نقد المؤسسة الدينية بترقيع التاريخ

نشر الصديق تامر موافي مقالًا في «مدى مصر» عنوانه «لن أخرج من جلباب أبي: شيخ الأزهر وتنجيد الخطاب الديني». وكان ذلك بمناسبة المناوشة الأخيرة بين شيخ الأزهر أحمد الطيب ورئيس جامعة القاهرة محمد عثمان الخشت، ضمن فعاليات مؤتمر الأزهر «تجديد الخطاب الديني».

ينسج المقال نقدًا موسعًا لمسألة تجديد الخطاب الديني، حاليًا وتاريخيًا، والذي يمثله الأزهر، المؤسسة الدينية الرسمية المنتمية عقديًا للمذهب الأشعري السني. 

يدخل بعدها في توجيه الاتهام للمذهب الأشعري بالتلفيق المصلحي لكسب السلطة والشعب. يقول مثلًا «(الأشعرية) هي العقيدة الوسطية، وهذا سر نجاحها عبر القرون، وبصفة خاصة هو سر كسبها لمحبة الناس ورضا السلطة في نفس الوقت». يحاول موافي إظهار ذلك بادعاء تهافت هذا المذهب باعتماده (أو إخفاءه اعتماده؟) على أحاديث الآحاد. استفدت من إسهامات موافي، ومن تشريحه لعلاقات السلطة بالمؤسسات. لكن المقال لم يتجنب أن ينبني على أخطاء تاريخية وعلمية، فبات أشبه بالترقيع المخل.

من تلك الاستشكالات، أولًا، أن تحليله المرتكز على تتبع السلطة فقط يؤدي إلى مغالطات تاريخية أهمها قراءة التاريخ بعين الحاضر. بمعنى آخر، إسقاطه مركزية الدولة الحديثة وشموليتها على التاريخ، وكأنها ومركزيتها وعلاقات القوة المرتبطة بها كانت موجودة دائمًا قبل ظهور الدولة القومية. لذا، فهو يرى أن سر نجاح المذهب الأشعري، وهو المذهب العقدي لأغلب أهل السنة إلى جانب المذهب الماتريدي والأثري (فضلاء الحنابلة)، يكمن في تملق السلطة والتلفيق الدائم بين متناقضين. 

القول إن سر النجاح هو التملق المزدوج يعد مغالطة ومصادرة غير مقبولة. «الأشعرية» بالأساس هو مشروع ديني علمي عقدي، ظهر وانتشر بين الشبكات العلمية ثم تشعب وتمسك به العلماء فالطلاب ثم العوام عبر التاريخ. تعرض المذهب أحيانًا للاضطهاد، وفي أوقات أخرى دعمته السلطة. وفي كلتا الحالتين، لم يعرف التاريخ حادثة مؤكدة واحدة تقول إن سلطة مركزية فرضته على الناس، سلطة كتلك المتجلية في الدولة القومية.

هنا، يتوجب الإشارة إلى أن العمل العلمي والتشريعي والقضائي وشؤون الإفتاء، حاله حال الإنتاج الفني والأدبي، قبل ظهور الدولة القومية في العصور القديمة والكلاسيكية كان له استقلالية أكبر بكثير مما نعرفه في عالمنا اليوم. ليس الأمر في أن جل الجهود العلمية كانت قائمة على الدعم الشخصي، ولكن لم يكن هناك سلطة مركزية تختار مقررات أو تفرض مذاهب، إلا في حالات تعسف وجبر مسجلة تاريخيًا. نعم كان هناك تملق ومداهنة واستقواء لدى بعض علماء الأشاعرة، لكن قدرة السلطة على التأثير بالتدخل المباشر كانت أقل كثيرًا عما نعرفه اليوم.

دعم السلاجقة الأشعرية عيانًا، أما المماليك والعثمانيون الحنفيون، فبالطبع كانوا أقرب إلى الماتريدية؛ المذهب العقدي الأقرب للأحناف. وفي الحالة الثانية، كان اقتناع العلماء وشبكاتهم بالأشعرية هو عامل الانتشار الرئيسي، ولم يظهر أي دليل علمي على تملق الأشاعرة للماتريدية مثلًا، كذلك التملق المعهود الذي يشير إليه موافي في مقاله. والأشعرية أيضًا ليست مدرسة صماء، فهناك اختلافات بين أشعرية المغرب ومصر وما وراء النهرين. أيضًا الاختلافات بين الأشعرية والماتريدية، على الرغم من تقاربهما، موجودة حتى اليوم، وأُلف فيها الكثير. حتى في حالة الأزهر، فالحقيقة أنه على الرغم من انتمائه للأشعرية، إلا أن أغلبية خريجيه اليوم سلفيون. 

ثانيًا، القول إن الأساس في قبول وانتشار الفكرة هو السلطة، ينزع الفاعلية عن الأفراد وجمهور المتدينين والعلماء، ويلغي التراكمات التاريخية لأفعالهم ومنتجاتهم. تتجلى هذه المغالطة في عدة مقولات، منها: «ولكن قضايا علم الكلام كانت كلها مستمدة من واقع الخلاف السياسي في الإمبراطورية الإسلامية في عهد الأمويين والدولة العباسية في بداياتها».

هذا ادعاء مخل، فقضايا علم الكلام بالأساس وأقسامه الثلاثة المعروفة: الإلهيات والنبوات والسمعيات، بالإضافة إلى قضايا الإمامة، قد توجد في كتب الكلام من حيث كونها فكرة دينية، لا سياسية. ولكن البغي والخروج على الحاكم وقضايا السياسة الشرعية محلها الفقه. بالطبع لا يمكن ولا يجب فصل الديني عن السياسي في التحليل الاجتماعي، لكن قراءة موافي تتجاهل البعد العلمي والاجتماعي الديني وتناقض حقيقة أن الرواج العلمي العقدي لا يمكن قراءته إلا كفعل سياسي من السلطة، لا بتمكين القراءة العلمية والدينية للتاريخ. 

أي قراءة مبسطة حول استقبال أفكار الأشعرية، والمناظرات (كمناظرات الأشعري ذاته مع المعتزلة، ومناظرات الإمام الرازي مع الفلاسفة والقرامطة)، والمراسلات (كرسائل الغزالي ضد المذهب الإسماعيلي)، والسجالات العلمية (كالتي جرت بين الإيجي والتفتازاني)، والمقالات الصحفية العلنية (مثلًا، مقالات الشيخ مصطفى صبري، آخر شيوخ الإسلام العثمانيين، والتي ناظر فيها العلمانيين والحداثيين)، وغيرها من الدفاعات والتقريرات النقدية للأفكار العقدية، كل ذلك هو جزء يسير من تبين الجوانب العلمية التاريخية التي تجعل رواية موافي المرتكزة على القوة وحدها -للأسف- مخلة؛ بل وتمثل إسقاطًا استرجاعيًا للواقع على الماضي، منغلقًا على القراءة السياسية فقط ورافضًا لحقائق التاريخ العلمي.  

قد تتدخل -وقد تدخلت- السلطة مرات ومرات لمصلحتها في الدين في كل عصر، ولكن يبقى الأساس لرواج العلم خارج نطاق السلطة التي تدعمه أساس علمي؛ فردي تراكمي من مجموعات وطبقات من أفراد العلماء والمشتغلين بالحركة العلمية. بالطبع هناك أنواع أخرى من السلطة مختلفة عن الدولة في التاريخ، فالعصور القديمة لم يكن بها مؤسسات وشبكات ومؤتمرات كتلك التي نعرفها اليوم. ولكن حتى داخل هذا الوضع في التاريخ، لا يمكن أيضًا ببساطة القول إن هَم أي حركة علمية هي مجرد الاستحواذ على قبول العوام فقط. قد تنتشر فكرة ويختارها الناس لأنها تعطيهم «معنى» وفاعلية حقيقية، وليس فقط بسبب التأثير السحري الجبري والشعبوي لطبقة العلماء المتسلطين. 

ثالثًا، القول إن شاغل أي حركة علمية أو عقدية أيما كانت هو السلطة، والإيحاء بتلاعبها بدليلها النصي لإنتاج عقائد رائجة، هي مقولة تستبطن انتفاء البعد الأخلاقي والتدقيق العلمي عنها. كيف يمكن القول إن أفكار العقيدة الأشعرية مصممة لكي تجمع بين متناقضين: «كأنما وضعها جهاز أمني بهدف التخلص من مسببات الخلاف التي قد تعكر صفو السلم اﻷهلي والأمن في المجتمع»؟ 

على الرغم من كون الموائمة مسألة مركزية في مقال موافي، إلا أن هذه المسألة هي نقطة ضعفه الأكبر. وإلا فأي موائمة عقدية قام بها الأشاعرة والأزهر مثلًا مع مذهب التجسيم، على الرغم من تلقيهم التمويل المباشر من السعودية والكويت، اللتين تواليان المذهب التجسيمي الوهابي؟ أين الموائمة «الأمنية» مع قول المعتزلة في ما يخص المحنة التاريخية، وفكرة عدم قبول توبة مرتكب كبيرة؟ 

يخلط مقال موافي بين «الوسطية» كخطاب دولاتي سياسي أنتجته المؤسسة الدينية الرسمية، وهو مصطلح ضبابي لم يُعرف تاريخيًا إلا ضمن واقع سيطرة الدولة على الخطاب الديني واستخدامه ضد أعدائها، وبين الاعتدال المفاهيمي.

فكرة الكسب، مثلًا، التي ادعى موافي أنها «تستعصي على الفهم في عصرنا هذا»، هي حافز ديني وحياتي للعديد من المتدينين وتمثل طاقة دينية وإبداعية للكثيرين، تعطيهم حافزًا في مواجهة أعمالهم ومصائرهم، بل ولها إسقاطات تعبدية تحدث عنها الصوفية. لك أن تقول إنه لا يمكنك فهمها، ولكنها مفهومة، بل ومشروحة ببساطة في سطور قليلة مثلًا في الموسوعة البريطانية. نختلف أو نتفق مع هذه المسائل، لكنها لا تصعب على الفهم، إلا على متحامل. كذلك الأمر مع مبدأ التنزيه، فالأشاعرة لهم تنزيه أيضًا مخالف للمعتزلة ومغاير للتجسيم، وهم -وليس المعتزلة- يرمون بتفريغ كل الصفات من معناها، وهذا خطأ آخر في المقال. 

كذلك يدعي المقال أن الأزاهرة التقليديين يستغلون فكرة وجود قطيعة بين التراث والحداثة ضد أعدائهم. التراث كمصطلح وفكرة ظهر بالأساس من مشروعات أغلبها قام بها مستشرقون منذ العصر التاسع عشر وتنويريون عرب ومصلحون كرفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وغيره من المنقلبين على الرؤية التقليدية الأزهرية، كما تظهر بعض الأعمال الأكاديمية (دراسة معتز الخطيب مثلًا). التهويل من الهجوم على التراث الديني لمصلحة شعبوية هو تكتيك محافظ مألوف ومرفرض. أتفق مع موافي في هذا، وأيضًا في ضرورة عدم وضع التراث والحداثة على طرفي نقيض. ولكن أختلف معه في أنه لا يوجد هجوم على التراث سواء أحببناه أم لا، وإلا فكيف نصف خطابات الخشت وأركون والجابري؟ نتفق أو نختلف، هناك خطابات مضادة للتراث تدعو لدفنه بالكلية، ولا ريب في أن يدافع عنه المؤمنون به بأدلة لتطويره وإحيائه من داخله. 

التراث الديني ليس مؤسسة جامدة لا تعرف التطور، وتطويره يجرى فقط على يد المؤسسات وليس فقط من أجل تمكين «رأس مال» السلطة الدينية. بل هو أيضًا يتغير ويتشكل ويُحيي نفسه بجدالاته ومعاركه الداخلية والخارجية باستمرار. وفكرة أن الحداثة جاءت وبنت سورًا فاصلًا بين ما قبلها وما بعدها، بما في ذلك الحياة والمؤسسة الدينية، هي منظور قاصر لا بد من إعادة النظر فيه فلسفيًا ومفاهيميًا. الواقع أن هناك استمراريات لا يمكن تجاهلها، منها تلك الاستمراريات العلمية الموجودة خارج المؤسسات الرسمية الموالية للدولة، وهي استمراريات تتفق مع المفهوم الديني لتوارث العلم بين أفراد العلماء، وليس مؤسسات. 

انظر مثلًا لكتابات طه عبدالرحمن في تجديد علم الكلام، مثل «في أصول الحوار وتجديد علم الكلام» (وهو الكتاب الذي ترجمته إلى الإنجليزية، عله يرى النور قريبًا)، وهو -في التحليل الأخير- «حداثي»، يجدد التراث وعلم الكلام برؤية نقدية مستبصرة منطقية، ولكن من داخله. محاولات الإحياء والتجديد موجودة، ولكن محل النظر فيها ليس المؤسسة الرسمية فقط. هناك العديد من المساهمات الفردية العلمية، والتي تعني بعلاقة الفكر العقائدي بالواقع وتطويره. هناك أيضًا مؤسسات بحثية غير رسمية تهتم بالفكر العقدي، عن نفسي عملت مع إحداها، ومما عملت عليه المؤسسة؛ الاشتباك مع العلم الحديث وأبحاث تكنولوجيا النانو من منظور عقدي، والأخلاق من منظور علم وجود إسلامي جديد، وغيرها من الموضوعات التجديدية. 

الأشعرية التي يحاول المقال نقضها «والتي تبقينا في البيت القديم»، تطورت عبر العصور خارج المؤسسات الرسمية الحديثة، بل وقبلت مسائل رفضتها في عصورها الأولى، بل استعارت وطورت أفكارًا ومسائل من غريمها الأكبر: المذهب الاعتزالي. المذاهب الفقهية أيضًا تتطور وتتغير عبر التاريخ. المذهب الشافعي، وهو تخصصي المتواضع، تغير وتحول وانقلبت العديد من أحكامه على مؤسسه وعلى «شيوخه» وتغيرت مواضع اجتهاده وأشكاله عبر العصور، بما في ذلك أشكال جديدة من الاجتهاد، كالاجتهاد بالرواية والجزئي بعد «غلق» باب الاجتهاد. لب الأمر أن الفكر المعتزلي أيضًا قائم على «النص»، وكذلك الأشعري، قائم على «العقل» أيضًا؛ لكن ليس العقل المادي التنويري. لا وجود لـ «عقلانية» خارج تراث تشتبك معه وتسمو به من خلال الإبداع النقدي والقدرة على توليد حجج والدخول في جدليات، مثلًا وفق رأي الفيلسوف الأمريكي ماكنتير. الخمول الأزهري، سببه عدم الاستقلالية المالية منذ عصر محمد علي وختامًا بعبدالناصر، والتحول إلى مصنع للتعليم الحداثي الجماهيري (بمقرراته التي تضعها السلطة ومراقبيها) وأداة للسيطرة على الخطاب في وجه أعداء النظام. 

هناك أخطاء أخرى في المقال، لا يسع المجال للتعامل إلا مع بعضها، أهمها، عرضه للدليل النصي المستند على الحديث. فمثلًا، تشديدًا من العلماء على أهمية ثبوتية أصول العقائد، لم يقبلوا خبر الآحاد لعدم قطعية ثبوته في أصول العقائد. ولكن، بجانب المتواتر اللفظي (أي تواتر نقل الحديث بذات النص) القطعي الثبوت، قبلوا أيضًا المتواتر المعنوي (أي حديث آخر بلفظ آخر أو متقارب ينقل ذات المعنى)، وهو أكثر بكثير من الأول. جماهير علماء الكلام تقبل الأحاديث الصحيحة دون المتواتر، بشرط ألا تدخل في الأصول (التي لا يعذر مخالفها). أما فروع العقائد (والتي يعذر من يخالفها) فقبلوا الصحيح والمشهور من الأحاديث كأدلة. هذا التشديد في التثبت، إن دل على شيء، يدل على عكس ما يرمي إليه عرض مقال موافي. على أي حال، يرى متأخرو المذهب أن هناك مسائل لا نحتاج فيها إلى النص (كحدوث العالم)، بل إلى العقل والاستدلال. يحاول مقال «التنجيد» الترقيع جاهدًا، فيدعي قبول الحديث الموضوع في العقائد، بل ويدلل على عرضه بمسألة فقهية مختلفة الدليل، وهي النقاب، في موضوع عقائدي. نقد السلطة الدينية واجب، خاصة إذا هادنت السلطة السياسية وخنعت لها، ولكن هل يكون النقد بترقيعه بأخطاء معرفية مجحفة؟

أشارك موافي مع العديدين من المتدينين وغير المتدينين في حنقنا ورفضنا تملق السلطة الدينية للأنظمة وقبولها أن تصير أداة في أيديها. ولكن السبب الأهم في جمود الأزهر وترهله، هو أيضًا ما لم يشر له شيخ الأزهر بالطبع مثلما تحدث عن العامل الخارجي، هو الدولة؛ بسلطويتها الشمولية ومشروعها الحداثي التنويري المشوه، تسقطه وتجبره على كل ما هو تحتها، ديني أو علماني. في حالة الأزهر، ابتلعته الدولة وحولته إلى جسد بيروقراطي يشبهها ويشبه مؤسساتها، وأخلت بقدرته العلمية الحقيقية على التطور والاشتباك والإحياء. ولكن نقد هذه المؤسسة لا يستلزم مغالطات تاريخية وعلمية، ولا إدعاء أن المدارس الاعتقادية نفعية شعبوية وغير علمية، ولا تهميش لدور الفرد المتدين بما يشبه ترقيع «رفا» غير متقن.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن