قريبًا من «كورونا»
الواجب و«السيستم».. قصة طبيب حكومي في مواجهة «كورونا»
 
 
 
المصدر: صفحة العلاقات العامة لصحة الدقهلية على فيسبوك
 

«مقدرتش أتحمل بكاء أقارب المصاب وكلامهم لربنا، قولتلهم هروح معاه واللي يحصل يحصل»، خالد حمدي، طبيب الأطفال بمستشفى بلقاس المركزي، والذي رافق مريض مصاب بفيروس كورونا من المستشفى الذي يعمل به إلى مستشفى «أبو خليفة» بالإسماعيلية المخصص لعزل المرضى، يروي لـ«مدى مصر».

حمدي، أحد الأطباء الذين احتفت بهم صفحات الأطباء على مواقع التواصل الاجتماعي، ووصفتهم بـ«جيش مصر الأبيض». مديرية الشؤون الصحية بالدقهلية وصفت حمدي بأنه «طبيب بدرجة مقاتل» لمرافقته حالات مصابة بالفيروس إلى مستشفيات العزل الصحي دون خوف من العدوى.

أكد حمدي أنه كان الأقل تعرضًا لخطر العدوى بين جميع الأطباء والممرضات الذين تعاملوا مع المريض لمدة ثلاثة أيام قبل تشخيص حالته كمصاب كورونا. يرى أن قراره بمرافقة المريض لم يكن الأصوب، خصوصًا وأنه قد يعرضه، ليس فقط للعدوى، وإنما للملاحقة القضائية كذلك.

«المريض رجل يبلغ من العمر 50 عامًا، وصل إلى استقبال مستشفى بلقاس المركزي ظهر الأربعاء الماضي، يعاني من ارتفاع في درجة الحرارة وضيق حاد في التنفس»، يقول الطبيب الشاب الذي يعمل بقسم العناية المركزة الخاصة بالأطفال، «وفور الكشف عليه تم تحويله إلى العناية المركزة بالمستشفى ووُضع على جهاز التنفس الصناعي».

يضيف حمدي أن «الأطباء المتابعين للحالة الصحية للمريض كانوا شايفين إن حالته بتتدهور بسرعة ومفيش سبب يخلي الالتهاب الرئوي يتفاقم بشكل عنيف كده في وقت قليل، خصوصًا أن أهله قالوا إن ليهم ابن راجع من أوكرانيا من مدة قصيرة، فشكوا إن عنده كورونا، سحبوا منه عينات دم ومسحات من الأنف والحلق فور دخوله العناية المركزة، لكنهم استمروا في معاملته كمريض التهاب رئوي عادي حتى ظهور نتائج التحاليل يوم السبت الماضي»، ليبدأوا في إجراءات نقله إلى مستشفى الحجر.

سبَّب ثبوت إصابة المريض القادم من قرية «كردود» القريبة من المستشفى بالفيروس، حالة من الخوف والقلق داخل المستشفى، خصوصًا وأنها الحالة الثانية التي تصل للمستشفى مصابة بالفيروس، بحسب حمدي.

«تم سحب عينات دم ومسحات من الأنف والحلق للدكاترة والتمريض والعمال اللي خالطوا المريض طوال الأيام الثلاثة قبل ظهور نتيجة التحليل وقاموا جميعًا بعزل نفسهم في سكن المستشفى»، يقول حمدي.

كان مستشفى صدر المنصورة استقبل يوم 4 مارس الجاري، سيدة مسنة من قرية «السماحية القريبة» من مدينة بلقاس، تعاني من التهاب رئوي حاد. وقام المستشفى بتحويلها في نفس اليوم إلى مستشفى العزل بالإسماعيلية أيضًا بعد أن جاءت تحاليلها إيجابية، وتوفيت بعد وصولها للمستشفى. كما استقبل مستشفى بلقاس زوجة نجلها، وأحالها إلى مستشفى صدر المنصورة الذي قام بإحالتها إلى مستشفى العزل.

وأعلنت وزارة الصحة منذ 27 فبراير الماضي، تخصيص مستشفى للحجر الصحي للمصابين بالفيروس في كل محافظة من محافظات الجمهورية الـ26، غير أن مستشفى تمى الأمديد المخصصة لاستقبال المصابين بالفيروس من محافظة الدقهلية لم تستقبل أيًا من المصابين حتى الآن، ويتم نقل الحالات التي تم تسجيلها في المحافظة إلى المستشفى الخاصة بمحافظة الإسماعيلية.

الطريق للحجر الصحي

«المريض لازم يتنقل وهو على جهاز تنفس صناعي إلى مستشفى العزل بالإسماعيلية ولازم يكون فيه طبيب يتابعه خلال الطريق»، يقول حمدي، مضيفًا أن «الدكاترة اللي كانوا موجودين رفضوا مرافقته وفي الوقت نفسه أهل المريض كانوا  بيصرخوا وبيقولوا عوضنا عليك يارب، اللي جه في دماغي إن المريض لسه عنده فرصة للعلاج».

وفقًا للإجراءات المتبعة من قبل وزارة الصحة يرتدي الأطباء والمتعاملون مع المصابين بفيروس كورونا زيًا أصفر مانع للتسريب ومجموعة من الأقنعة العادية و n95، والقفازات الطبية، وروب الجراحة وحذاء المطر الطويل البلاستيكي، فضلًا عن نظارات كبيرة وغطاء للرأس لمنع تسرب الفيروس.

«ارتديت أنا والمسعف وسائق سيارة الإسعاف الزي وفقًا للخطوات المحددة في نشرات وزارة الصحة، ونقلنا المريض إلى سيارة الإسعاف، وتحركنا بصحبة سيارة شرطة الساعة 7:30 ومن أول ما طلعنا من بلقاس لحد ما وصلنا الإسماعيلية الساعة 11.30 كانت دوريات الشرطة بتبدل علينا دورية من بلقاس لغاية جمصة وأخرى من جمصة إلى بورسعيد وثالثة من بورسعيد للإسماعيلية لتأمين الطريق وضمان عدم حدوث مشاكل من الأهل».

يقول حمدي إن الوضع «داخل مستشفى الحجر الصحي بالإسماعيلية كويس جدًا، الجميع يرتدون زي الوقاية، يميزه عن الزي الذي كنت ارتديه حاجة اسمها ‘شيلد’، وهو عبارة عن بلاستيك شفاف يغطي الوجه بالكامل لضمان عدم وصول العدوى، سلمنا الحالة وحطوها على جهاز التنفس الصناعي، وكده احنا دورنا خلص في الحجر».

الخروج من الحجر الصحي يتطلب إجراءات دقيقة كما هو الحال عند الدخول. يشرح حمدي أنه بمجرد خروج المريض من سيارة الإسعاف، يقوم المسعف بخلع البدلة الصفراء ويضعها في مكان تحدده مستشفى الحجر، ثم يخلع أحد القفازات. بعد ذلك يقوم بتعقيم سيارة الإسعاف بالماء والكلور وقلع باقي الأقنعة والأرواب، وهكذا الحال بالنسبة للسائق. أما الطبيب فقبل خروجه من المستشفى، يخلع البدلة الصفراء وأحد القفازات ثم يكمل خلع باقي الأقنعة والماسكات والأرواب وخلافه بعد الخروج من البوابة بحرص شديد لضمان عدم تسرب الفيروس للعين أو الأنف، لتقوم المستشفى بحرق تلك الملابس، بعد مغادرتهم المستشفى.

قبل مغادرتهم مستشفى العزل، «سحبوا مني ومن المسعف والسائق مسحة من الزور والأنف وتحليل دم pcr لم تظهر نتيجته بعد».

لا يرى حمدي ما فعله بطولة ولكن واجب، ولكنه في المقابل لا يلوم زملاءه الذين رفضوا مرافقة المريض. «ألتمس لهم ألف عذر»، يقول، «لو فكرت بالعقل مكنتش هعمل كده».

ويحدد الطبيب بمستشفى بلقاس المركزي أسباب عدم صحة قراره في سببين. «لو جالي التهاب رئوي هيعملوا فيا ايه؟»، يتساءل حمدي، «لو كورونا هيودوني العزل ولو مش كورونا ممكن حد يتصل بيا يقولي ألف سلامة عليك وخلاص على كده». يضيف حمدي أنه «واقعيًا أنا باخد بدل عدوى 19 جنيه، وحصلت مشاكل كتير علشان يزيد إلى 21 جنيه لكن ماحصلش، لما اتجوزت قالولي هات قسيمة الجواز عشان المرتب يزيد ولما زاد.. زاد 2 جنيه، ولما خلفت بنتي المرتب زاد 2 جنيه، بقالي عشر سنين شغال في الحكومة ومرتبي ما كملش 2600 جنيه، فليه أحط نفسي في خطر؟».

يضيف حمدي أن «الوزارة مش بتوفر للطبيب أقل المتطلبات، كنت باشتري الماسك على حسابي، وبالتالي أنا وغيري منطقي إننا نفكر ألف مرة ليه نعرض نفسنا للعدوى ولو بنسبة 50% عشان نقبض آخر الشهر مرتب ممكن ناخده لو اشتغلنا 3 أيام في مستشفى خاص محترم».

«العدوى ليست قاصرة على كورونا والطبيب طول الوقت معرض للعدوى»، يقول حمدي، الذي ذكر حالات عدوى كان شاهد عيان عليها: «فيه دكتور زميلي جاله التهاب رئوي، وطلبنا من الوزارة تحمل تكاليف علاجه في مكان محترم، لكن كان الرد إنه يشوف نفسه ويتعالج على حسابه».

يضيف أن طبيبة زميلة له «جالها التهاب سحائي وماتت وجوزها بيلف عشان يطلع المعاش بتاعها».

بالإضافة إلى المخاطر المعتادة لكل الأطباء، يحمل عملهم في العناية المركزة مخاطر أخرى. «زميلتي اللي كانت بتشتغل معايا كل يوم جالها التهاب رئوي وفضلت شهرين بتتعالج ومش قادرة تاخد نفسها، وبعد ما خفت راحت تعمل إجازة رفضوا وادوها سبعة أيام فقط، واعتبروها منقطعة عن العمل وحولوها للشؤون القانونية».

السبب الثاني لعدم صحة قرار مرافقة الحالة المريضة، بحسب حمدي، هو أنه وفقًا للوائح المعمول بها، هو طبيب عناية مركزة أطفال، ومصاحبته للمريض البالغ من العمر 50 عامًا مخالفة تستدعي مجازاته. «لا أستبعد استدعاء النيابة الإدارية لي والتحقيق معي في هذه المخالفة»، مضيفًا أنهم «هيقولوا لي مش شغلك».

ينتظر الطبيب خالد حمدي حتى اليوم، نتيجة تحاليله الخاصة بإصابته بالفيروس من عدمه*، في الوقت الذي علم اليوم، بوفاة المريض الذي نقله إلى مستشفى الحجر يوم السبت الماضي، بعد ثبوت إصابة خمسة من أهل المتوفي بالفيروس أمس.

* ظهرت نتيجة تحليل الطبيب خالد حمدي الثلاثاء 17 مارس وجاءت سلبية.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن