محاولة لفهم تطور القاهرة عن طريق الخرائط.. حوار مع مؤسس «المدق»
 
 

أُطلق أمس، الأحد، موقع المدق المعني بتقديم مجموعة من خرائط القاهرة طوال 100 عام، تمتد منذ وقت الحملة الفرنسية على مصر في بداية القرن التاسع عشر، حتى عشرينيات القرن الماضي. كما يتضمن الموقع أيضًا عددًا من المقالات التي تحاول فهم تطور مدينة القاهرة خلال هذه الفترة عبر الخرائط والوثائق التاريخية.

الموقع الذي عمل عليه بشكل أساسي الباحث شهاب فخري إسماعيل، وصممه محمد جابر، وطوره تقنيًا حسام الدين حمد، اعتمد على البحث الذي أجراه فخري لرسالة الدكتوراه في جامعة «كولومبيا» الأمريكية عام 2017، بعنوان «هندسة المدينة: الوباء ورأس المال وتأسيس القاهرة كمدينة كولونيالية تحت الاستعمار البريطاني، 1882-1922».

يقدم الموقع عدة أدوات للمقارنة بين الخرائط، ومطابقتها مع بعضها من جانب، ومع صور حديثة بالأقمار الصناعية للقاهرة من جانب آخر، بالإضافة إلى عدّة مقالات وصور بانورامية للقاهرة في القرن التاسع عشر.

تحدث «مدى مصر» مع فخري لاستعراض محتوى الموقع الجديد، ورحلة جمع وثائقه، والنقاش عما يمكن فهمه من خلال الخرائط، وكيفية التعامل معها وفهم سياقات إنتاجها.

  • هل يمكن أن تقدم لنا بشكل سريع محتويات الموقع حاليًا ومستقبلًا؟ 

يضم الموقع ثلاثة أنواع من المحتوى. أولًا: أرشيف لأهم خرائط القاهرة بداية من خريطة الحملة الفرنسية سنة 1809 وحتى خريطة عام 1920. يضم الموقع 13 طبقة من الخرائط مُثبّتة على صورة للقاهرة بالأقمار الصناعية. ثانيًا: سلسلة من المقالات المُدعّمة بالمالتيميديا (الوسائط المتعددة) والتي ستنشر تباعًا. المقالات مأخوذة من رسالة الدكتوراة الخاصة بي عن القاهرة في فترة الاحتلال البريطاني، وهي محاولة لفهم المدينة وتحولاتها من خلال البنية التحتية. عمومًا، محاولة فهم القاهرة بهذه الطريقة يؤدي إلى التركيز على مُحركين أساسيين لتطور المدينة وهما الصحة العامة والاستثمار العقاري، وهما محوران غير منفصلين، بل يلتقيان في أوقات كثيرة. 

المقال الأول المنشور على الموقع بالفعل هو جولة على الأطراف السكنية للقاهرة كما كانت وقت الاحتلال البريطاني، نتعرف خلالها على أهم العوامل التي شكلت المدينة وقتها. يتناول المقال الثاني العشش والعزب والأطراف الصناعية للمدينة. ويعرض المقال الثالث تاريخ الكارتوجرافي (دراسة ورسم الخرائط)، ومقال رابع عن مراكز المدينة، ومقال خامس عن تنظيم المياه ونظم توزيعها في القاهرة، وسادس عن نظام الصرف الصحي. بالإضافة لذلك، لدينا خطة للتعاون مع كُتّاب آخرين لتطوير ونشر مقالات على الموقع. 

النوع الثالث من المحتوى هو خليط من الفن والتاريخ، حيث نهدف إلى إنتاج أفلام تجمع بين الطابع الوثائقي والخيالي والخيال العلمي. الفكرة من هذه الأعمال أن نحاول تقديم فكرة أن التاريخ ليس شيئًا مُصمتًا يُقرأ فقط، ولكن يمكن التعامل معه من خلال مجالات أخرى غير معرفية بالأساس.

  • كيف كانت رحلة جمع الخرائط التاريخية؟

منذ عام 2009 وأنا أعمل على جمع هذه الخرائط، وهي رحلة استمرت طوال سنوات الدكتوراه. أهم الأماكن التي حصلت منها على خرائط خارج مصر هي: مكتبة نيويورك العامة، والمكتبة الوطنية الفرنسية، والمكتبة العامة الألمانية في برلين، ومكتبة الكونجرس الأمريكي، ومكتبة بودليان في جامعة أوكسفورد. داخل مصر كان هناك مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية (سيداج).

بالإضافة إلى ما سبق، قضيت أوقاتًا طويلة داخل الهيئة العامة للمساحة، وهي مكان غني جدًا بالخرائط، فلا توجد خريطة عن مصر إلا وهناك نسخة منها في الهيئة. كما أن الهيئة أجرت مسحًا رقميًا لكل الخرائط لديها بعد حريق مجلس الشورى سنة 2008، خوفًا من أن يتكرر الأمر لديها.

على سبيل المثال، كنت أقرأ دائمًا عن خريطة للقاهرة سنة 1892 في الأرشيف البريطاني، وفي أماكن أخرى، دون قدرة على الحصول على نسخة منها في أي مكان، ولم تكن موجودة على الإنترنت. الخريطة هامة جدًا، أنتجها مهندس مُكلف بتخطيط وتصميم شبكة مجاري القاهرة وقتها. ووجد ذلك المهندس أن أحدث خريطة للقاهرة وقتها أُنتجت سنة 1874، وبالتالي فهو يحتاج إلى إجراء مسح جديد للقاهرة حتى يعرف الملكيات الحالية، لأنه بالتأكيد سيحتاج إلى التفاوض مع ملاك الأراضي والمباني لعمل منظومة الصرف الصحي. نتيجة لهذا، أصبح لدينا أقدم خريطة للقاهرة توضح ملكيات الأراضي في القرن التاسع عشر. هذه الخريطة لم تكن موجودة في أي مكان سوى الهيئة العامة للمساحة. وكانوا يتعاملون معها بحذر شديد لأنهم يعرفون أنها هامة جدًا في النزاعات على الملكية مثلًا، وهي مُكونة من عدة لوحات وتُباع اللوحة الواحدة منها بألف جنيه.

التعامل مع الهيئة لم يكن سهلًا في كثير من الأوقات، وكان هناك حذر تجاهي، والكثير من الأسئلة عن سبب جمعي لكل هذه الخرائط. كنت وقتها أعمل على رسالة الدكتوراه. ولم يكن يُسمح لي على سبيل المثال بأخذ نُسخ من الخرائط. فقط أجلس على الكمبيوتر وأطالع الخرائط وأدون ملاحظات. وفي إحدى المرات، حدثت مشكلة لأنني اصطحبت لابتوب معي، فمُنعت من استخدامه، كما طُلب أن يُفحص اللابتوب بواسطة مكتب الأمن الموجود داخل الهيئة، وبعد ساعتين أدركوا أن ما حدث كان سوء تفاهم وأن كل شيء على ما يرام. لاحقًا، أصبحت علاقتي أفضل مع المسؤولين عن المكان، وكنت أطلب خرائط بكميات محدودة في كل مرة حتى لا أثير قلقهم. إلا أنه بعد قضية تيران وصنافير، أصبحت هناك حساسية أكبر تجاه الخرائط ومن يسأل عنها، وقيل لي وقتها إن أي طلب للحصول على خرائط يجب أن يُوافق عليه من الأمن الوطني. وظل الطلب الأخير الذي تقدمت به للهيئة للحصول على بعض الخرائط بلا رد حتى الآن.

  • كيف يمكن فهم الخرائط في ضوء علاقات القوى التي أنتجتها، على سبيل المثال بالسلطة والغرض الذي أُنتجت هذه الخرائط لأجله؟

منذ بداية عملي على الدكتوراه وجمع الخرائط، وأنا أرى أنها تكنولوجيات لتلخيص المعلومات وتركيزها. أي وثيقة في الأرشيف لها انحيازاتها. وأي مؤرخ لديه تناول نقدي للوثائق يرى أن الأرشيف يُعبر عن وجهة نظر الدولة أو الإدارة. ومقاربة الأرشيف بشكل نقدي تجعلك تعرف أنه يسكت عن أشياء كثيرة كما يفصح عن أشياء كثيرة.

أتعامل مع الخرائط بنفس الطريقة. هي تكنولوجيا أُنتجت بواسطة خبراء الدولة لتركيز معلومات في ورقة، تحاول خلق نظرة كلية على مكان ما. الخريطة أداة من أدوات الحكم. أداة متاحة للدولة في محاولتها لفهم ما هو على الأرض. 

البعض يظن أن الخريطة تعرض ما تعرفه الدولة. لكن، في واقع الأمر، تعرف الدولة ما تعرفه من خلال عملية المسح التي تجريها لإنتاج الخريطة، ثم تقوم بتركيز هذه المعرفة على الخريطة نفسها. الخريطة لها طبيعة أدائية. كل خريطة تقول أشياء ولا تقول أشياء أخرى. الخرائط ليست مجرد تمثيل للواقع. هناك خرائط تُفصح عن تخيل مُنتجها عن المستقبل. على سبيل المثال، لدينا على الموقع خريطة للقاهرة سنة 1897، وهي خريطة تُعبر عن المُستقبل بدرجة كبيرة. وقتها كان الاحتلال البريطاني يرى أنه سيظل متواجدًا في مصر لفترة طويلة، وليس لفترة مؤقتة كما كان يُقال وقتها. الخريطة تُعبر عن هذا بدرجة كبيرة. مثلًا، بفحص مناطق العباسية والسكاكيني على الخريطة، ستجد هناك مربعات فارغة وشوارع هي موجودة فقط على الورق، ولم تُكن بنيت بالفعل. وهذه الخريطة رُسمت والقاهرة كانت في بداية فقاعة عقارية، وفي فترة كان يحدث فيها توسع عمراني ضخم، وبالتالي فهي مهتمة بالمناطق التي يمكن الاستثمار عقاريًا فيها في المستقبل. وبالتالي هي خريطة تتوقع المستقبل، وفي الوقت نفسه تصنعه.

هناك خريطة أخرى، وهي خريطة التأمين المنتجة سنة 1905. يمكن رؤية أنها تُركّز على منطقتي الأزبكية والموسكي. من رسم هذه الخريطة هو شخص أنتج عددًا كبيرًا من خرائط التأمين في مدن العالم داخل أوروبا وخارجها. وكان يُنتج هذه الخرائط بغرض بيعها للأشخاص المهتمين بالتأمين على المحال والبنوك وغيرها. وبالتالي، تركز الخريطة على المركز التجاري، تصنعه وترسّخه، بينما تهمل ما هو خارج هذا المركز.

أما خريطة الكثافة السكانية لسنة 1918 فهي تُعبّر عن بداية التخطيط العمراني في مصر. لكي يُصبح هناك تخطيط، يجب أن تفهم السلطة أو الإدارة النسيج العمراني. يجب أن تفهم الكثافة السكانية وأماكن تركز السكان في المدينة لتحديد خطوط النقل والمواصلات التي سيتم مدها، والمناطق التي يجب خفض الكثافة بها. هذه الخريطة تُعبر عن الجو العام سنة 1918، عندما كانت وزارة الأشغال العمومية تحاول تقديم طرح شامل لتخطيط القاهرة، دون أن تتركه فقط لرأس المال، بل تتدخل عن طريق وضع إطار عام لنمو القاهرة بشكل متسق مع بعضه. ومن هنا جاءت الدراسة التشخيصية لفهم الكثافة السكانية في القاهرة.

  • بعد مسح خرائط القاهرة في 100 عام تقريبًا، كيف ترى الاختلافات بين هذه الخرائط وما تُعبر عنه؟

الأنظمة الحاكمة تُنتج خرائط طوال الوقت بغرض معرفة ما هو موجود على الأرض. هناك هاجس دائم لدى الأنظمة الحاكمة تجاه ما هو مجهول داخل المدن الكبرى.

على سبيل المثال، قام الجنرال والمهندس الفرنسي «بيير جاكوتان» بإنتاج الخريطة المفصلة للقاهرة وقت الحملة الفرنسية. كان يقابل شيوخ الحارات ويسير معهم شارع شارع وحارة حارة ليسأل عن تفاصيل كل مبنى. ولهذا، تحمل الخريطة أرقامًا كثيرة. وفي الجزء العاشر من كتاب «وصف مصر»، هذه الأرقام مكتوب أمامها تفاصيل كل مبنى ومكان، من يسكنه ومن يملكه. بمراجعة ما هو مكتوب عن الحملة الفرنسية، سنرى أنهم تعاملوا مع القاهرة بشكل عسكري بحت. وبالتالي، صُنعت هذه الخريطة لفهم كل ما هو موجود في القاهرة، وبالتالي فهم كيفية السيطرة عليها عسكريًا في حالة حدوث ثورات مثلًا، وكيف يمكنهم الحركة داخل القاهرة.

خريطة القاهرة سنة 1892 مُنتجة بشكل مختلف، فهي تحاول التركيز على المسح العقاري للقاهرة، وبالتالي فهي تتبع التقسيمات الإدارية للشياخات. وهذا ينعكس على شكل الخريطة، فهي عبارة عن لوحات ومربعات غير متماثلة المساحة، كل مربع يعبّر عن شياخة. كما أنها لا تتجه بالضرورة نحو الشمال الجغرافي كما هو معتاد في الخرائط الآن. الخريطة هنا تطابق عملية المسح التي كانت تحدث لكل شياخة على حده.

بدايةً من الخرائط المُعدة سنة 1901 و1912، هناك منطق مختلف تمامًا. الخريطة تقسّم القاهرة إلى مربعات متماثلة، وكلها في اتجاه الشمال. لم يكن ممكنًا إجراء هذه الخريطة إلا بعد إنشاء هيئة المساحة التي قررت مسح مصر بالكامل، وقسّمت الجمهورية كلها إلى مربعات متماثلة ومعيارية بغض النظر عما يتواجد بداخلها. هذه خريطة تُعبّر عن سلطة سياسية مهتمة بأن توزع سلطتها وقوتها على مصر كلها، أن تكون موجودة في كل مربع، وهي سلطة ترى أيضًا في نفسها القدرة على توزيع هذا النفوذ وأن تكون موجودة في كل مكان. وبالتالي هذه الخريطة تعبر عن مرحلة مختلفة في تاريخ تطور السلطة في مصر عما كان موجودًا فيما سبق.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن