شباب شركة وشيخوختها: دراما «الحديد والصلب»
 
 

ثلاثون سنة قضاها عبد القادر يحيى* عاملًا في شركة الحديد والصلب المصرية. تسلم الرجل، الذي يودّع العقد الرابع قريبًا، في عام 1990 أجره الأول من الشركة بعدما التحق بالعمل فيها ولم يتجاوز عمره 19 سنة عقب حصوله على شهادة «التلمذة الصناعية»، وهي شهادة يحصل عليها المتدرب بعد قضاء ثلاث سنوات في تعلم مهارات صناعية في مدرسة للتدريب تابعة لشركة الحديد والصلب نفسها.

تعلق مصير عبدالقادر بمصير الشركة التي بدا أخيرًا أن الحياة قد تدب فيها مجددًا بعد الإعلان عن تسديد مديونيات والشروع في بعض التطوير. ولد عبدالقادر لأب كان عاملًا في الشركة نفسها، ولحق الابن بأبيه بعد عشرين سنة قضاها الأب في الشركة.

لم تكن لأبناء العاملين أولوية في الالتحاق بالعمل في الشركة نفسها، لكن «كان يحق لكل خريجي التلمذة الصناعية العمل في الشركة، وهو نظام لم يعد معمولًا به»، يقول عبد القادر، «خلال دراستي في مدرسة التلمذة الصناعية، كنت أتحصل على أجر رمزي، وكذلك كنت أحصل على ملابس العمل مجانًا، بالإضافة لوجبة مجانية»، يروي عبد القادر، الذي قال إنه استفاد في الالتحاق بالمدرسة الصناعية من أولوية كانت تُمنح لأبناء العاملين في الشركة.

يشير عبدالقادر إلى أن التلمذة الصناعية لا زالت تفتح أبوابها للمتدربين، لكن ذلك لن يقودهم بالضرورة للتعيين في الشركة لأن «الشركة توقفت عن تعيين أي عاملين جدد أصلًا، كما أن بقية المزايا كلها [الالتحاق المجاني بالتلمذة الصناعية والوجبة والملابس المجانية والأجر] اختفت الواحدة تلو الأخرى».

علاقة عبدالقادر بالشركة تفوق سنوات عمره، وتمتد إلى والده الذي التحق بها قبل خمسين عامًا تقريبًا. وقتها كانت الشركة «شابة» على وشك البدء في توسعاتها في سبعينيات من القرن الماضي. وخلال العقود الماضية، استمرت الشركة في رحلة انهيار طويلة.

هكذا بزغ نجم الشركة ثم انطفأ

ارتبطت التوسعات الكبيرة التي شهدتها الشركة في السبعينيات باكتشاف خام الحديد في الواحات البحرية حاليًا، في مناجم تعد الآن ضمن أصول الشركة، وتربطها بها خطوط سكة حديد. استغلال مناجم الحديد التي اكتُشفت في منتصف القرن الماضي في أسوان كان من ضمن أغراض تأسيس الشركة أصلًا عام 1954. وفضلًا عن مناجم الحديد، تمتلك الشركة محاجر في السويس والمنيا لاستخراج الحجر الجيري المستخدم في صناعة الحديد. 

شركة الحديد والصلب هي الوحيدة في مصر -من أصل 32 شركة تمثل إجمالي عدد شركات الحديد في مصر- التي تستخدم خام الحديد المتوفر في الطبيعة، بينما بقية الشركات تعتمد على استيراد أو شراء بعض منتجات «الحديد والصلب» واستكمال إنتاجها وصولًا لمنتجات تامة الصنع. كما أنها الوحيدة التي تعمل بتكنولوجيا الأفران العالية، وهي الأفران التي تعمل بالفحم، بينما تعتمد باقي الشركات على أفران تعمل بالكهرباء، وتحتاج في تشغيلها لخردة الحديد كوقود. وبذلك، تمثل الخردة لشركات الحديد الأخرى مدخلًا من مدخلات الإنتاج، بينما تمثل بالنسبة لـ«الحديد والصلب» إحدى مخلفاته.

ولهذا السبب، لم تتعرض الشركة لأزمات تذكر تتعلق بندرة العملة الصعبة اللازمة لاستيراد مدخلات الإنتاج. لكن في المقابل، تعرضت الشركة لارتفاع قياسي في تكلفة الإنتاج ساهم في تفاقم خسائرها بدءًا من نوفمبر 2016، بسبب رفع أسعار الطاقة والمياه.

ارتفعت كلفة الكهرباء بنسبة 50%، والغاز الطبيعي بنسبة 80%، و المياه بنسبة 40%، فضلًا عن ارتفاع كلفة فحم الكوك بنسبة 200%. وتسبب هذا في تفاقم خسائر الشركة ومديونياتها، فضلًا عن الأسباب الأصلية المرتبطة بتقادم الآلات والمعدات، ما جعل مصير الشركة نفسه محلًا للتساؤل.

هذا التقادم للمعدات والآلات العملاقة التي كان يُنظر إليها كرمز لدخول بلد نامٍ كمصر في أواسط الخمسينيات إلى عصر الصناعة الثقيلة، كان يلاحظه العمال يومًا بعد يوم. «عبر تلك السنوات، أو تحديدًا مع نهاية التسعينيات وبداية الألفية، أخذت الماكينات والمعدات تتدهور يومًا تلو الآخر دون إحلال ولا تجديد، وكنت كبقية العمال نلاحظ التدهور أكثر فأكثر كلما تكررت الأعطال وكلما تسارعت وتيرتها»، يقول عبدالقادر.

بحسب تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات عن مراجعة القوائم المالية للشركة في العام المالي المنتهي في نهاية يونيو الماضي، بلغ هذا التدهور حدًا توقفت معه «العديد من خطوط الإنتاج بصورة متكررة نتيجة تقادم الآلات والمعدات، وهو ما انعكس في زيادة نسبة الأعطال والتوقفات، حيث بلغت 92% خلال العام المالي الحالي مقابل 82% العام السابق».

أدى توقف الإنتاج على هذا النحو إلى تراجع حجم الإنتاج النهائي إلى 166 ألف و533 طنًا من حديد الزهر في عام 2018-2019 من أصل 581 ألف وأربعة أطنان تمثل حجم الإنتاج المستهدف في حال لم يتعطل إنتاج الفرن الرابع في الشركة، وهو الفرن الوحيد المستمر حاليًا في الإنتاج من أصل أربعة أفران في الشركة. أي أن الإنتاج الفعلي تجاوز بالكاد 28% من الإنتاج المستهدف. كما أن هذا الإنتاج الفعلي يمثل بدوره تراجعًا بنسبة 18% تقريبًا قياسًا للإنتاج الفعلي في العام السابق.

توقف الإنتاج لا يرجع فقط إلى الأعطال المتكررة، وإنما كذلك إلى النقص الحاد في كميات فحم الكوك المتوفرة للشركة، والتذبذب الشديد في توريدات شركة النصر لصناعة الكوك لشركة الحديد والصلب. 

يوضح الشكل التالي تطور صافي الربح/الخسائر لشركة الحديد والصلب خلال عشرة أعوام (2009-2019). تراجع صافي الأرباح من نحو 49 مليون جنيه عام 2009 إلى خسائر تتجاوز مليار ونصف المليار جنيه العام الماضي.

المصدر: بيانات البورصة المصرية

هجرات العمال الجماعية

يحكي عبدالقادر عن أفول نجم «الحديد والصلب المصرية» أو «شركتي» كما يسميها الرجل الذي ينظر خلفه الآن ليرى كيف ولى العصر السعيد الذي شهد حصوله على وظيفة بلا بحث مضنٍ كفلت له الزواج وإنجاب خمسة أبناء في مراحل التعليم المختلفة حتى وصل أكبرهم للتعليم الجامعي. خلال تلك السنوات، ارتفع أجر عبدالقادر من 50 جنيهًا حصل عليها بعد أول شهر قضاه في الشركة حتى بلغ 5000 جنيه حاليًا، على الرغم من تراجع الأرباح السنوية من 16 شهرًا تمثل أعلى مستوى لها طوال الفترة التي قضاها عبدالقادر في الشركة في العام 2010، وصولًا إلى خمسة أشهر بدءًا من العام الماضي، وهو أدنى مستوى لها طوال هذه الفترة.  

التدهور الذي لحق بالشركة طال كذلك العاملين فيها. «كان الكثير من الخبرات تغادر الشركة دفعة تلو الأخرى حين فتحت الدولة باب المعاش المبكر»، كما يروي عبدالقادر، مضيفًا أن «الإعلان عن المعاش المبكر في حد ذاته يدفع العمال للظن أن التقاعد هو مصير حتمي وأن نهاية عملهم في الشركة آتية لا ريب فيها ربما بعد خصخصة الشركة كما توقع العمال، بعدما خصخصت الحكومة الشركة المصرية للحراريات في حلوان، وهي شركة كانت تمد شركتنا بالطوب الحراري الضروري لبناء جدران أفران الشركة».

اعترفت «الحديد والصلب» في محضر اجتماع الجمعية العامة غير العادية الأخير في نوفمبر الماضي بأن تطبيق نظام المعاش المبكر «دون ضوابط اعتبارًا من عام 2001»، أدى إلى خروج الآلاف من «الخبرات المتميزة متوسطة الأعمار».

إلى جانب المعاش المبكر، «توقفت الشركة عن تعيين العمالة بالكامل تقريبًا منذ العام 2010 بعد عشرين سنة تقريبًا من دفعة التعيين السابقة عليها في العام 1990»، يقول عبد العزيز خليل*، الموظف في الإدارة المالية في الشركة، «ومع تقاعد العاملين عبر المعاش الطبيعي والوفاة، أخذت أعداد العمال تدريجيًا في التراجع».

وخلال ثلاث سنوات فقط، تراجعت أعداد العاملين في الشركة بنسبة 13.4%.

المصدر: محاضر اجتماعات الجمعيات العمومية العادية للشركة

وعلى كل حال، فقد «كان حلم الإدارات المتعاقبة على الشركة هو خفض أعداد العمال»، كما يقول كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية والعامل السابق في قطاع التشكيل على البارد في شركة الحديد والصلب، والذي غادرها مرغمًا عقابًا له على دوره القيادي في اعتصامها الكبير عام 1989، قبل سنة من التحاق «عبدالقادر» بالعمل فيها.

وقبل أن يترك عباس عمله في الشركة، «كانت الإدارة تقول بثقة إن خفض أعداد العاملين إلى 12000 -بدلًا من 19000 وقتها- كفيل برفع الأرباح، [لكن] ها هي أعداد العاملين قد انخفضت إلى ما دون ذلك بكثير».

شيخوخة متعمَدة

في المقابل، أدى توقف التعيين إلى تراجع نسبة «الشباب» بين العمال. لا تزيد نسبة من تقل أعمارهم عن 30 سنة عن 2.17%، بينما يتجاوز من تتراوح أعمارهم بين 50-60 نسبة 54%.

المصدر: محضر اجتماع الجمعية العامة غير العادية في 11 نوفمبر الماضي

هذه «الشيخوخة» التي أصابت الشركة ربما تفسر الضعف الذي أصاب الحركة العمالية فيها بعدما كانت -تلك الحركة- يومًا ما ملء السمع والأبصار، كما يرى عباس.

«تجلى تراجع قوة الحركة العمالية في الشركة في الانتخابات النقابية عام 2001 التي لم تتمكن فيها القيادات العمالية المرتبطة باليسار من الفوز إلا بمقعدين»، كما يروي عباس، مضيفًا «قبلها كنا [القيادات العمالية المدعومة من دار الخدمات النقابية] قد تمكنا في انتخابات عام 1996 من الفوز بأربعة مقاعد في اللجنة النقابية، من ضمنها مقعد فاز به فوزي محمدين، لكن قبل نهاية هذه الدورة توفي فوزي».

كان فوزي محمدين أشهر القيادات العمالية في تاريخ شركة الحديد والصلب، ولعب دورًا قياديًا في اعتصام الشركة عام 1989، وهو الاعتصام الذي اضطرت الدولة ممثلة في وزير الداخلية وقتها ذكي بدر لاستخدام أقصى قوة ممكنة واقتحام الشركة لفضه بإطلاق الرصاص الحي على العمال، حتى قُتل العامل «عبدالحي سليمان».

الاعتصام التاريخي جاء احتجاجًا على فصل عضوي مجلس الإدارة المنتخبين لتمثيل العمال وقتها بسبب تأييدهما قائمة من مطالب العمال في اعتصام ناجح قبلها بأيام، وللمطالبة بحل اللجنة النقابية الموالية للإدارة بعدما وقّعت أغلبية العمال استمارات لسحب الثقة منها، في سابقة في تاريخ الحركة العمالية المصرية.

بقي عبدالحي حيًا في شعارات عدد من مرشحي اللجنة النقابية في الانتخابات النقابية اللاحقة عام 1991. يقول عباس إن بعض المرشحين حملوا في دعايتهم صور عبدالحي وشعار «لا تنتخبوا قتلة عبدالحي» في إشارة للمرشحين المقربين من الدولة، و«عبدالحي هيفضل حي». واستجاب العمال على نطاق واسع، وانتهى الأمر باكتساح كبير من هؤلاء المرشحين.

وبالرغم من الحركة العمالية النشطة في الشركة تاريخيًا، إلا أن «الحديد والصلب» لم تلحق أبدًا بقطار حركة الاستقلال النقابي التي بدأت في العام 2008 وازدهرت بعد الثورة. «واقع الأمر أن النقابات المستقلة لم تنتشر أبدًا في صفوف عمال شركات قطاع الأعمال العام»، يقول كمال عباس، «في الحديد والصلب على سبيل المثال كان من الصعب للغاية التخلي عن عضوية النقابة التابعة للاتحاد القديم بسبب ما كان يعنيه ذلك من تخلي عن عضوية صندوق الزمالة الذي يسمح للعامل بالحصول على مكافأة نهاية خدمة تبلغ 120 ألف جنيه قبل تقاعده».

كان من المقرر إجراء انتخابات نقابية عام 2011، إلا أن اندلاع ثورة يناير أدى إلى حل مجلس إدارة الاتحاد العام لنقابات عمال مصر وتأجيل الانتخابات لحين إصدار قانون للحريات النقابية يضمن التعددية النقابية، وهو ما لم يحدث. بقي أعضاء اللجنة النقابية، ومن بينهم أعضاء سابقون في الحزب الوطني المنحل، في مناصبهم حتى إجراء الانتخابات النقابية عام 2018، «بناءً على قانون جديد للنقابات أصدرته سلطة استبدادية»، بحسب وصف عباس.

قد يكون ضعف الحركة العمالية في الشركة هو ما يضعف احتمالات أي ردود أفعال على صدور قرار بتصفيتها.

سنوات من الوعود

في حوار مع صحيفة «المصري اليوم» الشهر الماضي، ألمح هشام توفيق، وزير قطاع الأعمال، إلى احتمالية صدور قرار بتصفية الشركة من اللجنة المختصة بتحديد مصير «الحديد والصلب»، يفترض أن يعلن «قريبًا جدًا» على حد قوله.

كان توفيق أعلن في مايو الماضي تشكيل لجنة لدراسة وتحديد مصير شركة الحديد والصلب يرأسها شريف إسماعيل، رئيس الوزراء السابق، وأعضاء من كلية الفنية العسكرية، وبعض الجهات السيادية. لكن اللجنة لم تشمل في عضويتها أي ممثل عن الشركة. فضلًا عن ذلك، لم تزر اللجنة الشركة حتى الآن ولا مرة واحدة، كما يوضح خالد الفقي، رئيس النقابة العامة للصناعات المعدنية وعضو مجلس إدارة الشركة القابضة للصناعات المعدنية والهندسية، لـ«مدى مصر».

جاء تأسيس اللجنة بعد سلسلة طويلة من خطط مجهضة لتطوير الشركة. خلال ست سنوات، تراجعت  الحكومة، لأسباب متباينة، عن كل خطط تطوير الشركة التي أعلنت عنها، والتي ربما كان من شأنها وقف الخسائر، تبعًا للفقي.

يقول الفقي إن الحكومة «تراجعت عن تمويل خطة لتطوير الشركة بالتعاون مع شركة روسية بعدما كان إبراهيم محلب، رئيس الوزراء الأسبق، قد وعد بتمويلها بقيمة خمسين مليون دولار، ثم وافق وزير قطاع الأعمال السابق أشرف الشرقاوي، على تمويل إصلاح أحد الأفران بمبلغ 100 مليون جنيه، لكن الشركة احتاجت لاحقًا لتشغيل الفرن لإصلاح غلاية [جهاز ملحق بالفرن ضروري لتشغيله] وهو ما لم يتم… وفي ا2018 ألغى خالد بدوي [وزير قطاع الأعمال وقتها] دون أسباب صفقة لتطوير الشركة بالتعاون مع شركة صينية كانت تعتزم إنشاء أفران جديدة تعمل بالكهرباء لاستغلال الخردة [كأحد مخلفات عملية الإنتاج في الأفران القديمة… وفي نفس العام ألغى هشام توفيق [الوزير الحالي] مناقصة أخرى للتطوير».

أما أشهر خطط التطوير، فقد طرحها سامي عبدالرحمن، رئيس الشركة الأسبق قبل إقالته لاحقًا. رفض عبدالرحمن الحديث عن خطته مع «مدى مصر»، لكن ملامح الخطة عمومًا تحدث عنها خالد محمد*، العضو البارز في اللجنة النقابية بالشركة.

بحسب خالد محمد، «كان سامي عبد الرحمن يستهدف رفع الإنتاج عبر ثلاث مراحل: الأولى تصل به إلى مستوى 1.2 مليون طن سنويًا، وهي الطاقة التشغيلية الكاملة للشركة، والثانية تصل به إلى ثلاثة ملايين طن، والثالثة تصل به إلى 5.5 مليون طن»، على حد قوله.

فيما يقول مصدر رفيع المستوى في الشركة على إطلاع بخطط تطوير الشركة المتعاقبة اشترط عدم نشر اسمه، إن خطة عبدالرحمن «كانت تستهدف إنشاء أفران جديدة تعمل بالكهرباء تستغل الخردة المنتجة من الشركة نفسها [التي تمثل مخلفات إنتاج الأفران العالية]، وإنشاء مصنع جديد لحديد التسليح لإنتاج 750 ألف طن سنويًا، وتطوير المصنع الحالي في الأساس عبر تطوير الأفران العالية».

محمد أوضح أن الخطة استندت في الأساس إلى تمويل التطوير عبر بيع قطع من الأراضي المملوكة للشركة، بحيث تتمكن الشركة بعد جني ثمار التطوير من تسديد مديونياتها. لكن الحكومة رفضت السماح للشركة بالتصرف في الأراضي من حيث المبدأ من منطلق أن تلك الثروة من الأراضي الشاسعة لم تخصص في الأساس لصالح الشركة إلا لاستغلالها في الأنشطة التشغيلية من قبيل بناء مصانع مثلًا.

وتمثل ثروة الشركة من تلك الأراضي حجر الزاوية في تقييم سهم الشركة، تبعًا للتقرير السنوي الصادر عن شركة شعاع للأوراق المالية «رؤية 20/20: نظرة ترقب» اطلع عليه «مدى مصر». بحسب التقرير، «ترتبط [قيمة سهم شركة الحديد والصلب] ارتباطًا وثيقًا بأصولها غير التشغيلية (أي مخزون الأراضي الضخم)… نعتقد أن سعر السهم مرتبط بشكل رئيسي بقيمة مخزون الأراضي». وفي المقابل، يرى التقرير أن الفشل في تسييل هذا المخزون الضخم من الأراضي يمثل أبرز المخاطر على حملة الأسهم.

وبخلاف الشركة القابضة للصناعات المعدنية التابعة لوزارة قطاع الأعمال العام كمالك لمعظم أسهم الشركة، يجري التداول على النسبة الباقية كما يتضح من الشكل التالي.

المصدر: البورصة المصرية

أما الآن، «وبعد الإصرار السابق من قبل الحكومة على الرفض التام لأي تصرف في الأراضي حتى لتمويل التطوير، أصبحت الحكومة أكثر قبولًا لفكرة بيع الأراضي لكن لا للتطوير، وإنما لسداد مديونيات الشركة من مستحقات الغاز الطبيعي والكهرباء»، حسبما يقول خالد محمد.

وتخطت الديون المتراكمة على الشركة لشركات الغاز والكهرباء وغيرها خمسة مليارات جنيه، تبعًا لمحضر اجتماع الجمعية العامة غير العادية للشركة في نوفمبر الماضي.

ضوء في نهاية نفق اليأس

أما الآن، فالعمال بين اليأس والرجاء: يتوقعون تارة تصفية الشركة بعد شهرين تقريبًا من إعلان الشركة فتح باب التقدم أمام مهندسي الشركة لطلب نقلهم لأي من شركات قطاع الأعمال العام الأخرى، بحسب عبدالقادر الذي قال إن الإعلان مَثَّل في حد ذاته إعلانًا مبطنًا عن نية الحكومة تصفية الشركة، وهو ما انتهى عمليًا إلى هجرة جماعية للكثير من المهندسين من الشركة، وتارة أخرى يتوقعون استمرار الشركة بعدما أعلن قبل أيام عن بدء العمل في إصلاح «غلاية» واحدة من أربعة غلايات.

جمال عبدالمولى، رئيس اللجنة النقابية، قال لـ«مدى مصر» إن مدحت نافع، رئيس الشركة القابضة للصناعات المعدنية، وافق على طلب إدارة الحديد والصلب استخدام قطع غيار متوفرة في مخازن الشركة لإصلاح غلاية. «تمثل قطع الغيار المتوفرة تلك نصف الاحتياجات الضرورية لإصلاح الغلاية، فطلبنا استيراد بقية الاحتياجات بقيمة ثلاثة ملايين يورو، لكننا لم نحصل بعد على رد بشأن هذا الجزء»، يقول عبدالمولى، لكن «في المقابل وعد [مدحت نافع] بزيارة الشركة لمراجعة نتائج المرحلة الأولى من إصلاح الغلاية». يمثل إصلاح «الغلاية» هذا خطوة ضرورية لتشغيل «فرن» آخر في الشركة، ليصل عدد الأفران الصالحة للعمل في الشركة إلى اثنين من أصل أربعة أفران.

كما كشفت الشركة في بيان موجه للبورصة المصرية إنها تعتزم عقد تسوية مع شركة الغاز لسداد مديونية بقيمة 3.6 مليار جنيه، عبر بيع قطعتي أرض مملوكة للشركة.

فضلًا عن ذلك، «انتهى اجتماع إدارة الشركة مع رئيس الشركة القابضة [للصناعات المعدنية] بالسماح للحديد والصلب بجدولة مديونياتها القديمة لشركة النصر لصناعات الكوك، بحيث ترفع شركة الكوك من إمداداتها من فحم الكوك لمستوى 700 ألف طن يوميًا»، كما أضاف عبدالمولى، وهو مستوى يرتفع كثيرًا عن الحجم الحالي الذي يتراوح حول 300 ألف طن.

تأتي هذه الخطوة استجابة لخطة لتطوير الشركة مرحليًا، كانت قد تقدمت بها إدارة «الحديد والصلب» للشركة القابضة للصناعات المعدنية.

تقوم تلك الخطة، تبعًا لخالد محمد، على «توفير مواد خام من فحم الكوك على نحو منتظم تتراوح بين 500 إلى 800 طن يوميًا، وإصلاح غلاية واحدة من أصل ثلاثة غلايات [متوقفة عن العمل حاليًا] بحيث يرتفع عدد الغلايات الصالحة للإنتاج إلى غلايتين بدلًا من غلاية واحدة حاليًا»، مضيفًا «هذه الخطة تتطلب 400 مليون جنيه يفترض أن توفرها الشركة القابضة للصناعات المعدنية، وهي سيولة يفترض ألا تستخدم إلا في التطوير، وليس في سداد أي مستحقات سابقة».

وقال محمد إن خطة التطوير المرحلية تلك تشمل بيع الأراضي غير المستغلة لتسديد مديونيات الشركة المستحقة عليها مقابل الغاز والكهرباء، و«تمثل مرحلة سداد المديونيات تلك خطوة أولى للتخلص من الأعباء المالية المتراكمة على نحو يمهد الطريق لبدء خطة تطوير أعدتها الشركة تقوم على رفع إنتاج الشركة إلى 600 ألف طن، وهو المستوى الذي يضمن تحقيق التعادل بين المصروفات والإيرادات على نحو يوقف الخسائر».

* أسماء مستعارة بسبب تخوفهم من أي عقاب إداري أو أمني.

اعلان
 
 
بيسان كساب 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن