سيرة «جبل الرمل».. ما لم أقُلْه للضابط
 
 

«إيه الكتاب ده؟.. جبل الرمل!، مممم.. رواية سياسية دي بقى ولا إيه بالظبط يا عم شادي؟!»، يسألني ضابط المباحث، الذي استوقفني يوم 29 يناير 2020، قبل خطوات من كوبري قصر النيل.

أجيبُه بوجه خالٍ من المشاعر: «مكتوب على الغلاف (سيرة) يا فندم.. واحدة بتحكي قصة حياتها يعني».. فيسأل ثانية بنبرة تهكم مغلفة بما يحسبُه فطنة: «ومين بقى رندا.. إيه؟ شعث!.. مين بقى رندا شعث دي اللي بتقرا قصة حياتها؟»، باقتضاب أجيب: «مصورة صحفية»، فيعيد لي الكتاب دون كثير اهتمام.

حسنًا، كانت هذه إجابة مُخِلّّة أيها الضابط الشاب، ولكني قطعًا لم أرغب في قضاء وقت أطول معك أختصر لك فيه حكاية رندا وألخص «جبل الرمل» التي صدرت قبل أيام عن دار «الكرمة»، وقرأت صفحاتها -اﻷزيد من الـ 200 بقليل- في يومين فقط، بعدما اشتريتها بفضول قارئ غير مستقر نفسيًا، يبحث عن استراحة من متابعة اﻷخبار السياسية، فمخمضَتُه نفسيًا، وجددت له الكثير من أشجانه السياسية.

هل تعرف «الكولاج» أيها الضابط؟ ذلك الفن الذي يعتمد على تجميع أشكال مختلفة لتكوين عمل فني جديد، هذا هو ما فعلته رندا؛ استخدمت الكثير من الصور المكتوبة والفوتوغرافية، وحقول مشاعر متباينة، وكمًا هائلًا من الذكريات الشخصية المتشابكة مع تاريخ عربي مليء بالأحداث، لتنتج كولاجًا هائلًا يجسد معظم حياتها الغنية وبعضًا مما جرى في نهرها متشعب الروافد.

بنتٌ فلسطينية مصرية، مقيمة معظم حياتها في مصر، ومزروعة كل حياتها في شتات فلسطين. بدأت سرد حكايتها من بيت عائلة أمها المشرف على جبل رمل في المندرة، في إسكندرية الستينيات، وهي تستعيد، بعيون طفلة في الرابعة، تفاصيل حياتهم الصيفية هناك، في رحاب جدتها؛ فاطمة -القِبلة التي تبدأ رندا السيرة عندها وتنتهي، والتي أهدتها الكتاب. قبل أن تأخذني إلى شوارع جاردن سيتي، في القاهرة، حيث بيت أسرتها، وبدايات تعرّفها على الحي الذي شكَّل نقطة انطلاقها إلى مدينة لا تفتقر إلى اﻷحداث الكبرى، وإلى مدن أبعد بأحداث أكبر تقاطعت معها رندا بشكل ما، وعادت دومًا إلى جاردن سيتي، وكأنها بمرور السنوات صارت إحدى عُمَد الحي الذي سألها عنه صديق في شبابها: «إيه ده ساكنة في جاردن سيتي؟ برجوازية يعني؟ ولأول مرة تسعفني سرعة البديهة: أيوة برجوزاية عندي تطلعات بروليتارية».

تنتقل اﻷسرة لبيروت ورندا في السادسة، وتعود وهي في الثانية عشرة، في عام اندلاع الحرب اﻷهلية اللبنانية؛ 1975، بصندوق تذكارات طفولية صغير، وذكريات كثيرة، وشقيق يصغرها بثمان سنوات؛ علي، وواقع جديد نتج عن التحاق اﻷب؛ نبيل، بمنظمة التحرير الفلسطينية.

مثلما باغتّني أنت باستيقافي في الشارع أيها الضابط، فإن أبرز ما استوقفني في كتاب رندا هو المباغتة؛ قفزاتها بين الحكايات واﻷماكن والتواريخ لافتة، فصل في المندرة يليه آخر في جاردن سيتي. فصل في بيروت يليه آخر بلا مكان عن علاقتها بأمها، ثم مقتطف قصير من حياة قريبة ما. فصل عن زيارة أولى لفلسطين والعودة منها يليه آخر عن قصة زواج جدتها ﻷبيها؛ سميحة. فصل عن شقيقها اﻷصغر؛ رامي، يليه فصل قصير عن مجموعة نباتات سيعشن معها.. هل تذكر ما قُلتُه لك عن الكولاج؟ قصقصة اﻷشكال الصغيرة التي تشكل العمل الكبير هي عملية مربكة إن لم تكن تعرف كيف ستجمّعها، ومن قام بهذه التجميعة في «جبل الرمل» كان موفقًا -في رأيي- بشكل كبير، هل هي رندا نفسها أم محرر، صديق أو محترف؟ لا يهم، يكفيني أن القطع الصغيرة المتجاورة كانت تخدم الصورة اﻷكبر، وتنير سياقًا أوسع حول بعض حكايات، وتمنطق تاريخًا ومرجعًا لبعض أفعال وأحاسيس، واﻷهم أنها تختصر المسافة بين صاحبة السيرة وقارئها.

وجدتُ على الإنترنت بعض فقرات من الكتاب، في مدونات شخصية نقلت عن رندا، وفي مقالات نشرتها «الشروق» لها، معظمها كان تحت عنوان «حكايات المندرة»، وهو ما أكد لي توقعي بمرور الكتاب بعملية «تحرير» محترمة، إن لم يكن في دار «الكرمة»، إحدى دور النشر القليلة في مصر التي تهتم بهذه العملية بحسب معلوماتي؛ فلن أندهش أن تكون رندا نفسها هي من قامت بها، بروح فنانة بصرية متميزة، وكاتبة وحكاءة مخضرمة، وبحكم الطابع الشخصي لسيرة ذاتية ترصد رحلة حافلة تقاطعت صاحبتها مع العديد من اﻷماكن واﻷحداث والشخصيات والمشاعر.

تكبر الشابة رندا في مصر، وتلتحق بالجامعة اﻷمريكية في القاهرة، وتبدأ في الانخراط في أنشطة مناصرة للشعبين الفلسطيني واللبناني، قبل أن تسافر إلى أمريكا لاستكمال دراستها. حسنًا أيها الضابط، أعترف اﻵن أن شيئًا ما في وجهك أربكني قليلًا وأنت تستجوبني، ملامح وجهك ببشرته القمحية بدت مألوفة كصديق قديم، ما أعاقني عن كُرهك كما يجب في موقف كهذا. وإكرامًا لشبهة الإنسانية التي لمحتها في عينيك أنصحك أن تقرأ الفصل شديد العذوبة الذي كتبته رندا عن وداعها للشيخ إمام قبل سفرها ﻷمريكا. أفهم قطعًا أن ذكر الشيخ إمام -إن كنت تعرفه- يستدعي لك معانٍ مختلفة كليًا عما يستدعيه ﻷمثالي، أنا ورندا، ولكنّي أرى عذوبة هذا الفصل أكبر من خلافاتنا، تمامًا كعذوبة مسحة الحزن التي غلفت النصف الثاني من الكتاب بفضل التفاصيل الإنسانية الدقيقة التي لملمتها رندا من مواقف فقد عديدة، واشتياقات لا تنتهي.

تلك التفاصيل الإنسانية التي أغرقت بها رندا الكتاب كانت من أكثر ما شدنّي له، ولها. مواقف متناثرة هنا وهناك، حسبت بعضها للوهلة اﻷولى خارج سياق الكتاب، وكأن صاحبتها كتبتها حين مرت بها، وحين قامت بعملية التجميع استخسرت ألا تضمنها الكتاب، فوضعتها في ترتيبها الزمني وخلاص، لكن حين وجدت أغلب تلك المواقف عالقٌ في ذاكرتي بعد انتهائي من الكتاب شعرت أنها لم تكن أبدًا خارج السياق العام لـ «رندا» التي قرأت سيرتها للتو؛ تلك المواقف شكّلت شيئًا غير قليل في شخصيتها، وكان مهمًا أن تضعها بين يدي من يقرأ سيرتها ليعرف أكثر عنها دون مباشرة، وكأنها تشاركني حكاياتها اليومية الصغيرة، مثلما شاركتني المواقف اﻷكبر، فتكتسب عبر الكتاب صداقات جديدة مع بشر ربما لن تقابلهم.

لم أعرف رندا شخصيًا قبل قراءة سيرتها، ولكن بعد «جبل الرمل» شعرت أن بإمكاني أن أختار لها هدية عيد ميلاد تحبها، أو أشاركها أغنية تناسب ذوقها، أو أصطحبها لمكان يريحها الوجود فيه، شعرت بأني قريب منها بعدما أطلعتني على ألبوم حياتها، بما فيه من صور عائلية وتاريخية أعادت حكيها، وصور شخصية جمّعتها عبر مشوار طويل، وأجادت عرضها مثلما أجادت تصويرها في البداية.

علاقة رندا بالتصوير ليست حاضرة فقط في وصفها لنفسها «أحب المشي والتوهان في شوارع أكتشفها ﻷول مرة، يترك فيَّ لقاء الناس والاستماع إلى قصصهم -كيف عاشوا وكيف تغلبوا على المصاعب- صدى، وأجد فيما يقولونه علاقة ما بحياتي. تلهمني تفاصيل الحياة اليومية، وأجد فيها سحرًا وحكمة. وكوني مصورة حجة عظيمة لممارسة التوهان»… «وجدت في التصوير ملاذًا أقرب إلى طبيعتي للتعبير عن مشاعري ورؤيتي». كما أنها، قطعًا، أعمق من أن تكون علاقة عمل؛ كمصورة ومُدَرِسة تصوير، أو حتى محررة صور رائدة تستهلك وقتًا وهي «عبثًا أشرح لزملائي من المحررين أنه ليس من المفترض أن تكرر الصورة ما يقوله النص، بل إن للصورة تأثيرها المستقل والمختلف، وإن الصورة والنص معًا يعطيان بعدًا ثالثًا للخبر. لا تزال مجتمعاتنا تعاني من اﻷمية البصرية». وتقرر أن تستقيل من عملها اعتراضًا على عدم احترام مبادئ المهنة.

وجود التصوير في تكوين شخصية رندا يظهر في افتتانها الواضح بوصف تفاصيل المشاهد واﻷماكن بدقة وبراعة، في «الكادرات» المليئة ببشر ومشاعر، وكأن التصوير هو فطرتها الإنسانية قبل أن يكون هواية وحرفة. «أحمل الكاميرا ولا أقربها من وجهي، أرفض أن أحجب أنملة من رؤيتي»، تقول وهي تتذكر زيارتها للقدس.

نعم أيها الضابط، زارت رندا القدس ورام الله وغزة، مرات ومرات، وكانت حاضرة في محطات تاريخية في مسار مفاوضات السلام الفلسطيني الإسرائيلي، وعادت إلى لبنان كثيرًا، وعاشت في الجزائر، وبقيت في روحها علامات من نضال كل من تلك البلاد، أوردتها في «جبل الرمل» بلغة سلسة بدت معها الكتابة فعلًا شديد السهولة، وبصدق لم تشوهه فذلكة لغوية.

لم تحكِ رندا فقط عن تلك البلاد التي يشهد كل منها اﻵن اضطرابات سياسية تؤرق الحكام، بل حكت عن الثورة المصرية، دون أن تداري انحيازًا لها، وكيف أنها غضبت في يناير 2011 متساءلة: «كده يبدأوا الثورة من غيري؟!». كما حكت الكثير مما شهدته في شوارع القاهرة في أعوام ما بعد الثورة.. «يأتيني هاجس التلفون في يدي. نسيت مسح الفيسبوك منه، لم أضع كلمة سر لفتحه، اللعنة … الآن يقبضون على الناس إذا لم يعجبهم ما كُتب على صفحتهم في الفيسبوك».

لم تبحث رندا في كتابها عن نصر أو بطولة، لم تُنَظِّر لمعارك خاضتها أو مواقف أخذتها، فقط حكت عن بنت وأسرة وعائلة، كبرت الأولى وتناقص أفراد الثانية ودارت الدنيا دورتها بأفراد الثالثة. كتبت عما عاشته، وقرأت أنا عن الوطن والشتات والألم والغياب والبهجة والحُب والحنين. كتبت عن أحلامها وخيباتها فقرأتُ عن أحلامي وخيباتي. كتبت عن ناسها، فتذكرتُ ناسي.

أعتقد أنك تفهم الآن، يا حضرة الضابط، لماذا كان حتميًا ألا أستفيض معك في الحديث عن «جبل الرمل»، بعدما استوقفتني عشوائيًا في وسط القاهرة، قبل خطوات من «ميدان الخازوق» (التحرير سابقًا) واستجوبتني وفتشت موبايلي بلا سبب، واندهشت حين لم تجد عليه فيسبوك، قبل أن تبحث في واتسآب عن كلمات «سيسي» و«ثورة»، وتسألني عن مشاركتي في ثورة يناير، وأي الهتافات رددتُ، وتصر على النظر في عيني بتحدي وأنا أدّعي النسيان، وكأنك تشهدني على انتصارك وقوتك أمام هزيمتي وخوفي. حسنًا: التاريخ مكتوب داخل البشر أيها الضابط، والشوارع مهما تغيّرت ملامحها لا تنمحي ذاكرتها، وقطعًا، بعض الكتب تحوي أكثر مما توحي به.

* الفقرات البولد المائلة منقولة نصًا من الكتاب.

اعلان
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن