ديتوكس| حطّ منطَق
 
 

#جو عام

«نانا ضووي» هكذا تنطق صباح الخير باللغة القبطية، وبها نبدأ الكلام بمناسبة اليوم العالمي للغة الأم. 

فكرنا، ونحن نعدّ لهذا الديتوكس، في اللغة الأم للناس حينما بنى البشر مدينة، ثم أسسوا برجًا أرادوا به أن يصلوا إلى السماء، ويخبرنا الكتاب المقدس بأن الناس كانوا يتحدثون لغة واحدة، «كانت الأرض كلها لسانًا واحدًا ولغة واحدة»، ثم تعددت الألسنة وعرفت «بابل» من عدم الفهم. لكن ماذا كانت هذه اللغة التي كانت تجمع البشر؟ تلك اللغة التي جعلت الناس جميعًا أخوة بلا أغراب أو عدم فهم أو لبس أو لغة أم. ربما يمكن تسميتها لغة الفطرة، والتي يصعب تخيلها.

لوحة برج بابل لبيتر بروجل

وردت الحكاية أيضًا في الأساطير السومرية ومصادر أخرى، لكنها لا تخبرنا بأجرومية أو صوتيات هذه اللغة، هل كُتبت؟ هل حوت آدابًا وتشريعات؟ أين نصوصها، بل ما شكل أحرفها، هل تخفت داخل لغة حية أو أكثر من لغة؟ سيظل الكثير عن اللغة الأم لكل اللسانيات افتراضيًا ومحفزًا للخيال. وهو ما فعله الرسام الهولندي بيتر بروجل في لوحته الشهيرة راسمًا البرج الذي لامس السماء.

الأمر يشبه تذكر أول كلمة نطقها أي منّا، لكن مع اختلاف أننا نحاول معرفة أول كلمات نطقها أوائل البشر، وهو أمر وقوده الخيال وليس التذكر. خلال بحثنا حول فكرة اللغة الأم، فكرنا أيضًا كيف جرى تجسيد «اللغة» فنيًا، هل نبرز جماليات الخط العربي مثلًا؟ أم نعود لأفلام ارتبطت بفكرة اللغة والنطق وتعلم الكلام، مثل تتبع سيرة أستاذ حمام (نجيب الريحاني) مدرس اللغة العربية في فيلم «غزل البنات» وهو يعلم ليلى (ليلى مراد) النحو والكلام، فترد عليه هي هكذا:

ومن «الضاحك الباكي» ننتقل إلى أسلوب فؤاد المهندس التعليمي في مسرحية «سيدتي الجميلة» 1969 (جورج برنارد شو/ سمير خفاجي، إخراج حسن عبد السلام)، والذي كرره بشكل أكثر نضجًا وإضحاكًا بعد عشر سنوات في مسرحية «إنها حقًا عائلة محترمة» (أيمن بهجت قمر وسمير خفاجي، وإخراج سمير العصفوري)، حينما كان ينصح بشكل أبوي قائلًا: «اكتبوها يمكن تنفعكم».

في فيلم من إنتاج 2016 للمخرج دينيس فيلينوف وهو «الوصول» ARRIVAL، الذي يصور مستوىً آخر من التعبير عن لغة، فبدلًا من الصوت نجد التواصل اللغوي مجسدًا في شكل رسوم تُرسم في الهواء، أحبار يشكلها الفضائيون في الجو ليقدموا رسائلهم للأرضيين.

سبق ذلك أيضًا، فيلم «بابل» للمخرج اليخاندرو غونزاليز إيناريتو (2006)، المستمد من الحكاية التوراتية عن برج بابل واللغة وتعدد الألسنة، وهو ما يذكرنا برواية «بابل مفتاح العالم» لنائل الطوخي، حتى يتضح سر هذا الرابط الغريب بين فيلم عالمي ورواية مصرية رجاء التوجه إلى قسم #قراءة، حيث توجد مقدمة هذه الرواية.

في خضم الكلام عن وسيط قديم ودائم التطور والتعبير مثل اللغة نحيي صوتًا معبّرًا يتمثل في غناء وألحان نينا سيمون التي تحل ذكرى ميلادها اليوم [تجدون اختياراتنا من أغانيها في #سماع] وفي سكة التعبير أيضًا، نستعيد مسيرة استثنائية للراحلة تحية كاريوكا التي تحل ذكرى ميلادها غدًا. [فضلنا تقديم روابط مشاهدة مسرحيات كاريوكا في #مشاهدة].. ما تيجوا نشوف.

#قراءة 

-اليوم هو «اليوم العالمي للغة الأم»، يذكرنا ذلك ببعض من لغات مصريين يعيشون معنا ضمن سلطة العربية سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا ودينيًا، ومن هذه اللغات القبطية والأمازيغية (أهل واحة سيوة)، والنوبية المنتشرة بلهجتيها «الكنزية» أو «الكنوز»، و«الفديجا».

– ومن اللغة الأم كمفهوم إثني واجتماعي وسياسي، ننتقل إلى اللغة الأم في الأدب، هكذا نحاول إبراز نماذج للكتابة عبر لغة أخرى بخلاف اللغة الأم، فلدينا فرانز كافكا (1883-1924)، التشيكي الذي كان يكتب بالألمانية الذي أودع تركته الأدبية موصيًا بالتخلص منها، فنُشرت بعد موته بالألمانية وترجمت إلى عدة لغات، وهناك تشيكي آخر وهو ميلان كونديرا (1929) الكاتب بالفرنسية، نرشح للقراءة آخر ما كتب رواية «حفلة التفاهة».

أمين معلوف

عربيًا لدينا من المصريين ألبير قصيري (1913-2008)، وجويس منصور (1928-1986)، جورج حنين (1914-1973) الثلاثة كانوا يكتبون بالفرنسية، ونرشح للقراءة «افتح أبواب الليل» لمنصور، ومختارات من أعمال حنين، كلا الكتابين من ترجمة بشير السباعي. بالفرنسية أيضًا كتب اللبناني أمين معلوف (1949)، والذي صار عضوًا بالأكاديمية الفرنسية، نرشح للقراة «سمرقند». [هنا يتحدث عن «غرق الحضارات»].

أهداف سويف

كما تكتب المصرية أهداف سويف أدبها بالإنجليزية، نشر لها بالعربية رواية «خارطة الحب» ترجمة فاطمة موسى، و«زينة الحياة» (قصص)، و«في مواجهة المدافع: رحلة فلسطينية» (مقالات).

ومن الإنجليزية، ترجم وائل عشري إلى العربية لوجيه غالي «الورود حقيقية وقصص أخرى»، فضلًا عن تحريره وترجمة رسائل الكاتب نفسه، والكتابين صدرا عن «المحروسة» مؤخرًا.

وللقراءة أيضًا، نرشح ترجمة رواية الليبي هشام مطر «في بلد الرجال». ومن الكتب نرشح للقراءة قصة صحفية حول كُتّاب عرب يكتبون بالإنجليزية، نشرها موقع «حبر».

-في مقدمة روايته «بابل مفتاح العالم»، كتب نائل الطوخي: «تزامن اختياري لعنوان الرواية، بعد انتهائي من الكتابة والبدء في مرحلة المراجعة، مع قراءتي أخبار متناثرة عن فيلم بعنوان (بابل) للمخرج المكسيكي إليخاندرو جونزاليس وبطولة براد بيت. لا يهم، هكذا قلت، لن ينتبه أحد، غير أن الفيلم بدأ يحصد المزيد والمزيد من الشهرة والجوائز، أصبح أكثر شهرة من ألا يتم التعليق، خاصة والتيمة البابلية، وليس فقط العنوان، هي نفسها في كل من الرواية والعمل. كمن الاختلاف في كيفية اللعب عليها. برغم هذا، أعتقد أن كلينا، أنا والمخرج، قد خرج فائزًا من تسابق العنوانين، كان المخرج وفيلمه أكثر شهرة من أن أتهمهما بكونهما سطيا على عنوان عملي، وكنت أنا أقل شهرة من ان يعرف بوجودي المخرج الهوليودي ليلاحقني. لهذا كله، ولروعة القصة التوراتية المشار إليها، قررت في النهاية أني غير مستعد لتغيير عنوان الرواية».

للمزيد اضغط هنا.

أحمد وائل: 

ضالٌ

ربما يكون السبب الوحيد للكتابة بالعربية، عدم تخيّلي قدرتي على الكتابة بلغة أخرى. تربّيت على قدسية هذه اللغة (تخفت هذه القدسية مع التقدم في العُمر)، ثم تعرّفتُ من خلالها على العالم والآداب خاصة المترجمة إليها. ثم اكتشفتُ متعًا مرتبطة باللغة مشاهدًا وسامعًا وقارئًا. بدأتُ أعرف التعبير من خلالها. لكن لماذا لا أكتب بالعامية مثلًا؟

لا أجد إجابة إلا أنها شفاهية أكثر من كونها مكتوبة، تفتقد إلى أجرومية، أو ببساطة قواعد تخص طُرق كتابتها. تمنع اختلافنا حول المعنى أو توهانه. كما أنها لا تعبّر عن الكل، بل أن ما يسود من اللهجات العامية هي القاهرية حصرًا، والتي تُوزن على معايير سُكّان العاصمة، وهم شتى قدموا من مدن وقرى مصر كافة، لكن الميديا تتبنى نطقًا واحدًا، وتلفظ ما سواه بوصفه بحريًا أو فلاحيًا أو صعيديًا، أو متأثرًا بالنوبي وليس نوبيًا، يُستبعد الأمازيغي لقلة ناطقيه.

اُعتمدت العامية في الصحافة المصرية لنقل خطب جمال عبدالناصر، يُحتمل أن ذلك سببه السلطة أو الخوف، فلا أحد يمكنه تحرير كلام ناصر، هل يجرؤ أحد على تعريب الزعيم العروبي؟

قراءة أول رواية تكتب بالعامية وهي «قنطرة الذي كفر» لمصطفى مشرفة تتطلب إلمامًا بعامية الستينيات القاهرية. لكن هذه التجربة ستظل بدائرة الشك في الأدب العربي؛ وذلك رغم أن العامية أقرب للكاتب، فهي المادة الخام لتعبيره، سواء كان الكاتب المقصود مشرفة أو من حاذى حذوه. مقابل ذلك، تمكن الشِعر من التعبير بالعامية، منذ بدأ مرتبطًا بالزجل الشفهي المقدم في فنون الحكي القديمة أو الأغاني ثم الدواوين المطبوعة. لكن عامية الكتابة هذه تسعى لأن تكون مقاربة للعامية المكتوبة وفقًا لنطق العاصمة، وإن أدعت غير ذلك.

أفكر أننا قديمًا كنّا مزدوجي اللغة، قبطية وعربية.

بعد حروب العرب مع الرومان للفوز بمصر، سيطرت العربية بوصفها لغة الدولة الرسمية، وبقيت القبطية لغة الناس لسنوات، حتى كَتَبَ ساويرس بن المقفع، في القرن العاشر، كتابه الهام عن تاريخ الآباء البطاركة بالعربية، ثم تُرجم الكتاب المقدس إليها. قلّ ناطقو القبطية، لكن استمر حضورها في الكنيسة، وكذلك لا تزال تُدرّس، وبعض كلماتها لا تزال متداولة على ألسنتنا، نقول «أوطة»، وهي قبطية، لوصف الطماطم، أو «حات» لوصف بائع اللحم المشوي أي الـ«حاتي»، أو «سو» للتعبير عن السيء، أو «مش» للنفي. [للمزيد عن مرادفات قبطية لا تزال متداولة على ألسنتنا يمكن مشاهدة «لسان الأقباط» أو «أنت تتحدث اللغة الفرعونية»].

لكن رغم أننا صرنا أحادييّ اللغة، فهل العربية لغتنا؟

في كتابه «من شرفة ابن رشد»، يحكي اللغوي والناقد المغربي عبدالفتاح كيليطو عن حلم يجسد القاضي والفيلسوف أبي الوليد محمد بن رشد والذي كان يقول -في الحلم- عن العربية إنها «لغتنا الأعجمية».

عبد الفتاح كيليطو

الحلم ورد في منام كيليطو خلال دراسته للمعجم اللغوي «لسان العرب» الذي أعده ابن منظور، والأخير كان يعاتب العرب في زمانه على هجرهم لغتهم وتحدثهم بلغات أعجمية.. هل حقًا العربية صارت لغتنا الأعجمية؟

تعني كلمة عجم «خلاف العرب». والعربي هو مَن يتحدث العربية، أو الشخص الذي ينتمي لبلاد يسكنها العرب في مقابل بلاد يسكنها عجم وهي تسمية كانت مقبولة قديمًا بلا مخاوف من تمييز مرذول. حينما كان العالم يمكن تقسيمه لغويًا كذلك.

بناءً على ما سبق، فإن حلم كيليطو يفترض وجود شك يشوب اتصالنا باللغة.

بالفعل، نحن نحزق حتى نعبّر عن أنفسنا بالعربية، يفلت المعنى منّا، ونصوبه، نجرب ونغيّر ثم نعيد الكتابة سيرتها الأولى. ثم نعاود مجددًا تعبيرًا فتعديلًا، طلبًا لتقديم أنفسنا عبر اللغة. يُحتمل أن يكون التعبير عن الذات نفسه موضوعًا صعبًا. لكن المعافرة الذاتية تحتمل ألا تصل بنا لشيء، فرغم أن علاقة الواحد باللغة ذاتية، لكنها تواصل يهدف لربط الفرد بجماعة.

مثلًا حينما تعمل منصة بالإنتاج اللّغوي تلجأ عادة لوضع قواعد تخص الكلام الذي تستخدمه بديلًا عن كلام آخر، ليس بمنطق قل ولا تقل تمييزًا للصواب عن الخطأ، أو بمنطق سلطوي، وإنما لأن هذه المنصة تنحاز لدلالة ما، أو تسعى لفرض مواقف محددة من خلال تفاعلنا مع اللغة وهو ما يتجلى في الانحياز لكلمات نحو «مثلي»/ «مثلية»، و«عابر/عابرة جنسيًا»، أو «كوير».

أفكر في مكتب «مدى مصر» ككيان منسوب إلى اللغة الذي يضمّ مجموعة من المهتمات والمهتمين باللغة، هو ليس مؤسسة لغوية بالتأكيد، لكن هناك انشغال بها، أو تحرك للتعبير بين لغتين على الأقل. في لحظات محددة تشعر أنك في بابل بعد انفراط الألسنة؛ الزملاء في المكتب يتحركون بمرونة بين أكثر من لغة. ما يجمعنا سويًا هو تلاقي رؤانا وخبراتنا في التعبير عبر اللغة، نناقش أفكارًا متباينة وثورية ونحن نتحرك وسط هذا الكيان اللّغوي الغنّي، المتجسد في أشخاص وما يطرحونه من أفكار  تتجسد في نصوص تقدّم عبر هذا الموقع المحجوب.

في الفن والكتابة والتواصل، يرتبط استخدام اللغة -في النهاية- بوصول المعنى، الذي يحتمل أن يصل بشكل فعّال أو مشوه. وهو ما ينقلنا إلى التوهان؛ قديمًا كان على الميت أن يحفظ اسمه جيدًا حتى لا يتوه في الحياة الأخرى لذا كتبت الأسماء على جدران المقابر الفرعونية، وبالمثل إذا اخترنا الكلام الخطأ فإن المعنى سيتوه، فنحتار أمام اللغة ونشعر بأنها لا تطاوعنا، فنصمت أو نحاول من جديد أن نجد أنفسنا فيها، ربما يُقال أن هناك لغة أم، لكن المؤكد أن الكاتب هو ابنها الضال الذي يستمتع بذلك.

-ومن ابن اللغة «الضال» ننتقل إلى عيد ميلاد مؤسس «نادي القتال» تشاك بولانيك (1962). يمكن وصف الكاتب الأمريكي هكذا: «روائيّ مغاير، روائي «فانكي»، تطلع من كتاباته رائحة المجاري التي تقضي على أمعاء المتلقّي، وكلّما غلبت الراحة وخنقت، كلّما شعر الكاتب بالرضا والسعادة، لأنّه يدرك أنّه بهذه الرائحة يعيدُ ترميم المدمّر، ويصلح الذكورة المهشّمة والمخصية التي يُشفق عليها، والتي تقبع تحت احتلال النظام الاجتماعيّ الأوحد حيث الجميع بلا خصيّ»، بحسب ما ورد في مقال ريم غنايم في «رمان الثقافية».

نُقل لبولانيك روايتين أولهما، والأكثر شهرة، «نادي القتال» التي ترجمها الراحل أحمد خالد توفيق، أما الثانية فهي «الناجي» بترجمة هشام فهمي.

-ومن عيد ميلاد «تشاك» الـ 58 ننتقل إلى ذكرى محمود شكوكو (1912-1985) ونستعيد سيرته عبر حكاية تغيير اسم «عنتر ولبلب»، الذي كان اسمه في النسخة الأصلية «شمشونًا» وبُدل مراعاة لمشاعر يهود مصر.

-كما نستعيد اليوم ذكرى ميلاد أبرز مغنية وملحنة جاز أمريكية نينا سيمون (1933-2003)، يمكن قراءة حوار معها أجرته آليسون بويل عام 1997، وترجمته سماح جعفر، ونشرته «معازف». كما نشرت المجلة نفسها عن سيمون «باخ رغم أنف الناس البيض»، وهناك أيضًا مقال أمل هازل في «منشور». [في #سماع تجدون قائمة تضم أبرز أغاني سيمون].

#مشاهدة 

youth without youth

(2007، فرانسيس فورد كوبولا)، يرشحه أحمد وائل:

يقرر دومينيك ماتيه (توم روث) التوقف عن كتابة ملاحظاته بالإنجليزية، مُعلنًا عن ابتكاره لغة جديدة للتدوين.

يعرض لنا الفيلم حروفًا متشابكة. تبدو كلمات مخطوطات ماتيه غير إنجليزية، بحسب اللقطات المقربة، لكن الأحرف تشبه أبجدية اللغة المتروكة، لا نتبيّن الكثير عن سر هذه اللغة المبتكرة لأن فرانسيس فورد كوبولا مشغول بسرد رحلة بطله، أكثر من التبشير بهذه اللغة المبتكرة.

الفيلم مستوحى من رواية الروماني ميرتشيا إلياده، وهو إجمالًا يستحق المشاهدة إذا لم تحظ بمتعة رؤيته، ويستحق الاستعادة خاصة أنه صدر قبل نحو 13 عامًا، وفيه حاول المخرج تقديم روح بصرية مختلفة، بأن يخبرنا الكثير بالعين، وليس عبر سماع الراوي الذي يبدو أقرب لشخص مندهش يكتشف التحوّل الذي غيّر جسده وذهنه. ماتيه لا يعلم ما ستُفضي به هذه الأحداث الغريبة، فهو يبدو كمتفرج متشكك.

يمكن تلخيص رحلة بحث هذه الشخصية في عبارة من التراث نحو «عودة الشيخ إلى صباه»، فنحن نشاهد في بداية الفيلم تحوّل الأستاذ الجامعي الهِرم المختص في اللغويات لشاب بعدما صعقه البرق. هناك ذكريات مؤلمة، تلك التي تحضر مثل شذرات نثرية/ فيلمية في منامات ماتيه الشيخ السبعيني الذي يستعيد حبه ودراسته الجامعية. لكن نرى إلمامه باللغات منذ شبابه الأول، وليس ذلك المُستعاد، بل أن طموحه يتحوّل إلى ممارسة في الشباب المستعاد/ الثاني، فيتعلم اللغات ويتقنها.

أين أضع الوردة الثالثة؟

تتقاطع هذه الرحلة مع تعلّم الصينية والسنسكريتية وغيرهما، كما تشمل الرحلة تجدّد الجسد، والارتداد للشباب بعد الشيخوخة، وجحيم أوروبا في زمن النازية والحرب التي غرق فيها العالم، وفترة ما بعد هذه الحرب. كما تشمل الرحلة أيضًا الحب واللوذ بالرفقة بدلًا من الوحدة. الأحداث متداخلة ومتشابكة إلى حد كبير، لكنها كلها تصب في نأي البطل بنفسه أن يكون موضوعًا للدراسة، أن يكون أحد أبحاث الشيخوخة، بل يفضّل أن يكون باحثًا يعمل على كتابه، ويستمر في تدوين ملاحظاته، رافضًا أن يكون مقيدًا باختبارات ورعاية طبيب سواء كان ذلك بالجبر في ظل سيطرة النازي أو بعرض مغرٍ من أمريكا، قدمته شخصية عابرة (مات ديمون).

خلال هذه الرحلة، يتقاطع طريق ماتيه مع ضحية صعقها البرق أيضًا فتحوّلت لإنسان خارق.

دومينيك يجد فيرونيكا (إليكساندرا ماريا لارا) في كهف في جبال الألب السويسرية تتحدث السنسكريتية. نتتبع رحلة الثنائي التي تتخذ شكلًا جديدًا، نشاهد علاقة قوامها اكتشاف التاريخ واللغات المهجورة في عالم درامي لم يسبق لنا إدراكه حول اللغة والتعبير عن الذات.

في واحدة من نوبات استغراقها في ذاتها تتحدث فيرونيكا بلغة لا يعرفها دومينيك ثم يتضح أنها من اللغات المصرية القديمة.

 قبل تجلي فيرونكا، كنّا نلمح شبيهًا لماتيه، أو ماتيه آخر كأحد هلاوس صدمة البرق رغم محاولات المخرج البصرية بأن يقنعنا بوجود نسخة أخرى أو قرين. يتحدث الشبيهان في مشاهد مفردة حول الفلسفة والدين وغيرهما من الأمور. يشكك ماتيه في وجود آخر خارج عقله، فيبادر هذا القرين بتقديم وردة له واضعًا إياها في راحة اليد، ثم يطلب منه وردة أخرى محددًا موضعها على الركبة، هكذا يتأكد ماتيه من وجود القرين الذي يظل يهمس مُتساءلًا الوردة الثالثة، أين يضعها؟

-خلال هذا الويك إند أيضًا، تحل السبت، ذكرى ميلاد تحية كاريوكا (1915-1999). 

نحيي ذكراها بتوجيه «تحية إلى تحية»، كما كتب إدوار سعيد مستعيدًا زمن رقصها، وهو ما يذكرنا بروايتها عن بدايات مشروعها في التمثيل بـ «لعبة الست»، حينما قال لها نجيب الريحاني إن الجمهور سينسى أنها كانت راقصة سابقًا، لكن يبدو أن المفكر الفلسطيني لم ينس ذلك.

هنا نرشح للمشاهدة ما يكشف جوانب من حياة كاريوكا الفنية:

لقاء مع تحية في برنامج «ستوديو 85»:

مسرحية «البغل في الأبريق» تأليف وإخراج فايز حلاوة (إنتاج 1967)، [يمكن المشاهدة عبر هذا الرابط]:

مسرحية «روبابيكيا» (1967)، تأليف وإخراج فايز حلاوة. [يمكن المشاهدة عبر هذا الرابط]:

مسرحية «كل الرجالة كده» (1964)، تأليف أبو السعود الإبياري، وإخراج السيد بدير. [يمكن المشاهدة عبر هذا الرابط]:

#سماع 

نينا سيمون

في يومنا هذا وُلدت -قبل 87 عامًا- نينا سيمون (1933-2003) أبرز مغنية ومؤلفة موسيقى جاز أمريكية. نركز هنا على الموسيقى الشجية والذكية في آن، التي لا تحظى بالحفاوة التي تستحقها:

Love me or leave me

Sinnerman

Feelings

My man’s gone now

You don’t know what love is

My way  [إعادة غناء]

Ain’t Got No, I Got Life

Do I Move You 

#سلام

وفي الختام نودعكم بالنوبي: «ماسكجنا»

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن