كيف قام الإيطاليون بالإغلاق الكامل: حوار مع طبيبة من ميلانو
 
 

إيطاليا إحدى أكثر الدول تأثرًا بفيروس كورونا (كوفيد- 19) فقد سجُلت بها 27 ألفًا و980 حالة إصابة حتى الآن إلى جانب 2158 حالة وفاة. وقد أعلن رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي في الأسبوع الماضي أن البلد بأكملها «منطقة محمية»  خاضعة للإغلاق الكامل. توقفت جميع الخدمات ما عدا الأساسي منها، وعلى الأفراد الحصول على تصريح لمغادرة منازلهم حتى بداية الشهر المقبل.

تحدثنا مع مارتينا أنجي، طبيبة أورام العيون في المعهد الوطني للأورام في ميلانو، لتعطينا صورة عن كيفية تفعيل العزل في ميلانو وسائر أنحاء البلاد والكُلفة التي تحملها الإيطاليون للالتزام به، كما تحدثنا عن خطوات الإستجابة الأولية للمنظومة الصحية وما تغير في مسار هذه الاستجابة.

مدى مصر: أحكي لنا عن العزل وكيف تطور ليصل بالناس إلى درجة التزام عالية.

مارتينا أنجي: المدارس مغلقة منذ ثلاثة أسابيع كاملة. في البداية بدا الأمر وكأنه عطلة، خاصة أنه كان يحدث بالتزامن مع كرنفال. لذا كان الناس يخرجون في الهواء وهكذا. رأينا جميعًا صورًا للعزل الصحي الصارم في «ووهان»، ولكن لم يشعر أحد أن هذا سيكون ضروريًا في حالتنا. لدينا بلدتان تم تحديدهما كـ «مناطق حمراء»، كودونيو في لومباردي وفو يوجانيو في فينيتو. اضطرت هاتان البلدتان للدخول في حالة إغلاق كامل وبدأ التلفزيون في عرض مقاطع لما كان يحدث في حين استمر الآخرون في المقاطعات المصابة في حياتهم العادية مع اعتناء خاص بغسل الأيدي وما إلى ذلك وظهر هاشتاج «ميلانو لا تتوقف». استمر الناس في الذهاب إلى الحانات والدكاكين المحلية.

في البداية كان رد الفعل على إغلاق المدارس سلبيًا. لأكثر من أسبوع كان الناس ضده في الأغلب ويصفونه بأنه إجراء مفروض عليهم أو غير ضروري. اختلفت الأمور منذ أسبوع (7 مارس) عندما تقرر أن منطقة لمباردي بأكملها وبعض المدن المجاورة لها «مناطق حمراء» لا يمكن لأحد الدخول إليها أو الخروج منها، وتم تشجيع الناس على العمل من المنزل وألغيت جميع أنواع التجمعات (بما في ذلك الأنشطة الرياضية والدينية.. إلخ). ولكن ذلك لم يكفِ لمنع الناس من التجمع في الحانات وركوب المواصلات العامة، لذا ومنذ 11 مارس أصبح هناك إغلاق كامل. لا يوجد أحد في الشارع وكل شيء مغلق ما عدا محلات بيع الطعام والخدمات الأساسية. لا يوجد أحد في الشارع ولا يسمح للناس بمغادرة منازلهم إلا لأسباب موثقة. أنا أذهب إلى العمل في المستشفى كل يوم على دراجتي في عشر دقائق ويبدو الأمر كهدية.

مدى مصر: ما الذي حفز على التغيير؟

مارتينا أنجي: الفيروس ينتشر بسرعة مذهلة -يصاب الكثيرون بالمرض في نفس الوقت وهذا يضع ضغطًا كبيرًا على النظام الصحي. تراجع عدد الإصابات الجديدة إلى صفر في البلدتين اللتين كانتا قد حُددتا كمناطق حمراء بعد 14 يومًا من الإغلاق الكامل. ولكن في برجامو (بلدة بالقرب من ميلانو) لم تتدارك المشكلة في وقت مبكر فتضاعفت الحالات بشكل تصاعدي، مما جعل الناس يدركون المشكلة ويغلقون كل شيء.

مدى مصر: بجانب إدراك الناس ذاتيًا لضرورة العزل، ما هو الدور الذي تلعبه الحكومة هنا؟

مارتينا أنجي: لقد أصدرت الحكومة مؤخرًا قرارًا بالإغلاق الكامل على مستوى البلاد، لم يستثن سوى الخدمات الأساسية. التجول ممنوع وإذا تركت المنزل يكون عليك حمل شهادة تحدد سبب خروجك، وتجوب الشوارع دوريات للشرطة. لا يخرج الناس في الأغلب إلا لشراء مستلزماتهم، ويوجد عدد قليل من متاجر الطعام مفتوحة -هناك طوابير طويلة ويحافظ الناس على مسافة بينهم. أغلب الناس يفهمون. تشبه التجربة وقت الحرب. يبدو الأمر وكأن الفراغ وأقنعة الوجه وجميع تلك الأمور قد صنعوا معًا إيقاعًا ما. الأمر مخيف.

مدى مصر: كيف يتأقلم الناس مع هذا الأمر؟

مارتينا أنجي: قد توصل الأشخاص المعتادين على حمل آراء قوية وانتقاد النظام إلى أن الأزمة مخيفة فعلًا، وأنه يجب اتباع إيقاع جديد. يوجد الكثير من التضافر المجتمعي. العائلات تطمئن على بعضهم البعض والجيران على بعضهم البعض. أستطيع أن أقول إن الكثير من الأمور الجيدة من ناحية التآلف الاجتماعي أتت من هذا الأمر، ولكن ما يقلق بالطبع هو التأثير الاجتماعي-الاقتصادي للعزل، وهذا ما يقلق الناس.

مدى مصر: هل يعتبر المسؤولون الإيطاليون الآن أن الاستجابات الأولى للأزمة كانت خاطئة؟

مارتينا أنجي: في البداية كان هناك الكثير من الاهتمام الذي يوجه للأشخاص العائدين من الصين، حيث يخضعون للعزل الصحي في مستشفيات متخصصة بالأمراض المعدية. كانت السياسة في البداية هي تتبع وعزل الحالات المصابة وفحص الأشخاص الذين اتصلوا بهم. ولكن المشكلة هي أن العديد من الأفراد الذين ظهرت عليهم أعراض ذات صلة بالجهاز التنفسي والذين ارتادوا أقسام الطوارئ في المستشفيات لم تربطهم صلة واضحة بالصين ولم يتصور أحد أن ما أصابهم هو (كوفيد-19) وليس إنفلونزا موسمية. ومع فترة حضانة تستمر أسبوعين ومدى واسع من الأعراض، أصبح هناك مجموعات تحمل الفيروس وهي أكبر بكثير مما ظنت السلطات في البداية، والتباعد الاجتماعي هو بالفعل الطريقة الوحيدة لاحتوائه. تتوجه جميع المجهودات الآن لحث الناس على البقاء في منازلهم. هناك نظام هاتفي لفرز المرضى المصابين دون إرسالهم إلى المستشفى، ويعتبر أن أي شخص يعاني من ارتفاع في درجة الحرارة وأعراض ذات صلة بالجهاز التنفسي في خطر بغض النظر عن أي اتصال قد تم بينه وأي شخص آخر.

مدى مصر: «كوفيد-19» يسلط الضوء على أزمة في الرعاية الصحية على مستوى العالم. ما هي مظاهر هذه الأزمة في إيطاليا؟

مارتينا أنجي: يوجد في إيطاليا نظام صحي عام متاح ولكن كان هناك اقتطاعات كبيرة من هذا النظام خلال السنوات الـ 30 الماضية. خٌفض عدد الأطباء والممرضون وأسرّة الرعاية المركزة. مع ارتفاع حالات «كوفيد-19»، لا يوجد مكان في المستشفيات للجميع، خاصة لأن مرضى «كوفيد-19» الذين يحتاجون للعناية المركزة يبقون هناك لفترات طويلة، ما لا يسمح بدخول مرضى جدد. لدى لومباردي، وهي المقاطعة الأكثر إصابة في إيطاليا، أكثر النظم الصحية فاعلية في الأغلب ومع ذلك فإنها تعاني. لقد انتقلنا من تخصيص مستشفيات لعلاج مرضى «كوفيد-19» إلى تحويل جميع المستشفيات مع استثناءات قليلة (مثل معهد الأورام) إلى مستشفيات لعلاج «كوفيد-19». وهذا يعني أنه لا يوجد مكان لمن يعانون من أمراض أخرى حتى الأمراض الحادة بما يعني احتمال وفاتهم بسبب أعراض كان بالإمكان علاجها في ظروف أخرى مثل الأزمات القلبية.

مدى مصر: كطبيبة وكشخص ينفذ العزل مع باقي الأشخاص في بلدك، أين يكمن الأمل بالنسبة لك؟

مارتينا أنجي: نحن نعرف من التجربة الصينية أن هذا الوباء يمكن إيقافه بالتباعد الاجتماعي الصارم. أتمنى حقًا أن يفهم الناس الصورة الأشمل وأن عليهم البقاء في المنزل، حتى إن كانوا صغارًا في السن وبصحة جيدة، وذلك لحماية من قد لا ينجون من هذه العدوى.

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن