ديتوكس| 30 فبراير
 
 
لوحة للفنان عمر مصطفى
 

#جو عام

تدندن مغنية قائلة إن موعد راحة قلبها هو «30 فبراير»، وهو يوم كما نعرف جميعًا لا وجود له، وهنا تكمن بلاغة هذه الأغنية المنسية. لكن «30 فبراير» ليس مستحيلًا، الأرشيف يخبرنا بأن الاتحاد السوفيتي حقق المعجزة في عامي 1930 و1931 وعاش الناس مرتين يومي 30 فبراير، وذلك تطبيقًا لتقويم ثوري يجعل كل الشهور 30 يومًا، مع أيام عطلة لا تنتمي لأي من الشهور الاثنى عشر، وقبل ذلك فعلت السويد، بعد عام 1700، بأن عاش السويديون أيامًا من الـ «30 فبراير»، وهو ما حققته روما قديمًا كذلك.

رغم هذه المحاولات، فإن اليوم صار غير موجود في الوجود، ثم صار تعبيرًا عن المستحيل، بهذه المناسبة نركز في هذا العدد على مشروع صار مستحيلًا يخص المخرج الأمريكي ستانلي كوبريك (1928-1999)، وآخر للمصري شادي عبدالسلام (1930-1986).

كما نستعيد حكاية تحدت المستحيل، قبل 14 عامًا؛ وتمسك أبطالها بتحقيق الـ «30 فبراير»، ونسبوا أنفسهم إليه.

يمكن سماع أغنية ألّفتها مجموعة «30 فبراير» (سلاح المبدعين) قبل عشر سنوات، ووقتها، أعلنت وفاة الرئيس محمد حسني مبارك، على طريقة قصيدة أحمد فؤاد نجم «جيفارا مات»:

في أيام فبراير الأخيرة، حدث ما أخبرتنا به الأغنية وغادر مبارك الحياة، بعد تسع سنوات من ثورة أطاحت به من الحكم في فبراير أيضًا، ثم أُدين بالسجن ثلاث سنوات في قضية عُرفت بـ «القصور الرئاسية» وتخص اختلاس أموال خصصت لصيانة هذه القصور.

لوحة لعمر مصطفى

حدادًا على مبارك، أعلن فاروق حسني (1938)، وزير ثقافة مبارك لنحو ثلاثة وعشرين عامًا، تأجيل معرضه الذي كان من المقرر افتتاحه الأربعاء الماضي. أما الوزيرة الحالية فقد أعلنت التزام الوزارة بإلغاء الأنشطة كافة حتى غروب شمس اليوم.

كما نتحدث عن نهاية فبراير في اليوم التاسع والعشرين منه، ذلك الذي يتكرر كل أربع سنوات، موجهين تحية لأحد أشهر مواليد هذا اليوم في #سماع.

#قراءة 

جوديث باتلر

مرّ خلال الأسبوع الماضي، والذي كان حافلًا بالكثير من الأحداث، عيد ميلاد جوديث باتلر (وُلدت في 24 فبراير 1956)، وخلال هذا الويك إند نرشح للقراءة مقالة «الجنس والجندر في الجنس الآخر لسيمون دي بوفوار» المنشورة على «ويكي جندر»، وكذلك محاضرتها «من يملك كافكا» التي ترجمها م.ف.كلفت ونشرها «مدى مصر».

وبينما نعيش آخر أيام فبراير، نستعيد ما كتبه عمرو عزت عن مجموعة «30 فبراير» في تدوينة «أول دخولنا الجنينة»، المنشورة في مارس 2006 عن ليلة اعتصام تضامنًا مع القضاة في ميدان تحرير:

«علاء كان يجيب على أسئلة الصحافة العالمية بشأن مجموعة 30 فبراير التي ذيل اسمها اللافتات.. صرح علاء أن اسم المجموعة من وحي ليلة صنع اللافتات ومن ابتكار يحيى مجاهد.. سقراطة أحضرت كتابًا طبيًا وضوءًا وأشك أنها قرأت أكثر من صفحة.. عمرو غربية كان أول من استلقى في سكينة.. وأحمد غربية، بعد طول احتجاب، أخذ يتأملنا جميعًا.. النديم كان منشغلا عنا بـ «قصة» جديدة يبدأها للتو.. وائل عباس كان يختفي في ركن ما خلف عدسة الكاميرا ثم يعود.. منال قادت حلقة لعب الورق على الضوء الذي أحضرته سقراطة بعد أن أُطفئت أنوار الميدان جميعًا.. شرقاوي مثير الشغب كان مبتهجًا للغاية رغم أنه فقد سترته وهاتفه المحمول بينما كان واقفًا فوق كتفي يثبت طرف العلم الكبير على عامود الكهرباء.. ادعى أيضًا في مرح لافت أن بالسترة ألفًا من الجنيهات (كل شيء سيدي في حب مصر يهون!).. براء ودعاء تجولا كثيرًا يفكران غالبًا ماذا يمكن أن يكتبا عن هذه الليلة.. محمد طعيمة صرح أن هناك تواطئًا ما بين السلطة وبين هيئة الأرصاد بشأن انخفاض درجة الحرارة هذه الليلة!.. علي الطيب بدأ تمردًا أيديولجيًا على نجم وإمام وغنّي مع رفاقه من طلاب اليسار الديمقراطي لنانسي عجرم وإليسا.. حلقات كثيرة للغناء، أنشطها وأكثرها مرحًا حول مالك الذي تألق هذه الليلة.. مجموعات من المتظاهرين تجوب الميدان وتحدث صخبًا..

حتى إبليس الذي يشبع اسم مصر لعنًا وسبًا هنا وهناك، حضر وبقي لفترة.. اعتقد أنه سيعلق مكابرًا أنه أتي حبًا في لمة الرفاق والأصدقاء، لا حبًا في مصر».

من اعتصام 2006 - المصدر: عمرو عزت

«دقت تلك النجاحات ناقوس الخطر في لاظوغلي، وأصبح لزامًا على أمن الدولة التعامل مع هؤلاء العيال. لم يفلح التصنيف التقليدي معنا، فلم نكن شيوعيين ولا إسلاميين، ولكن خلطبيطة من كل هؤلاء فكيف يستطيعون الزعم لرؤسائهم بوجود تنظيم سري للمدونين».. هكذا كتب المدوَّن وائل عباس في «هنا صوتك»، مقالًا نُشر في 2014، عن «30 فبراير».

 

#مشاهدة

هذه المرة يكتب أحمد وائل وياسمين زهدي عما لا يمكن مشاهدته، فقد اختارا فيلمين لم يُنتجا؛ لكن وراء الفيلمين المستحيلين شغف يدفع للتفكير فيما كان يمكن أن يحدث إذا قدم ستانلي كوبريك «نابليون»، أو تحقق مشروع شادي عبدالسلام حول «إخناتون»:

بعد إطلاق تحفته «أوديسا الفضاء: 2001» (1968)، خطط المخرج الأمريكي ستانلي كوبريك لبدء تصوير مشروع بحث فيه لوقت طويل؛ فيلم عن سيرة الجنرال الفرنسي نابليون بونابرت. كان من المقدر للفيلم أن يكون ملحمة كاسحة وكذلك دراسة شخصية حميمة للرجل الذي وصف كوبريك حياته بكونها «قصيدة ملحمية عن الفعل». خطط كوبريك للتركيز على معارك نابليون، بالإضافة إلى علاقته بزوجته المحبوبة، جوزفين، التي اعتقد أنها «أحد أعظم الغراميات المهووسة عبر التاريخ».

ستانلي كوبريك

لم يكن كوبريك ذاته جاهلًا بالهوس؛ أرسل كوبريك باحثين إلى جميع أنحاء أوروبا ليتتبعوا خط سير نابليون طالبًا من أحدهم أن يجلب له عينة من تربة «واترلو» حتى يتمكن من مضاهاتها على الشاشة: «الإله يكمن في التفاصيل»، كما كان يقول دائمًا، معنى يتمثّل في عملية بحثه شديدة التمحيص ودقة أفلامه المُخرَجة. «مرحلتا التحضير والمونتاج كانتا بهجته -التصوير ذاته كان مجرد ضرورة» يقول جان هارلان، نسيب كوبريك وأحد أقدم معاونيه، وأحد الباحثين الذين استعان بهم المخرج الراحل أثناء التحضير لمشروع نابليون.

لم يُصنع الفيلم أبدًا لأن «مترو جولدن ماير» و«الفنانين المتحدين»، شركتا الاستوديوهات التي اتفق معهما كوبريك بشكل مبدأي لإنتاج الفيلم، انسحبا. بعد إطلاق وفشل فيلم سيرجي بوندارشاك «واترلو» (1970)، شعرت الشركتان المذكورتان أن الفيلم مخاطرة كبيرة خاصة مع الميزانية التي طلبها كوبريك (خطط كوبريك لتعيين 50 ألف ممثل إضافي من الجيش الروماني لمشاهد المعركة). يُقال إن المخرج لم يتوقف أبدًا عن التفكير في مشروعه المجهض في الأربعين سنة بين إطلاق «أوديسا الفضاء» وبين موته في 1999 (استخدم كوبريك بعضًا من بحثه أثناء تصويره للدراما التاريخية «باري ليندون»، إنتاج 1975)

إحدى الصور التحضيرية لفيلم لنابليون

أصبحت المادة التي جمعها كوبريك طوال سنوات البحث أسطورة في ذاتها: 276 كتابًا عن نابوليون من جميع أنحاء العالم، 15 ألف صورة لمواقع تصوير، 17 ألف شريحة من الصور النابليونية، مجموعة من الكروت تفصل حياة بونابرت من مأكله، لأسلوب ملبس زوجته لحالة الطقس في أيام معينة. حتى اللحظة كانت تلك المادة -بالإضافة لسيناريو من 149 صفحة كُتب كنتيجة لذلك البحث- موضوعًا لكتاب ولمعرض فني، كذلك سرت أقاويل تفيد بأن ستيفن سبيلبيرج -وكان صديقًا للمخرج الراحل- يطور المشروع في هيئة مسلسل تليفزيوني قصير.

[للمزيد من المعلومات نرشح لكم هذا الحوار مع مساعد كوبريك، توني فروين، ويناقش فيه العملية البحثية للمخرج الراحل. كذلك اقرأوا هذه القصة من الـ«بي بي سي» عن معرض ستانلي الذي أُقيم العام الماضي، ويضم تبصرات عميقة من قيّمة المعرض وبعض معاوني المخرج الراحل].

شادي عبدالسلام

بعد بداية كوبريك خطاه تجاه «بونابرت»، بدأ شغف المخرج المصري شادي عبدالسلام (1930- 1986) بـ«إخناتون» يتجسد في خطوات، استغرق المشروع السنوات الأخيرة من حياة عبدالسلام منذ 1971. بعدما استقر على اختيار نادية لطفي، بطلة فيلمه الروائي الطويل الوحيد «المومياء» (1969)، اختار لدور «إخناتون» محمد صبحي الذي شاهده يؤدي «هاملت» لطلابه بمعهد «الفنون المسرحية».

[فيما بعد سيصور صبحي ممثلًا على المسرح في فيلمه التسجيلي «آفاق» (1972)].

يحكي صبحي أن عبدالسلام كان «مُغرمًا» بوجه الممثل والمدرس بـ «الفنون المسرحية» وقتها، طالبًا منه ألا يمثّل في السينما خلال فترة الإعداد للفيلم -التي طالت وصارت أبدية- حتى يقنع المشاهدين بكونه «إخناتون». ملامح صبحي جسدت رؤية عبدالسلام لفرعون التوحيد الأشهر، تجسدت هذه الرؤية في سيناريو ورسوم لمشاهد، وشخصيات الفيلم وملابسها.

لكن ظل المشروع معطلًا بسبب عدم حماس وزارة الثقافة -وقتها- لإنتاج الفيلم.

مرّت سنوات في اختيار مواقع التصوير في الأقصر، ثم بدأ شادي يتراجع عن انحيازه لنادية لطفي، ويُقال عن صبحي أيضًا، فوقع اختياره على طالبة بمعهد التمثيل، والتي سنعرفها فيما بعد بسوسن بدر، وهو الاسم الذي اختاره الحالم بـ «إخناتون».. هكذا ظل المشروع في طور الإعداد، فبعد رفضه في مصر، بحث عن إمكانية إنتاج مؤسسة السينما في الجزائر له. استمر التعطل، ثم عرف شادي في آخر أيامه بعرض فرنسي لإنتاج الفيلم.

وبعد رحيل شادي حاول صلاح مرعي (1942-2011)، الذي كان مسؤول الديكور في مشروع صديقه الراحل، إخراج الفيلم المعطل دون توفيق.

أحد رسوم شادي عبد السلام

لكن تتبع الرسوم التي تركها عبدالسلام تجعلنا نتخيّل الفيلم، كأنه كوميكس مثلًا، فتقدم الرسوم المتاحة تصورًا محتملًا لما يفترض أن سيكون فيلمه الآخر، خاصة أنه اعتاد العمل بطريقة الـ «ستوري بورد».

[هُنا تتحدث سوسن بدر عن الأيام الأخيرة لشادي ورفضه عرضًا أجنبيًا لإنتاج «إخناتون»، وهنا معلومات مصورة عن المخرج الراحل، كما يمكن زيارة متحف «عالم شادي عبدالسلام» في مكتبة الإسكندرية والذي أُسس في 2005، ويضم رسومًا وتخطيطات لشخصيات فيلمه المستحيل، وبعضًا من مقتنيات الشخصية، وصورًا من أفلام شارك بها كمصمم ديكور].

#سماع

في يوم يتكرر كل أربع سنوات، ويحل أوانه غدًا، وُلد خالد حاج إبراهيم وذلك عام 1960 في مدينة وهران الجزائرية، والذي نعرفه الآن بـ «خالد» أو «الشاب خالد».

اُستخدم لقب الشاب للتمييز بين الراي كما غنّاه خالد وجيله عما غُنّي من قبل، فالموجة الجديدة التي بدأت في ثمانينيات القرن الماضي غيّرت كثيرًا في الموسيقى الشعبية الجزائرية، من ناحية الآلات أضافت الطبل والجيتار الكهربائي وألحان جديدة، حتى وإن أعادت تقديم تراث الشيخة الريمتي. انتشر راي الشباب وقتها عالميًا، وظل متربعًا ولا يزال، بينما تنافسه الآن في جزائر بعد الثورة موجة جديدة تنتشر محليًا، وليس في فرنسا.

أفضل طُرق الاحتفال بالمولود في 29 فبراير سماع أغانيه، ويُنصح بعد سماع ومشاهدة الفيديوهات التالية على يوتيوب، التوجه لسبوتيفاي لسماع توليفة أخرى:

Didi

Serbi serbi 

Chebba

Lillah

وفي ختام #سماع نترك هذه الباقة من أغانيه على سبوتيفاي:

 

#دردشة

ضيفنا في #دردشة هاني مهني، وهو مدون مصري، وأب لطفلين، مارس التدوين تحت اسم يحيى مجاهد في الفترة من 2004 إلى 2010. وكان أحد شهود عيان أحدث ما قبل يناير 2011، وحاليًا يهتم بشؤونه الخاصة حسب تعبيره.

تغوص هذه الدردشة في عالم السياسة ما قبل الثورة التي أطاحت، قبل تسع سنوات، بالرئيس الراحل حسني مبارك، كما تكشف عن تفاعل المدونين مع الحراك السياسي وقتها، وتنظيمهم لاعتصام ومظاهرات القضاة، 2006، احتجاجًا على إحالة القاضيين هشام البسطويسي ومحمود مكي إلى لجنة تأديب بعد مطالبتهما بالتحقيق في وقائع تزوير في انتخابات البرلمان أواخر 2005، التي كان يشرف عليها قضاة. حينما نسبوا حراكهم إلى «30 فبراير» أو «اليوم اللي هنضيفه للتقويم لمّا مبارك يمشي»، بحسب ما يقول مهني في دردشته معنا.

لوحة للفنان عمر مصطفى

-تنظيم «30 فبراير»، علل؟

في البداية لازم أسجل تحفظي على استخدام كلمة «تنظيم» وإن كنت فاهم حسن النية هنا. أفضل إننا نتكلم عن «مجموعة 30 فبراير». ودي المجموعة المسؤولة عن الدعوة، وتنظيم أول اعتصام معارض لنظام مبارك داخل ميدان التحرير في مارس 2006. ودي برضو مغالطة تاريخية تانية روّج ليها البعض، بحسن نية:) لكن سبقه اعتصام مارس 2003 [ بالتزامن مع سقوط بغداد].

 في مارس 2006، جت دعوة من دكتور يحيى القزاز، عضو جماعة «9 مارس» لاستقلال الجامعة، ﻷحد مجموعات شباب من أجل التغيير على الإنترنت. بغرض بحث سُبل دعم أعضاء نادي القضاة برئاسة المستشار زكريا عبدالعزيز، في رفضهم إحالة المستشارين هشام البسطويسي ومحمود مكي للجنة الصلاحية تمهيدًا لعزلهما. وده بسبب اتهامهما بالانخراط في العمل السياسي، عقب نشرهما تقرير يوثق وجود خروقات في عملية التصويت بالمرحلتين الثانية والثالثة بالعملية الانتخابية خلال انتخابات البرلمان في 2005. قصتنا إن الشباب قرروا دعم حركة القضاة، بدون التفتيش في نواياهم، لكن كان واضح إن البطش بيهم بسبب إفساد العرس الديمقراطي. الدعم ده خد أشكال كتير زي مثلًا رفع بانرات تطالب باستقلال القضاء عن السلطة التنفيذية. وعمل مناقشات على الإنترنت حوالين قانون السلطة القضائية اللي تبناه النادي، وبعد دعوة دكتور القزاز اتبلور مشروع اعتصام قبل ليلة واحدة من عقد جمعية عمومية طارئة لنادي القضاة كان دعا إليها [المستشار حسام] الغرياني.

فكرة الاعتصام تمّ رفضها سياسيًا من الحركة المصرية من أجل التغيير «كفاية» و«الإخوان المسلمين» وكافة الفاعلين وقتها، هنا ظهر المدونين اللي قرروا تبني فكرة الاعتصام، وكانوا شايفين إن الظرف السياسي ملائم. وإن دي معركة مهمة لإظهار قوة وتأثير الشارع -كنّا سذج لكن كنّا متحمسين وكنّا غير متوقعين- فاكر أن الدعوة اترفعت على مجمع التدوين (مدونة علاء ومنال)، وتمت دعوتي، واجتمعنا أربع أشخاص (أنا ومالك مصطفى وعلاء عبد الفتاح وشرقاوي) وكان خامسنا عمرو عزت بالتلفون. طبعنا الشعارات اللي كنّا رفعناها على مدوناتنا في العلن. وطبعنا صور أعضاء نادي القضاة وقتها بطابعة أبيض واسود وعلى ورق A4، ولصقناها على ورق مقوى. وفجأة خدت بالي أن اللافتات كلها غير موقعة، محدش اتبني الاعتصام، لا «كفاية» ولا حتى «شباب من أجل التغيير». ومكنش لينا الحق إننا نتكلم باسم المدونين. وقعدنا يومها نضحك من فكرة إن ده أول اعتصام لقيط. وفجأة اقترحت عليهم أننا نمضي اليفط كلها بـ «30 فبراير»، ولمّا علاء سألني يعني إيه؟ قُلتله ببساطة إن ده اليوم اللي هنضيفه للتقويم لمّا مبارك يمشي.

تاني يوم كان الخميس نزلنا الميدان كأفراد، وقابلنا صُحابنا، عدينا الطريق ورفعنا اليفط، والعربيات بدأت تضربلنا كلاكسات وتشجعنا، ومكناش متوقعين أن حد هيجي أصلًا، خصوصًا إن الدنيا كانت شتاء. فجأة الناس ظهرت، من كل حته ناس منعرفهاش، مدونين وغيرهم. وبدأوا هما ينظموا نفسهم، خدوا مننا الصور واليفط وبدأوا يرفعوها، وإحنا قعدنا في وسط الميدان مش مصدقين، الأعداد كل شوية بتزيد. والناس بدأت تشرح لبعض يعني إيه «30 فبراير» لدرجة أننا كنا بنوقفهم ونسألهم ويجاوبونا. شوية وقنوات التلفزيون ظهرت. شوية وأعضاء «كفاية» ظهروا و[القيادي الإخواني محمد] البلتاجي وكمال أبوعيطة وعبدالمنعم أبوالفتوح وحمدين [صباحي] وخالد علي وكله اتصور وسجل مع التلفزيون. وبيتنا يومها في الميدان. وكتب يومها عمرو عزت تدوينة غاية في الجمال كان عنوانها «أول دخولنا الجنينة».

بعدها عرفت عن طريق علاء إن والده أبلغه بأن «أمن الدولة» فتح ملفًا باسم «30 فبراير».. وده كان الإفيه الحقيقي.

إحنا كنا بنتعامل مع نظام غبي، بليد، وجاهل. ظباط الأمن وقتها مكنوش يعرفوا يعني إيه إيميل. وفي رأيي إن الناس مش بتتغيّر، لكن الزمن وأدواته هي اللي بتتغيّر.

-كلمنا عن المناقشات وقتها؟ 

في الوقت ده كانت المناقشات كلها في مصر بتنحصر في جزئية: هل كان الحراك السياسي اللي بنشهده حقيقي، ولّا مجرد مناورة سياسية ذكية من النظام للسماح بهامش من الحريات للتنفيس بديلًا عن الانفجار، وبالتالي هل من الأفضل نتبنى موقف إصلاحي لإعادة تصويب النظام من الداخل، ولا موقف ثوري يدعو لإسقاط النظام وإعادة بنائه؟

بشكل آخر: هل الأجدى إسقاط رأس النظام، أم تدعيم الطبقات الاجتماعية الأقل حظًا. وتمكينها بحيث الحراك يبقى اجتماعي أكثر منه سياسي؟ السؤال ده -للأسف- وقتها محدش جاوب عليه، أو خليني أقول إنه مخدش حقه بسبب حالة الصراخ السياسي، وسبب الأسف هنا، أنه في رأيي كان السبب الرئيسي في هزيمة مشروع يناير.

-شايف الممارسات دي إزاي دلوقتي؟

أنا شخصيًا لاقيت متنفسي في حلقة المدونين المصريين.

المدونون مكنوش فصيل متجانس، لم يكونوا تنظيمًا. كانوا مجموعة أفراد أبرز حاجة بتميزها هي عملية البحث عن بدائل للتعبير، للتعليم، للمشاركة. كان عندهم رغبة جارفة للشعور بالتشبيك وبعدم الاغتراب. ده كان صعب جدًا وقتها، خاصة في مجتمع كل السلطات فيه بداية من البيت/ الجامعة/ دور العبادة، وحتى الشارع بيتعاملوا مع الشباب على أنهم فاقدين للأهلية، عبدة شيطان، مدمني مخدرات، مراهقين. وأنهم لازم يكونوا دايمًا تحت المراقبة والتحكم. باختصار: كانوا مجرد متمردين على السلطة الأبوية، وبالتالي سلطة الأمن. كنّا بنحكي عن يومياتنا، تجاربنا، مشاعرنا. كنّا بنكتب ده بلغة عفوية -زي ما بدردش هنا- مَكُناش بندقق في اللغة والصياغة. كنّا بنتشارك اغتربنا وغضبنا.

 فاكر، كمثال، إن أول تعليق جالي من علاء عبدالفتاح كان عن تدوينة عنوانها «مبارك بجنيه» لحظتها كنت بفند مزاعم الحكومة لرفع سعر تذكرة مترو الأنفاق من 75 قرش لجنيه. فاكر كويس أن القرار تم تسويقه كحماية للأميين اللي مبيقدروش يفرقوا بين المرحلة الأولى من المترو واللي كانت بتستلزم تذكرة سعرها 75 قرش والمرحلة التانية اللي كان سعرها جنيه وبالتالي بيدفعوا غرامة عشرة جنيه. كنت بفككّ وبركب الرواية الرسمية وبسخر منها مع إني مكنتش مأذي أوي من القرار. لكن زي ناس كتير وقتها كنت متغاظ من السذاجة اللي بيعاملونا بيها.

 يومها كتب لي [علاء] تعليق وقالي: «انت قريت فوكو؟» فسألته: «فوكو مين يا عم؟»، فساب لي تعليق تاني «فوكو وأقلع البنطلون»، ومعاه لينك لصفحة ميشيل فوكو على ويكيبيديا.

فاكر إني يومها سهرت طول الليل بحاول أترجم الصفحة.

الويكبيديا كانت بالنسبة لي اكتشاف. النهارده أي حد بيحطّ أي كلمة في محرك البحث بيظهر له موقع الويكبيديا بلغته. وعنده قابلية إنه يترجم من أي لغة أجنبية للغته. بالنسبة لينا كانت الموسوعات دي حاجة بنسمع عنها بس عمرنا ما شوفناها. آخرنا كان المعجم الوجيز اللي استلمناه في أولى ثانوي، وعملية البحث فيه كانت لغز حقيقي.

في الفترة دي كان الإنترنت عبارة عن غابة موحشة من الهايبر لينكس أو الارتباطات التشعبية. لينك/ وصلة توديك لصحفة في منتدى أو مدونة أو موقع مبني بـ HTML وكل كليك اكتشاف.

-الماضي انتهى لما إيه اللي حصل؟ 

فاكر مشهد مظاهرة دعت إليها حركة «كفاية» للعاطلين عن العمل (مصر كان فيها نسبة بطالة عالية، والأسوأ كانت البطالة المقنعة… مين صاحب فكرة تعطيل ماكينات المترو وتعيين شخص مسؤول إنه يسمح بعبورك بعد ما يشوف التذكرة؟) «كفاية» بدل ما تخلق برامج لتأهيل العاطلين دول وتمكّنهم من سوق العمل، ببساطة دعتهم للتظاهر تحت دعاوى إنشاء اتحاد للعاطلين في مصر.

المظاهرة دي صادفت إنها كانت أول مظاهرة أشارك فيها تحت مظلة الحركة. كنت لسه حديث التخرج، ودي كانت أول مرة أشوف شعار كفاية أصلا «لا للتجديد.. لا للتوريث» كانت بعد انتخابات الرئاسة أظن يونيو 2005، يومها المظاهرة بدأت في حوالي الساعة 5، واتحركت من باب اللوق لحد ميدان عابدين، وهناك الأمن حاصرها. شُفت يومها محمد الشرقاوي وهو بيتضرب من الأمن، وبتتقطع هدومه. وشوفت الأهالي وهمّا بيحدفوله تيشيرت عشان يلبسه. شوفت كمان وﻷول مرة جورج إسحق وأحمد بهاء شعبان، وهما بيطلبا من المتظاهرين المتحاصرين أنهم يفضّوا المظاهرة علشان اتفاق قيادات الحركة مع الأمن أن المظاهرة تنفض الساعة 7 مساءً. يومها مفهمتش، لكن بعدها استوعبت إن كل اللي كان بيحصل في مصر كان بيتمّ بالتنسيق مع الأمن. يومها كمان خدت قرار إني غير منتمي ﻷي فصيل أو جماعة أو حزب، وأني بعبّر عن نفسي، وأن مينفعش أسمح لحد أنه يستغلني ﻷي سبب. حتى وإن كان السبب ده هو مصلحة عُليا زي ما كان بيتقال وقتها.

-نتكلم عن الزمن، متى يحل يوم 30 فبراير؟

«30 فبراير» فكرة، والفكرة مش بتموت (وده مش اكلاشيه). «30 فبراير» حصل في التاريخ مرات، وحصل في مصر مرتين، وممكن يتكرر. اللي حصل فعلًا إن العمل السياسي في مصر مات. فكرة الحقوقي والناشط والمعارض السياسي انتهت. وانتهت مع اللحظة اللي الناس ظاطت فيها وقالتلك إن «يناير مش ثورة شباب، لكن ثورة في طليعتها الشباب». النهارده مهم نسأل الناس دي: «يا ترى فين الشباب؟ إيه أخبار الطليعة؟».

باختصار «30 فبراير» هيجي تاني لو الناس قدرت تجاوب على السؤال اللي بتتجاهله كل مرة: ليه علاء عبدالفتاح أخطر من وائل غنيم؟ علشان علاء سرق دبابة!؟ ﻷ.. علاء كان عنده مشروع، إنه ينشر البرمجيات مفتوحة المصدر في مصر، وإنه يعلّم الشباب يعني إيه لينُكس، يعني إيه خصوصية، يعني إيه منطق. وفي رأيي ده أهم من أنك تشيل رئيس جمهورية. كل 30 فبراير وأنتم بخير!

 

#سلام

غدًا آخر أيام فبراير، فعامنا الحالي كبيس، لكن بعد هذا العدد، فإن احتمال أن هناك يومًا آخر في فبراير سيظل يداعب خيالنا، هل حقًا يوجد ثلاثين من فبراير؟

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن