ديتوكس| روتين
 
 
لوحة لـ Koppány Árnyas
 

#جو عام

الروتين هو ما تقوم به بشكل يومي لغرض محدد، يحتمل أن يكون رياضيًا، أو غذائيًا، أو كتابيًا نحو أن تكتب يوميًا، أو معرفيًا مثل أن تتعلم معاني كلمة، أو سماعيًا مثل سماع الموسيقى التي تحب بشكل ثابت، أو مقروءًا بأن تكون حصيلتك وردًا يوميًا تقرؤه، أو أن تنقب بحثًا عن معنى كلمة أو تتأكد من دقة ترجمة أخرى، أو أن تراسل أحد المهتمين باللغة حول ما تعجز عن التعبير عنه، أو تقلّب صفحات واحد من إصدارات مجمع اللغة العربية في القاهرة، لعلك تضيف كلمة لحصيلتك، أو تتابع ما تقدمه مجموعة «مجددون» على فيسبوك أو غيرها.

يحتمل أن تستمر في متابعة الجديد؛ الأخبار أو الترند اليومي أو تمنح فرصة سماع للأغنيات التي يحملها لنا التايم لاين، لعلها تعجبك أو تلعن ما يأتي به التايم لاين. قد تجرب جديدًا، لكنك سترتد حتمًا لروتينك، مساحتك الآمنة والأثيرة. لن تهرب طويلًا من سماع المهرجان الجديد، أو متابعة جديد الكتب والأفلام والمسلسلات، أو تتخلف عن متابعة حفل الأوسكار والسخرية من بعض ما ورد بها أو مما نعيشه وقد اشتبكت «الحدود» مع هذا الروتين مقدمة جوائز الموقع الساخر.

من النمط السابق بالتأكيد بات واضحًا أننا نتحدث عن الروتين في هذا العدد من ديتوكس، متجاهلين عيد الحب الذي يكسو العالم منذ أيام بوروده وقلوبه. 

المصدر: ليلى أرمن

 

#قراءة

– يُقال إن الروتين طريقة إدارة للأمور، يتصل عادة بوصفنا لطريقة عمل الإدارة الحكومية. لكن الدلالة السابقة رُغم سلبيتها، لم تمنع الكلمة من الخروج عن فنون تعطيل المصالح التي يبرع فيها الموظف المصري، فصارت تعبّر عن نمط. للخروج من النمط نرشح للقراءة مقال الكاتب جلين راندل، المترجم في «كتب مملة»، لعله يساهم في شحذ طاقتكم لقضاء إجازة مختلفة: «توقف للحظة، وحاول خوض هذه التجربة الفكرية. تخيل أنك في إجازة مثالية في أي مكان بالعالم، تفعل أي شيء يخطر على بالك لمدة أسبوع. لكن تحت شرط واحد؛ لن يُسمح لك بالتقاط أي صور أو الكتابة في دفتر يومياتك أثناء إجازتك، وبنهاية الأسبوع ستتناول جرعة شراب تمحو كل ذكرياتك حول هذه التجربة الجميلة التي استمتعت بها. كم ستدفع مقابل هذه الإجازة، بالمقارنة بما ستدفعه من أجل إجازة يمكنك تذكر أحداثها؟».

– فقدنا الويك إند الماضي لينين الرملي صاحب العديد من المسرحيات البارزة والمسلسلات الجيدة، تميز بقدرته على صوغ أفكاره رغم اختلافها عن روتين مسرح الكوميدي وقفشاته الخارجة عن النص الدرامي فقدم لينين نصوصًا وأنتج مسرحيات في قوالب درامية متماسكة مع قدرة فارقة على صناعة الكوميديا سواء في «أنت حر» أو «تخاريف» أو «الهمجي». عن الرملي تكتب صفاء سرور في «المنصة» ساردة مسيرته وأعماله، كما تكشف عن متاعب الطفولة التي سبّبها له اسمه الذي اختاره والداه اليساريين تيمنًا بقائد الثورة البلشفية، ونزوعه من البداية لأن يكون كاتبًا، وبالتحديد للمسرح. 

الروائي الأرجنتيني خوليو كورتاثار  1914- 1984

وقبل يومين مرت ذكرى وفاة الأرجنتيني خوليو كورتاثار (12 فبراير 1914- 1984)، صاحب «لعبة الحجلة» الرواية التي كسرت روتين القراءة حيث تبدأ القراءة من منتصف الكتاب، ثم يظل يقفز بين الصفحات كما لاعب الحجلة. 

هنا نستعيد نصًا كتبه عن «الصداقة» (ترجمة أمل فارس)، وقصة «النهر» (ترجمة نهاد الحايك).

-يُقال إن المهرجان كلمة فارسية، شقها الأول «مهر» ومعناه الشمس، أما الثاني «جان» فيُقصد به الحياة أو الروح. حسنًا إذا دمجنا الشقين يكون المعنى «حياة الشمس»؟ ربما. هذا ما يُقال عن نشأة الكلمة، أما إذا عدنا لاستخدامها فهي تعبّر عن وجود احتفال عام، لكن «مهرجان» صارت قرينة لفئة موسيقية مصرية هي الأبرز والتي مُطت على مدار سنوات، تتجدد بلا توقف وتستقطب الكثير من المغنيين والمنتجين والمستمعين. طال عُمر المهرجان. يُنتج بكثافة، يُضم صنّاع جُدد، ويُسمع بكثافة، وجميع المهرجانات يُرّقص.

بخلاف البهجة، فإن المهرجان يعتمد موسيقيًا على إيقاعات بسيطة قوامها التكرار. روتين من الإيقاع لا يكسر نمطه هارموني متصاعد، في الأغلب تجدده منبعه الكلام والإيقاع. يتشرب المهرجان شيوعه من كونه إعادة تقديم لحكمة ما مغلفة في قالب سلِس. نحو الشكوى من غدر الصحاب، أو القول إن «الحب منتج ملوش وجود». 

المهرجانات كسرت الروتين المنظم لإنتاج الموسيقى وإقامة الحفلات قبل سنوات، لتكون الموجة الأعلى التي لم تهدأ، وذلك رغم تهديد حفلاتها بالمنع بدعوى عدم حمل تراخيص غناء. يمكن قراءة ورقة نشرتها مؤسسة «حرية الفكر والتعبير» ترصد طُرق الدولة العجوز في تعطيل نمط المهرجان. كما نرشح ما نشرته «المنصة» حول المهرجانات بين ما كتبه محمد نعيم وعبده البرماوي، وكذلك ما كتبه أحمد ناجي عن مهرجانات أخرى ترتبط بالسجن في «المدن».

مصطفى محيي: عن الروتيني في الإبداع والمُبدِع في الروتيني

توحي كلمة الروتين بما هو عكس الإبداع. فالروتين دائمًا موصوم بالرتابة والتكرار، والإبداع هو خلق ما هو مختلف، غير المُكرر، عمل يكسر المُعتاد. ربما يعكس المفهومان المتقابلان ضجرًا من أزمنة الحداثة المحكومة بنمط الإنتاج الكبير، السائد منذ القرن التاسع عشر، بما يفرضه من منتجات متماثلة، بمواصفات موحدة ومعيارية. يمكننا اتخاذ مشروبات المياه الغازية أو ساندوتشات الهامبورجر السريعة رمزًا لذلك الإنتاج المُكَرر المتماثل. لا نتوقع أبدًا طعمًا أو شكلًا أو رائحةً مختلفة في كل مرة نشتري زجاجة مياه غازية أو نطلب ساندوتش هامبورجر. لكن لا يمكننا أيضًا أن نغفل الراحة والطمأنينة في تلك القدرة على التوقع، لا مفاجآت هنا: نحصل دائمًا على ما توقعناه. 

المشكلة في الطرح السابق أنها تجعل من الإبداع استثناءً أو شيئًا لا يمكن توقع توقيت وكيفية حدوثه ولا حتى شكل منتجه النهائي، بينما القاعدة هي الروتين، بما تضمنه من استمرارية وتماثل وطمأنينة. يظهر الإبداع كتفاعل كيميائي سحري منفصل الإرادة عن صاحبة، يحدث وقتما يشاء لينتج ذلك العمل المخالف للمألوف. تصيغ تلك الفكرة الإبداع كعمل إلهي بعيد عن أيدي وإمكانيات البشر العاديين، أولئك الذين ينتجون فقط من خلال الروتين منتجات مُكرَرَة ومتماثلة ومتوقعة. كأن الإبداع للنخبة، والروتين للعامة. 

يصبح الروتين وفق هذا التصور أكثر ديمقراطية، هو ذلك المتوفر المصنوع بأيدي الكثيرين ومن أجلهم، حيث يحصل الجميع على الشيء نفسه دون تفاوت. بينما الإبداع نخبوي، مصنوع بأيدي أقلية تملك اتصالًا بالقوى المجهولة المتحكمة في التفاعل السحري. تُبعد تلك الفكرة الإبداع أكثر وأكثر عن أيادي العامة المنخرطين طوعًا وكرهًا في عملية الإنتاج الكبير المتماثل، غير أنها تُغفل أيضًا أن الروتين هو ما خلق الحياة في صورتها الحالية. الروتين هو ما جعل الحياة الحداثية ممكنة: دون توقع لا يمكن للحداثة أن تستمر. 

Koppány Árnyas - المصدر: Koppány Árnyas

يمكننا أيضًا أن نرى الروتين بصفته منظومة قمعية، لا تتوقف عند افتراض احتياج الجميع نفس المُنتج، بل تفرض ذلك الاحتياج، تخلقه خلقًا. ستستهلك نفس الشيء الذي يستهلكه غيرك، بلا أسئلة عما إذا كان لديك تفضيلات أخرى. ربما تحب مشروب المياه الغازية أكثر مرارة من غيرك، لكنك لن تجده كذلك، لأن هناك من قرر النسبة المقبولة من السكر في كل زجاجة. أقصى مراحل القمع التي يصلها الروتين عندما تتوقف عن التفكير في احتياجك المختلف عما هو مُقدّم لك، لتتطابق احتياجاتك مع ما هو معروض. يجعل التصور السابق الإبداع مرادفًا للمقاومة، محاولة لكسر التماثل المفروض قسرًا على الجميع، احتفاءً بالفردية المنفية في عالم الإنتاج الكبير. 

تضم الفقرات السابقة كل شيء ونقيضه. فالروتين رتيبًا مُتكررًا وبالتالي متوقعًا، ديمقراطيًا لارتباطه بالعامة، قمعيًا لنفيه فردية هؤلاء العامة، بينما يظهر الإبداع كمرادف لغير المألوف أو المتوقع، نخبويًا بسبب عدم قدرة الجميع على اقترافه، ومقاوم بسبب دفاعه عن الفردية في وجه فرض التماثل. في عالم المفكر الفرنسي جاك دريدا، نجد أن الخيال والحقيقة نقيضان ينفيان بعضهما، غير أن كل منهما يعتمد في وجوده على الآخر. يطرح مثالًا بالشهادة أمام المحكمة: العمل المرتبط كل الارتباط بالحقيقة غير أن وجوده أيضًا مستحيل دون أن يكون متخيلًا. فاللحظة التي يقف فيها الشاهد أمام المحكمة يروي ما حدث في وقت آخر مضى، هو يمارس فعلًا من أفعال الخيال. فلحظة الحقيقة مضت، واسترجاعها عمل من أعمال الخيال. يمكننا تخيّل الشهادة وهي تتشكل في نفس موقع تشكل الروايات في عقل الشاهد. والرواية عمل خيالي، غير أنها تتشكل في نفس موقع استرجاع الحقائق. لا وجود للخيال دون حقيقة، والعكس صحيح. هل يمكننا التفكير في الإبداع والروتين بنفس الطريقة؟ 

هل يمكن أن يتشكل الإبداع في نفس مساحة الروتين؟ قد يكون الروتين هو تسخير كل ما سبق من منتجات الإبداع لإنتاج ما هو متماثل وخالٍ من الإبداع (تخيّل عملية صناعة زجاجة المياه الغازية مثلًا بكل دقتها وتعقيدها)، بينما الأخير هو تسخير القدرة الإنتاجية الهائلة للروتين لإنتاج ما هو مُتفرّد. يبدو هنا الروتين كعملية يُستخدم فيها الإبداع لإنتاج المتماثل، بينما الإبداع عملية عكسية، يُستخدم فيهم التماثل والتكرار للوصول للمُتفرد: ككاتب يعمل يوميًا في ساعات محددة ومكان محدد لإنتاج إبداعه المتفرد. يتوقف الأمر فقط على إجادة استخدام عصا السرعات (كما هو الأمر في السيارة) لعكس اتجاه الحركة من المتماثل للمتفرد، والعكس. 

 

#مشاهدة 

ياسمين زهدي: روتين مشاهدة الأوسكار، لعل الأكاديمية تصوت ضد نفسها

أول حفل أوسكار في ذاكرتي، كان مُذاعًا على القناة الثانية على التلفزيون المصري، وكان يعرض في اليوم التالي للحفل الفعلي (لم يكن يصلنا البث المباشر حينها). شاهدته مع والديّ عند عمتي في المنزل، لم يكن أخي قد تعدى الخمس سنوات حينها، ولكنه في الأعوام اللاحقة سيكبر ويصير رفيقي الدائم في متابعة أفلام العام ومن ثم الحفل. كنت أنا في التاسعة من عمري، وكان عام «تيتانيك»، بكل ما أثاره من شقلبة حينها: النقاش السينمائي الواسع حول عملية تصوير الفيلم الذي حصل على أكبر عدد من الترشيحات في تاريخ الأوسكار، الأغنية التي ما زالت تطاردنا في كل مكان حتى يومنا هذا، المشاهد الساخنة التي حذفت من النسخة المعروضة في السينمات المصرية، صور ليوناردو ديكابريو التي كانت تتبادلها البنات في الفصل. كان أيضًا عام الكوميديا الرومانسية الجميلة «As Good As It Gets»، الذي فاز بطلاه -جاك نيكولسون وهيلين هانت- بجائزتي أحسن ممثل وأحسن ممثلة حينها، والذي شاهدته خلسة للمرة الأولى حين استأجره والديّ من نادي الفيديو الذي كنا نرتاده في الشارع المجاور. ولكن أبرز ما علق بذهني من ذلك الحفل كان لقطة أخرى، لصديقين في منتصف عشريناتهما، يقفزان فرحًا على المسرح بعد استلام جائزة أحسن سيناريو في فوز غير متوقع: مات ديمون وبين أفليك، مؤلفا فيلم «Good Will Hunting»، واللّذين لم يعرفهما أحد في هوليوود قبل أن يتحمس جاس فان سانت لإخراج فيلمهما، المقتبس عن مسرحية كتبها ديمون حين كان طالبًا في الجامعة. تدور أحداث الفيلم في بوسطن، مسقط رأس ديمون وأفليك، في عالم جامعات الـ«آيفي ليج» الذي انتمى له ديمون، ولكن من وجهة نظر شاب فقير محمل بعبء حياة عائلية مأزومة، عامل نظافة في جامعة عريقة، يكتشف أستاذ جامعي بالصدفة عبقريته في الرياضيات. مرّ علي هذه الليلة 22 عامًا، شاهدت فيها حفل الأوسكار بشكل دوري. صار أفليك وديمون نجمين من العيار الثقيل، وما زلت أعتبر فوزهما من أجمل اللحظات في كل الحفلات التي تابعتها، ولعلها اللحظة التي من أجلها -ومن أجل لحظات تالية شابهتها- ما زلت أتابع جوائز الأوسكار. 

تغيرْتُ كثيرًا في العقدين الأخيرين، تغيرَت السينما، تغيّرت نظرتي لها، كما تغيّر شكل الحفل أيضًا مع مرور الوقت. لعل أحدث وأوضح تجسيد لهذا التغيّر هو توقف الأكاديمية عن الاعتماد على مقدم واحد للحفل، بعد أن منحها عدد من نجوم الكوميديا -أمثال ووبي جولدبيرج وبيلي كريستال وستيف مارتن ومؤخرًا إيلين ديجينيريس- مونولوجات وفقرات أيقونية كانت أبرز ما يميز الحفل. أتى القرار بعد أن كانت الأكاديمية قد اتفقت مع الكوميديان كيفين هارت على تقديم حفل عام 2019 قبل أن تظهر له تغريدات قديمة اتسمت برهاب المثلية، مما أدى إلى تراجع الأكاديمية عن اختياره، وإعلانها أن الحفل لن يكون له مقدم، وهو الأمر الذي تكرر هذا العام. مواقع التواصل الاجتماعي، حملة #MeToo، انتشار منصات العرض الرقمي واقتحامها مجال الإنتاج وما تبع ذلك من تغيّر في شكل خريطة التوزيع السينمائي، كلها أمور ساهمت في تبدل شكل صناعة السينما في الولايات المتحدة والعالم، ولكن بينما تغيّرت بعض الأمور الظاهرية والخطاب المصاحب لحفل الأوسكار، لم تتغيّر الأكاديمية بشكل حقيقي: ما تزال أغلبية الأعضاء رجالًا بيض فوق الخمسين، مما ينعكس دومًا على نتائج التصويت، وهو الأمر الذي أدى إلى حملة مقاطعة عام 2015 قادها عدد من رموز السينما الأمريكية-الإفريقية (أبرزهم سبايك لي) لعدم وجود أي مرشحين ملونين ذلك العام، بالإضافة إلى انتقادات عديدة وجهت للأكاديمية هذا العام لغياب الأسماء النسائية عن ترشيحات الإخراج. ربما قلبت الأكاديمية الموازين حين منحت فيلمًا من كوريا الجنوبية جائزتها الكبرى هذا العام، ولكنها خلال الأعوام السابقة ظلت تفضّل نوعًا معينًا من الأفلام -رغم الزيادة التدريجية في ترشيح إنتاجات مستقلة- وهي الأفلام ذات الرسائل الواضحة أو التي تناقش قضايا معينة بشكل أقرب للمباشرة  (مثل فوز «Crash» على حساب «Brokeback Mountain» عام 2004 و«Green Book» على حساب «BlackKklansman» عام 2018)، بالإضافة طبعًا إلى الأفلام التاريخية (period films) وخصوصًا التي تتناول سير حياة شخصيات شهيرة (biopics) (فوز جاري أولدمان عن فيلم «Longest Hour» رغم تواضعه في 2017 مثلًا). أحيانًا يصادف أن تكون الأفلام التي تتميز بهذه الخصائص بالفعل أفلامًا جيدة، ولكنها كثيرًا ما تكون أضعف بوضوح من أفلام أخرى مرشحة في نفس الفئة ولا يمنعها ذلك من الفوز. 

أعلم يقينًا أن السينما أكبر كثيرًا مما تحتفي به الأكاديمية كل عام، وأن الجوائز جميعها -ما يمنح منها في المهرجانات الدولية كذلك، لا فقط من قبل الأكاديمية- ليست معيارًا لجودة أي عمل سينمائي. حتى السحر المعهود للحفل، والذي استمد قوته من مركزية هوليوود في عالم السينما ومن مفهوم «النجم السينمائي» كما صنعته هوليوود كذلك (والذي تفكك تمامًا الآن بفعل تغيرات الصناعة)، لم يعد كما كان. ولكن مشاهدة الحفل ارتبطت عندي بروتين محدد كل عام، صار من الصعب التخلص منه، وكي أكون صادقة فأنا لا أرغب في التخلص منه على أي حال. في البداية كنتُ طفلة، أكتشف السينما عبر هذا الحدث، أبحث عن طرق لمشاهدة الأفلام الفائزة بعدها، منها ما يأتي إلى دور العرض في القاهرة ومنها ما أنتظره في نادي الفيديو، ولاحقًا، على قناة «MBC2»، ومنها ما لا أتمكن من مشاهدته إلا بعد مرور سنوات، مع ظهور الإنترنت والتورنت. 

أشاهد مراسم السجادة الحمراء مع أمي على قناة «!E»، التي صرنا نستقبلها مع تركيب وصلة «مسروقة» تفتح لنا القنوات المشفرة، تعلق هي على فساتين النجمات وتسريحات شَعرهن باهتمام يجلب لي الكثير من التسلية، ثم تذهب للنوم ونسهر أنا وأخي لمشاهدة الحفل حتى الفجر. في منتصف سنوات المراهقة، كنت قد عرفتُ المزيد عن السينما وعن حبي لها، أحلم بالعمل في هذا الوسيط وتحديدًا كتابة الأفلام؛ أشاهد صوفيا كوبولا وهي تستلم جائزة السيناريو عن «Lost in Translation»، وللمرة الأولى أشعر فيها بشيء من الغيرة تجاه امرأة أخرى: أردت أن أكون هي، أن أصنع فيلمًا كهذا. بعدها بعامين أدمع لمشهد مارتن سكورسيزي بينما يصعد على المسرح لاستلام جائزة تأخّرت كثيرًا، ويقف جميع من بالقاعة له في تقدير لا يشوبه أي من الزيف الذي عادة ما يملأ هذا النوع من الفعاليات (يقول البعض إن «The Departed» ليس أهم أفلام سكورسيزي، وأنا أتفق، لكني أعتبره قطعًا من أفضل أفلامه). 

في مقتبل عشريناتي مرّ شتاء كنتُ فيه عاطلة عن العمل، فكنتُ أذهب للسينما مع والدي في صباحات متعددة كل أسبوع أثناء الشهرين السابقين للحفل، نشاهد أفلام العام ونخمن أي منهما سيحرز عددًا من الترشيحات -لم يسهر أبي أبدًا لمشاهدة الأوسكار، ولكن في اليوم التالي لحفل ذلك العام عبّر عن سعادته الشديدة بفوز جينيفر لورنس عن دورها في فيلم «Silver Linings Playbook». في الأعوام اللاحقة كبر أخي وصار موظفًا يضطر إلى النوم مبكرًا (بينما لم أتخلص أنا أبدًا من عادة السهر، حتى بعد أن اشتغلت بدوام كامل)، ولكن كان تويتر قد ظهر في الصورة، فصرت أتفرج وأتابع تعليقات الأصدقاء الفورية على كل جائزة، أصدقائي السينيفيليين الساهرين أمثالي، ونخوض النقاشات المحتدمة في الفواصل الإعلانية. في العامين اللّذين عشتهما في نيويورك للدراسة جربت للمرة الأولى مشاهدة الحفل دون حاجة للسهر ولا المعافرة لمعرفة أين يمكنني مشاهدته، أفتح التلفزيون لأجده مُذاعًا دون حاجة مني للتدخل: فاز ليوناردو ديكابريو أخيرًا بجائزة التمثيل، ولم أكن قد شاهدت فيلم «The Revenant» بعد، ولكني أتذكر صوره التي تبادلناها في الفصل وقت عرض «تيتانيك»، وأشعر وكأننا كبرنا معًا. الآن أعيش مع شريك يحب السينما كما أحبها، وبعد أن احتكرت منصات محددة بث الحفل في المنطقة، صار الروتين السنوي هو البحث سويًا عن رابط يمكننا مشاهدة الحفل من خلاله، أو التحايل على المواقع عبر الـVPN والتجربة المجانية. 

أشاهد حفل الأوسكار إلى الآن رغم وعيي بكل إشكالياته، لأنه طقس وثيق الصلة بعملية اكتشافي لهذا الوسيط الذي لا أستطيع تخيّل حياتي الآن بدونه، وبتجارب مشاهدة حميمة مع الأشخاص الذين شاركوني تلك الرحلة. أشاهده لأني مع اقتراب موعد الحفل كل عام، وإن كنت لا أشعر بنفس الحماس الذي كان يتملكني من قبل، ما زلتُ أشعر بشيء ما، مصدره ما يبقى في ذاكرتي من فترة الاكتشاف تلك، بكل ما صاحبها من انفعالات ومفاجآت، وإحباطات كذلك. لأني مع اكتشافي للسينما -عبر الأوسكار وأفلامه والكثير من المنافذ الأخرى (والأهم) التي تعرفت إليها مع مرور الوقت- كنت أكتشف نفسي. 

ورغم كل مآسي الأكاديمية، فما زال حفل الأوسكار قادرًا على جلب لحظات كلحظة فوز مات ديمون وبين أفليك بجائزة السيناريو عن أفلام 1997. في حفل 2017 جاءت لحظة الإعلان عن جائزة أفضل فيلم، والتي كان يقدمها وارين بيتي وفاي داناواي: «لا لا لاند»، قالت فاي في الميكروفون، وشعرتُ أنا بإحباط شديد. صعد صنّاع الفيلم إلى المسرح، وبينما بدأ المنتج في الكلام، نظر إلى الظرف في يده وأعلن أن الفائز الحقيقي هو فيلم «Moonlight». للحظة ظننتُ أني أتخيّل الأمر برمته، ولكنه كان حقيقيًا: خطأ بهذا الحجم حدث بالفعل، وعلى عكس التوقعات فاز الفيلم المستقل الذي لم يتنبأ أحد بوجوده هنا من الأصل على حساب الفيلم الموسيقي الذي يرسّخ لأسطورة هوليوود ولوس أنجلس كمدينة تنمو وتترعرع فيها الأحلام. ومع تقديري لفيلم «Parasite»، يظل فوز «Moonlight» هو أكثر فوز مستحق للجائزة عاصرته في سنوات متابعتي لهذا الحفل، ومن المرات النادرة التي أصابت فيها الأكاديمية الاختيار. أما الدراما التي صاحبت إعلان الجائزة على المسرح ذلك العام، فجاءت تجسيدًا لهذا التوتر المستمر الذي يسود علاقتي بالأوسكار: لا نحب ما تمثله الأكاديمية، ولكنها مرات نادرة تصوّت ضد نفسها، وحينها يكون الأمر جميلًا. 

 

#سماع

أحمد وائل: عمرو دياب في الجيم

ذات تمرينة سمعتُ صوت عمرو دياب (1961) ينساب في الجيم، تبيّنتُ أن الأغنية جاءت في الوقت المناسب، وهذا موقعها الأمثل. بدا أن رافعي الأثقال وساحبي الأوزان على ما يرام، ثم توالت الأغنيات لمدة ساعة، لم تفتر همة أحد، أو صرخ أحد اللاعبين مطالبًا بأن تتغيّر موسيقى السماعات المركزية، أو لجأ أحد إلى موسيقاه مواريًا أذنيه بسماعة.. هكذا عرفتُ أن ديابًا مرحبٌ به هُنا من اللاعبين كافة. 

«يتعلموا» (2018):

لا أنكر أني في حال التمرين أسمع ما أحب، لستُ مقتنعًا بأن هناك ما يُسمع لتحفيز لاعب، فالمسألة ترتبط بالإرادة، وإن كنتُ أتفهم احتياج بعض الناس لـ«أغاني حماسية»، لكن عمرو دائمًا -الذي نسمعه الآن ونحن نلعب- يكتسب مساحات، لم يتمسك باللهجة البورسعيدية ليتماشى مع مزاج القاهريين ولفظهم لكل ما لا يذوب في مركزية العاصمة. قاوم الغنائية الكلاسيكية التي التزم بها هاني شاكر ومدحت صالح، بل لم يلتزم بالشكل المعهود. لم نر عمرو بملابس رسمية، بل عهدناه يقفز وهو يغنّي على المسرح.

نوّر يا ليل (1983):

صنع نمطًا يخصه. كرس مشروعه الذاتي معتمدًا على صوته وحده، ستجد أن الكورس في أغانيه هو عمرو دياب نفسه، كما ركز من بدايته على الصورة الذهنية، الملابس وشكل الشَعر والكليبات، ذلك بخلاف تعمده أن يكون موضوعًا للحديث وليس طرفًا في حوار. «حتمرد» (1992):

 

حافظ على تقديم ألبوم كل صيف، ظل، حتى وقت قريب، مخلصًا لتصوير أغنية الألبوم؛ الـ«هِيت».

بسهولة يمكن تذكر الألبوم من الكليب؛ حفل يقتحمه إنسان من المستقبل فيتغيّر التصوير من أبيض وأسود إلى الألوان. هذا «راجعين» الذي يبدأ بغناء طلعت زين.

«ويلموني» (1994):

وفي العقدين الأخيرين، نسينا أن وجهه كان ممتلئًا، وصرنا نصفه بالهضبة. 

غيّر من نفسه تمامًا، وها هو يقتحم مساحة جديدة؛ الجيم.

فكرتُ بينما أتمادى في زيادة الأوزان في أنه صار قيمة يتطلع إليها كل لاعب. عمرو دياب بعضلاته المفتولة ونظراته الواثقة وكتفيه العريضتين وظهره المستقيم، كل ذلك يدعم كونه كوتشًا مخضرمًا، فيبدو حضوره غير ناتئ، بل يبدو في المحل المناسب. كأن كل أغنية مثل صيحة «عاش يا وحش». 

في أغانيه، لا يطلب منك أن تفعل شيئًا، «خليك فاكرني» تعد نموذجًا في التعفف، هي رجاء لا يضمن شيئًا، لكن العلاقات في النهاية بالتراضي ولا يجب أن تضغط على أحد. 

دياب دائمًا يذَكّر مَن يحب، فلا يقول حبيبتي أو يخاطبها كأنثى. وهو يحب بالنظرات أو يتمنى لمس يد حبيبه دون تعبير عن غرض جنسي، لانحيازه لتصور محافظ يتماشى مع المساحات الآمنة في الإنتاج الفني. حتى إنه حينما غنّى في «يوم تلات» عن جلوسه على البُساط مع «تلت بنات»، بما يذكر بأطياف ألف ليلة وليلة وحكاية الحمال والثلاث بنات، فإنه لم يرد أن يحكي لنا عن تفاصيل الجلسة إلا كونها مغرية، ثم وجد عودًا فأخذ يطرب.

ربما لا يجب أن يأخذنا الحماس أكثر من ذلك فقد تغيّرت الموسيقى، وتابع الجميع اللعب عادي. 

 

#سلام 

في الختام، يهمنا أن يكون الحب كل يوم إن أمكن، أو مثلما غنّى سمير صبري أن تكون «الدنيا لاڤلي لأنك تولد مي يو لوڤ مي» أو في قول آخر «دُبنا ما تُبنا»: 

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن