بين الافتراضي والواقعي.. عامان من الثرثرة حول الجنس

لسنوات طويلة ظل الخطاب النسوي حبيسًا بين مؤسسات الدولة التي ادعت اهتمامها بالختان والعنف المنزلي والتمكين الاقتصادي والسياسي للنساء.

وعلى الرغم من اعتماد هذا الخطاب المؤسسي على الأرقام والإحصائيات في وضع أولويات أجندته بشؤون وحقوق المرأة -كلًا واحدًا-، ومؤسسات المجتمع المدني التي اشتبكت ببرامجها مع المجتمع والدولة، لإحداث تغييرات جماعية وشمولية في قضايا نسوية كبرى ونجاحه في تحقيق مكتسبات قانونية وسياسية واضحة واستغلاله للسبل كافة للتواصل القاعدي مع المجتمع في شتى المحافظات، إلا أنه ظل يُقَدم بلغة خاصة ونخبوية، مما جعله مركزيًا متمحورًا حول قضاياه المحددة مسبقًا.

لكن تزامن ثورة 25 يناير مع السيولة غير المسبوقة في الاتصالات، أدى إلى تغييرات جذرية في تشكيل الوعي النسوي. وصفت مؤسسة «نظرة للدراسات النسوية» ذلك بأنه «طفرة نوعية حُققت في المعدلات الكمية والكيفية لمشاركة النساء من مختلف الخلفيات الاجتماعية في الحياة السياسية المصرية، وكذلك في المبادرات والمجموعات الشبابية التي تكونت في مختلف محافظات مصر على خلفيات أيدولوجية وفكرية مختلفة».

هذه الطفرة المعرفية في سياقها السياسي أدت إلى تغيير جذري في نوع القضايا التي فجرها الخطاب النسوي الجديد المنبثق من تلك المبادرات والتي لحقت به المؤسسات النسوية، فقد شكلت قضايا العنف الجسدى مثل التحرش والاغتصاب والعنف الجنسي السياسي والعنف المنزلي أولويات هذا الخطاب، والذي وجدت فيه هالة كمال ملمحًا لموجة نسوية رابعة، انطلقت بعد الثورة مستفيدة من التطورات التكنولوجية الهائلة في الاتصال والتواصل وابتكرت سبلًا للتنظيم النسوي الافتراضي، عززت عمليات الحشد والمناصرة حول قضايا نسوية متخلصة من عوائق الزمان والمكان ومتحدية القبضة الخانقة للقيود الاجتماعية والثقافية والجغرافية والسياسية.

نحن هنا.. وهذه قضايانا.

وسط هذا الخطاب الجديد تعد مجموعة «The Sex Talk» بالعربي من أهم المبادرات النسوية، التي اختارت أن تبدأ بمجموعة سرية أسست عام 2018 وتحتفل هذه الأيام بمرور سنتين على إنشائها. وتستهدف المجموعة إنتاج محتوى عن قضايا الجنس باللغة العربية وتبادل النقاشات والأسئلة حول تلك القضايا في مساحة آمنة ومرنة للعضوات كافة على اختلاف ميولهن الجنسية، كما تستهدف المجموعة تقديم الدعم المعرفي والتضامن النسوي لعضواتها الـ862 في مواقفهن الحياتية المختلفة، كما خرج من المجموعة صفحة مفتوحة لنشر مواد معرفية عن الجنس باللغة العربية قوامها نحو 2000 شخص من الرجال والنساء، وتديرها ثلاث من الشابات النسويات.

يلاحظ على مؤسسي المجموعة تقاربهن في المرحلة السنية ما بين العشرينات وأوائل الثلاثينات، وأغلبهن ممن تربين في أسر محافظة خارج القاهرة، وارتبط وعيهن النسوي بمعارك شخصية مع الأبوية في أسرهن ومجتمعاتهن التقليدية، جعلهن يفضلن الاستقلال عن الأسرة والنزوح إلى العاصمة بكل مركزيتها وشق سبلًا لحياة جديدة داخل القاهرة، وهو ربما ما يفسر طرح المبادرة قضايا كانت بعيدة ومختلفة عن الخطاب الجمعي المطلق حول النسوية في مصر، بل ووضعت بكل جسارة لغتها الخاصة وألفاظها.

حرصت المبادرة بأن تلتزم بلفظ «الشريك» أو «الشريكة» بدلًا من «الزوج» و«الزوجة» لتخلص خطابها من الشرعنة والحصرية التي يفرضها المجتمع بإبقاء الجنس في إطار الزواج.

تقول مؤسسة المبادرة فاطمة إبراهيم، وهي مستقلة عن أسرتها من المنوفية وتدرس الدكتوراه في إنجلترا، إنها قررت تأسيس مبادرة «The Sex Talk» باللغة العربية لأسباب مرتبطة حسب قولها إن «الجنس تابوه كبير لا يمكن الكلام عنه في مصر، ووسط هذا الجهل والصمت وانعدام الوعي تتعرض النساء لمشاكل صحية ونفسية تودي بحياتهن في صمت».

وتصف فاطمة مبادرتها، التي شاركت فيها عضوات أخريات ذوات خلفية عملية، بالنسوية قائلة «المبادرة قامت بإلهام من الفكر النسوي، لأنها معنية بتوفير معلومات وخطاب عن الجنس موجه ومعني بالنساء في المقام الأول، وتسير بعكس السردية الكبرى، التي ترى النساء أدوات لإمتاع الرجال وتفرض عليهن سمات شكلية مرتبطة بلون البشرة ووزن الجسد وشكل الملابس، بل وتتدخل بمنتهى الأريحية في تحديد دورها في العلاقة الجنسية، وتعد أي خلاف مع تلك المحددات انتقاصًا في الأنوثة، وعليه فان كل عناية شخصية للنساء تصبح وكأن غايتها إرضاء الرجال.. وعليه تنطلق اَلاف الكتابات عن الجنس بلغة ذكورية موجهة للرجل ولا ترى النساء، وبوازع أخلاقي وديني لا يرى العلاقات إلا في سياقها الشرعي والرسمي، وهي نفس اللغة التي تتعرض لها النساء من الأطباء حتى في أقصى حالات المرض».

من الافتراضي إلى الواقعي.. والعكس

ومنذ عام 2009 بدأ السوسيولوجي مانويل كاستلز بكتابه «سلطة الاتصال» في نحت وبناء مفهومه عن «مجتمع الشبكات»، محتفيًا بتكنولوجيا الحرية والإنترنت والهواتف المحمولة وبرامج التواصل الاجتماعي، وقدرتها على تغيير خريطة السلطة وعلاقات القوى المتصارعة على تشكيل العقل البشري، مؤكدًا على أن التكنولوجيا فتحت مساحات أمام جماعات التغير الاجتماعي للدخول في المعادلة ومن ثم إمكانية ممارسة سلطتها في تشكيل الوعي ويقول مستفيدًا من كتابات فوكو عن السلطة والمقاومة: «السلطة تحكم، والسلطة المضادة تقاوم، والشبكات تعالج برامجها المتناقضة، بينما يحاول الناس العثور على معنى لمصدر مخاوفهم وآمالهم».

يفتح هذا المفهوم مساحات للنسويات لاستغلال الدور الهام الذي لعبه الإنترنت في خلق ثقافة مختلفة، ويبلور الرؤية لمفهوم «النسوية الرقمية» الناشئة مستفيدة من مجال يمتاز بمزيد من حرية التعبير وتوثيق التجارب وإثارة القضايا؛ ليتحول الإنترنت من أداة اتصال تمكن النساء من إطلاق أصواتهن إلى تحقيق التضامن وتكوين الحركات ومن ثم المقاومة، بحسب ما جاء في «المبادئ النسوية للإنترنت» الصادر عن جمعية الاتصالات التقدمية.

لقد طرحت «نظرة للدراسات النسوية» في دليلها عن المبادرات النسوية/النسائية الشابة سؤالها «لماذا الواقع الافتراضي؟» في السياق المحدد للحركة النسوية المنطلقة عبر المبادرات الشابة بعد ثورة 25 يناير.

وقد استجمعت إجابتها على هذا السؤال من قدرة الناشطات من الجيل الأحدث على التنظيم الافتراضي، والذي وصفته المؤسسة بأنه ابتكارًا يزيل عوائق الزمان والمكان والإمكانيات الاقتصادية المتواضعة للمجموعات النسوية غير المدعومة، والقيود الاجتماعية والسياسية التي تصعب عمليات الحشد الجماهيرية على القضايا وتعزز من إمكانية التواصل مع فئات تحت طائلة التهميش مثل العاملات بالمنازل والفتيات المحتجزات في منازلهن.

هنا فإنه من المفيد التحديق في عبارة وردت في مقال «إعادة برمجة السلطة: إنشاء الإنترنت النسوى وشغله واختراقه»، والذي أعدته جمعية الاتصالات التقدمية، وتقول: «تزعزع النسويات الأنظمة والمساحات والمناسبات التي تقمعنا وتنتهكنا وتستبعدنا من الحياة بحرية، حيث نعبر عن رغباتنا ونصنع حيوات بديلة، آمنة ومؤثرة. الإنترنت هو مساحة ومنصة ووسيط رقمي نستخدمه على نحو متزايد لإثارة الرأي العام والتواصل والحشد. وبينما تزداد مراقبة الدولة على النشطاء، يلعب كارهي النساء المتصيدين أدوارهم في استخدام العنف، وتستخرج الشركات بياناتنا وتخترق خصوصيتنا، نحن بحاجة لزعزعة الإنترنت والسيطرة عليه».

وعليه فان أول ما يتبادر للذهن تساؤل عما هو الافتراضي؟ وما هو الواقعي؟ وما هي المسافة المقطوعة بينهما؟ وكيف يتسلل البناء الأبوي السلطوي من الواقعى ليفسد لذة بناء الافتراضي إذا افترضنا أنهما في انفصال؟

علقت النسوية فلورنسيا جولدسمن على أهمية السبب وراء حاجتنا لتخيل الإنترنت النسوي والعمل نحو الوصول إليه قائلة: «لم يعد بإمكاننا رسم خط بين ما هو حقيقي وما هو افتراضي. نحن بحاجة لاتخاذ القرارات بشأن الإنترنت الذي ندور فيه ونعيش ونبني المشاركات السياسية. فإذا استمرت الدوائر الصغيرة المكونة من الرجال ذوي البشرة البيضاء متحدثي اللغة الإنجليزية في تحديد بنية الإنترنت، ستظل البرامج والرموز واللغات المتاحة لمعلوماتنا غريبة بشكل خطير وفضائي».

عودة إلى المبادرة وإلى فيسبوك، ترى فاطمة إبراهيم أن فيسبوك يمارس سلطته دون النظر إلى الاحتياجات المختلفة والمتنوعة للمجموعات المختلفة، ويتمثل ذلك مثلًا في منع ظهور صور أثداء نساء عارية في المطلق. وتتساءل فاطمة إذا ماذا كانت العضوة تسأل عن مرض في الثدي وتحتاج المشورة الطبية من الطبيبات العضوات بالمجموعات وليس لديها قدرة أو إتاحة للكشف الطبي؟ وتقول إن على فيسبوك أن يعيد نقد سياساته والاستعانة ببشر لتنفيذها، واضعين بعين الاعتبار اختلاف وتنوع الاحتياجات.

تعرضت المجموعة المغلقة يوم 26 يناير 2020 للإغلاق من قبل فيسبوك، الذى أعلن لفاطمة أن المجموعة قد تخطت المعايير المجتمعية عندما نشرت إحدى العضوات صورة لظهرها كاملًا، فاضطرت المجموعة لحذف الصورة ومراقبة الصور كافة وفقًا للقواعد «الخيبانة»، التي لا تدرك الوضع الحرج والقامع التي تحيا فيه النساء حياتهن الجنسية. تضيف: «نعم تنشر النساء صورها عارية، ولكن هل يعلم فيسبوك أهمية أن تكتسب امرأة من صورتها تلك ثقتها بجسدها خارج التزامات ومعايير الأنوثة التي يضخها المجتمع يوميًا في الإعلانات والمسلسلات والأغاني وحتى أفلام الجنس».

ينشر موقع فيسبوك المعايير المجتمعية بصيغة فضفاضة. يقول: «نحن نقيّد عرض العُري أو النشاط الجنسي لأن بعض الأشخاص في مجتمعنا قد يكونون حساسين لهذا النوع من المحتوى. بالإضافة إلى ذلك، فإننا نقوم افتراضيًا بإزالة الصور الجنسية لمنع مشاركة المحتوى غير التوافقي أو المحتوى دون السن القانونية. تنطبق القيود المفروضة على عرض النشاط الجنسي أيضًا على المحتوى الذي تم إنشاؤه رقميًا ما لم يتم نشره لأغراض تعليمية أو فكاهية أو ساخرة. أصبحت سياسات العري لدينا أكثر دقة مع مرور الوقت. نحن نتفهم أنه يمكن مشاركة العُري لمجموعة متنوعة من الأسباب، بما في ذلك شكل من أشكال الاحتجاج، لزيادة الوعي حول سبب ما، أو لأسباب تعليمية أو طبية. إذا كانت هذه النية واضحة، فنحن نسمح بالمحتوى. على سبيل المثال، بينما نقيد بعض صور ثدي الإناث التي تشمل الحلمة، فإننا نسمح بالصور الأخرى، بما في ذلك تلك التي تصور أعمال الاحتجاج، والنساء المنخرطات بنشاط في الرضاعة الطبيعية، وصور الندب ما بعد استئصال الثدي. نحن نسمح أيضًا بصور اللوحات والمنحوتات وغيرها من الأعمال الفنية التي تصور أشكالًا عارية».

تستشعر فاطمة القلق والريبة حول علاقة الموقع بالدولة، خاصة مع غياب التأكيدات القاطعة بسرية البيانات والنقاشات المتداولة على المجموعات حتى السرية منها، الأمر الذي يجعلهن في حساسية دائمة تجاه ما يقدمون من مضامين لها علاقة بمحظورات سياسية.

يواجه ناشطات المبادرة بنضالهن النسوي اليومي إشكاليات متعددة وتجعلهن بشكل دائم أمام التساؤلات المختلفة بين العام والخاص، والافتراضي والواقعي، يحاولن العبور من براثن الأبوية المحلقة في الهواء، يقضين أوقاتًا أمام أجهزتهن لتحضير المحتوى المعرفي وتشكيل لغة خطاباتهن والانغماس والدعم للمشاركات في مشاكلهن الشخصية الحساسة، وحفاظًا على تثبيت الافتراضي في الواقعى تنظم المبادرة أنشطة تجمعية للمجموعات وحملات على أرض الواقع لتحقيق ممارسة فعلية لاجتماعات ومساحات ذات طابع نسوي.

لذا فإن الإنترنت مساحة تمارس فيها الأعراف الاجتماعية وفرضها وإعادة التفاوض عليها، وعادة ما تكون امتدادًا لمساحات تشكلت على يد الأبوية والغيرية الجنسية كإطار قياسي وبالمثل فمقاومتنا على الإنترنت هي امتداد لمقاومتنا في مساحات أخرى عامة أو شخصية أو ما بينهما.

النسوية الرقمية.. تقاطع المصائر والآلام

التقاطعية هي النظرية النسوية التي طرحتها الباحثة القانونية النسويّة كيمبرلي كرينشو لتحليل تجارب النساء الملونات، وتقاطع التفرقة العرقية والجندرية التي تواجهها النساء الملونات على مستوى النظام القانوني والقضائي والحق في الخدمات العامة والقدرة على النفاذ إليها.

تحتفي النسوية الرقمية دائمًا بقدراتها الواسعة على تبني نظرية التقاطعية، مؤكدة على أن سهولة الإتاحة والانتشار والتواصل مع الجماهير يمكنها من استيعاب أكبر عدد من النساء، رغم اختلاف تقاطعات القهر المرتبطة بالطبقة والدين والعمر واللون والعلاقة المكانية بالمركز، هذا الاستيعاب يجعلها حساسة لتاريخ التقاطعات من خلال مساحات الحكي لنساء يتعرضن للقهر الأبوي بتقاطعات مختلفة، مما يجعل المبادرات في حالة دائمة من نقد الذات ومراجعة الطرق وآليات المقاومة.

نعود لفاطمة إبراهيم. فترى أن الفروق الديموغرافية بين العضوات في مجموعتها السرية والمتمثلة في اختلاف الأعمار ما بين العضوات من 17 إلى 50 عامًا، واختلاف مواقعهن الجغرافية ليس فقط على مستوى مصر كريف في مقابل حضر بل وأيضًا على مستوى الدول العربية، كفيلة ودالة عن التنوع وبالتالي فتح مساحات لنساء مختلفات لنشر ومناقشة قضاياهن، إضافة إلى اهتمام المبادرة بنشر محتويات ومناقشة قضايا خاصة بالنساء «الكويريات»، مما جعل المجموعة تشكل مساحة آمنة لكشف النساء عن هوياتهن وميولهن الجنسية المختلفة، أو حتى محاولاتهن لاكتشافها.

ومع ذلك كله اضطرت المبادرة ذات المجموعات السرية لوضع قيود لدخول النساء للمجموعة بعد ما عانوه من اختراق للمجموعات من حسابات زائفة، أو حدوث تسريبات للمناقشات والصور، هذه القيود اشترطت دخول النساء بمعرفة اثنتين من عضوات المجموعة، الأمر الذي يحكم تطور حجم المجموعة ببقائها بين نساء متقاربات في أوضاعهن الاقتصادية والتعليمية والطبقية والاجتماعية والأيديولوجية.

وبمنظور أوسع نجد أنفسنا أمام تساؤل عن المرأة، التي لديها القدرة على المشاركة على الفيس بوك؟ تعني مشاركة إحداهن على فيسبوك حصولها على قدر ما من التعليم يتيح لها فهم اللغة الإنجليزية المبسطة أو الفصحى المعقدة التي يستخدمها الموقع، فضلًا عن بقاءها في وضع اقتصادي يسمح لها بملكية هاتف ذكى أو كمبيوتر، ووجودها في سياق اجتماعى يتيح لها امتلاك حساب شخصي على الموقع.

هذا ما أكدته جينفر رادلوف في مقالها عن «النسوية الرقمية الإفريقية في القرن الحادي والعشرين»، حين قالت: «تتصل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بأوجه عدم المساواة -على اختلاف أنواعها- وتعيد إنتاجها. الأمر لا يتعلق بالتفرقة علي أساس النوع فحسب، بل يمتد إلى القطاعات التاريخية واللغوية والجيوسياسية والاقتصادية والعرقية وغيرها من المحاور المتداخلة المتعلقة بالامتيازات والقوة، فإمكانية الوصول إلى الإنترنت واستخدامه تعكسان سبل التعامل مع اختلافات النوع والطبقات الاجتماعية، وغيرها من مسارات القوة».

هل ثرثرتنا عن الجنس والعلاقات نضال سياسي؟

كان ملهمًا لي في بداية تشكيل وعيي النسوي القراءة عن شعار «الشخصي سياسي» الحاشد والمؤثر في الحراك الطلّابي، والموجة النسوية الثانية منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، حيث شددت النسويات على السمة السياسية لتجاربهن الشخصية في العمل، في المنزل، وفي المجتمع بشكل عام، وأنها ليست مجرد مشاكل شخصية تُحل على المستوى الشخصي ما بين المرأة والرجل، أي أن المشكلة ليست مجرد مشكلة آراء ذكورية عند الرجال ضد النساء، بل أنها مشكلة منظومة علاقات أبوية اجتماعية سياسية تتخلل مفاصل المجتمع كافة.

وفق هذا الفهم، كانت حلقات رفع الوعي تهدف إلى إدراك تفاصيل هذه العلاقات عن طريق حديث النساء مع بعضهن البعض عما يعشنه، عن تجاربهن الشخصية في علاقاتهن الحميمية، في الحركات السياسية، في علاقاتهن الزوجية، وهكذا.

وقد تبلور كمفهوم بيد كارول هانيش التي نشرت مقال بعنوان «الشخصي سياسي» عام 1969، والذي أكّد على قوة العلاقة بين التجربة الشخصية والبنى الاجتماعية والسياسية الأكبر منها، وبذلك أصبح هذا المفهوم نصب أعين النسويات في أعمالهن التنظيمية والأكاديمية كافة.

وفي تأكيد لقوة هذا المفهوم ليس فقط في الحقل النسوي، وإنما في مجال التغيير السياسي والاجتماعي ككل، أجد تقاربًا بين المفهوم وما ذكره وتتبعه عالم الاجتماع الإيراني اَصف بيات في كتابه «الحياة اليومية كسياسة: كيف يغير الناس العاديون الشرق الأوسط؟»، حيث أشار إلى أن التغيرات التي حدثت في منطقة الشرق الأوسط تاريخيًا -وبخاصة في المجتمعات التي يقوم فيها الدين بدور كبير، مع التركيز على التحولات الاجتماعية السياسية- قامت بها قوى اجتماعية، وليست قوى سياسية، وجرى ذلك بصورة فردية أو جماعية.

أعادت الفئات العادية من الجماهير النظر في مفهوم الحركات الاجتماعية ودورها في التغيير؛ إذ رفضت هذه الجماهير الخروج من المسرح السياسي أو تركه للنخبة الحاكمة، نخب سياسية أو دينية أو ثقافية. بل عملت تلك الفئات الاجتماعية على خلق مساحات سياسية جديدة تستطيع من خلالها رفع أصواتها والتعبير عن احتياجاتها ومطالبها. ولا تكتفي تلك الفئات بالشعارات والاحتجاجات للتعبير عن مطالبها ولكنها تشكلت فيما يمكن تسميته «اللاحركات الاجتماعية» المرتبطة بوسائل رجل الشارع لتغيير هيكل القوة في مجتمعه. وهو ما عده الكاتب وسيلة مهمة وجديدة من وسائل التعرف على «فن الوجود» على الساحة السياسية، وتخطى كلاسيكية وجوب إفراز المجتمع حركات اجتماعية قادرة على قيادة التغيير.

ويتتبع الكاتب وضع النساء المهمشات، بوصفهن ذوات وضع خاص في منطقة الشرق الأوسط، ولهن ارتباط مباشر بالثورات والانتفاضات التي تحدث في هذه المنطقة، ويضرب مثالًا على ذلك وضع النساء الخاص في إيران ودورهن في التظاهر والمقاومة والتفاوض؛ وذلك لشعورهن بالظلم وبخاصة داخل الأسر الفقيرة، مما دفعهن إلى ممارسة حقوقهن بشتى الطرق، ولكن كانت أهم التحديات التي واجهتهن ربط مطالبهن المشروعة بمطالب المجتمع ككل وتحول تلك المطالب الفردية أو الفئوية إلى مطالب جمعية.

لقد بلور بيّات بدوره مصطلح «اللاحركات» باعتباره جزء من الأنشطة الجماعية التي يقوم بها أفراد لا ينتمون إلى فئة أو إلى طبقة واحدة؛ فهم يقومون بممارسات مشتركة ينخرط فيها عددًا كبيرًا منهم حتى لو كانت هناك منظمات أو مؤسسات تشكل أنماط هذه الممارسات، وهى في مجملها إحدى الوسائل التي استخدمها المهمشون للمطالبة بحقوقهم، وهو ما قد يعلل حدوث هذه الحركات في المناطق الفقيرة من المدن بصورة خاصة.

من المهم هنا أن نتتبع السياق السياسي للمبادرة التي اشتبك كل نشطائها مع ثورة 2011؛ وشكلوا وعيهن النسوي في مجال كان مفتوحًا ومتوترًا بعد الثورة نحو إحداث تغيير سياسي واجتماعي، حيث شهدت الناشطات أعمال العنف الجنسي على النساء في الميدان ومراهنات الحكم الإسلامي لجماعة الإخوان المسلمين على حرية النساء وملابسهن وأجسادهن، انتهاء بالحكم العسكري الحالي الذي يدعى تقديره لقضايا العنف الجنسي وتحديدًا التحرش بتطويره للقوانين المطاطة وسياساته غير الفاعلة.

تمارس المبادرة عملها في حالة من عدم الوفاق مع سياسات النظام الحالي، ويرونه كحلقة جديدة من سلسلة الأبوية، مستائين من حالة تشويه المجتمع المدني والتضييق الشديد على الوضع الحقوقي والمعرفي في مصر، مما يجعلنا أمام سؤال: كيف تهدد سياسات النظام الحالي بقاء وتطور وأحلام المبادرات الثلاث؟

ترصد فاطمة إبراهيم معاناة النساء من تغافل الدولة عن قضاياهن الملحة وأهمها الحق في الإجهاض الآمن، والتي تواجه على أثر غيابه مئات النساء الموت يوميًا، فضلًا عن التباطؤ في توفير الكشف المجانى والمبكر للأمراض السرطانية للنساء في الأماكن المهمشة، وتوفير وسائل لمنع الحمل صحية وأمنة، وبالتالي فإن الوضع الصحى والجنسي للنساء في مصر مزري وخطير. لذا تحلم المبادرة في اللحظة الحالية بالانتشار والقدرة على إنتاج محتوى أو ترجمة مضامين بالعربية تهتم بالنساء وتساعدهن على الوقاية الصحية والاستمتاع بحياتهن الجنسية. كما تحلم المبادرة بوجود سياق داعم من الدولة يمكنها من إنشاء وحدات وعيادات في مناطق مختلفة للاستشارات، والكشف على النساء فيما يخص صحتهن الجنسية.

أخيرًا ومع اختلافنا حول جذرية التغيير التي تحدثه مبادرة كـ «The Sex Talk» بالعربي وغيرها من المبادرات النسوية الرقمية، فإن وجودها مهم لامحالة ليس فقط في دورها وديناميكيتها في سياق سياسي يحاول تثبيت عجلات التغيير الاجتماعي، ولكن لأنها تذيب المسافات بين الافتراضي والواقعي من خلال إحداث تغييرات في شكل ومضمون حياة المشتركات بها وتدعم وعيهن وممارستهن لنسويتهن، من خلال الاستغراق في قضايا شديدة الحساسية والخصوصية لهن كقضايا الجسد والجنسانية باعتبارها قضايا شخصية/سياسية.

ومع تقديرنا الكامل لتأثير المبادرة فإنه لا مفر من مواجهة التساؤل الأكبر، كيف تسير أحوال النساء اللاتي بلا شاشات؟ هل سيجمعنا الإنترنت حول شاشاتنا في غرفة معزولة لا تمكننا من سماع أصواتهن؟

أعتبر النسوية في أهم افتراضاتها تساؤل عن العدالة، وعليه فإن على النسوية الرقمية أن تتساءل بشكل جاد عن الوصول والإتاحة للجميع، نعم الجميع على اختلاف تقاطعاتهن. وعليها مواجهة نفسها باعتمادها على وسائل أنتجتها وتتربح منها شركات قائمة على منطق رأس المال؛ وتدفع بالتقنيات لمزيد من الخصخصة في ظل سياق نيوليبرالي لا يهمه أبدًا تقييد سلطات شركاته لتحقيق العدالة المعرفية.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن