التساوي في الحقوق، تأييدًا للإجهاض، وكذلك للمطالبة بوسائل نقل بديلة.

يتنبأ سرير جون لينون ويوكو أونو المشغول على مدار 24/7 بسرير العمل الذي نألفه اليوم. سيبدو ما يلي تقديرًا محافظًا في يومنا: جاء في تقرير لصحيفة «ذي وول ستريت جورنال» صدر في عام 2012 أنّ 80% من أصحاب المهن من الشباب يؤدون أعمالهم اليومية أثناء مكوثهم في السرير. تحققت فانتازيا المكتب المنزلي وأتاحت المجال لواقع «المكتب السريريّ». طرأت تحولات على معنى كلمة «مكتب». تتحدى ملايين الأسرّة في أرجاء المدينة مباني المكاتب المكتظة حتى السأم وينتصر البودوار[2] على البرج. أزالت شبكات التكنولوجيا الإلكترونية كل الحدود الممكنة لما يمكن فعله في السرير. ولكن، كيف وصلنا إلى هنا؟

جلب التحوّل الصناعي معه ورديات الثماني ساعات والحدّ الفاصل بين المنزل وبين المكتب أو المصنع، بين الراحة وبين العمل، بين الليل وبين النهار. تُقوّض حقبة ما بعد التحول الصناعي العمل فيصير هذا بيتًا، فيتنقل العمل إلى غرفة النوم ثمّ إلى السرير. يصب الكون تركيزه في شاشة صغيرة، بينما يطفو السرير في غمرٍ لا ينتهي من المعلومات. لم يعد الاستلقاء فعلًا من أجل الراحة، بل من أجل الحركة. تحوّل السرير إلى مساحة للإنجاز.

لا يحتاج الموظف الهاجع إلى ساقيه، فالسرير الآن هو الأطراف الاصطناعية المثالية وصناعة جديدة كليًّا، تركز كامل جهودها نحو توفير أحدث الأجهزة لتسهيل العمل أثناء الاستلقاء، مثل القراءة، والكتابة، والمراسلة، والتسجيل، والبث، والإصغاء، والنقاش، وكذلك تناول الطعام، والشراب، والنوم، وممارسة الجنس، نشاطات أصبحت -مؤخرًا- في عداد أشكال العمل. تُوَزَّعُ النصائح من كل حدب وصوب حول طرق «العمل» على العلاقات الشخصية وحول «تعيين مواعيد» لمضاجعة شريكك. والنوم بالتأكيد شكلٌ من أشكال العمل الشاق، لدى الملايين، يتشبثون بطمأنينة تمنحهم إياها صناعة الأدوية النفسية التي توفر عقاقير جديدة كل عام، وجيش من خبراء النوم يقدمون النصائح للوصول إلى هذا الهدف المراوغ دومًا – كل هذا من أجل رفع مستوى الإنتاج، بالطبع.

علاء أبو أسعد: بلا عنوان، بير زيت، 2011. تُنشر بإذن الفنان

اُعتمدت فلسفة [تماهي الفرد مع السرير] من قبل يو هيفنير، المعروف بنُدرة نزوله عن سريره أو مغادرته لمنزله، فقد نقل مكتبه -حرفيًّا- إلى سريره في العام 1960 عندما انتقل ليعيش في عزبة «بلايبوي» (Playboy) في 1340 نورث ستيت باركوي في شيكاغو. عَظُمَ شأن السرير بالتالي وصار مركز إمبراطورية عالمية، يمكث فيه بأزياء العمل الخاصة المكونة من بيجامات حريرية ورداءات. «لا أغادر المنزل مطلقًا!!! … هكذا أنا، ناسكٌ معاصر»، هذا ما قاله للصحفي توم وولف، بينما أخذ يرجّح موعد خروجه الأخير من البيت قبل ثلاثة شهور ونصف الشهر قبل هذا الحديث، وفي العامَيْن السابقين كان قد غادر البيت تسع مرات فقط. حوّلت بلايبوي السرير إلى مساحة عمل.

لم يكن هيفنر وحيدًا في اتباع هذه الخطوة. فالسرير أسمى مكاتب العمل الأمريكية منذ منتصف القرن الفائت[3]. في مقابلة نُشرت في مجلة باريس ريفيو (Paris Review) في العام 1957، وُجّه سؤالٌ لترومان كابوتيه[4]: «ما هي عادات الكتابة التي تتّبعها؟ هل تكتب على طاولة مكتبية أم على ماكنة طباعة؟»، أجاب على هذه الأسئلة: «أعتبر نفسي كاتبًا أفقيًّا. لا أفلح في التفكير إلا مستلقيًا، مسترخيًا، في سرير أو فوق أريكة مع سيجارة وقهوة». حتى مهندسو العمارة وفروا لأنفسهم أسرّة في مساحات العمل. باشر ريشارد نيترا[5] العمل مباشرة بعد لحظة استيقاظه، محاطًا بأدوات متقدمة تسمح له ممارسة التصميم والكتابة وكذلك إجراء المقابلات أثناء مكوثه في السرير. أُحيط سريره في بيته في سيلفر ليك، لوس أنجلوس، بهاتفيْن عموميَّين، ثلاث محطات تواصل مع غرف أخرى في المنزل (المكتب في الطابق السفلي ومكتب آخر يبعد 500 متر عن الغرفة)، ثلاثة أجراس هاتف مختلفة، ألواح للتخطيط وأدوات رسم مطوية وضعت تحت السرير، إضاءة كهربائية وراديو غراموفون يتحكم فيها بواسطة لوح تحكم علويّ. جهاز تسجيل، ساعة إلكترونية وصناديق لتخزين أدوات الكتابة والتخطيط والرسم، وُضعوا فوق منضدة ذات عجلات بجوار السرير وأتاحت تحريكها، وقد وصفها لأخته، «من الأجدر استغلال كل دقيقة، من الصباح وحتى ساعات الليل المتأخرة».

منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي، تعقد السرير أكثر فأكثر، مجهّز بكل وسائل التسلية ووسائط التواصل كما لو كان غرفة تحكم. دشنت الولايات الأمريكية في حقبة ما بعد الحرب سريرًا عالي الأداء ليكون نقطة محورية للإنتاج، صيغة جديدة للتصنيع تُصدّر دوليًّا، وها هي قد أصبحت متاحة لجيش عالمي من المنتجين المتفرقين على الرغم من ترابطهم. صنفٌ جديد من المصانع لا جدران تغلّفه شُيّد بفضل أدوات إلكترونية وفيض من الوسائد من أجل جيل العمل وتزويد الخدمة دون توقف 24/7.

توسّعت حزمة الأدوات التي تَصوّرها هيفنير في مخيلته (ومن بينها جهاز الرد الآليّ الذي لم يكن مخترعًا بعد في تلك الفترة) وصارت مُتاحة لجيل الإنترنت والسوشال ميديا. تحققت الرغبة الخيالية المستوحاة من بلايبوي حول الفتاة الفاتنة في البيت المجاور وها هي قد تحققت لأحدهم في قارة أخرى- ولكم أن تخمنوا إذا كانت الفتاة حقيقية أم هيئة إلكترونية. هل تكمن في هذا أيّ أهمية؟ تظهر في  فيلم «هي» (Her, 2013) صورة متحركة لحياة رقيقة في جوف رحم، وهذه الحياة ليست إلا نتيجة تلقائية لتقنيات الهواتف المحمولة الحديثة التي طورناها، «هي» المقصودة في العنوان تتمثل في جهاز تشغيل يتضح أنه أكثر إرضاءً من شخص حقيقي. يستلقي البطل الرئيسي في الفيلم بجوار «هي»، يدردشان ويتجادلان ويتضاجعان وفي النهاية ينفصلان، يحصل كل هذا في السرير.

لو كانت الرأسمالية المتأخرة هي نهاية النوم، حسب جوناثان كراري[6]، فإن الاستيلاء على كل دقيقة في حياتنا من أجل الإنتاج والاستهلاك، وممارسات التنسك الطوعي، ظواهر لا تحدث طوعًا في نهاية المطاف. كما أن مفهوم تقسيم المدينة بين الراحة وبين الكدّ السائدة منذ القرن التاسع عشر موشكةٌ على الاندثار. لم يَطَل التغيير عاداتنا ومساكننا فقط مع حلول الإنترنت؛ فالتنبؤات حول انتهاء عمالة البشر في أعقاب التكنولوجيات الجديدة، واختراع الروبوتات مع نهاية القرن التاسع عشر، جميعها فقدت بريق الرجاء وحلم الابتكار.

ظهرت فكرة نهاية العمل المأجور وإمكانيات استبداله بالترفيه لأجل الإبداع في رؤى مشاريع طوباوية نشأت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، اقترحتها الشركات Constant، وSuperstudio، وArchizoom. شملت هذه المشاريع أسرّة مجهزة بإفراط بشتى الوسائل. لنستحضر، مثالًا، نموذجي ميخائيل ويب[7] الـCushicle والـSuitaloon[8]، حيث يتيح السرير المتقدم والمزود إلكترونيًّا ممارسة الجنس ومزاولة العمل معًا، وهو في الوقت نفسه بمثابة خزانة اللباس ومنزل ووسيلة نقل للمستخدم. وبما أننا نقطن الآن في زمن العمل دون توقف 24/7 بينما نُواجه احتمال حياة مستقبلية بلا عمل، ألا يجدر بالمعماريين العودة إلى مراجعة دلالات السرير في المدينة الحديثة؟ أي، أليس السرير مسألة معمارية؟

وأثناء كل هذا، أخذت المدينة تعيد تصميم ذاتها. في مجتمع معاصر يعاني من اضطراب نقص الانتباه، اكتشفنا بأننا نعمل بنجاعة أكبر في دفعات قصيرة المدى تقاطعها أقساط الراحة. صُمّمت أسرّة خاصة تسوّر الجسد وتتلائم مع فضاءات المكاتب، وهناك شركات عديدة مثل شركة ميترونابس (MetroNaps) تزود العملاء بحجيرات نوم في المكتب لزيادة الإنتاج إلى حده الأقصى. لا يبعد السرير عن المكتب أبدًا في عالم الـ 24/7. هذه الكبسولات المقفلة والمتنقلة، أشبه بالمركبات الفضائية الصغيرة، تتيح إمكانية عزلها فرادى أو جماعة كعناقيد، مصطفة في صفوف من أجل تحقيق نوم متناغم متزامن، فتكون بذلك جزءًا من العمل وليس عكسه. وكما تتنبأ أريانا هافينغتون، «ستصبح «غرف شحن الطاقة» شائعة كما قاعات الاجتماعات». لا يقتصر ظهور هكذا مساحات استرخاء وتكنولوجيات مرافقة لها على المكاتب. بل تتوسع إلى مذاهب جديدة للمعمار وتنتأ عمارات من صنف جديد مخصصة للنوم في وسط المدن: فمحاكاةً لفنادق الحب لكن من غير الجنس، بإمكانك استئجار حجيرة واحدة تصلح لاستيعاب شخص واحد من أجل الحصول على قسط من النوم شرط أن تكون المدة 30 دقيقة على الأقل، لشحن بطّاريّاتك. أصبح السرير سؤالًا حضريًّا. وتولّد أنواع جديدة من الحميمية تصاميم معمارية جديدة.

*الهوامش واختيار الصور من المترجمة.

Pyjama party: what we do in bed was originally included in the March 2019 issue of The Architectural Review in English, available to purchase here.’

[1] أدولف لوس (1870-1933)، معماري نمساوي، وأحد رُوّاد الهندسة المعمارية الحديثة.

[2] boudoir؛ غرفة استضافة خاصة، مؤثثة، وتجاور عادة غرفة النوم.

[3] امتازت فترة منتصف القرن العشرين بنشوء حركة نهضوية أمريكية في التصميم الداخلي والتصميم الصناعي والآثاث والتصميم الغرافيكي والتنمية المعمارية والمدينية. في كتاب لها حول آثاث الخمسينات، وضعت الكاتبة كارا غرينبيرغ اسمًا للصيحة الدارجة وهو حداثة منتصف القرن (Mid-century modern).

[4] Truman Capote؛ كاتب، كاتب مسرحي، صحفي، وكاتب سيناريو أمريكي (1924-1984)

[5] Richard Netra؛ مهندس معماري أمريكي – نمساوي، نشط في الولايات المتحدة في سنوات ال-50 وال-60 (1892-1970)

[6] 24/7: Late Capitalism and the Ends of Sleep (2014)

[7] Michael Webb؛ معماري بريطاني.

[8] وهما نموذجان تصميميان من ابتكار الشركة الطلائعية البريطانية Archigram. يقدمان صيغة متخيلة لنمط الحياة الحضاري المتنقل.

اعلان
 
 
بياتريس كولومينا 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن