العشاق الكوزميك يقابلون كاميليا جبران 
 
 

العشاق الكوزميك يقرأون كفافيس، ثم يستمعون إلى كاميليا جبران في مكتبة الإسكندرية. قصائد كفافيس التي تسكن صور الماضي دون نوستالجيا، تلك التي تجد الذاكرة في الجسد وتحول التاريخ إلى أكثر من كونه مقبرة للمسارات المحبطة.

العشاق الكوزميك يعشقون كاميليا. يعشقون حضورها الوقور خفيف الوطأة على المسرح، ويعشقون جرأتها في إعادة إنتاج هويتها الموسيقية.

في مكتبة الإسكندرية، استمعنا لألبوم كاميليا الجديد «و»، وشعرنا بارتباك شديد. بدت الموسيقى نخبوية وغامضة. غادر عدد من الجمهور القاعة قبل انتهاء العرض.

ربما كان لطبيعة المكان دورها؛ القاعة الفخمة، الموسيقيان على خشبة مسرح بمعزل عن الجمهور، الجالس بدوره على كراس، وكأنه في وضع استقبال لرسالة غاية في الجدية. كل ذلك أضفى على الأمسية طابعًا رسميًا.

العشاق الكوزميك يعتقدون أنه من الأفضل الاستماع إلى «و» في إطار أكثر حميمية، كأننا نلتقى للمرة الأولى بأشخاص مثيرين لكنهم صعاب المراس، فننأى بهم عن الضجيج لنتمكن من الاستماع بشكل أفضل.

نعم، الاستماع هنا مسألة مجهود. الموسيقى على «و»  ترفض أن تلعب دورها التقليدي في انتشال المستمع إلى حالة من الانتشاء اللطيف. يبدو ذلك واضحًا منذ اللحظة الأولى. فالموسيقى الإلكترونية المصحوبة بالعود غير محددة الملامح، ليس هناك في معظم الأحيان لحن واضح أو إيقاع ثابت، بل انطباعات سمعية كثيرة متداخلة، متنافرة أحيانا، تصنع غمامة صوتية واحدة. النتيجة حالة تأملية مشحونة، حالة تسمح بالانغماس فيها، لكنها تحرص في الوقت نفسه على ألا تكون مريحة تمامًا.

تذكرنا الموسيقى بصفة الصوت الأصيلة ككائن مقتحم، مخترق للأمكنة والنفوس. لا يمكننا، في أحيان كثيرة، سوى الاستسلام له.

 بوعي مجسِد لتلك الصفة، يستخدم الموسيقيون آليات توزيع الصوت على المكان. نجلس نحن ثابتين في مكاننا، وتلف من حولنا مدخلات موسيقية مختلفة. تغمرنا. لا هروب.

على مستوى الكلمات، فالغيم أحد الثيمات المفتاحية في الألبوم.

غيم.. غم… مغموم…

غيم الأنا… غيم العين… غيم أنا.

تأتي كاميليا جبران من تراث موسيقي يتربع الغناء والكلمة المغناة على عرشه. وفي «و»، تضعنا في حالة تساؤل مضطربة حول سلطة الكلام في الغناء أو سلطة الكلام في المطلق. تحول إلى كلمات بدلًا من جمل. بعض منها يعرض حالة التساؤل هذه بشكل مباشر. في مقطع ما، ترقصنا ما بين كلمتين على إيقاعات فيرنير هاسلر الإلكترونية: لغة وثقة. تتحول أحيانًا الى «ثقة اللغة» وفي أحيان أخرى إلى «لغة الثقة»، قبل أن تذهب الى تجريد يبلور التساؤل أكثر بإسقاط تعريف الألف واللام: ثقة لغة؟

تذهب كاميليا بطموحها إلى مكان آخر: كيف تتحول الكلمات إلى موسيقى، نغمات تراقص وتتلاعب مع تلك التي تخرج من آلات هاسلر الإلكترونية والهوائية ومن عودها هي؟ كيف تتحول الكلمات إلى مجرد نغمات؟ وهل نتحدث هنا عن إلغاء لوظيفة الكلمة كمصدر للمعنى؟ ليس بالضبط.

في أحد المقاطع، يعطينا هاسلر إيقاعًا رشيقًا، هو الأسرع في المقطوعة الممتدة للألبوم، ومعه تعطينا كاميليا هذه الكلمات: جلس. كتب. درس. قرأ.

يستمر الإيقاع في ثباته المتكرر، بينما تعيد هي غناء الأربع كلمات بأصوات وأشكال نطق وأنفاس مختلفة. في لحظات، نتناسى معنى تلك الكلمات وننغمر في وقعها الحسي مع إيقاعات هاسلر. نبدأ في تحريك أحد أصابع يدينا مع الموسيقى، وربما إحدى قدمينا، وربما رأسنا، أيضًا. كان هذا هو الجزء الأسهل في الاستساغة في المقطوعة حيث انصهرت الكلمات مع الموسيقى في إيقاع أليف. ولكننا لا نتحرر تمامًا من معنى الكلمات. فتاريخ كاميليا الغنائي الغني والواثق يعود ليتسلل إلى أدائها اليوم، فيتحدى حالة التساؤل والتفكيك الطموحة التي تطرحها مقطوعة «و».

الغناء على «و» ليس غناءً بالمعنى التقليدي. قد يعتبره البعض نشازًا. وكأن كاميليا تحاول جاهدة ألا يخرج صوتها جميلًا. وكأنها تتعمد إخطاء النغمات، أو لنكون دقيقين، وبما أنه ليس هناك لحن للأغنية أصلًا كي يصيبه الصوت أو يخطئه: كأن الصوت هنا يرفض أن يُخضع نفسه لأطر التناغم الموسيقية الشائعة، فجاءت النغمات غير متوافقة، ومفاجئة في مساراتها في الكثير من الأحيان. كأن الصوت يرفض أن يلعب أدوارًا تقليدية في مصاحبة الموسيقى.

 في جزء ما من المقطوعة، يلعب هاسلر نغمة ببوقه، وتحاكيها كاميليا بصوتها، فنتعرض مجددًا لتجسيد فكرة الصوت الإنساني كمجرد آلة موسيقية، مثلها مثل باقي الآلات. الفكرة ليست جديدة ولكنها هنا لا تتخاذل في طرح نفسها، وذلك رغم أداء كاميليا الصوتي الهائل في مواجهة الآلة، والذي يأتي أحيانًا كصوت الخطيب المنتصر للغناء، وليس كصوت مكسور منحني للتساؤل.

هكذا ينأى الصوت بنفسه عن منطقة اليقين التقليدية، ويتحول إلى علامة استفهام كبيرة.

يتخيل العشاق الكوزميك أن صوت كاميليا جبران في «و» يصارع صوتها القديم الذي اعتادته الجماهير، يهرب منه، أو يتحرر عنه. بدلًا من أن يكون حاملًا للمعاني المكتملة البسيطة يختار أن يكون تجسيدًا لمحنة مواجهة الماضي. ينتهج البعد ما بعد حداثوي في تفكيك ما يبدو لنا متسقًا من تاريخ وموسيقى وغناء ولغة، ذلك البعد الذي كثيرًا ما يتوقف عند فتح أحشاء الماضي ووضعنا في مواجهتها. بُعد يفكك ولا يولِّد، وبدلًا من أن يقدم تخيلًا واضحًا عن التجديد، يفتح مساحة للشك تضعنا أمام مرآة لذواتنا: بم نتشبث، وما هي حدودنا في الاشتباك؟

أو بكلام آخر: إذا ما كانت هناك موسيقى تصويرية لحركة التاريخ، كيف نتخيلها؟ أنتخيلها بالضرورة جاهزة سهلة الاستساغة؟

اعلان
 
 
العشاق الكوزميك 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن