الفريضة الغائبة بين «شبيبة هتلر» و«طلائع 3 يوليو»

في محاولة لاستنساخ تجارب الماضي الفاشلة، وبدعوى قلقه على مستقبل الدولة المصرية، كتب الزميل ياسر رزق، رئيس مجلس إدارة مؤسسة «أخبار اليوم» مقالًا يقترح فيه تأسيس منظومة تحت اسم «حركة 3 يوليو»، وذلك لـ«صد الهجوم المضاد الذي تتهيأ له جماعة الإخوان وحلفاؤها وأنصارها لاقتحام الحياة السياسية بغية قنص سلطة الحكم من جديد..!».

مهمة الحركة التي شرح رزق في مقاله أسباب وأهداف وطريقة تأسيسها، هي: قطع الطريق على غربان الظلام وحداديه، وسد الأوكار والبالوعات التي يختبئ فيها هؤلاء ويكمنون -يقصد الإخوان وحلفاءهم- وأيضًا السيطرة على الشارع المصري فكريًا وإعلاميًا وعلى الأرض إذا لزم الأمر، حيث يرى رزق أن كسر الإرادة لن يتحقق بالأمنيات ولا بمقارعة الأفكار، «إنما يتحقق بضربات أمنية ساحقة تقتلع وتزيل وتردع وتصيب أي أوهام في مقتل، وإلى أمد غير منظور».

من أجل هذا اقترح رزق، وهو من الصحفيين المقربين من دائرة صناع القرار في مصر، أن يتم إنشاء منظومة باسم «حركة 3 يوليو»، قاعدتها أو ساقها على حد تعبيره هي «طلائع 3 يوليو»، التى تجمع المنضمين للحركة الكشفية من تلاميذ المدارس، بعد إحيائها وتفعيلها خارج الأوراق والوجود المظهري، ونشرها في مختلف المدارس الابتدائية والإعدادية.

أما المكون الثاني لتلك «الطلائع»، فهم جماعات الجوالة والمرشدات من طلبة الثانوي، وأعضاء روابط وأسر طلابية جامعية تنشأ بأسماء محددة مثل أسرة «30 يونيو»، أسرة «تحيا مصر»، أسرة «بلادي»، أسرة «الوطن».

يكمل رزق اقتراحه فيقول: تجرى انتخابات اتحادات طلاب المدارس الثانوية، من بين مرشحين لأعضاء «طلائع 3 يوليو»، ويتم انتخاب اتحاد لكل محافظة، ثم اتحاد على مستوى الجمهورية، ويشكل أعضاء مجلس إدارة هذا الاتحاد الذراع المدرسية والكشفية في الهيئة القيادية لـ «حركة 3 يوليو».

وفي الجامعات والمعاهد تضم «حركة 3 يوليو» طلاب اللجان الطلابية وأعضاء الأسر ونوادي الفكر السياسي، ويتم انتخاب مجالس إدارات على مستوى الجامعات والمعاهد لهذه الأسر ونوادي الفكر، يشكلون ومعهم أعضاء مجالس إدارات الاتحادات الطلابية المكون الجامعي للهيئة القيادية لحركة «3 يوليو».

أما الذراع الثالثة لـ«الحركة المباركة» فهي شباب الخريجين والعمال والفلاحين، «وهؤلاء سيكونون المؤهلين للدفع بهم في انتخابات مجالس إدارة مراكز الشباب والهيئات القيادية العليا لحركة الكشافة والمجالس المحلية بجميع مستوياتها ومجالس إدارة اتحادات العمال والفلاحين الإقليمية والقومية، وكذلك مجالس إدارة النقابات المهنية على مستوى المحافظات ومستوى الجمهورية، وأيضا سيكونون هم الأكثر تأهيلا للالتحاق بالبرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب وغيره من برامج مشابهة سوف تنشأ تحت مظلة الأكاديمية الوطنية لتدريب وتأهيل الشباب، كما سيكون الشباب خريجو نوادي الفكر السياسي للجامعة، نواة سليمة التكوين لتطوير الأحزاب السياسية على أساس فكري تحت مظلة تحالف 30 يونيو».

يرى رزق أن اقتراحه هذا يعيد تنظيم حركة الدماء الشابة في مجرى يصب في مسارات عقيدة الوطنية المصرية ومشروع الدولة المصرية الحديثة الثالثة»، ويجنب البلد أيضًا فتح نوافذ وثغرات تسمح بتسلل عناصر الإخوان المسلمين والقادمين الجدد من أبناء هؤلاء، إلى التشكيلات الديمقراطية في الجامعات ومراكز الشباب والمجالس المحلية واتحادات العمال والفلاحين والنقابات المهنية، بما يتيح لهم التمترس في تلك المواقع احتماءً بها وتخفيًا، ثم الانطلاق لتنفيذ أدوار مرسومة قبيل انتخابات 2030 الرئاسية.

ويعتقد، وفق مقاله، أن تلك الحركة ستمد الحياة السياسية بكوادر قادرة على خوض الاستحقاقات الانتخابية (برلمانية ورئاسية) في 2030 و2036، والأهم في هذا المقترح «هو إكساب الدولة القدرة على الحشد عن طريق ربط المجموعات النوعية والأذرع والمكونات الإقليمية وعلى المستوى القومي بشبكة اتصال عن طريق الفضاء الإلكتروني والتواصل الاجتماعي وتطبيقات التليفون المحمول، وتنظيم حركة مجموعات الشباب للتوعية العامة أو التعبئة ضد أي مخاطر على الأرض إن لزم الأمر».

أعلم أنني أسهبت في عرض فكرة رزق، لكن الفزع الذي خلقه المقال يستحق الإسهاب، ولأنه سبق لنا أن اكتوينا بنار مقترحات زميلنا العزيز كثير القلق على مستقبل الدولة المصرية. كما كتب قبل عام تقريبًا عن تخوفه على مستقبل مصر بعد 2022، وقدم مقترحًا لما رأى أنه «إصلاح دستوري»، في مقال مطول، فتُرجم المقترح بعد أسابيع، وتم تمرير التعديلات الدستورية الكارثية التي تضمن للرئيس السيسي البقاء حتى 2030، وقننت إحكام قبضته على السلطة، لذا وجب علينا تذكير القارئ بمقترح ياسر الأخير الذي أخشى أن يتبناه أحد، لأنه في ظني أسرع طريق للسقوط نحو الهاوية.

حلم رزق أو مقترحه هو مجرد استنساخ لتجارب نازية وفاشية، تم تجريبها قبل ثمانية عقود وأثبتت فشلها. فكرة تفصيل مواطنين على مقاس أنظمة أو جماعات أو زعماء انتهت، ليس بفشل تلك الجماعات فقط، بل بسقوط الدول التي راهنت عليها.

فعلها أدولف هتلر وأعلن في إحدى خطبه عام 1937 عن خطة لتربية النشء، بهدف تأليف كتلة صلبة متماسكة تتمكن من السيطرة على الحياة الألمانية بشكل كامل ثم على القارة الأوروبية، ثم على بقية العالم في النهاية.

قال الفوهرر في خطابه: «إذا كان هناك بعض كبار السن السخفاء الذين لا يرجى منهم أي نفع، فإن هذا لا يزعجنا في شيء، فنحن سنأخذ منهم أطفالهم، ونعمل على تنشئتهم كي يصبحوا مخلوقات بشرية ألمانية جديدة، ونتعهد بتربيتهم بكل دقة».

وأضاف في خطابه الذي يقترب كثيرًا في مفرداته وأفكاره من مقال زميلنا ياسر رزق: الطفل في سن العاشرة لا يدرك شيئًا ولا يشعر بأهمية مولده أو نشأته، ولا اختلاف بين طفل وآخر، وفي هذه السن نأخذهم ونصنع منهم مجتمعًا يظلون من أعضائه حتى يبلغوا الثامنة عشرة. ومع هذا فنحن أيضًا لا ندعهم وشأنهم بعد هذه المرحلة، بل نلحقهم بالحزب، وبجماعة جند الهجوم S. A.، وبالحرس الأسود S. S.، وبعد ذلك يُلحقون بالجماعات أو التنظيمات الأخرى أو يُرسلون مباشرة إلى المصانع أو إلى جبهة العمل وإلى الخدمة العمالية، ويُلحقون أيضًا بالجيش مدة عامين.

يشرح المؤرخ المصري محمد فؤاد شكري، في كتابه «ألمانيا النازية» محاولة النازيين السيطرة على حياة النشء في دولة الرايخ، ويقول: أجبروهم على الالتحاق بجماعات «الشبان الألمان» ما بين سن العاشرة والثالثة عشرة، وبين الرابعة عشرة والثامنة عشرة يلتحق الشاب بجماعة «الشبيبة الهتلرية»، وعند بلوغه التاسعة عشرة يُجبر على العمل مدة ستة شهور في «خدمة العمل»، ثم يقضي بعد ذلك مدة سنتين أخريين في الخدمة العسكرية، وله بعد هذه المرحلة أن يدخل إحدى الجامعات أو يلتحق بعمل من الأعمال، أو يحترف إحدى المهن التي يختارها.

وفي جميع هذه الحالات لا يكون الشاب حر التصرف في حياته يوجهها كيفما شاء. السبب في هذا ما تحتمه الدولة من الانتماء إلى جماعة جنود الهجوم S. A. أو الحرس الأسود S. S.، أو الانتماء إلى جبهة العمل، وهي بمثابة اتحاد وطني عام لجميع المستخدمين والذين يخدمونهم، أو أن ينتمي إلى جماعة «إنتاج الطعام»، أو إلى غير ذلك من التنظيمات الخاضعة لإشراف الدولة. وفي سن الخامسة والثلاثين يدخل في زمرة «القوة الاحتياطية»، وفي سن الخامسة والأربعين يعتبر ضمن القوات المستعدة للخدمة العسكرية وقت التجنيد العام.

مع ذلك ظهر تيار لمقاومة هذه العملية، وزاد هذا التيار شدة وعنفًا منذ تذوق الألمان طعم الهزيمة في ميادين القتال الروسية وقصفتهم طائرات الحلفاء بقنابلها، وانتهت التجربة بهزيمة ألمانيا وانتحار الفوهرر، وصارت تجربته في الحكم نموذجًا يُدرس في فشل الأنظمة المثيلة.

من ألمانيا النازية إلى إيطاليا الفاشية التي تحولت مدارسها في نفس الحقبة تقريبًا إلى مصانع لإنتاج أطفال «فاشيست»، فحكومة موسوليني عملت منذ أن سيطرت على الحكم على غرس قيم الحزب الفاشي في طلاب المدارس تمهيدًا لأن يلعب هؤلاء الأطفال الدور الاجتماعي الذي تُحدده الفاشية «الذكور للحرب والإناث لإنجاب الأطفال وتربيتهم».

تم عسكرة مناخ التعليم في المدارس بالشعارات والصيحات والتدريبات البدنية والزي الموحد، ثم أسست الحكومة الفاشية تنظيمات شبه عسكرية للأطفال والشباب مشابهة لما أُسس في ألمانيا الهتلرية، كان قَسَم الأطفال في تلك التنظيمات: أنا أؤمن بروما الخالدة أم بلادي… أؤمن بعبقرية موسوليني، وببعث الإمبراطورية من موتها».

ورغم فشل ما أُنتج في ألمانيا وإيطاليا من منظمات شبابية نازية وفاشية، سعت بعض الحركات القومية والدينية في المشرق العربي لاستنساخ منظمات شبيهة في العقد الخامس من القرن العشرين، فتأسست فرق القمصان الحديدية والكشافة والشباب العربي في سوريا، والنجادة والوحدات والكتائب في لبنان، والفتوة والجوالة في العراق، والجوال المسلم في فلسطين.

وفي مصر عملت جماعة الإخوان المسلمين على تأسيس تنظيمات شبه عسكرية من أعضائها، وتم تأليف مجموعات الجوالة الإخوانية، التي يتم تجميعها في معسكرات، بهدف تنشئة الأعضاء بدنيًا وفكريًا وتعويدهم على طاعة الأوامر وتقديس القيادة.

وبعد ثورة 23 يوليو 1952، جاء تأسيس الاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب، بهدف تعبئة الشباب فكريًا، وضمان ولائهم إلى النظام، لتنتهي هذه التجربة بهزيمة 5 يونيو 1967 الكارثية وتنهار معها تجربة جمال عبدالناصر في الحكم والبناء.

ما لم يدركه رزق أو يدركه لكنه تغافل عنه، أن كل تلك التجارب سقطت وأسقطت الأنظمة والأحزاب والجماعات التي صنعتها أو استنسختها، فلا سبيل إلى إقامة دولة مستقرة متقدمة إلا بالديمقراطية والتعددية التي جربتها دول فصارت تنتمي إلى العالم المتحضر بينما بقينا نحن متمسكين بعصور التخلف والجهل والاستبداد، مرة بدعوى مناهضة الاستعمار وأخرى بدعوى مناهضة الإخوان.

الحرية والتعددية وتداول السلطة واحترام الآخر وتنافس الأفكار عبر إعلام حر مستقل، هي الأشياء التي نفتقدها ولم نجربها، وهي الأولى بفتح نقاش عام حولها، فما أورده زميلنا في مقاله ما هو إلا فكرة ثبت فشلها وسقوطها، وأولى به وبنا جميعًا أن نفتح نقاشًا جديدًا حول ما لم يتم تجريبه عسى أن ينجح.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن