«مبارك» الرحيل الأخير
 
 

بالنسبة للرجل الذي سيُعرف كفرعون مصر الحديث، كانت بدايات رئيس مصر الأسبق، حسني مبارك، متواضعة.

ولد محمد حسني مبارك في كفر المصيلحة، إحدى قرى محافظة المنوفية، في الرابع من مايو 1928. وكان والده السيد إبراهيم مبارك يعمل حاجب محكمة وكانت والدته، نعمة، سيدة ريفية تقليدية أمية لا تعمل. وكان لديه أربعة أشقاء: أخ وأخت أكبر، أحمد سامي وسامية، على التوالي، وشقيقان أصغر، فوزي وعصام.

في حين لا يُعرف سوى القليل عن سنوات مبارك الأولى وعلاقته بعائلته، فإن بعض الحوادث- مثل محاولة والدته مقاضاة ابنها عام 1960 لرفضه المساعدة في سداد تكاليف علاجها، أو ما يُشاع عن فرضه حظرًا إعلاميًا على شقيقيه- قد تساعد في رسم صورة أكثر وضوحًا.

بحسب معظم الروايات، كان مبارك طالبًا مجتهدًا. بعد تخرجه من مدرسة «المساعي المشكورة» الثانوية في شبين الكوم بالمنوفية، التحق بالكلية الحربية، حيث حصل على درجة البكالوريوس في العلوم العسكرية وكذلك رتبة ملازم ثانٍ.

تخرج مبارك من «الحربية» في الرابع من فبراير 1949. وعندما أعلنت الكلية الجوية أنها ستقبل المتقدمين من الكلية الحربية، تقدم مبارك، وكان أحد الطلاب الـ 12 المقبولين. أنهي مبارك الدراسة في «الجوية»، التي تستغرق عامين، في عام واحد، وتخرج في 12 مارس 1950 بدرجة البكالوريوس في علوم الطيران. 

درّس مبارك في الكلية الجوية ببلبيس حتى عام 1959، أي بعد عام من زواجه من سوزان ثابت البالغة من العمر 17 عامًا. ثم سافر إلى الاتحاد السوفيتي للمشاركة في سلسلة من البرامج التدريبية التجريبية قبل التحاقه بأكاديمية «فرونزي» العسكرية في عام 1964. 

بعد قضاء فترة في مختلف القواعد الجوية في مصر، تم تعيين مبارك مديرًا للكلية الجوية عام 1967 قبل أن يصبح رئيس أركان القوات الجوية بعد ذلك بعامين. استمر صعوده خلال العقد التالي عندما تم تعيينه قائدًا للقوات الجوية ونائبًا لوزير الحربية في عام 1972.

بدأ مبارك مسيرته السياسية عام 1975 بعدما اختاره الرئيس أنور السادات نائبًا له. وفي السادس من أكتوبر 1981، أصبح رئيسًا لمصر بعد اغتيال السادات على أيدي أعضاء الجماعة الإسلامية.

سيثبت الإسلاميون أنهم يمثلون مشكلة طوال فترة حكم مبارك التي استمرت ثلاثة عقود؛ سواءً كانوا من الجهاديين أو الإصلاحيين.

تجسد الجهاديون بشكل أساسي في تنظيمي الجماعة الإسلامية والجهاد الإسلامي، واللذين ارتكبا معًا العديد من الهجمات الإرهابية التي استهدفت السياح ومسؤولي الدولة والأقباط بشكل أساسي خلال الثمانينيات والتسعينيات.

بشنه حربًا على الإسلاميين، حصل مبارك على دعم مختلف شرائح المجتمع المصري، ونجح بالتالي في تعزيز حكمه. بحلول منتصف التسعينيات، كان جهازه الأمني ​​قد كسَّر عظام هاتين المنظمتين. لكن هذا الانتصار لم يمثل نهاية استثمار مبارك في الظاهرة الإسلامية. على العكس، واصل مبارك مفاقمة المخاوف المحلية والغربية من خلال تغذية النبوءة بأن أي معارضة شاملة لنظامه أو أي ديمقراطية حقيقية قد تتوج باستيلاء إسلامي على السلطة. وفي هذه المعادلة، وقف الإسلاميون الإصلاحيون، أي جماعة الإخوان المسلمين، كعدو يتآمر في نهاية المطاف لاختطاف الدولة وإعادة إنتاج نموذج طالبان الأفغاني على الأرض المصرية.

حصول مبارك على الشرعية من كونه نقيضًا للإخوان المسلمين تطلب أن يكون تنظيم الإخوان حاضرًا على نحو متواصل على الساحة السياسية. هذا الاعتماد المعقد على الإخوان يفسر سبب بقاء المجموعة محظورة، على الرغم من التساهل معها، ومنحها مهلة للانخراط في السياسة التنافسية في عهد الرئيس المخلوع. وفي تلك الأثناء، أغلق مبارك الطريق أمام ظهور أي بديل علماني لنظامه قابل للحياة.

خلال فترات ولايته، سمح مبارك للإخوان بالترشح لنقابات الطلاب ومجالس النقابات المهنية والبرلمان، في حين شنت الشرطة موجات اعتقالات دورية تهدف إلى إضعاف أقدم تنظيم إسلامي في البلاد، لكن دون تفكيكه.

وفي عام 2005، سمح مبارك للإخوان بتحقيق نصر انتخابي غير مسبوق، في خضم ضغوط أمريكية وأوروبية على الأنظمة العربية لإرساء الديمقراطية. فاز مرشحو جماعة الإخوان المسلمين بـ 88 مقعدًا من أصل 444 مقعدًا جرى التنافس عليها، وشكلوا أكبر كتلة معارضة في مجلس الشعب الذي يهيمن عليه الحزب الوطني المنحل. 

هذا الانتصار أكد وجهة النظر التي تبناها مبارك أن أي انفتاح سياسي مهم من شأنه أن يمكّن الإسلاميين فقط. 

بعد انزعاجه من الانتصارات الانتخابية المماثلة للإسلاميين في جميع أنحاء الشرق الأوسط، تضاءل الضغط الغربي، ما أعطى مبارك مرة أخرى مهلة لقمع الإسلاميين. في أواخر عام 2006، ألقت شرطة مبارك القبض على عشرات من كبار قادة الإخوان، من بينهم خيرت الشاطر، وأحالتهم إلى محكمة عسكرية.

كان استخدام مبارك للورقة الإسلامية لتبرير قيام دولة بوليسية قمعية ناجحًا مع مؤيديه الأجانب. عندما تولى الرئاسة، ورث مبارك علاقة وثيقة مع الولايات المتحدة والغرب، وسلام بارد مع إسرائيل. مع وجود عدد قليل من المشكلات البسيطة، بقيت تلك العلاقات كما هي طوال حكمه الذي دام 30 عامًا بفضل الروابط المؤسسية والشخصية والمصالح المتبادلة.

عندما ظهر مبارك في واشنطن، لم يكن أحد يعلم تمامًا ما يمكن توقعه. لكن الرئيس الجديد أثار إعجاب المسؤولين هناك. وصف تقرير عن ظهور مبارك في حفل عشاء فخم في البيت الأبيض مليء بالمشاهير والمسؤولين الكبار، بأنه «غير استعراضي ومتقشف».

قبلها، كانت الولايات المتحدة تخشى أن يمارس مبارك ضغوطًا لتغيير الوضع الراهن في قضايا مثل الاحتلال الإسرائيلي أو العلاقة الوثيقة التي أقامها السادات مع واشنطن، لكنه لم يفعل. على العكس، استفاد من هذه المخاوف لزيادة المساعدات الأمريكية لمصر من 900 مليون دولار إلى 1.3 مليار دولار، لا تزال مستمرة حتى اليوم.

في المقابل، حافظ مبارك على السلام مع إسرائيل، وقامت القاهرة باستضافة العديد من المؤتمرات بين المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين والغربيين.

لم يكن دور مبارك كوسيط هو ما حافظ على شعبيته، فقد عُرف عنه أيضًا أنه أثار إعجاب أفراد المؤسسة السياسية في واشنطن، حيث قيل إنه كان يلعب الاسكواش، وهي رياضته المفضلة، مع أعضاء مجلس الشيوخ ومسؤولي وزارة الخارجية. ربما ساعدته قدرته على المزاح على التمتع بالحظوة، حتى وإن أغضبت بعض سياساته صناع السياسة الأمريكية.

في إحدى الحكايات التي وقعت في كابيتول هيل، مقر الكونجرس الأمريكي، تعود إلى أواخر التسعينيات أو أوائل العقد الأول من القرن العشرين، كان مبارك يجتمع مع زعماء الكونجرس الجمهوريين والديمقراطيين. اغتنم أحد أعضاء الكونجرس الفرصة لتوبيخ الرئيس المصري بسبب مجموعة من سياساته. عندما انتهى عضو الكونجرس، ساد صمت، ثم قال مبارك، «وماذا أيضًا يا عضو الكونغرس؟ معاداة السامية؟!»، ما نزع فتيل التوتر في القاعة.

تسلط برقية أرسلتها السفارة الأمريكية في القاهرة إلى واشنطن عام 2009، قبل زيارة مبارك للولايات المتحدة، الضوء على كيفية رؤية الحلفاء المصريين للفرعون المصري. جرى تصويره على أنه عنيد وقديم الطراز، ولكنه يتمتع بالكفاءة بوجه عام، وقبل كل شيء وطني. وبعد العلاقة المتوترة مع إدارة بوش، كان مبارك متحمسًا لاستعادة العلاقات مع حليفه التقليدي، وفقًا لما جاء في البرقية التي نشرها موقع «ويكيليكس». 

خلال الأيام الأخيرة لمبارك في السلطة، كان بإمكان المسؤولين في واشنطن معرفة اتجاه الرياح. في 25 يناير 2011، قالت هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية وقتها، إنها تعتقد أن نظام مبارك «مستقر». وبعد ستة أيام فقط، أرسلت واشنطن سفيرها السابق إلى مصر، فرانك ويسنر، للقاء الرئيس المحاصر. وهناك إفادة بأن ويسنر أخبر مبارك  أنه «لن يكون رئيسًا في المستقبل». بعد يوم، التقى السفير الأمريكي حينها بالناشط المعارض محمد البرادعي لمناقشة «الانتقال المنظم في مصر».

كان أحد الدوافع لثورة 25 يناير التي أسقطت مبارك، نظامه الاقتصادي الذي أسهم في إثراء زمرة من الرجال، من بينهم الرئيس ونجليه وأصدقائهم، في حين أن الجماهير الشعبية غير المرتبطة بهم أصبحت أكثر فقرًا. كان الفساد متوطنًا، ووفرت الثغرات القانونية غطاءً له.

ورث مبارك نظامًا اقتصاديًا بدأه سلفه أنور السادات للتحول من رأسمالية الدولة، التي دشنها جمال عبدالناصر منذ الستينيات، إلى النموذج الليبرالي. واصل مبارك هذا النهج، وفي نهاية المطاف سيطرت الشركات الخاصة على النمو الاقتصادي. ارتفعت مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي من 30% عام 1991 إلى 80% عام 2006، بحسب يوسف بطرس غالي، آخر وزير مالية مبارك، والذي أدين في تهم فساد مختلفة غيابيًا بعد ثورة يناير.

على الرغم من تبني السياسات الاقتصادية الليبرالية الغربية (أو بالأحرى الأمريكية) بشكل كامل، إلا أن هذا التوجه لم يكن سمة لحكم مبارك منذ بدايته، لكنه اضطر إلى تبنيها بسبب ضعف الوضع المالي لمصر بحلول نهاية الثمانينيات، بعد انخفاض أسعار النفط وانخفاض تحويلات العمال المصريين في دول الخليج. منذ عام 1986، وقّع مبارك اتفاقات القروض التي أتاحت للمؤسسات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، لتحقيق التبعية والتأثير على الإصلاحات والسياسات الاقتصادية لسنوات قادمة. وكان التحرر الاقتصادي والخصخصة أهم مكونات وصفاتهم.

جاءت نقطة الانهيار عام 2005، بتعيين حكومة تكنوقراط. وكان المستفيدون من نموذج النمو الليبرالي المتوحش هم القريبون من السلطة. وازداد تركيز الثروة لدى أصحاب الحظوة، وبدأ الناس يشككون في نزاهة العملية، التي ترتبط فيها الصفقات التجارية بالصلات السياسية. أخفق مبارك في تطوير اقتصاد السوق الحر الحقيقي، الذي يتطلب عدم التدخل السياسي، ما يعني أنه أخفق كذلك في خلق نمو عادل يوفر فرص عمل لأعداد الشباب المتزايدة بسرعة.

واجه مبارك معارضة متزايدة خلال العقد الأول من الألفية، خصوصًا فيما يتعلق بالتعذيب، وعدم المساواة الاقتصادية، وخطة توريث الحكم لنجله جمال. وفي 25 يناير 2011، وصلت المعارضة إلى ذروتها بمظاهرات كاسحة تحولت إلى ثورة أطاحت به من الحكم في 11 فبراير 2011.

بعد الثورة، قُدم مبارك للمحاكمة في ثلاث قضايا: بيع أراضي الدولة بأقل من أسعار السوق لرجل الأعمال حسين سالم مقابل فيلات في شرم الشيخ للرئيس ونجليه علاء وجمال؛ وصفقة بيع الغاز الطبيعي لإسرائيل بسعر أقل من السوق، وفساد القصور الرئاسية.

احتُجز مبارك في أبريل 2011، حيث بدأت التحقيقات في العديد من التهم الموجهة إليه. في البداية، حُددت إقامة مبارك في مستشفى شرم الشيخ الدولي، ثم نُقل إلى المركز الطبي العالمي على طريق القاهرة-الإسماعيلية التابع للقوات المسلحة، ثم نُقل من جديد إلى مستشفى سجن طرة جنوب القاهرة، قبل أن يستقر في مستشفى المعادي العسكري. خلال فترة حكم محمد مرسي القصيرة عام 2012، أُعيد مبارك إلى مستشفى سجن طرة، لكن بعد الإطاحة بمرسي هو الآخر عام 2013، عاد مبارك لفترة وجيزة إلى مستشفى المعادي العسكري، قبل أن يُطلق سراحه رسميًا من الحجز يوم 24 مارس 2017، ليعود للعيش في الفيلا الخاصة به بمصر الجديدة.

في مايو 2015 ، تلقى الرئيس المخلوع وأبنائه جمال وعلاء أحكامًا بالسجن لمدة ثلاث وأربع سنوات بتهمة اختلاس أموال من الموازنة العامة أنفقها على القصور الرئاسية. وفي عام 2017، تمت تبرئته في قضية بيع الغاز الطبيعي إلى إسرائيل بسعر أقل من السوق.

وفي مارس 2017، تمت تبرئة مبارك من تهم قتل المتظاهرين خلال ثورة 2011 التي أدت إلى الإطاحة به من السلطة. ذكرت السلطات القضائية حينها أن مبارك كان قد قضى ثلاثة سنوات بالفعل في الاحتجاز، وهو ما يعادل العقوبة التي تلقاها في قضية قصور الرئاسة.

كان الظهور الإعلامي الأخير لمبارك في مايو 2019، في حوار نشرته جريدة الأنباء الكويتية، أجراه مع الصحفية الكويتية فجر السعيد، وكان أهم ما تناوله هذا الحوار، علاقة مصر بالدول العربية، خاصة غزو العراق للكويت سنة 1990، والعلاقات بين مصر وإسرائيل، والقضية الفلسطينية، وصفقة القرن، وطرح نتنياهو عليه، حسب قوله إعطاء جزء من الشريط الحدودي في سيناء إلى فلسطينيي غزة، ورفضه لهذا. تحدث مبارك أيضًا عن التأثير الإيراني والروسي والأمريكي على المنطقة العربية، ونشر الحوار بعض ذكرياته عن حرب أكتوبر، لكن لم يتضمن الحوار أي إشارة للوضع الاقتصادي والسياسي في مصر. كانت صفحة  «أنا آسف يا ريس» على فيسبوك قد نشرت تسريبًا منسوبًا إلى مبارك في مارس 2018، جاء فيه، «الثورة ابتدت، الأمريكان اشتغلوا فيها من 2005، وأنا كنت حاسس… »، مدعيًا أن ذلك كان نتيجة عدم تعاونه معهم، مضيفًا أنه أخبرهم في ديسمبر 2010، أنه سيسلم الحكم في 2011، وأن التوريث كان إشاعة أطلقها الأمريكان، «قلت لهم نظامنا جمهوري، مفيش فايدة، البتاعة الإعلامية أقوى مننا.. أنا هاودي ابني يمسك البلد، دي عايزة واحد من القوات المسلحة وله علاقة بيهم».

وبوفاة مبارك، ينتهي التراث السياسي للعائلة التي شغلت مصر طوال عقود، وذلك بعد حرمان نجليه علاء وجمال من المشاركة في الحياة السياسية بعد إدانتهما مع أبيهما في قضية قصور الرئاسة.

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن