تعديلات «رعاية المريض النفسي».. ما وراء «الكهرباء»
 
 
صورة: سهير شرارة
 

«أرجوك يا دكتور توفيق والنبي أبوس إيدك أبوس رجليك.. بلاش كهربا»، تصرخ سلوى المحتجزة في مستشفى للأمراض النفسية، بينما يُمسك بها ممرض وممرضة بعنف ويجرانها ثم يثبتاها على الفراش وهي تصرخ وتستغيث بينما يشاهدها مجموعة من طلبة الماجستير. يضع الطبيب شيئًا يشبه السماعات على رأسها ويمرر من خلاله تيار كهربائي ينتفض له جسدها الضئيل.

المشهد من الفيلم الشهير «خلي بالك من عقلك» بطولة عادل إمام وشريهان، والذي عُرض عام 1985. تدور غالبية أحداثه في مستشفى للأمراض النفسية. ويظهر الأطباء متجهمين يعاملون المرضى بتعالٍ وجفاء، ويفرط الممرضون في العنف، بينما يستمتع طلبة الماجيستير من الأطباء بالسخرية من المرضى. مشاهد جلسات العلاج بالكهرباء في الفيلم كانت الأكثر رعبًا. يتم تهديد وإجبار المرضى عليه بحجة تهدئتهم، خاصة من يعانون من المرض الذي تعاني منه سلوى، لنكتشف في نهاية الفيلم أن البطلة لم تكن مريضة أبدًا ولا تعاني من أي شيء يمكن للكهرباء أن تعالجه أو أي دواء آخر.

إساءة كهذه حال دون استمرارها قانون رعاية المريض النفسي رقم 71 لسنة 2009، والذي حفظ للمريض حق الاختيار ما بين الخضوع للجلسات من عدمه، وحُصّن هذا الحق بوجوب عرض المريض على لجنة تقييم مستقلة من خارج المنشأة تؤكد أو تنفي حاجة المريض لدخول المنشأة والخضوع للعلاج من عدمه. 

إلا أن القانون منذ بداية العمل به في عام 2009 وهو يواجه محاولات للتعديل، سواء للائحة التنفيذية أو نص القانون ذاته، من قِبل تيار داخل الطب النفسي يرى في توسيع سلطات الطبيب على المريض ضمانة لعلاج أفضل. أحدث تلك المحاولات هي ما تقدمت به الحكومة من تعديلات في نوفمبر 2019 إلى مجلس النواب، وتناقشه لجنة الصحة في المجلس.

تتناول التعديلات عددًا من مواد القانون أهمها المادة 28، لتمنح الأطباء حق استخدام جلسات الكهرباء لعلاج بعض المرضى دون الحاجة لموافقتهم.

وتنص المادة (28) من القانون الحالي على أنه «لا يجوز إعطاء المريض النفسي أي علاج لحالته سواء كان هذا العلاج دوائيًا أو نفسيًا أو سلوكيًا أو كهربائيًا أو أي من العلاجات المستخدمة في الطب النفسي دون إحاطته علمًا بذلك، ويتعين إحاطته علمًا بطبيعة هذا العلاج والغرض منه والآثار التي قد تنجم عنه والبدائل العلاجية له، إذا امتنع مريض الدخول الإلزامي عن تناول العلاج المقرر يحق للطبيب النفسي المسؤول إلزامه بالعلاج، على أن يستوفي الطبيب إجراءات العلاج الإلزامي قبل الشروع في ذلك، ويجب عليه مراجعة إجراءات العلاج الإلزامي كل أربعة أسابيع على الأكثر، كما يجب إعادة النظر في تلك الإجراءات عند قيام الطبيب المعالج بإجراء أي تغيير جوهري في الخطة العلاجية المصرح بها ، وإذا استمر العلاج الإلزامي مدة أكثر من ثلاثة أشهر يتعين الحصول على تقييم طبي آخر مستقل، وذلك كله على النحو الذي تبينه اللائحة التنفيذية لهذا القانون».

ويطرح التعديل المقترح إضافة فقرة إلى المادة 28 أنه «يجوز عند اللزوم إعطاء المريض جلستين من جلسات تنظيم إيقاع المخ لحين إجراء التقييم المنصوص عليه في المادة 16 من هذا القانون وفقًا للضوابط التي تحددها اللائحة».

إلا أن عددًا من الأطباء النفسيين والكيانات، مثل جبهة الدفاع عن مستشفى العباسية ومنظمات حقوقية قد أعلنوا رفضهم للتعديلات. ووصفت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية التعديلات بأنها تنتهك حقوق المريض النفسي في العلاج وفي السلامة الجسدية، كما تتعارض مع العديد من الاتفاقيات والمبادئ والقرارات والتوصيات الدولية وتخالف التزامات مصر الدولية بموجب هذه التعهدات خصوصًا المتعلقة بالعلاج بالصدمات الكهربائية، والتي جعل منها التعديل المقترح رغمًا عن المريض وقبل موافقة اللجنة المستقلة. 

تُعرف الجمعية الأمريكية للطب النفسي المعالجة بالكهرباء «Electroconvulsive therapy» بأنها «علاج بالصدمة الكهربائية، وهو العلاج الطبي الأكثر شيوعًا في علاج المرضى الذين يعانون من الاكتئاب الشديد أو الاضطراب ثنائي القطب الذي لم يستجب لعلاج آخر. يتضمن العلاج بالصدمات الكهربائية تحفيزًا كهربائيًا قصيرًا للمخ، ويخضع له المريض بعد تخديره. وتتم الجلسات من قِبل فريق من المهنيين الطبيين المدربين يشمل طبيب نفسي وطبيب تخدير ومساعد ممرض أو طبيب».

بدأ استخدام العلاج بالجلسات الكهربائية لأول مرة في الطب عام 1938، وشهد تطورًا كبيرًا على مدار السنين. وبعد أن كان يتم توجيه تيار كهربي شديد للدماغ مسببًا نوبات تشنجية لكامل الجسم تسبب أضرارًا جسدية مثل الكسور وعض الألسنة، أصبح الآن عبارة عن نبضات كهربائية خفيفة تعمل على تنشيط عدد كبير من الخلايا العصبيّة لتحفيز نوبة تشنجية بسيطة ومنظمة، تؤثر على كيمياء الدماغ، بما يؤثر على تحسين المزاج والسلوك. وأوضحت الأبحاث وفقاً للمكتبة الوطنية للطب NLM التابعة لمعاهد الصحة الوطنية الأمريكية فإن تدفق النشاط الكهربائي الذي يُحدثه العلاج بالصدمات يغيّر كيمياء الدماغ. كما ينشّط هذا العلاج أيضًا تدفق هرمونات قد تساعد على تخفيف أعراض الاكتئاب.

«جلسة الكهرباء مفيهاش التعذيب والألم اللي في الصورة الذهنية عند الناس واللي جزء منها السينما والأفلام.. لأن التيار الكهربي نفسه مش مؤذي»، يقول سامح حجاج، أخصائي الطب النفسي في مستشفى العباسية لـ«مدى مصر»، موضحًا: «لكن اللي كان بيسبب ضرر هو التشنجات اللي لو كانت قوية ممكن تعمل كسر في العظم أو خلع، وعشان كده بندي للمريض باسط عضلات ومخدر».

ومع المخدر وباسط العضلات، يصبح المؤشر الفيزيائي الوحيد لتدفق الكهرباء إلى الدماغ هو ارتعاش قدم المريض. تستمر الجلسة العلاجيّة نحو دقيقة واحدة، ويستطيع معظم المرضى متابعة نشاطاتهم العادية بعد ساعة تقريبًا من كل جلسة علاجيّة.

يوضح المعهد الوطني الأمريكي للصحة النفسية أن الآثار الجانبية لجلسات الكهرباء على غالبية المرضى تنحصر في الشعور بألم خفيف، أو دوخة وغثيان، وأحيانًا صعوبة في التذكر للأحداث المرتبطة بالذاكرة قصيرة المدى، خصوصًا ذكريات فترة العلاج، ولكن المرضى يسترجعون ذكرياتهم عادة خلال الأيام أو الأسابيع التالية.

تحديد الضوابط التي تحكم استخدام العلاج بالكهرباء في مصر جاء للمرة الأولى في قانون أقره مجلس الشيوخ والنواب في 31 أغسطس 1944 «قانون رقم 141 بشأن حجز المصابين بأمراض عقلية». منح القانون بشكل عام صلاحيات واسعة لاحتجاز المرضى النفسيين، وسمح لـ «أي شخص تربطه بالمريض صلة القرابة أو المصاهرة أو من يقوم على شؤونه» بتقديم طلب كتابي لاحتجازه في مستشفى الأمراض العقلية، واكتفى بربط ذلك الطلب بشهادتين من طبيبين من غير الأطباء الملحقين بالمستشفى، يكون أحدهما موظفًا بالحكومة.

يشير حجاج إلى أن القانون القديم كان يسلب المريض النفسي حقوقه. «أحيانًا اللي أُجبروا على دخول المستشفيات مش بيكونوا مرضى أصلًا، وسمعت عن أزواج كانوا بيدخلوا زوجاتهم مستشفى الأمراض النفسية كنوع من العقاب، وأهالي بيبعتوا عيالهم بدون وجه حق»، يقول حجاج. لكن هذا تغير مع صدور قانون 2009. «مساحات التلاعب أصبحت أضيق».

ينقسم المرضى النفسيون وفقًا لقانون 2009 لفئتين، الأولى تخص الدخول بشكل «إرادي» تدخل المنشأة النفسية بإرادتها وتتلقى العلاج بموافقتها بما فيها العلاج بجلسات الكهرباء، وتملك حق رفضها وتلقي علاج بديل، والثانية «إلزامي» تُجبر على دخول المنشأة رغمًا عنها، ويحدد القانون من يحق لهم جلبهم، ولا يُسمح بإدخالهم إلا إذا قرر الطبيب أنهم في حاجة لهذا.

يوضح حجاج أن «المريض الإلزامي معناه أنه شخص محتاج علاج عاجل بشكل إلزامي لأنه هو مش هيطلب العلاج. وهنا فيه اعتبارين وفقًا للقانون عشان نحدد إنه مريض إلزامي وهو أنه متدهور أو على وشك التدهور وفقًا لتقييم الطبيب».

بحسب القانون، فإن الخطوة التي تلي دخول المريض الإلزامي هي عرضه على لجنة تقييم مستقلة، الغرض الأساسي منها هو تقييم الحالة المرضية والاستماع للمريض والتأكد من أنه يستحق دخول المنشأة ولا يتعرض لنوع من العقاب أو الاستغلال من قِبل ذويه أو من المنشأة ذاتها، بالإضافة إلى التأكد من أن خطة العلاج ونوعه مناسبة لحالته.

وبحسب المادة 27 من اللائحة التنفيذية للقانون، «… وإذا رفض المريض الخاضع لإجراءات الدخول والعلاج الإلزامي هذا النوع من العلاج [الكهربائي] وكان لازمًا لحالته، فرض عليه بعد إجراء تقييم طبي مستقل يسجل على النموذج المعد لذلك».

التقييم الطبي المستقل تقوم به لجنة ترسلها المجالس الإقليمية التابعة للمجلس القومي للصحة النفسية لتحديد مرضه ومدى حاجته للبقاء في المنشأة ونوعية العلاج التي يجب تلقيها، بالإضافة إلى حاجته للعلاج بجلسات الكهرباء من عدمه. ولا بد أن يكون الطبيب القائم بالتقييم من خارج المؤسسة.

يوضح حجاج أن التقرير المستقل يحتاج لقدر كبير من الخبرة، ويحتاج لجلسة كافية مع المريض لتقييم الحالة والتأكد من كونه مريضًا إلزاميًا من عدمه، ومراجعة ما كتبه الطبيب في نموذج رقم 5 (النموذج الذي يقوم الطبيب بملئه فور إدخال المريض، يحتوى على التشخيص والعلاج المقترح ومن ضمنه جلسات الكهرباء). ولا يمكن للطبيب إعطاء جلسات كهرباء للمريض بدون موافقة التقييم المستقل، وفقًا للقانون ولائحته التنفيذية التي صدرت في مارس 2010.

وفي 2011، قرر عارف خويلد، الأمين العام الأسبق للصحة النفسية في وزارة الصحة، تغيير أجهزة الكهرباء في مستشفيات الأمانة العامة إلى جهاز موجات متناهية الصغر ultra short wave، والذي يتسبب في قدر أقل من الأعراض الجانبية، بحسب وئام وائل، أخصائية الطب النفسي ورئيسة وحدة السيدات مطورة بمستشفى العباسية.

تشير وئام إلى أن دور خويلد في تغيير الأجهزة شجّع عدد من الأطباء على تقديم بلاغ للنائب العام في أبريل 2011 ضد أشرف حاتم، وزير الصحة والسكان، وعدد من المسؤولين مطالبين بإعادة تقييم جهاز «بيتا 444» سيئ السمعة، ووقف استخدامه  لخطورته على صحة وحياة المرضى النفسيين. 

وفي يونيو من العام ذاته أصدر وزير الصحة قرار رقم 7 لسنة 2011 بوقف العلاج باستخدام جهاز (بيتا 444) بجميع المستشفيات والعيادات التابعة للوزارة والمستشفيات الخاصة.

أثار قانون 2009 جدالاً منذ بداية الحديث عنه في عام 2008 بسبب انقسام العاملين في مجال الطب النفسي لتيارين. التيار الأول شارك في صياغة القانون وأيّده، ويرفض أي تعديلات تنتقص من حقوق المرضى أو تعمل على تغيير المصطلحات واقتطاع المزيد من الميزانية المحددة لقطاع المرض النفسي. الثاني يرفض القانون ويسعى منذ سنوات ومن خلال قنوات مختلفة لإقرار تعديلات تسلب المريض النفسي حرية تقرير مصيره وتزيد من سلطة الطبيب النفسي وسطوته.

نجحت لجنة صياغة القانون بمشاركة منظمات المجتمع المدني في صياغة القانون، رغم التحديات حينها التي تعلقت بوضع المستشفيات التابعة للشرطة والجيش والجامعات في القانون واستثنائها من الرقابة ولجان التقييم المستقل، وإشكاليات أخرى مرتبطة باللائحة التنفيذية التي صدرت في مارس 2010.

راجية الجرزاوي، الباحثة في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، والتي شاركت في لجنة صياغة القانون، تعتبر أن قانون 2009 يمثل بشكل عام انحيازًا لصالح المريض. واعتبرت حينها أن «إقرار القانون الجديد خطوة إيجابية تأخرت كثيرًا، ومؤشر مشجع إلى أن أعضاء مجلس الشعب قرروا الانحياز لصالح حماية حقوق المرضى النفسيين وعدم الاستجابة لاعتراضات البعض ممن حاولوا الإبقاء على الوضع الحالي عبر مقاومة أي إجراء يهدف للإشراف والرقابة على الأوضاع داخل مؤسسات الصحة النفسية».

لكن محاولات تغيير القانون لم تتوقف منذ إقراره. لم يكد يمر عام على صدور اللائحة التنفيذية للقانون حتى كلف أشرف حاتم، وزير الصحة والسكان بحكومة تسيير الأعمال في فبراير 2011، أحمد عكاشة، أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس، «بوضع مقترحات لإعادة تنظيم منظومة الصحة النفسية بما تضم من قوانين وقرارات خاصة بالمريض النفسي».

الخطوة أثارت قلق منظمات المجتمع المدني بسبب اختيار عكاشة. في خطاب وجهته إلى وزير الصحة، قالت «المبادرة المصرية» إن «من بواعث قلقنا في هذا الصدد أن الدكتور عكاشة كان في طليعة من هاجموا مشروع القانون ومشروع لائحته التنفيذية في مرحلتي الصياغة والمناقشة بدعوى أن كفالة المزيد من الحقوق للمرضى ينتقص بالضرورة من حقوق وسلطات الأطباء النفسيين، وهو موقف نختلف معه جملة وتفصيلًا. لهذا نلتمس من سيادتكم التروي والحذر».

لكن هذه التحفظات لم تتمكن من تحقيق أي نجاح. وفي أبريل 2011، نشرت الجريدة الرسمية قرار وزير الصحة رقم 210 بتعديل بعض أحكام اللائحة التنفيذية لقانون «رعاية المريض النفسي»، متضمنة التعديلات التي وضعها عكاشة. أبرز التعديلات كان تغيير مصطلح «الجلسات الكهربائية» لتصبح «علاج تنظيم إيقاع المخ»، وتعديل المادة 27 لتكون «وإذا رفض المريض الخاضع لإجراءات الدخول والعلاج الإلزامي هذا النوع من العلاج وكان لازمًا لحالته، فُرض عليه بعد إجراء تقييم طبي مستقل، إلا في الحالات الطارئة فيتم إعطاء العلاج الكهربائي (علاج تنظيم إيقاع المخ) قبل الرأي المستقل بحد أقصى ثلاث جلسات علاجية»، بما يعني تراجعًا عن حق المريض في تقرير علاجه.

على إثر التعديلات، أقامت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في يونيو 2011 دعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري ضد قرار وزير الصحة. واعتبرت الدعوى أن نص اللائحة التنفيذية مخالف للقانون ومن شأنه انتهاك الحقوق الأساسية للمريض، وإهدار للضمانات التي كفلها القانون.

وبعد أربع سنوات، أودعت الدائرة الأولى بمحكمة القضاء الإداري في جلسة 7 مايو 2015 أسباب حكمها ببطلان إجراء العلاج الكهربائي للمريض النفسي في الحاﻻت الطارئة دون تقييم طبي مستقل لحالته يجيز هذا العلاج، والعودة للنصوص اللائحة قبل التعديل.

وقالت المحكمة في حيثياتها إن «قرار وزير الصحة […] مخالف للقانون، وﻻ يجوز للائحة التنفيذية أن تعدل أو تخالف أحكام القانون».

تعديلات القانون المطروحة من قِبل الحكومة في 2019 تتناقض مع وثيقة «مبادئ حماية الأشخاص المصابين بمرض عقلي وتحسين العناية بالصحة العقلية» الصادرة في ديسمبر 1991، ووقعت عليها مصر، وتنص على أنه «عندما يؤذن بإجراء، أي علاج دون موافقة المريض عن علم، يجب مع ذلك بذل كل جهد لإعلام المريض بطبيعة العلاج وبأي بدائل ممكنة، وإشراك المريض في وضع الخطة العلاجية بالقدر المستطاع عمليًا». وتوضح الوثيقة تفصيليًا الإجراءات المتبعة في حالات العلاج الإلزامي بوجود لجنة مستقلة توافق على خطة العلاج قبل الشروع فيه.

وأرسل متخصصون محليون ودوليون في مجال الصحة النفسية خطابًا للجنة الصحة بالبرلمان وأمانة الصحة النفسية ووزارة الصحة، يوضح الانتهاكات التي تنطوي عليها بعض التعديلات لحقوق المريض، وخاصة فيما يتعلق بالعلاج بالصدمات الكهربائية، تضمن رفضهم لتغيير المصطلح لـ «جلسات تنظيم إيقاع المخ»، والقيام بجلسات دون تقييم مستقل في حالة المريض الإلزامي أو بدون موافقة كتابية في حالة المريض غير الإلزامي.

كما أرسلت منظمة الصحة النفسية العالمية WPA، التي تولى رئاستها عكاشة من 2002-2005 ليكون بذلك أول رئيس مصري لها، خطابًا لمنى عبد المقصود، رئيسة الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان بوزارة الصحة، أعربت فيه عن قلقها من التعديلات المقترحة على القانون، خاصة فيما يتعلق بتغيير اسم العلاج بالجلسات الكهربائية لـ «جلسات تنظيم إيقاع المخ»، وإعطاء تلك الجلسات للمريض الإلزامي دون تقييم مستقل، بالإضافة إلى عدم الحصول على خطاب موافقة موقع من المريض الإلزامي للحصول على الجلسات الكهربائية.

«مفيش حاجة اسمها جلسات تنظيم إيقاع المخ لأن المفروض أن المريض غير الإلزامي بيكون موقع على الموافقة المستنيرة ومكتوب فيها تيار كهربي، فازاي القانون يسميها حاجة غير كده. وفعليًا في تيار كهربي بيمر في جسد المريض»، يقول مينا فارس، أخصائي الطب النفسي، لـ«مدى مصر».

وتعتبر نهلة الإبياري، استشاري الصحة النفسية، أن «التعديلات المطروحة على القانون في عام 2019 تشترك مع التعديلات اللي طُرحت في عام 2011 فيما يخص جلسات الكهرباء بالأساس.. يعني في 2011 رفعنا قضية عشان كانت لائحة تنفيذية تتناقض مع القانون.. لكن دلوقتي بيتم تحريك التعديلات لتكون نص القانون نفسه».

من جانبه، قال ناصر لوزا، مستشار منظمة الصحة العالمية ومدير مستشفى بهمن، إن «فيه وجهة نظر بتقول إن الدكتور له الحق في إنه يدي المريض جلسات علاج كهربائي بقرار منفرد.. وده اللي حصل بالفعل في تعديلات اللائحة التنفيذية في 2011. وبفضل منظمات المجتمع المدني، تم التقاضي، والقاضي وقتها لما حكم برفض تعديلات اللائحة قال إن الوزير لا يملك تغيير قانون أو إقرار لائحة تنفيذية مخالفة لقانون، بالتالي تم الحكم على هذا الأساس، وليس على أساس المحتوى. فكان من المنطقي أن الراغبين في التغيير يلجأوا المرة دي للناحية التشريعية المظبوطة أي الرجوع لمجلس الشعب».

التيار الرافض للتعديلات المقترحة لا يرفض بالأساس العلاج الكهربائي، وإنما يرفض سلب المريض حقه في الاختيار الحر لنوعية العلاج الذي يتلقاه، على الأقل لحين الحصول على رأي التقييم المستقل في حالات المريض الإلزامي.

يرى أحمد حسين، أخصائي الأمراض النفسية والعصبية ورئيس جبهة الدفاع عن مستشفى العباسية، أن الدافع وراء التعديل الخاص بجلسات الكهرباء هو الرغبة في الخروج من إطار موافقة المريض. «السماح بجلسات بدون تقييم مستقل بيفتح الباب لإساءة الاستخدام.. مش إساءة ظن لكن مفيش حاجة اسمها تسيب الناس لضميرها. لازم يكون في قانون لأن ممكن يتم تخويف العيانين بجلسات الكهرباء واحنا عندنا تاريخ طويل من ده»، يقول لـ«مدى مصر». «كان فيه مستشفى يمشي فيها ممرض مع الدكتور معاه جهاز صغير بيولد كهربا ويقرب الطرفين من بعض عشان يخوف العيانين من الكهرباء».

ويقول حسين إنه «ما لا يقل عن 70 أو 80% من المرضى لما بنشرح لهم العلاج بجلسات الكهرباء وإزاي بتتم.. بيوافقوا على الجلسة وبتبقى بإرادتهم.. لكن لازم أقعد مع المريض وأشرح له بالتفصيل وأرد على كل أسئلته ومخاوفه، ده حقه ولازم أحترمه».

تقول نهلة إن «التعديلات تعيد للأذهان إساءة استغلال المستشفيات النفسية والعلاج النفسي لتصفية الحسابات وعلى سبيل المثال الانتقام من المعارضين السياسيين..المفروض القانون معمول لحماية المرضى النفسيين مش الإساءة لهم.. يعني بدل ما يعمل تعديلات للتقدم بمستوى رعاية حقوق المرضى».

بحسب رأيها، فإن التعديلات المتعلقة بالجلسات الكهربائية للمريض الإلزامي هدفها زيادة تربح المستشفيات الخاصة. تقول إن «المستشفيات الخاصة المرخصة وغير المرخصة هي المستفيدة بالأساس لأن أرخص جلسة كهربا بتبدأ بـ 600 جنيه، ورسم الدخول 200 جنيه. يعني بحسبة بسيطة ما يقرب من 1500 جنيه في أول يومين دخول».

يتفق حجاج مع نهلة فيما يخص الدافع الاقتصادي وراء التعديلات. يقول إن «الفترة اللي كنت فيها مدير استقبال العباسية كنت بستقبل مرضى لهم تاريخ علاجي طويل خضعوا فيه لجلسات كهرباء بعشرات الآلاف في مستشفيات خاصة، وفي كل مرة بعد الجلسة حالتهم كانت بتتحسن لمدة أسبوعين ويضطروا يرجعوا تاني ياخدوا جلسات.. لكن لما الفلوس خلصت قرروا ييجوا مستشفى العباسية لأن الجلسة كانت بـ 35».

يوضح حجاج أن نتائج جلسات العلاج بالكهرباء سريعة وملحوظة، وهو ما تلجأ إليه بعض المنشآت النفسية رغم ما يتكبده المريض من أعباء مادية يمكن تجنبها بالخضوع لأساليب علاجية أخرى أقل تكلفة.

سرعة الاستجابة للعلاج بالجلسات الكهربائية في عدد كبير من الحالات المرضية، من وجهة نظر علاء غنام، مدير برنامج الحق في الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ربما يكون السبب في طرح هذه التعديلات للمرة الثانية. يقول لـ«مدى مصر»: «معنديش تصور حقيقي [لسبب] الإصرار على التعديلات دي.. لكن يعني الحل بتاع الجلسات الكهربائية ده بيحاول يختصر موضوع بذل وقت أطول مع المريض والتحليل وتقليل للضغط على الأطباء».

يرى لوزا أن هذه التعديلات قد تتسبب في نتائج عكسية للمرضى. «لو مسكت [المريض] وكتفته […] يضر ويصم العلاج النفسي بشكل شنيع»، يقول لوزا، «يعني كمريض لو عارف إنه ممكن يحصل فيه كده، بالتالي لن يأتي، ولن نساعده، لأنه لا يشعر إننا كمهنة نحترمه». بحسب رأيه، فإن هذه التعديلات ترجع عشر سنين إلى الوراء».

يقول لوزا إن إجبار المريض يمثل «نظرة أبوية» وجزءًا من ثقافة المجتمع ككل فيما يخص حق الإنسان في اتخاذ قراره بنفسه سواء داخل الأسرة أو المجتمع أو علاقته مع الدكتور المعالج.

لا يرفض الدكتور ناصر لوزا طرح تعديلات على القوانين من ناحية المبدأ. «القوانين في الدنيا تتطور.. يعني مفيش قانون يقعد أربعين خمسين سنة، الدنيا تتغير وثقافة المجتمع تتغير والتغيرات مطلوبة. لكن لازم القوانين تتطور في اتجاه احترام الحريات أكثر».

اعلان
 
 
كارولين كامل 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن