في «مديح» ماما أمريكا!

من نافلة القول إن الشعب المصري، كسائر الشعوب العربية والإسلامية، وقف موقفًا مناهضًا لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية منذ بزوغها كقوة عظمى في النظام الدولي عشية انتهاء الحرب العالمية الثانية. أسباب الرفض وجيهة وبديهية، تقدح شرارتها خطايا السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وخصوصًا الدعم الفج لإسرائيل ومساعي الهيمنة في المنطقة، وتنفخ في لهيبها أنظمة سياسية عربية وجدت في مصلحتها إلهاء الجماهير عن متاعبهم الداخلية وإلقاء التبعة على مؤامرات الخارج وألاعيبه.

وما بين الحماقة الأمريكية والانتهازية المحلية، وفيها أطراف لا تتوانى عن دغدغة المشاعر بخطاب يتدثر بخليط من عواطف دينية وخوف من الآخر ومعركة مفتعلة مع الحداثة، تجذر الرفض وترسخ في العقل العربي. ومن ثم وصل الشجب في صورته الأكثر تطرفًا إلى نعت أمريكا بـ «الشيطان الأكبر»، كما في حالة إيران وحلفائها، وفي صيغته الأكثر سخرية (من الأنظمة المرتمية في أحضان واشنطن) إلى رفع شعار «ماما أمريكا».

بمرور السنوات والعقود، تحول هذا الرفض إلى عقيدة راسخة، لها معابد وطقوس وكهان، يعيدون إنتاجه ويورثونه من جيل لآخر، دون أن يراجعوا منطلقاته ومسلماته. ومع ذلك، فإذا كان تشخيص المعضلة الحالية في مصر يعتمد على فرضية أن الاستبداد هو الداء الأصيل والطامة الكبرى، وأنه بتركيبته الجامعة للقمع واللصوصية والفساد والفشل هو الشيطان الأكبر في بلادنا، فإن المنطق يستدعي أن نعيد تقييم موقفنا تجاه أمريكا والغرب بشكل عام. ذلك أن مستقبل الديمقراطية في مصر يعتمد في جزء منه على الاقتراب من واشنطن لا الابتعاد عنها. كيف هذا؟

كما يعلم القاصي والداني، فقد تعايشت وتحالفت الإدارات الأمريكية المتعاقبة في خضم الحرب الباردة مع الأنظمة الاستبدادية طالما كانت غير شيوعية أو عاونتها في مناهضة الشيوعية. ولكن بعد أن أسدلت الستائر على هذا الصراع، سارت أمريكا خطوات باتجاه تجسير الفجوة بين النظام الداخلي والسياسة الخارجية، بين الليبرالية والانتهازية. ظلت بلا شك المصالح هي البوصلة الرئيسية التي تتحكم في الأداء، لكن المبادئ الليبرالية، بكل ما يكلل تاجها من قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحكم القانون ودعم منظمات المجتمع المدني، بدأت شيئًا فشيئًا في انتزاع مواقع لها في معادلة محددات السياسة الخارجية الأمريكية. ليس معنى ذلك أن المصالح توارت أو أن السياسة صارت برمتها أخلاقية، فهذا أمر محال، لكن معناه أن لعبة السياسة لم تعد حكرًا على مصالح قحة، بل صار هناك متسع في قلبها -أو على الأقل في تخومها- للمبادئ، تشتبك فيه مع المصالح وتتفاعل معها.

 خلف ذلك التغيير دافعان، أحدهما قيمي ترسخ عبر زمن مديد من التطور الفكري والممارسة الديمقراطية، والآخر ينبع من المصلحة. حديث المصلحة طويل، وفيه إحالات إلى قاعدة أن الديمقراطيات لا تحارب بعضها البعض، وأنها أفضل للسلام والاستقرار العالميين (وفق نظرية السلام الديمقراطي التي صاغها الفيلسوف الكبير إيمانويل كانط)، وأن انتشار الديمقراطية في الدول النامية يعد انتصارًا للغرب باعتبارها منتج غربي فلسفيًا وتاريخيًا. لكن سواء أكان التغيير منبعه النظر إلى الديمقراطية كهوية أم كمصلحة، أو بعبارة أخرى كقصد بذاته أم كوسيلة لقصد، فلا مراء في أن أشياءً قد تبدلت في موقف التركبية السياسية الأمريكية تستدعي إعادة النظر ومعاودة التقييم. الغريب أن المثال الأوضح لتأثير المبادئ الليبرالية على مسرح السياسة الخارجية ظهر جليًا كالشمس في كبد السماء، ليس فقط بالقرب من بلادنا، بل في قلبها، وأثناء أحد أهم أحداثها في العهد القريب، وأقصد ثورة يناير.

الصورة عما جرى في العاصمة الأمريكية واشنطن في هذه الأيام المصيرية باتت الآن واضحة، وخاصة بعد ظهور الكثير من السير الذاتية والشهادات التي تنقل بدقة ما جرى حينئذ من مداولات في غرفة الأزمات بالبيت الأبيض. فبعد أيام من التخبط والتردد إزاء الطوفان السياسي الذي اجتاح مصر، انقسم أعضاء الإدارة إلى قسمين، أحدهما ضم وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ووزير الدفاع روبرت جيتس، والآخر ضم بعض المساعدين الأدنى موقعًا على التراتبية الوظيفية، مثل سامانتا باور ودينيس ماكدونو و بنجامين رودس. وفيما اتخذ كل من كلينتون وجيتس موقفًا تقليديًا يدعو إلى الحذر الظاهر، المؤيد لاستمرار مبارك باطنًا، فقد انحاز أعضاء الفريق الثاني إلى الثورة، ناظرين إلى ما يحدث باعتباره تحولًا تاريخيًا ضخمًا سيغير وجه المنطقة بالكامل، وممارسين ضغطًا على الرئيس أوباما كي ينحاز إلى ما أسموه بـ«الجانب الصحيح من التاريخ».

تعادلت الكفتان بعد الثامن والعشرين من يناير، ووقف أوباما، وهو المثالي البراجماتي في آن، موقفًا حائرًا من فريقي المصالح والمبادئ. لقد أدرك كرجل دولة معقولية طرح الفريق الأول، القائم على ضرورة حماية مصالح مهمة ومتجذرة للولايات المتحدة في مصر والمنطقة، لكنه أيضًا، وبحسب ما كتبت كلينتون نصًا في كتابها «خيارات صعبة»، «لم يكن مرتاحًا لأن يجلس دون أن يفعل شيئًا فيما يُضرب ويُقتل المتظاهرون السلميون في الشوارع». وبعد أيام من نفاذ الصبر مع محاولات مبارك التملص من أي التزامات بشأن مطالب المتظاهرين المتصاعدة، حزم أوباما أمره، مطالبًا نظام مبارك البدء وفورًا في عملية انتقال حقيقي ومنظم للسلطة. باختصار، لم تكن المبادئ في هذه الواقعة حاضرة فحسب، بل كانت وفق الظروف السائدة آنذاك هي العنصر الحاسم في القرار النهائي.

قد يقول قائل: وماذا عن قرارات أوباما الأخرى؟ بل والأهم: ماذا عن دونالد ترامب وغطرسته وانحيازه السافر الفاضح للمصالح؟ الشاهد أن ترامب يمثل تعبيرًا عن أزمة الديمقراطية الأمريكية وتجسيداً للقوى اليمينية المضادة لها، لكنه في الوقت نفسه جملة اعتراضية وليس سياسة دائمة، ولذلك فإن التركيز في شأنه وتصريحاته وغرابة أطواره إلهاء عن التغيرات الأعمق في السياسة الأمريكية. لا يمثل ترامب ورهطه في واقع الأمر شذوذًا عن الإطار التقليدي للسياسة الأمريكية فحسب، بل وشذوذًا عن كل تقاليد المؤسسة الأمريكية بشقيها الديمقراطي والجمهوري على السواء. ولا ريب أنه إن انفثأت فقاعته وغادر البيت الأبيض بنهاية هذا العام، وهو أمر محتمل، فإن القادم سيمثل عودة إلى ذلك الاحتكاك والتنافس والتعايش بين المبدأ والمصلحة في السياسة الخارجية الأمريكية.

الأكثر استدامة بنظري هو ذلك التسلل، البطئ والمثابر معًا، للقيم الليبرالية نحو عمق الممارسة العملية على مستوى الحكومات والمؤسسات والمنظمات ووسائل الإعلام. لا سبيل إلى إنكار أن ثمة فلسفة ليبرالية، غربية المنشأ وعالمية الانتشار، صارت تلعب دورًا متزايدًا في عالمنا اليوم على الأصعدة كافة. تجليات ذلك كثيرة، منها انتشار ثقافة حقوق الإنسان في العقود الماضية، وبزوغ مفاهيم جديدة في العلاقات الدولية، مثل مسؤولية الحماية (responsibility to protect) الذي تبنته الأمم المتحدة في عام 2005 للوقوف ضد جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ومفهوم «القوة الناعمة» القائم على الجاذبية لا القسر، والنص على حماية الأقليات من الاضطهاد في القانون الدولي، وصدور عشرات الاتفاقيات الدولية في مجال حقوق الإنسان ومناهضة التعذيب وتعزيز الكرامة الإنسانية، إضافة إلى برامج الحكومة الأمريكية لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية. حين يحدث ذلك كله في إطار من تفاعلات العولمة العابرة للحدود التي جعلت العالم كله أشبه بالقرية الصغيرة، يمكن تصور المدى والتأثير الذي ينتج عن حركتها. إن تنامي هذه الثقافة هو الذي أدى للضغط على أوبرا دريسدن بألمانيا كي تتراجع عن منح الرئيس السيسي جائزة هو بالتأكيد لا يستحقها، وهي الذي دفع أعضاء بارزين في البرلمان الأوروبي لتوجيه انتقادات مستمرة ضد تجاوزات حقوق الإنسان في مصر، وهو الذي حفز الكونجرس الأمريكي غير مرة (حتى في عهد ترامب) على تجميد أو تخفيض المساعدات لمصر على خلفية انتهاكاتها المتكررة لحقوق المصريين.

ثم وما البديل لواشنطن وبروكسل؟ هو إما الدب الروسي أو التنين الصيني. وبعكس الغرب، وبضده تتمايز الأشياء، فليس في جعبتهما سوى منظومة سياسية سلطوية حتى النخاع، وخارجة كليًا عن روح العصر، ولا تكترث بمستقبل الديمقراطية في العالم، بل وتناهضها بشراسة نادرة. وبالفعل، حين خرجت الولايات المتحدة من الصراع السوري، رأينا على رؤوس الأشهاد نذر هذا البديل حيث نثر الطيران الروسي القنابل الفاتكة بسخاء في كل واد، كمن ينثر الماء على أرض مجدبة، فقط كي يبقي على كرسي البلاد رئيسًا قتل مئات الآلاف من شعبه وشرد الملايين. أما الصين فنظام أخطبوطي أفعواني متسلط، لا نظير لسلطويته سوى في خيال أدب المدينة الفاسدة (الديستوبيا)، لكن هذا النظام يمتلك المنعة الاقتصادية والتطور التكنولوجي لنشر نموذجه -المسمى بـ «إجماع بكين»- في العالم بأسره. وفيما تتفنن الصين في ابتكار وسائل لقمع ملايين المسلمين الصينيين في معسكرات اعتقال شبيهة بمعسكرات النازي، وسط صمت عربي مخز، تصدر بكين الأسلحة وبرامج الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المراقبة لهذه الدول العربية. إنها مقايضة كبرى، وقودها مال وسلع ونفط وتواطؤ متبادل.

إن تطورات السياسة الدولية في العقد الأخير تشير إلى أن هذا القرن سيشهد صراعًا، يكاد يكون حتميًا، بين هاتين المنظومتين والتي تمثل كل منهما نظامًا قيميًا مختلفًا: حضارة الحرية والديمقراطية والمساواة وسيادة القانون وحق الفرد في صياغة مصيره، ولاحضارة عبادة الدولة وقهر الشعوب واستلاب الحقوق والتلقين الأيديولوجي الصارم، فإلى أي منهما ننتمي أو نريد أن نلتحق: الحداثة الحقة أم الحداثة الرثة؟

لقد أجابت الأنظمة العربية بصراحة على هذا السؤال، إذ حسمت أمرها واقتربت من موسكو وبكين. إنها تتلهف صعود المنظومة الثانية، تشتري سلعها وسلاحها وتنضوي تحت معيتها لتفلت من رقابة مؤسسات الحضارة الأولى، أي البرلمانات ومنظمات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام -ومن ثم الحكومات- الغربية. إن هذه الرقابة المتنامية هي ما أسماه عالم الاجتماع السياسي دانيال ريتر بـ «القفص الحديدي لليبرالية» (على وزن مفهوم القفص الحديدي للعقلانية الذي ابتدعه ماكس فيبر). في كتابه القيم الذي حمل نفس العنوان، يوضح ريتر بتفصيل محكم لماذا نجحت الثورات الشعبية السلمية في الدول السلطوية المتحالفة مع قوى الغرب الديمقراطي (مثل إيران في 1979م ومصر وتونس في 2011م) فيما فشلت الثورات في تلك الدول المرتبطة مع قوى دولية غير ديمقراطية (مثل إيران في 2009م وسوريا في 2011م).

السبب ببساطة هو أن القرب السياسي من العواصم الغربية يضع سقفًا لقدرة السلطويين على ممارسة القمع، وخصوصًا في أوقات الأزمات. فمن أجل ضمان الحصول على دعم هذه العواصم، قامت هذه النظم بإجراءات ديمقراطية (شكلية)، مثل تنظيم الانتخابات والسماح بقيام الأحزاب ورفع شعارات الديمقراطية وحكم القانون وما إلى ذلك. على شكليتها ودوافعها الانتهازية، ترفع هذه الإجراءات من سقف التوقعات وتضع الأنظمة المدعية تحت طائلة نسق قيمي يتم حسابهم بمقتضاه. وعليه، فحين تأزف الآزفة، أي الثورة السلمية، يكبل قفص الليبرالية قدرتهم على استخدام العنف المفرط لسحق الثورة، أما نظراؤهم ممن يرتبطون برعاة خارج العالم الديمقراطي، كروسيا والصين، فلا قيود تغل أيديهم ولا قيم تكبح جماحهم. فقط آلة قتل جهنمية لا تتوقف عن الحصد على مذبح السلطة ملتهب الدماء.

ولذلك، فمن الممكن القول إن ثوار سوريا أخطأوا في 2011، قبل تحول الثورة السلمية إلى حرب أهلية، حين رفضوا أشكال التدخل الأجنبي كافة تحت دعاوى الحفاظ على السيادة الوطنية، فكان أن انقض النظام بقضه وقضيضه على الثورة وعلى السيادة معًا (عبر استعانته بكل أشكال القوات الأجنبية، من ميليشيات إيرانية وعراقية ولبنانية وطائرات وبوارج روسية). مما يطرح التساؤل الآتي: أيهما كان أكثر حكمة حينئذ: سماء هادئة تفرض فيها منطقة حظر جوي بواسطة قوى أجنبية أم سماء بلا أجانب لكن تجوس فيها طائرات الأسد وتسقط الحمائم لتقتل الأطفال وتبقر بطون الحوامل وتزرع الخراب في كل الأنحاء؟

بعبارة أخرى، لو كانت لنا الخيرة من أمرين كلاهما مر، فأيهما نعتبر أخف وطأة: لذعة الليبرالية «الأجنبية» أم هراوات وسياط وسنابك النظام «الوطني»؟ السلام الأمريكي/الأوروبي أم الاحتلال المحلي؟ أم أن دمنا حلال إن سفكه أبناء الوطن، وسلامتنا حرام إن جاءت عبر بوابة الآخر؟ ثم، أيعرف الرجال بالحق أم يعرف الحق بالرجال وجنسيات الرجال وأعلام الرجال؟

وإذا سلمنا بأن ثوار سوريا قد أخطأوا التقدير منذ ما يربو على العقد من الزمان، فلماذا يصر اليوم الحالمون بالتغيير في مصر، وسط أنقاض الهزيمة وعلى أطلال الحلم الضائع، على تكرار الخطأ، حين يتعامون عن تطورات السنوات الآنفة، ويستبدلون المشاعل المنيرة بالمشاعر الضريرة، ويستغرقون حتى الثمالة في عنتريات «الموت لأمريكا» وتهكمات «ماما أمريكا»؟

اعلان
 
 
ندى شاهين 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن