ديتوكس| سلام على الدنيا
 
 

#جو عام 

هذا ويك إند يبدأ في اليوم الثالث عشر من شهر مارس.

نحاول ألا يغلبنا التشاؤم، بينما عاصفة ولدت من منخفض التنين تضرب الأجواء، كما تابعنا اتجاهًا عامًا عالميًا لتقليل التجمعات بسبب وباء «كورونا»، ننصح بأن يلزم المرء بيته خلال الويك إند، لعل الاسترخاء يخلصنا من التوتر والهلع، خاصة مع انقطاع الكهرباء والمياه والإنترنت في العديد من المناطق منذ الأمس.

[يُنصح بالتجول بين الصور التالية للإخلاء من هنا:

هنا نرصد مشاعر واكبت بعضنا بينما نرى المدن تُجلى، والهلع ينتشر ويتسيد، ولا نرى حلولًا تُطرح، أو نلمح تغيّرًا في الأفق.

نعيش لحظات المخاطر الإنسانية الكبرى التي جسدتها برومانسية أفلام مثل «كازابلانكا» 1942، أو في وثائقيات الحربين العالميتين. لكن ما نراه يختلف عما قرأنا في كتب التاريخ عن الكوليرا والطاعون والأنفلونزا الإسبانية، فنحن نشهد وباءً عالميًا، نتمنى أن ينحسر، بدلًا من كونه الابوكاليبس المنتظر أو  خبطات القدر الدرامية التي لا فكاك منها.

سلفادور دالي 1904- 989 the persistence of memory

 في قسم #قراءة تتخيل هدير المهدوي مشهد نهاية العالم، كما نقدم نصائح للكتابة عن الكارثة من هيثم الورداني، ودعوة لقراءة فالتر بنيامين. وفي #مشاهدة نرشح للمشاهدة، إذا توفرت الكهرباء، نهاية العالم كما رسمها أسلوب الكوميكس الياباني «المانجا»، وخصصنا قسم #سماع لموسيقى تتناسب مع الأجواء.

ونذكر بما كتبه تِ. إس. إيليوت في قصيدته التي ترجمها محمد عيد إبراهيم:

«بينَ الرغبةِ والهَياجِ/ بينَ القُدرةِ والوجودِ/ بينَ الجَوهرِ والنَّسَبِ/ يرتَمِي الظِلّ/ لكَ الملَكوتُ./ لكَ الحياةُ/ لكَ الـ…/ وهكذا ينتَهي العالَمُ/

وهكذا ينتَهي العالَمُ/ 

وهكذا ينتَهي العالَمُ/

من دونِ قَرقَعةٍ، في أنينٍ».

#قراءة 

هدير المهدوي: حقيبة نهاية العالم

اللعنة، هل سينتهي العالم حقًا؟

لطالما كنّا في انتظار النيزك الذي سيصطدم بكوكب الأرض فرحين مهللين ساخرين، في كل مرة قرأنا هذه الشائعة على «النت» مثل شائعة وفاة مبارك، انتظرنا النيزك الذي سينهي مشكلاتنا الصغيرة أو الكبيرة مثل أن «القبض اِتأخّر» أو لأن «الصيف تأخّر»، بسبب بعض الملل، يوم عصيب أو أسابيع عصيبة، وربما سنوات عجاف، أو بسبب منخفض التنين الذي أغرقنا في بضع ساعات، لكن مبارك مات بالفعل، والنيزك لم يصطدم بالأرض.

لم يصطدم النيزك بالأرض، لا يليق بالأرض تلك النهاية الـ«شيك»، التي تتشابه مع إحدى النظريات العلمية لنهاية كائنات عملاقة كالديناصورات، والتي تفترض أن نيزكًا اخترق المجال الجوي، وتسبب في تغيّر درامي للمناخ، بنشر غازاته وترابه وحطامه الذي قضى على الحياة تمامًا. لكن زمن الديناصورات انتهى، نحن في زمن الكورونا، وإنسان هذا العصر المعتد بنفسه «اللي جاب آخر الكوكب» مهدد الآن على يد كائنات مجهرية، مهدد على يد فيروس اسمه مثل اسم شوكولاتة كنت أحبها وأنا طفلة  وكاسم بيرة شهير في أمريكا.

Matthew Hindley – Like, Like, Like, Like a Circus (2009)

تبدو نهاية العالم بفعل نيزك أكثر حسما وشاعرية ربما، أما كورونا هذا فبعكس اسمه «الكيوت» يحمل نهاية بطيئة وقبيحة للعالم. قالت لي صديقتي منذ أيام في حديث عابر عن الكورونا: «العالم عايز ينتهي.. ينتهي بس بأدب». في الأغلب لن ينتهي العالم، وسيجد الإنسان المُعتد بنفسه مصلًا أو مهربًا، خاصة لو كان مواطن أبيض يمتلك المال، الكثير من المال، وربما يضع شاب عبقري من الجنوب فيديو على يوتيوب لوصفة طبية من جذور البطاطا اكتشفها بالصدفة، فينقذ المليارات من البشر من الكورونا.

لكن ماذا لو لم تفلح الأمصال والمخابئ والوصفات على الإنترنت، ماذا لو افترضنا أن العالم سينتهي قريبًا «ومش بأدب»؟ ألم ينته العالم بعد؟ لا صلة مباشرة تجمعني ربما بالعالم كله. ما هو العالم؟ ما هي حدوده؟ العالم ربما أمر نسبي، فالعالم الثالث هو عالم، والعالم الأول هو عالم، وهناك العالم الأكبر، وهناك العالم الصغير الذي يخلقه كل فرد حول نفسه. أي عالم سينتهي إذًا؟

منذ بضعة أشهر كنتُ قريبة من كارثة طبيعية، في دولة من رائدات الحديث عن نهاية العالم، بعد الأديان. كنت في ولاية كاليفورنيا الأمريكية في موسم الحرائق، وحريق كبير ينتشر بسبب الرياح في المنطقة التي أسكن بها، المنزل الذي أقمت به وقع في «المنطقة الصفراء» على خريطة هيئة المطافئ، ما عنى إخلاء المنزل في أي لحظة حين يصبح في «المنطقة الحمراء»، أي الأقرب للحريق.

في هذه الولاية هناك نوعان من الكوارث الطبيعية الزلازل والحرائق، لذلك من الطبيعي أن تجد حقائب للطوارئ في المنازل، بها مياه واسعافات أولية، كشاف ليلي، وبعض الطعام. في الليلة الأولى من اندلاع الحريق وتصاعد الدخان في سماء المنطقة، لم استطع النوم، ليس بسبب خوفي من الحريق، بل بسبب إنذارات المطافي المستمرة، التي تصلني على هاتفي كي استعد، وأحضر حقيبة صغيرة استعدادًا لترك المنزل، حضرت حقيبتي ولم أتعامل مع الأمر على أنه نهاية للعالم إلا حين قرأتُ شيئًا عن حقيبة الطوارئ من قبيل «ما الذي يجب توفره في حقيبة نهاية العالم» على أحد المواقع الصحفية، انتبهتُ هنا أن الأمر ربما يكون خطيرًا، وشعرتُ بالخطر بالفعل ليوم أو اثنين، ومع استمرار الحريق لأسبوعين بتُّ أتابع انتشاره ومحاولات السيطرة عليه باعتيادية رتيبة، أنظر إلى حقيبتي الصغيرة و«حقيبة نهاية العالم»، واستكمل يومي بشكل روتيني. شعرتُ بخطر مماثل، حين أعلنت منظمة الصحة العالمية أن الفيروس صار وباءً عالميًا، وهو خطر ربما يصبح اعتياديًا بعد أيام أو أسابيع.

أظن أن عالمي الصغير وعددًا من العوالم الصغيرة، منفردة أو بالتشابك معي، أوشكت على الانتهاء مرات عديدة، لم يكن الحريق سينهي العالم كله الذي لا نعرف له حدود، ولا تلك المرات التي شعرنا فيها بنهاية العالم حين عاندنا القدر في حياتنا لبعض الوقت، لكن في النهاية ما يهم -ربما- هو عالمنا الصغير الضيق، لن يفيدنا أو يضرنا انتهاء العالم الكبير، حتى وإن كان في الموت الجماعي بعض الونس.

في موجة العواصف الرعدية والترابية الحالية بالقاهرة، والتي تليق تمامًا بأجواء نهاية العالم، نظرت إلى السماء وحاولت التفكير بجدية في سيناريو نهاية العالم هذا، كل ما فكرت به في الحقيقة كان بمنطق الديدلاين، فكرتُ في الغسيل الموجود بالغسالة، عليّ غسله ونشره قبل نهاية العالم، وربما سأطبخ السمك المحفوظ في الفريزر، ربما سأدفع إيجار المنزل واشتراك الإنترنت مقدمًا لبضعة شهور. ربما لو انتهى العالم قريبًا، عليّ إذًا أن أنشر الكتاب الذي أعمل عليه منذ سنوات، كما عليّ تسليم كل قصصي الصحفية المُعلَقة، وربما عليّ التوقف عن الكسل وأشتري بعض الطعام والمنظفات للتخزين، مثلما يفعل الجميع، ربما أشتري شوالات من البطاطس، فهو الطعام المناسب في أوقات الحروب وبالتأكيد هو المناسب أيضًا في أوقات الكورونا، ربما سأترك رسالة لعالم ما بعد نهاية العالم، يجدها كائن آخر بعد آلاف السنين، ويضعها في متحف كرسالة مجهولة تدل على حياة سابقة على كوكب الأرض.

كثيرًا ما يضع الأشخاص الذين يقتربون من الموت قائمة أمنيات لتحقيقها في الأوقات المستقطعة الأخيرة، حل أمور معلقة ربما، انهاء خلافات تبدو تافهة أمام الموت، القيام بأمور جنونية كالقفز من الطائرات، أو السباحة مع أسماك القرش، أو تسلق قمة أعلى جبل في العالم، أو ربما لأسباب اقتصادية قمة أطول بناية في المنطقة، وربما تكون الأمنية الأخيرة هي جلسة حميمة أخيرة مع الأصدقاء.

جلسة حميمة أخيرة مع أصدقاء تبدو فكرة جيدة لمواجهة نهاية العالم، فالأهل والأصدقاء لا يمكن أن يكونوا مصابين بالكورونا، نحن نعرفهم منذ سنوات، الغرباء هم بالتأكيد من لديهم كورونا.

ربما بعد بضعة أشهر نعتاد انتظار نهاية العالم، ونصنع من الانتظار مزيدًا من الإفيهات والـ«ميمز»، ربما يدرك الإنسان المُعتد بنفسه حجمه الحقيقي أمام الطبيعة الأم، ثم يتناساه. ربما سأتحقق يوميًا من «حقيبة نهاية العالم» بجواري، ثم أعتاد وجود الكورونا، أو أنسى وجوده بالأساس، ونتتظر النيزك.

كتابة كارثة وترجمة فالتر بنيامين

«كيف عثرت الرأسمالية في أطوارها الأخيرة على رأس مال جديد في المستقبل، بعدما اكتشفت أن المراهنة على المخاطر المحتملة مربحة، وأن اقتصاد القروض والديون الآجلة يُدرّ المكاسب. فالمستقبل اليوم، بعد نحو قرن من ظهوره كفيض لا ينفد، قد تم تجريفه تمامًا على يد الرأسمالية، ولم يعد سوى منجم ضخم من الديون».. هكذا كتب هيثم الورداني في «ظل الكارثة الطويل» والذي نرشحه للقراءة لتناسبه مع الجو العام.

فالتر بنيامين

وعلى سيرة الكارثة أيضًا، لمَن لم يقرأ «شارع ذو اتجاه واحد» لفالتر بنيامين تجدون هنا ترجمة أحمد حسان لكتاب بنيامين الوحيد المنشور في حياته، بعدما أتاحه المترجم عبر صفحته الشخصية «راية التمرد».

وفي ختام قسم #قراءة نقدم هذا الاختبار من «الحدود».

#مشاهدة

نرى الخراب في كل المشاهد، البيوت والمدن خالية، والعابرون يرتدون أقنعة تنفس، النباتات فسدت، وتخرج منها روائح سيئة. نرى هذه الروائح ونشعر بفسادها حينما نرى تفجر اللون البنفسجي مثل قنبلة دخان.

هذا عالم قد خرب فعلًا ولا مجال لإصلاحه. الحركة والانتقال لا يكونا إلا عن طريق ركوب الدواب أو الرياح. راكبو الرياح يستخدمون طائرة تشبه الـ«درون» ويحملون الأسلحة لمواجهة المخاطر المحتملة في عالم خرب، أما وسيلة الانتقال الأخرى فهي دواب لا نعرف كنهها، فلا هي أحصنة أو جمال أو بغال، وإنما كائنات أسطورية تسير على أربع، علمها عند رساميها. نرى تجسيدًا لما بعد نهاية عصر الصناعة، بعد غرق العالم في «بحر الهلاك»، ووسط الخراب الملون المنتشر لم تنج إلا قرى صغيرة، لكن أهلها بين الحين والآخر يتعرضون لأذى.

ابتلع بحر الهلاك العالم، أما المناطق الواقعة خارج حدود هذا البحر فهي غابات تعيش فيها الحشرات والحيوانات فضلًا عن وحوش عملاقة تُدعى «الأوم» التي لم نر لها مثيل.

ما سبق هو تكثيف للدقائق الأولى من فيلم «ناوسيكا أميرة وادي الرياح» (1984) الذي عبّر عن تصور بصري مختلف في عالم إنتاج الأفلام المرسومة، والذي تجسد بعد عام من إنتاجه في استوديو «جيبلي» الياباني الذي يقدم أفلام وفقًا لأسلوب المانجا الشهير، الفيلم أتاحته مؤخرًا منصة نتفلِكس هو وعشرين عملًا آخرين من إنتاج الاستوديو للمشاهدة، وهذه الأفلام فرص ممتعة لا تفوت.

أسس الاستوديو في 1985، المخرجان إيساروا تاكاهاتا، وهاياو ميازاكي والمنتج توشيو سوزوكي. يُحكى أن اسم الاستوديو جاء تيمنًا بتسمية الرياح الحارة في ليبيا، بغرض التعبير عن إحداث موجة جديدة في عالم إنتاج أفلام الرسوم المتحركة الطويلة، تلك التي اُستوحت منها تسمية طائرة إيطالية خلال الحرب العالمية الثانية كذلك «جيبلي».

لا نرشح فيلمًا محددًا، بل ندعو للتعمق في مشاهدة فيلم تلو الآخر لأن التجربة تستحق. والأفلام هي:

«ناوسيكا أميرة وادي الرياح»، 1984، «قلعة في السماء» 1986، «جاري توتورو» 1988، «كيكي لخدمة التوصيل» 1989،  Only Yesterday 1991، «بوركو روسو» 1992، «أمواج المحيط» 1993، «حرب الراكون» 1994، «همس القلب» 1995، «الأميرة مونوكي» 1997، «جيراني من عائلة يا مادا» 1999، The Cat Returns 2001  ،2002 Spirited Away، «قلعة هاول المتحركة» 2004، «حكايات البر والبحر» 2006، «بونيو على جرف البحر» 2008، «العالم السري لآريتي» 2010، «من أعلى تلة الخشخاش» 2011، «حكاية الأميرة كاجويا» و«صعود الرياح» 2013، When Marnie Was There 2014.

#سماع

هذه المرة نحاول أن نضع خلفية موسيقية تتناسب مع الأحداث، محاولة للهدوء وسط أجواء الحرب الكونية الجديدة التي اندلعت بفعل فيروس، الحلول ليست في أيدينا، لكن ربما علينا التأمّل والتفكير بشكل عميق بحثًا عن طُرق تقلّل الخسائر ونحن نسير نحو قلب الكارثة.

نبدأ مع خبطات القدر في الموسيقى الكلاسيكية كما صاغها بشكل لن يتكرر بيتهوفن في سيمفونيته الخامسة التي كتبها بين عامي 1804-1908:

ومن القدر وخبطاته ننتقل إلى أغنية رقيقة كتبها صلاح جاهين ولحنها عمر خيرت، وغناها محمد منير، في مرحلة كان صوته رائقًا ويسمح بأن تستمع بينما يقول: «بعد الطوفان الجو شبورة.. ننده لبعض بهمسة مذعورة».

تحل اليوم ذكرى ميلاد محمد عبد الوهاب، ومن أعماله اخترنا من كلمات حسين السيد، ما يناسب الأجواء:

How’s It Gonna End، لتوم وايتس:

ثم «انقذت العالم اليوم» للثنائي البريطاني يوريثميكس:

والموت وأصدقاؤه لـ«كولد بلاي»:

وبعد التساؤل يأتي تحذير «هذا الطريق اخرتو لحن حزين» لآخر زفير:

ثم ننتقل إلى «نهاية العالم» كما غناها عزيز مرقة:

هو ما فعله «كايروكي» أيضًا:

وفي ختام #سماع نردد مع بيجي لي تساؤلها:

#سلام

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن