الإفراج الشرطي.. الاستثناءات التشريعية سمة المرحلة

مرر البرلمان المصري مؤخرًا عددًا من التعديلات الجوهرية على قانون الكيانات الإرهابية، وتنظيم السجون وعددًا آخر من التشريعات. يصعب فصل قراءة هذه التعديلات عن بعضها، كونها تعكس وجهة نظر كل من السلطة التنفيذية والمُشرّع بشكل شبه مُتطابق.

يسيطر على هذا التوجه رغبة واضحة في دعم ركائز القواعد القانونية ذات البُعد الاستثنائي، ومحاولة تطبيع هذه القواعد لتكون جزءًا طبيعيًا من البيئة التشريعية المصرية، وهو ما يظهر جليًا في تعديلات قانون الكيانات الإرهابية والمحاولات المُستمرة لتعديل قانون مُكافحة الإرهاب. وبمد الخط على استقامته، نجد أن المُشرع يستهدف كذلك سد الثغرات التي تسمح بعدم فاعلية هذه القوانين، وهو ما يتمثل في تعديل القوانين السارية. وفي هذا الإطار، جاء تعديل قواعد الإفراج الشرطي التي أقرت مؤخرًا.

يهدف التعديل إلى عدم سريان الإفراج الشرطي على المحكوم عليهم في جرائم التجمهر، ومكافحة الإرهاب، وغسيل الأموال، مقارنة بالنص الأصلي الذي كان يستثني فقط جرائم المخدرات من الإفراج الشرطي.

التعديلات التي تتم على قوانين الإرهاب دومًا ما يكون لها مُبررها لدى الداعين لها، ويجد المُعارضون صعوبات في إثبات صحة مخاوفهم تجاه هذه القوانين. إلا أن التعديل الأخير الذي أُدخل على قانون تنظيم السجون كان بمثابة إعلان صريح بأن الأداة التشريعية تستهدف المُعارضين بالأساس.

التعديل الذي أدخل على نص المادة المُتعلقة بالإفراج الشرطي يحمل فلسفة عقابية تختلف بشكل كبير عن الفلسفة التي انتهجها المشرع عند إصدار كامل نص قانون تنظيم السجون. هذا لا يعني أن نصوص قانون تنظيم السجون تُلبي المعايير الدستورية، لكن التعديل بهذه الصياغة الأخيرة يُشير إلى اضطراب شديد في بوصلة المشرع.

النص قبل التعديل كان يكفُل ضمان الإفراج الشرطي للمحبوسين على ذمة الجرائم المختلفة كافة، استثنى منها جرائم المخدرات نظرًا لاعتبارات لها مُبرراتها ودوافعها الاجتماعية. إلا أن التعديل الأخير قد سلب ممن يقضون عقوبة في جرائم التجمهر ومكافحة الإرهاب هذه الضمانة. ولا يمكن فهم المساواة بين جرائم مختلفة مثل المخدرات والتجمهر وجرائم الإرهاب وغسيل الأموال، مع التبعات المُختلفة لكل منهم، وطريقة التعامل مع المتهم في فترة التأهيل وإعادة الدمج المُجتمعي ومتابعة سلوك المُتهم بعد انقضاء المدة التي تتباين بين هذه الجرائم بدرجات شديدة التفاوت.

«يجوز الإفراج تحت شرط عن كل محكوم عليه نهائيًا بعقوبة مقيدة للحرية إذا أمضى في السجن نصف مدة العقوبة، وكان سلوكه أثناء وجوده في السجن يدعو إلى الثقة بتقويم نفسه، وذلك ما لم يكن في الإفراج عنه خطر على الأمن العام». (المادة 52 من قانون تنظيم السجون(قبل التعديل الأخير)

وفي جميع الأحوال، لا يجوز أن تقل المدة التي تقضى في السجن عن ستة أشهر، وإذا كانت العقوبة السجن المؤبد فلا يجوز الإفراج تحت شرط إلا إذا قضى المحكوم عليه 20 سنة على الأقل.

الأمر ببساطة، دون سوء افتراض، وبالنظر السريع لكل من النص قبل التعديل والدافع الأساسي المذكور في المذكرة الإيضاحية للتعديلات، أن التعديل ينصب بشكل أساسي على تزايد المخاوف حول خطورة إطلاق سراح المُتهمين على ذمة هذه القضايا لعودتهم لمُمارسة ذات الأنشطة الإجرامية.

لكن هذا لا يستقيم مع هذه المُعالجة التشريعية، لأن الأمر هنا يتعلق بمتابعة المتهم بعد عملية الإفراج، وهي عملية قائمة بالفعل. كما أن الإخلال بضوابط الإفراج المفروضة تلغي هذا الإفراج، وتعيد الشخص إلى السجن ليستوفي المدة الباقية من العقوبة المحكوم بها عليه، حسب قانون تنظيم السجون.

كما أن نص المادة قبل التعديل يضع شرطين أساسين لإتمام عملية الإفراج، وهو أن يكون سلوك المُتهم أثناء وجوده في السجن يدعو إلى الثقة بتقويم نفسه، وألا يكون في الإفراج عن المُتهم خطرًا على الأمن العام. والأمر بكل الأحوال في تقدير خروج المُتهم بصفة عامة بيد وزارة الداخلية ممثلة في قطاع السجون.

التعديل الجديد يُمثل انتكاسةً تشريعيةً للقوانين المُنظمة لأوضاع السجون. في يناير 2018، صدّق رئيس الجمهورية على حزمة تعديلات كان من بينها تعديل المواد المُنظمة للإفراج تحت شرط، حيث نجح التعديل في تقليل المدة التي يجب قضائها داخل السجون قبل الإفراج الشرطي بعد أن خُفضت من ثلاثة أرباع المُدة إلى نصف المدة، وهو تعديل ينتصر للعدالة بشكل عام وتقويم لبعض النصوص التي لا تتفق مع الفلسفة العامة لقانون تنظيم السجون.

لكن التعديل الأخير بإخراج جرائم الإرهاب والتجمهر يُعتبر انتكاسة لهذا التطور، ومحاولة مُستمرة من جانب الحكومة والمُشرع لاستغلال مساحة الاستثناءات. يحمل التعديل بين طياته تمييزًا تجاه سجناء الرأي والنشطاء الذي يواجهون اتهامات بموجب قوانين مكافحة الإرهاب والتجمهر. عجزت المذكرة الإيضاحية التي رافقت النص المُعدل من الإجابة على مبررات هذا التمييز ودوافعه، حيث اكتفت باستخدام عبارات مثل أن الهدف من التعديل نظرًا لخطورة من يحكم عليهم في جرائم التجمهر والإرهاب. ولم تحدد المذكرة الإيضاحية الفائدة التي ستعود على المجتمع من قضاء كامل العقوبة في جرائم التجمهر والجرائم المنصوص عليه في قانون مكافحة الإرهاب، وكيف يضمن قضاء كامل العقوبة القضاء على خطورة هؤلاء المتهمين، وما هي طبيعة المخاطر التي قد تتحقق بسبب خروج المتهمين بنصف المدة.

 «كان من آثار هذه السياسة التشريعية، صدور أحكام قضائية لصالح الصادر ضدهم أحكام نهائية فى جرائم ذات خطورة جسيمة تتعدى جنايات المخدرات، والتي لم يستثنها المشرع بنصوص صريحة كما هو الحال في جنايات المخدرات، الأمر الذي كان سببًا في إقامة دعاوى قضائية من بعض المجرمين الخطرين مطالبين في بعض صور جرائم الإرهاب والتجمهر وغسل الأموال الإفراج عنهم تحت شرط، بزعم عدم وجود نص قانوني صريح يمنع ذلك، وهو ما شكل خطورة داهمة على المجتمع وأمنه». (من المذكرة الإيضاحية لتعديلات قانون تنظيم السجون)

  وبخلاف الضوابط التي سبق ذكرها لإتمام عملية الإفراج الشرطي، فإن قرار الإفراج يصدر من وزارة الداخلية «الجهة مُقترحة التعديل». ويلجأ المسجون للقضاء في حال توافر شروط الإفراج إذا تعنت قطاع السجون في تطبيقها، ليبسط القضاء رقابته على قرار الإفراج الشرطي ليتأكد من تحقق شروطه وصحتها ومن ثم الحكم بها. ولكن الغريب أن المذكرة الإيضاحية للقانون أعربت عن حالة التململ من قرارات وأحكام القضاء فيما يتعلق بمنح الإفراج الشرطي للمتهمين، لتأتي صياغة التعديل بهدف سلب السلطة القضائية حقها في الرقابة على قرارات وزارة الداخلية وقطاع السجون في تطبيق القواعد المتعلقة بالإفراج في جرائم الإرهاب والتجمهر، وحرمان المتهمين في هذه القضايا من اللجوء للقضاء للتمتع بالحق في الإفراج الشرطي. ما يزيد الأمر عجبًا هو أن سلب الاختصاص سوف يطبق بشكل انتقائي، ليتمتع كل من له حق في الإفراج الشرطي بحق اللجوء للقضاء للحصول على هذه الضمانة عدا الجرائم المذكورة في التعديل على سبيل الحصر، وهو ما يعني محاولة إخراج المتهمين في هذه الجرائم من دائرة الضمانات والحصانات المقررة لغيرهم من المُتهمين.

بالإضافة لذلك فأن التعديل بهذه الصياغة يترك رسالةً واضحةً، وهي تحصين قرارات وزارة الداخلية فيما يتعلق بهذه الجرائم، حيث يجب أن يكون القرار لدى الوزارة دون سواها.

الفلسفة التي يقوم عليها قانون تنظيم السجون مفادها أن السجن دار إصلاح وتأهيل. كما أن عملية الإفراج الشرطي تخضع لعدد من القواعد أهمها حُسن سير المتهم خلال الفترة التي قضاها في محبسه، وأن يكون الإفراج تحت شرط بأمر من مساعد الوزير لقطاع مصلحة السجون، طبقًا للأوضاع والإجراءات التي تقررها اللائحة الداخلية. فإذا كانت فترة حبس المتهم قد حققت الهدف الأساسي منها، وهو تقويم سلوك المُتهم، فما هو الهدف من أي استثناء يتعارض مع الهدف الأساسي من عملية السجن التي أتى بها تعديل القانون، سوى أن تتحول السجون إلى أداة للانتقام وتحقيق الردع السياسي للمُعارضين.

اعلان
 
 
حسن الأزهري 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن