«صفقة القرن» وتحولات السياسات العربية تجاه القضية الفلسطينية
 
 

عادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العربي بعد عقد من الإهمال، نتيجة عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المعروف بـ«صفقة القرن» لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. وأدى العرض الأمريكي إلى ظهور انقسام عربي كبير.

العرض المكون من 181 صفحة، والذي أُعلن عنه الثلاثاء الماضي، ينحاز لإسرائيل في جميع القضايا الرئيسية تقريبًا، ومن بينها الحدود والمستوطنات ووضع القدس وحق العودة للاجئين الفلسطينيين.

قال مصدر سياسي فلسطيني مقرب من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، لـ«مدى مصر»، الخميس الماضي، إن الفلسطينيين يريدون من الدول العربية أن تعلن عن التزامها الكامل بتحقيق تسوية عادلة للقضية الفلسطينية على أساس مبادرة السلام العربية وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة. 

تدعو المبادرة العربية التي وافقت عليها جامعة الدول العربية في قمة بيروت 2002، إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة داخل حدود 4 يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية والتوصل إلى تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين.

لقد شكلت هذه العناصر أساس محادثات السلام في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية السابقة، منذ مؤتمر مدريد عام 1991، وحتى نحو عقد من الزمان، عندما رفض الفلسطينيون التفاوض مباشرة طالما استمرت إسرائيل في بناء المستوطنات على الأراضي التي احتلت في 1967.

تلغي «صفقة القرن» هذا الأساس.

«الاقتراح هو صفعة للمبادرة العربية ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة -وبالتأكيد للجامعة العربية ودولها الأعضاء»، بحسب قول السياسي الفلسطيني، والذي أضاف: «نريد فقط أن تعلن الدول العربية أنها لن تتقبل هذه الصفعة».

يوم السبت الماضي، اعتمد وزراء الخارجية العرب في مقر جامعة الدول العربية في القاهرة موقفًا بالإجماع برفض عرض ترامب. انعقد الاجتماع الطارئ فورًا بناءً على طلب فلسطيني. وفي الاجتماع وُصف ما عرضه ترامب بأنه لا يفي بالحد الأدنى من الشروط اللازمة للتوصل إلى تسوية عادلة ومستدامة للصراع العربي الإسرائيلي.

ولقد صاغ الوفد الفلسطيني برئاسة عباس القرار الذي تبناه الوزراء. ووفقًا لدبلوماسي عربي يتابع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي عن كثب، أُدخلت تغييرات طفيفة فقط على نص القرار للتخفيف من حدته.

حصل الفلسطينيون على دعم فوري من الأردن، صاحب المصلحة المباشرة في أي تسوية فلسطينية إسرائيلية مُستقبلًا. الدول الأخرى التي تدعم الفلسطينيين، وفقًا لتقدير المسؤول الفلسطيني، تشمل السودان والجزائر وتونس.

من جهة أخرى، قال المسؤول إن دعم عرض ترامب من جانب البحرين وعمان والإمارات العربية المتحدة، الذين أرسلوا سفراءهم في واشنطن إلى البيت الأبيض أثناء إعلان ترامب عن الاقتراح، اُعتبر «فضيحة».

وفي الوقت نفسه، جاء قبول مصر للاقتراح أقل صراحة.

«في غياب عرض سياسي آخر، ونظرًا لحقيقة أن هذا العرض يعيد إشراك الولايات المتحدة فعليًا في عملية السلام في الشرق الأوسط، فليس من الحكمة التسرع في رفض العرض»، على حد قول دبلوماسي مصري. تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، وأضاف: «لا تطلب مصر من الفلسطينيين قبول العرض كما هو، بل قراءته وتحديد كيفية التفاوض على مطالبهم على أساسه».

أصدرت مصر، الثلاثاء الماضي، بيانًا يدعو «الجانبين» إلى النظر بعناية في العرض واستخدامه لإعادة فتح قنوات التفاوض. وفي بيان أكثر ودًا تجاه الفلسطينيين، خاطب وزير الخارجية سامح شكري عباس في اجتماع القاهرة السبت الماضي. حيث أشار إلى مبادرة السلام العربية وكذلك قرارات الأمم المتحدة كأساس لمفاوضات السلام. كما أكد أن الدولة الفلسطينية هي الدولة التي ستُقام على أراضي 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وهي عناصر كانت قد حُذفت من بيان سابق أصدرته مصر يوم الثلاثاء عقب إعلان ترامب عن عرضه.

وقال شكري أيضًا إنه يجب التعبير عن الموقف الفلسطيني بوضوح. وعلى الرغم من إعلان عباس ​​عن خطط لتعليق كل الاتصالات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وفقًا للدبلوماسي العربي، فإنه ليس في وضع يتيح له اتخاذ مثل هذا القرار الراديكالي. لكي يتمكن الزعيم الفلسطيني من اتخاذ قرارات صارمة، فإنه يحتاج أولًا، وقبل كل شيء، إلى إنهاء نزاع فلسطيني داخلي طويل. في القاهرة، التي كانت أكثر العواصم تورطًا في الترويج لإنهاء الخلاف الفلسطيني بين «حماس» و«فتح»، لم يكن هناك أي توقع جاد بأن المصالحة ممكنة قبل اتخاذ موقف متماسك ضد عرض ترامب.

لعبت مصر دورًا في «صفقة القرن» منذ فترة طويلة. في اجتماع مع ترامب في البيت الأبيض في عام 2017، صرح الرئيس عبد الفتاح السيسي للصحفيين بأن مصر على استعداد للعمل مع ترامب بشأن «صفقة القرن». بحلول عام 2018، دخل فريق ترامب في مداولات مع مصر حول الترتيبات الأمنية والاقتصادية على الحدود بين مصر وغزة، ومصر وإسرائيل في إطار الصفقة. يتضمن أحد هذه الترتيبات إنشاء ميناء مشترك على البحر المتوسط ​​بين مدينتي رفح المصرية والفلسطينية تمهيدًا لتوسيع النشاط الاقتصادي في شمال سيناء.

توقع السياسي الفلسطيني أن يتخذ المغرب والسعودية موقفًا مختلفًا بعض الشيء بشأن مطالبهما. ووفقًا لما قاله، فإن المغرب، الذي يتقلد ملكه منصب رئيس لجنة القدس، وهي جزء من منظمة التعاون الإسلامي التي تدعم المصالح الفلسطينية والإسلامية في القدس، والمملكة العربية السعودية، التي قادت مبادرة السلام العربية، من غير المُرجح أن يعارضا المطالب الفلسطينية.

وأضاف: «قد لا يرغبان في معارضتنا لهذا العرض المهين على نحو صارم، كما نفعل، لكنهما لن يُعلنا ذلك صراحة». 

على مدار السنوات الثلاث الماضية، عبّر العديد من مسؤولي السلطة الفلسطينية مرارًا وتكرارًا عن استيائهم، خارج المحاضر الرسمية، لما اعتبروه ضغوطًا مصرية وإماراتية وسعودية على الفلسطينيين لتجنب رفض «الصفقة».

قال هؤلاء المسؤولون مرارًا وتكرارًا إن هذا الضغط، وخاصةً من مصر، كان بمثابة تحوّل كبير عن الموقف المصري التقليدي الذي ظل ثابتًا على الدوام تجاه المطالب الأساسية لحقوق الفلسطينيين.

وفقًا لدبلوماسي مصري سابق كان مشاركًا منذ فترة طويلة في عملية السلام في الشرق الأوسط، فإن التأثير المباشر والفعلي المحتمل لعرض ترامب هو أكثر عمقًا من الكشف عن الرغبة الخفية لدى عدد متزايد من الدول العربية، والذين يتمنون بأن ينخفض سقف توقعات الفلسطينيين بشأن إقامة دولة.

الأمر الأكثر أهمية، حسب قوله، هو أن إعادة طرح «صفقة القرن» مؤخرًا يمكن أن يؤدي إلى تغييرات كبيرة على الأرض. «يمكن [لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين] نتنياهو، على سبيل المثال، المضي قُدُمًا في ضم النطاق الكامل للأراضي التي توجد عليها مستوطنات إسرائيلية [في الأراضي المحتلة داخل الضفة الغربية] ويمكنه أيضًا المضي قُدُمًا وضم وادي الأردن»، يقول الدبلوماسي.

في تصريحاته في البيت الأبيض، الثلاثاء الماضي، أفرط نتنياهو في شكر ترامب على اعترافه «بسيادة» إسرائيل على المستوطنات الإسرائيلية في «يهودا والسامرة» وكذلك وادي الأردن بأكمله.

وفقًا لوسائل الإعلام الإسرائيلية، ربما يفكر نتنياهو في الضم الفوري لكل من أراضي الضفة الغربية ووادي الأردن، بالنظر إلى أنها جزء من إسرائيل بموجب «صفقة القرن» التي أعلنها ترامب.

وفقًا للدبلوماسي المصري، فإن هذا سيؤدي على الأقل إلى خلق مشكلة سياسية للأردن، حيث أدت معاهدة السلام لعام 1994 مع إسرائيل إلى تأجيل إقامة حدود على طول وادي الأردن في انتظار اتفاق سلام فلسطيني إسرائيلي، كان من شأنه أن يسمح للأردن والدولة الفلسطينية بترسيم هذه الحدود.

وقال الدبلوماسي نفسه إن العرض الأمريكي يُعد تحوّلًا كبيرًا ومدمرًا عن «معايير كلينتون».

في عام 2000، استضاف الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون محادثات موازية مع الفلسطينيين والإسرائيليين، بقيادة كل من رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك. عرض كلينتون مجموعة من المعايير للحل النهائي وعبّر عن أمله، مع بدء ولايته الأولى في البيت الأبيض، في توقيع اتفاقيات أوسلو بين عرفات والزعماء الإسرائيليين إسحاق رابين وشيمون بيريز، وأن يشهد توقيع أسس لاتفاق سلام نهائي قبل نهاية ولايته الثانية.

شملت معايير كلينتون منح الفلسطينيين جميع الأحياء العربية في القدس الشرقية، وأكثر من 90 في المائة من الضفة الغربية وغزة كلها، بالإضافة إلى خمسة سيناريوهات محتملة للتعامل مع قضية اللاجئين.

لا شيء من هذا في ما اقتراحه ترامب الذي تعهد بأن القدس بأكملها هي «عاصمة إسرائيل الأبدية والموحدة». «لقد أعطيتك هذا بالفعل»، هذا ما قاله في حفل أُقيم في البيت الأبيض لنتنياهو المُبتهج والدبلوماسيين الإسرائيليين. علاوة على ذلك، بموجب خطة ترامب، سيحصل الفلسطينيون على أقل من 50 في المائة من الضفة الغربية.

قضية اللاجئين غائبة تمامًا -أو، كما قال نتنياهو خلال حدث البيت الأبيض، «يجب حلها خارج إسرائيل».

وبحسب الدبلوماسي المصري فإن «صفقة القرن» هي نهاية ضمنية لحل الدولتين الذي يعتبر «دولة فلسطينية قابلة للحياة»، لأنه بينما يذكر ترامب «دولة»، فإن ما يقدمه لا يفي بالغرض.

«في الواقع، لم يحدث على المدى الطويل للتفاوض من أجل السلام في الشرق الأوسط منذ إطلاق عملية مدريد للسلام، أن رأينا شيئًا غير موضوعي مثل رهن قيام دولة فلسطينية، وبصرف النظر عن طبيعة هذه الدولة، بالتقييم الإسرائيلي بأن الفلسطينيين رفضوا جميع مصادر الإرهاب. هذا أمر غير موضوعي على نحو لا يُصدق، كما أنه غير مسبوق. هذه الإدارة الأمريكية تقدم عرضًا مصممًا ليناسب اليمين الإسرائيلي تمامًا»، قال الدبلوماسي لـ«مدى مصر».

«من خلال القضاء على فرصة حل الدولتين، فإن اقتراح ترامب قد يجعل من الحتمي بالنسبة للعالم العودة للمقولة التي اكتسبت اهتمامًا متزايدًا خلال السنوات القليلة الماضية: حل الدولة الواحدة، مع رجل واحد وصوت واحد». 

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن