بين البحر وإسرائيل.. أكثر من عام على اختفاء 3 صيادين سيناويين
 
 
صيادون في بحيرة البردويل
 

يوم الأحد، 6 يناير 2019، بين الساعة الثالثة والرابعة صباحًا، استقل كلٌ من يوسف مقيبل، وإبراهيم عيد، وإسلام سلمان، «الصال» المخصص للصيد في بحيرة البردويل،  لجمع «الغَزل» الشباك التي وضعوها قبل عدة أيام في مياه البحيرة.

عند الرابعة والنصف صباحًا، اتصل يوسف مقيبل بخاله من فوق الصال عبر هاتفه المحمول ليخبره أن المحرك تعطل، والجذر في البحر شديد، طالبًا النجدة بشكل سريع لأنهم بالقرب من فتحة البوغاز (المنفذ الواصل بين البحيرة والبحر المتوسط) والصال معرض للدخول إلى مياه البحر المفتوحة بسبب عملية الجذر.

حاول الخال نجدة ابن شقيقته ورفاقه المحتجزين داخل البحيرة، فاتصل بأحد أصدقائه في هيئة الثروة السمكية لتسيير زورق مخصص لتلك الحالات من مرسى البحيرة، لسحب الصال المعطل في المياه، لكن تأخرت عملية الإنقاذ لساعات، وبفعل سحب الجَذر الصال الصغير إلى المياه العميقة في البحر ليختفي تمامًا عن الأنظار.

مر أكثر من عام على اختفاء الصيادين الثلاثة من أبناء قبيلة البياضية، والمقيمين في قرية نجيلة التابعة لمدينة بئرالعبد في محافظة شمال سيناء. لم يُظهر البحر أي من آثارهم طوال تلك المدة.

حالة من الغموض تكتنف مصيرهم، بعد تواتر معلومات غير رسمية عن وقوعهم في قبضة الجيش الإسرائيلي إثر اختراق مركبهم الحدود البحرية بين مصر وقطاع غزة بفعل الرياح. وعلى الرغم من مرور عام ومناشدة أهالي الصيادين للدولة المصرية بمحاولة الكشف عن مصير أبنائهم سواء كانوا أحياءً أو أمواتًا، لم تتواصل أي من الجهات الرسمية داخل مصر مع أهالي الصيادين نهائيًا، ولم تتحرك أي جهة لفعل شيء، حسب مصدرين من أقارب الصيادين المفقودين.

رواية غير رسمية

على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، انتشر مقطع فيديو مسجل لشقيق أحد الصيادين وهو يناشد رئيس الجمهورية ومحافظ شمال سيناء بضرورة استخدام طائرة للبحث، في محاولة للعثور على شقيقه المفقود والصيادين الآخرين داخل مياه البحر، بعد مرور أيام على اختفائهم أمام بوغاز 1 في بحيرة البردويل.

عقب انتشار مقطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، وبعد ثلاثة أيام على اختفاء الصيادين، بدأت عمليات البحث بشكل مكثف إلى حدٍ ما، من خلال دوريات تابعة لإدارة بحيرة البردويل تجوب مياهها وتمشط المناطق بين البواغيز سواء من داخل البحر، أو سيرًا على الأقدام.

وفي بيان على الصفحة الرسمية لإدارة بحيرة البردويل على فيسبوك، ذكرت أنه تم تنفيذ طلعة جوية من قِبل الطيران الحربي التابع لمركز البحث والإنقاذ التابع للقوات المسلحة داخل مياه البحر، ولكن أقارب الصيادين المفقودين والذين كانوا متواجدين بشكل دائم في البحيرة، قالوا إنه طوال أيام البحث في البحر والبحيرة لم تخرج أي طائرات لإجراء عمليات بحث.

يقول أحد أقارب الصيادين الذي تحدث لـ«مدى مصر» إن كل الشواهد كانت تؤكد أن المفقودين غير أحياء بسبب تأخر عمليات البحث، والأهم هو الأجواء المناخية الصعبة من رياح وارتفاع أمواج البحر والتي فُقد خلالها الصال.

ويضيف «كنا نبحث عن جثث، مش ناس عايشة»، وذلك خلال عمليات البحث التي استمرت من يوم 6 وحتى 15 يناير، «عندما جاء إلينا اتصال من قطاع غزة أعطانا بارقة أمل حتى ولو عثرنا على الجثث وليس الصيادين أحياء».

كان فحوى الاتصال أن هناك حادثةً وقعت في بحر قطاع غزة يوم 7 يناير، حُرق على إثرها مركب صيد صغير على الحد الفاصل بين مصر وقطاع غزة، وربما يكونوا هم الصيادين المصريين. يؤكد المصدر أن علمهم باتجاه الرياح وقت فقدان الاتصال يرجح جنوح المركب في اتجاه فلسطين.

ولكن بارقة الأمل انطفأت سريعًا عندما تواصل الأقارب بمصادر لهم في فلسطين، لم تؤكد الحادثة، وجلبت لهم أسماء الصيادين الذين اعتقلوا من بحر القطاع من قبل إسرائيل في الأيام الأولى من شهر يناير عن طريق هيئة الصليب الأحمر، وكان جميعهم فلسطينيين. توقيف إسرائيل للصيادين الفلسطينيين في مياه المتوسط هو أمر اعتيادي.

ولكن الشخص الذي كان يساعد الأهل في البحث عن أبنائهم المفقودين من داخل قطاع غزة، رجع إليهم مرة أخرى ومعه اسم «يوسف عيد سالم مقيبل»، وهو أحد الصيادين المفقودين، وأكد لهم أنه يخضع للعلاج في أحد مستشفيات إسرائيل، ولكن لم يذكر لهم أسماء الاثنين الآخرين، مؤكدًا لهم أن هناك صيادين مصريين اثنين مسجونين لدى إسرائيل، وذكر لهم أنه علم بذلك عن طريق أقارب له في الضفة الغربية.

وفي 19 يناير، أصدرت قبيلة الأخارسة في قطاع غزة بيانًا أكدت فيه أن الصيادين المصريين الثلاثة موجودين في إسرائيل، اثنان منهم في أحد السجون والثالث في أحد المستشفيات بعد إصابته بطلق ناري من قبل البحرية الإسرائيلية.

وذكر البيان، أنهم بدأوا في البحث عن الصيادين المفقودين من قبيلة البياضية في سيناء والتي يعتبرونها أبناء عمومتهم، وبناء عليه شكلوا مجموعات عمل لتمشيط شواطئ قطاع غزة وأخرى للتواصل مع الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية.

أحد الأشخاص الذين كانوا ضمن مجموعة العمل التي شكلتها قبيلة الأخارسة في قطاع غزة، تحدث لـ «مدى مصر»، معتبرًا أن ما قام به هو وأبناء قبيلته عَملًا «لوجه الله».

يقول المصدر إنهم علموا بوجود الصيادين لدى الجانب الإسرائيلي من خلال تواصل أبناء القبيلة في الضفة الغربية مع منظمات إنسانية، مؤكدًا أنهم ليس لديهم دليل قاطع على تلك الرواية لأنهم لم يشاهدوا الصيادين بأنفسهم ولا حتى لديهم صورة وهم داخل السجن الإسرائيلي، ولم يتواصلوا معهم بشكل مباشر.

وتابع، أنه من الصعب الحصول على دليل قاطع على وجودهم لدى إسرائيل، معللًا ذلك «إحنا ناس عرب عُزل نحاول تتبع الأخبار من خلال بني عمومتنا (قاصدًا أبناء القبيلة في الضفة الغربية) أو من خلال أحد الخارجين من معتقل يقول رأيت ثلاثة مصريين أو أردنيين، وهكذا».

وبحسب أحد أهالي الصيادين الذي تحدث لـ«مدى مصر»، توجهت الأهالي إلى  جهاز أمني في القاهرة، بمجرد حصولهم على معلومات بشأن أبنائهم المفقودين، ووضعوا بين أيدي المسؤولين كل المعلومات التي حصلوا عليها، ولكنهم فوجئوا أن أحد المسؤولين الذين قابلوه طلب منهم صورة للصيادين داخل السجن الإسرائيلي.

ويؤكد المصدر أن أحد الضباط ممن يتواصل معهم أخبره بشكل غير رسمي أن الصيادين متواجدين في إسرائيل بالفعل، وربما تفرج عنهم إسرائيل بعد عدة أشهر من تلقاء نفسها بعد أن تنتهي التحقيقات معهم.

خريطة توضح مواقع تقريبية للمنطقة التي فُقد فيها الصال. الدائرة الحمراء: الموقع الذي فقد فيه الصال عند بواغاز 1 في بحيرة البردويل. الدائرة الصفراء: الموقع الذي يرجح أن البحرية الإسرائيلية عثرت فيه على الصال.

رواية غير حقيقية

رواية الأخارسة تعتبر الرواية الوحيدة التي تحدثت عن مصير الصيادين الثلاثة بعد اختفائهم لمدة 14 يومًا في البحر المتوسط من 6 وحتى 19 يناير 2019، وحتى اللحظة لم تصدر أي بيانات رسمية سواء من الجانب المصري أو الإسرائيلي بشأن الحادثة، ما يُبقي كل الاحتمالات مفتوحة في دقة الرواية.

وبالرغم من ترجيح قبيلة الأخارسة لوجود الصيادين المصريين في إسرائيل بناء على تحركات غير اعتيادية من قبل البحرية الإسرائيلية في بحر غزة يوم 7 يناير، قال جهاد سلطان، أمين سر النقابة العامة للصيادين في قطاع غزة، إن يوم 7 يناير لم يشهد أي حوادث اعتداء من قبل البحرية الإسرائيلية في بحر قطاع غزة على مراكب الصيادين ولم يُعتقل أي صياد في ذلك اليوم، ولم تُبلغ النقابة بغرق مركبين للصيد في البحر، لافتًا إلى أن النقابة توثق كل شيء يحدث في بحر القطاع.

وأضاف أن الانتهاكات الإسرائيلية بحق الصيادين في قطاع غزة خلال تلك الفترة وقعت مرتين إحداها في الأول من يناير واُعتقل اثنان من الصيادين وتمت مصادرة المركب، والأخرى في العاشر من نفس الشهر واُعتقل اثنان أيضًا وتمت مصادرة المركب.

ما ذكره أمين سر نقابة الصيادين في قطاع غزة، أكده أيضًا المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، ومقره قطاع غزة، أنه لم يتم رصد أي انتهاكات في بحر القطاع في الفترة من 6 وحتى 8 يناير 2019.

ويصدر المركز تقارير دورية عن الانتهاكات التي يقدم عليها الجيش الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية تجاه الفلسطينيين، وفي تقريره الذي يوثق الانتهاكات في الفترة من 3 إلى 9 يناير لم يذكر التقرير أي انتهاكات بحق الصيادين في قطاع غزة.

وعبر البريد الإلكتروني، أرسل «مدى مصر» إلى المركز استفسارًا عن حادثة 7 يناير في بحر قطاع غزة أو أي حوادث وقعت في البحر في الفترة من 6 إلى 8 يناير، وعن أي معلومات متوفرة عن اعتقال صيادين مصريين في ذلك اليوم في بحر القطاع. وكان رد المركز الفلسطيني، أن الفترة المذكورة لم يبحر فيه الصيادين بسبب توقف أعمال الصيد بطلب من الجهات المسؤولة لسوء الأحوال الجوية، أما عن الصيادين المصريين، أجاب أنهم ليس لديهم أي معلومات أو بيانات عن الحادثة.

اتجاه الرياح في البحر المتوسط وحالة الجذر في بحيرة البردويل وقت الحادث. الأسهم الصفراء: اتجاه حالة الجذر من الساعة الثالثة وحتى الثامنة صباحًا في 6 يناير 2019. الأسهم الحمراء: اتجاه الرياح «النَوة» التي بدأت مع الساعة التاسعة صباحًا.

الرياح غربية

على الرغم من أن حادثة 7 يناير التي بنى عليها بيان الأخارسة معلومة أن الصيادين المفقودين وقعوا في يد البحرية الإسرائيلية خلالها، غير مثبتة ونَفتها نقابة الصيادين في قطاع غزة، لكن عامل وحيد ربما يشير إلى أن صال الصيادين جَنح بهم تجاه قطاع غزة.

بالرجوع إلى بيانات هيئة الأرصاد العامة المصرية عن يومي 6 و7 من شهر يناير، كانت الأحوال المناخية صعبة للغاية بسبب هبوب العواصف، وذكرت البيانات الرسمية أن ارتفاع الأمواج في البحر المتوسط وصل إلى أربعة أمتار، وفي إحدى النشرات طالب مدير هيئة الأرصاد بعدم ممارسة النشاطات البحرية خاصة على البحر المتوسط.

مع بداية كل عام في شهر يناير، تبدأ النَوة البحرية بالهبوب في اتجاهات مختلفة داخل البحار، وتعتبر النَوة واتجاهاتها من الأمور التي يعلمها الصيادون بشكل دقيق، بالإضافة إلى مواقيت الجَذر والمَد في البحار. من خلال جدول منشور على صفحة بحيرة البردويل على فيسبوك، يوضح اسم النَوة وأيام هبوبها واتجاه رياحها.

أول نوة بحرية في العام الجديد تدعى «رأس السنة» بدأت يوم 2 يناير واستمرت أربعة أيام، مما يشير إلى أن يوم 6 يناير، يوم اختفاء الصيادين، كان ضمن نوة رأس السنة، والتي كانت رياحها قادمة من الاتجاه الغربي إلى الاتجاه الشرقي، وهو ما يؤدي مباشرة إلى مياه قطاع غزة.

مقابل منطقية حَمل الرياح المركب في اتجاه غزة، لا يمكن التغافل عن عدم منطقية تحمل صال صيد صغير لتلك الرياح والأمواج ليقطع كل تلك المسافة في الاتجاه الغربي حتى يصل إلى حدود دولة أخرى.

في هذا الصدد، يقول أحد أقارب الصيادين إنه على الرغم أن لديهم تأكيدات أن أبناءهم لدى إسرائيل، ولكنه يُقر بعدم منطقية جنوح صال صيد صغير كل هذه المسافة في ظل تلك الأجواء المناخية.

«مستحيل الصال يستحمل الموج والرياح، لو واقعة القبض عليهم ثبت إنها حقيقية بنفس الرواية اللي وصلتنا، تعتبر معجزة، أكيد ربنا رفعهم، أكيد ربنا رفعهم».

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن