ما فعلته المدارس للوقاية من «كورونا»
 
 
صورة: Virginie Nguyen
 

«يعني أنا بدفع مصروفات قد كده، عشان في الآخر أنا اللي أجيب الكلام ده، خلصنا من السبلايز في التيرم الأول طلعت لنا الكورونا في الترم التاني»، بصوت غاضب مسموع تلفظت سيدة أربعينية بهذه الكلمات محدثة نفسها متناولة بيد زجاجة مطهر وباليد الأخرى كيس مناديل مبللة في أحد المحال التجارية. حين لاحظت أن صوتها بات مسموعًا من نظرات المحيطين بها أنهت رحلتها في قسم المنظفات مدمدمة بسيل من كلمات غاضبة غير مفهومة.

المشهد يلخص الأعباء التي قررت بعض المدارس الخاصة إلقائها على عاتق أولياء أمور الطلبة تنفيذًا لتعليمات وزارة التربية والتعليم بشأن الاهتمام بالنظافة كأحد آليات الوقاية من الأمراض المعدية وعلى رأسها فيروس «كورونا» مع بدء الفصل الدراسي الثاني لهذا العام.

كانت وزارة التربية والتعليم قد أصدرت تعليمات لتفعيل الإجراءات الوقائية لمواجهة الأمراض المعدية في كل المنشآت التعليمية مع بداية الفصل الدراسي الثاني من العام الدراسي الحالي 2019-2020، والذي بدأ السبت الماضي. وأكدت التعليمات الواردة للمديريات من وزارة التربية والتعليم على ضرورة تنفيذ إجراءات النظافة العامة داخل المنشآت التعليمية، والإشراف على إجراءات مكافحة العدوى داخل المدارس والتأكد من وجود مياه جارية وصابون في دورات المياه بالمنشآت التعليمية، والتهوية الجيدة للفصول والاهتمام بنظافتها.

تعليمات الوزارة للوقاية من الأمراض المعدية في مجملها جيدة، إلى أن نعرف كيف تمّ تنفيذ هذه الإجراءات من قِبل المدارس في الأسبوع الأول للدراسة في النصف الثاني للسنة الدراسية، وعما إذا كان تمّ تنفيذها من عدمه. قام «مدى مصر»، باستطلاع آراء عينة عشوائية من أولياء الأمور في مدارس مختلفة بأكثر من محافظة لرصد الإجراءات الوقائية التي اُتخذت ضد الأمراض المعدية في المدارس التي يذهب إليها أبنائهم، واختلفت إجراءات ودرجات الوقاية بحسب نوع تصنيف المدرسة (حكومية، خاصة أو دولية).

كانت الصين قد اكتشفت أول إصابة بـ«كورونا» في نهاية ديسمبر 2019، والذي تسبب في إصابة نحو 44200 شخص داخل الصين، ووفاة نحو 1110 صيني، وانتقل إلى 25 دولة على الأقل.

مفيش ميزانية.. مفيش وقاية

لم يكن للمدارس الحكومية نصيب يذكر من الإجراءات الوقائية المفترض اتباعها لحماية الأطفال أو على الأقل تقليل مخاطر الإصابة بالعدوى.

قالت مها علي، أم لثلاثة أطفال بأحد المدارس الحكومية بمحافظة الجيزة: «ولا أي حاجة خالص عملتها المدرسة، رُحت أول يوم وصلت ابني الصغير للفصل لإنه كان رافض يرجع المدرسة وبعد ما طمنته وهديته وسكت، دخلت الحمام بتاع المدرسة ملقتش فيه صابونة حتى». أكدت مها أنه «لم يطلب منّا أي مسؤول بالمدرسة أي أدوات نظافة ولا منظفات، كل ما طُلب من الأولاد في الفصول أن اللي عنده برد ميجيش المدرسة».

وهو ما تشابه مع ما قالته آلاء مهنا (اسم مستعار)، أم لطفلين في المرحلتين الابتدائية والإعدادية بمنطقة عابدين محافظة القاهرة، والتي أكدت أن جهود الوقاية من خطر الإصابة بالأمراض المعدية أغلبها ذاتي من الأهالي لافتة أنها لاحظت ارتداء كثير من الأطفال للكمامات أثناء اصطحابها لأطفالها من وإلى المدرسة. وقالت آلاء إنها استفسرت من أولادها عما إذا كانت المدرسة قد نفذت أي إجراءات وقائية متعلقة بالنظافة أو الفحص العشوائي للطلبة أثناء طابور الصباح من قِبل الزائرة الصحية كما قرأت في الصحف من تعليمات وجهها وزير التربية والتعليم للمدارس، ولكن كانت إجابة أطفالها بالنفي، مشيرة إلى أن تنظيف الفصول يتمّ مرة في أول الأسبوع فقط، ويتم بشكل دوري كل أسبوع.

الوقاية من جيوب الأهالي 

لم تكن الميزانية عائقًا أمام إجراءات الوقاية في المدارس الخاصة، لأنه تم تحميل أولياء الأمور تكاليف أدوات النظافة العامة داخل المدرسة، حيث استقبل أولياء الأمور في المدارس الخاصة النصف الثاني من العام الدراسي بقائمة من الطلبات لتنفيذ تعليمات وزارة التربية والتعليم الوقائية ضد الأمراض المعدية.

«نورا مسعد» (اسم مستعار)، أم لطفلين في مدرسة خاصة بمنطقة الهرم، قالت: «اتصدمت أول يوم دراسي والأولاد راجعين بقائمة طلبات تفزع». عددت مسعد ما جاء في القائمة: «زجاجتين ديتول أصلي حجم كبير ومناديل مبللة حجمين كبير وصغير، الكبير للكلاس والصغير مع الأولاد، ومناديل عادية حجمين لنفس الغرض، وصابون ديتول عشان دورات المياه، وجيل معقم كبير لليدين، وماسكات شخصية مع الأولاد». اعتبرب نورا أن المدرسة تنفذ التعليمات التي وصلتها من وزارة التربية والتعليم من جيوب أولياء الأمور بالرغم من أن المدرسة خاصة ومصروفاتها ليست قليلة، مضيفة أنه كان قد تمّ إدراج أنواع من المنظفات والمناديل في «سبلايز» بداية العام. قالت مسعد إنها اضطرت لشراء هذه الطلبات بتكلفة نحو 400 جنيه للطفلين نظرًا لخوفها من عدم اهتمام المدرسة بمستوى النظافة حال امتنعت هي وباقي أولياء الأمور عن شراء هذه المستلزمات.

نفس السيناريو حدث داخل مدارس أخرى. قالت وسام هلال (اسم مستعار)، وتعمل مدرسة بمدرسة خاصة بمنطقة غمرة بمحافظة القاهرة، إن المدرسة قررت عدم إرهاق أولياء الأمور بشراء مستلزمات النظافة والتطهير لفصول ودورات المياه بالمدرسة حرصًا على عدم خلق حالة من الغضب بين أولياء الأمور. وتم شراء المطهرات والصابون والمنظفات اللازمة وسيتم تحميلها على فروق المصروفات التي تحسبها المدرسة قبل نهاية العام الدراسي أو الأقساط لمَن لم يكمل أقساطها الدراسية قبل نهاية السنة الدراسية. وألمحت هلال أن هناك أكثر من مدرسة تحاشت غضب أولياء الأمور بهذه الطريقة.

غضب وخوف  بعض أولياء الأمور دفع بعضهم لمنع أطفالهم من الذهاب للمدرسة خلال الأسبوع الأول، مثلما فعلت إيمان أم لطفل في المرحلة الاعدادية بأحد المدارس الخاصة بمنطقة السيدة زينب، والتي قالت  إنها قررت منع طفلها من الذهاب للمدرسة خوفًا من «كورونا»، لافتة إلى أنها امتنعت كذلك عن شراء طلبات مدرسة ابنها من المنظفات والمطهرات، وستكتفي بالحرص على نظافته الشخصية، وحمله المستمر للجيل المعقم وارتدائه الكمامات.

يختلف الأمر بالنسبة للمدارس الدولية. «المدارس الدولية تخشى على سمعتها أكثر من الأطفال، لذا لم يطلبوا منّا أي طلبات تتعلق بإجراءات الوقاية، وكمان هما بياخدوا فلوس كتير صعب بعدها يطلبوا مننا زجاجة ديتول أو مناديل مثلًا»، قالت ماريان مسعد، أم لطفل في أحد المدارس الدولية بالتجمع الخامس. ولخصت ماريان الإجراءات الوقائية التي اتبعتها مدرستها والمدارس المشابهة ضد الأمراض المعدية، مؤكدة أن أول أيام الدراسة في التيرم الثاني شهد حصص توعوية بالفيروس وكيفية الوقاية منه والتعامل مع النظافة الشخصية إلى جانب الاهتمام العام بنظافة المدرسة نفسها والذي لا يرتبط بوجود فيروس من عدمه.

مسؤولية مَن؟

من جانبه قال عبد الحفيظ طايل، مدير مركز «الحق في التعليم»، إن ما تفعله المدارس الخاصة مع أولياء الأمور وما تفعله «الحكومية» من عدم رصد ميزانيات لبرامج الوقاية يستوجب المحاسبة نظرًا لأنه من المفترض أن جزءًا من المصروفات التي يدفعها الطالب في التعليم الحكومي أو الخاص يُوجه إلى برامج التأمين الصحي، ومن بينها إجراءات الوقاية ومكافحة العدوى، مشيرًا إلى أن الدولة لم توف بالاستحقاقات الدستورية للتعليم والصحة من الإنفاق حتى الآن، وهو ما يجعل أمور مثل مكافحة العدوى والوقاية لطلبة المدارس بدون موازنات طوال الوقت.

ويلزم الدستور الحكومة بتخصيص نسب من الناتج القومى للإنفاق على الصحة بمقدار 3%، و4% للإنفاق على التعليم، و2% للتعليم العالى، و1% للإنفاق على البحث العلمى.

اعلان
 
 
أميمة إسماعيل 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن