3- «ﭭينوس في الفراء».. الروح مسكونة بالألم
 
 
صورة: سهير شرارة
 

برنامج قراءة: كيف نفهم الألم؟  (4 حلقات)

*من سلسلة كوكبة

«إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟»

بهذه الكلمات من الكتاب المقدس، يناجي المسيح ربه وهو فوق صليبه. ربما تكون هذه من اللحظات الفريدة التي توحد فيها الإنساني مع الإلهي. وفق المنظور المسيحي، فإن ألم المسيح هو التجلي الأشد سطوعًا لعدل الله، معاناته وتجربته لا تجسد انفصال اللاهوت عنه قدر ما تعكس الحكمة الإلهية للألم. إنها اختبار الابن الأزلي لمعاناة البشر من بعده، الخلاص والفداء.

لكن هل يخضع الألم، كخبرة إنسانية، لحكمة الله؟ ألا يمكن النظر إلى تجربة المسيح بوصفها تأبيد للألم كشرط أساسي في العلاقة بين الأرض والسماء، لا مجرد اهتمام من الرب الرحيم بمشكلة الألم؟ لكن بعيدًا عن الرؤى الميتافيزيقية، قدمت البشرية محاولات عدة في فهم طبيعة الألم وأثره على السلوك الإنساني. تاريخ الأدب والثقافة الإنسانية حافل بالشخصيات الرازحة تحت وطأة الآلام النفسية والذهنية. أوديب وهاملت، «الأمير ميشكين»، «فرتر»، و «إيما بوفاري».

في برنامج القراءة المُقترح سنركز اهتمامنا على الألم الجسدي، المرض الذي يهدد الكيان المادي للإنسان، حيث تبدو العلاقة بين الكتابة والألم أبدية من وجهة نظر العديد من الكُتاب والفلاسفة والمفكرين. نقدم من خلال ثيمة الألم/المرض أربعة ترشيحات في أربع حلقات لكتب تناولت تجربة الألم، وطرحت أسئلة أكثر جدلية عن ماهيته وغايته، وكيفية مقاومته. يمكنكم قراءة مقدمة البرنامج والحلقة الأولى هنا، والحلقة الثانية هنا

3- «ﭭينوس في الفراء».. الروح مسكونة بالألم

للوهلة الأولى، تبدو رواية «فينوس في الفراء» غير منتمية للفكرة أو الثيمة المحددة التي تدور حولها بقية الترشيحات التي قدمناها من قبل. الرواية للكاتب النمساوي ليوبولد فون ساشر مازوخ. تقدم الرواية رؤية فاحصة عن الحب، وعن جوهر العلاقة بين الرجل والمرأة. وتصور بدقة موضوعًا جنسيًا قائمًا على الارتباط بين اللذة والألم.

تتلخص أعز أحلام سيفرين، بطل الرواية الحالم الرومانتيكي، في أن يصير عبدًا خاضعًا لامرأة جميلة، يحبها ويمتثل لجميع أوامرها في خضوع تام. تتركز تخيلاته الجنسية في أن تقيده تلك المرأة بالأغلال، تجلده بالسياط وتطأه بأقدامها. ولا تكتمل ذروة تلك الخيالات إلا بارتداء المرأة للفراء أثناء تعذيبه. وقد وجد ضالته في ﭭاندا، المرأة الجميلة التي تذكره بالربة الإغريقية الرومانية فينوس، إلهة الحب.

تحدثنا في المقدمة، التي سبقت المقال الأول، عن الألم كخبرة إنسانية وامتداد لتجربة المسيح والأنبياء والقديسين. توسط الألم العلاقة بين الأرض والسماء، بين الإنسان والرب، للأبد.

يبدو أن البشرية في سعيها الأزلي للتخلص من الألم قد وقعت في حبه، أو أنها لم تستطع خلال بعض فترات تاريخها أن تمنع نفسها من حب الألم. تمامًا كالضحية التي تقع في حب الجلاد، ومثلما أحب سيفرين ﭭاندا، جلاده وسيدته المعذبِة القاسية.

كتب ساشر مازوخ الرواية عام 1870، ومن اسمه اشتق مصطلح «المازوخية» لوصف اضطراب نفسي جنسي يرتبط فيه الإشباع الجنسي بالألم الموجه نحو الذات. صاغ الطبيب الألماني ريتشارد فون كرافت إيبينغ «المازوخية» بوصفها علة نفسية وانحرافًا جنسيًا، وصُنفت على أنها مرض يستوجب العلاج. 

لا تنبع أهمية «فينوس في الفراء»، ترجمة أسماء القناص، من كونها أسهمت في إثراء حقول معرفية أخرى كالطب النفسي والتحليل النفسي، أو علم النفس وعلم الجنس. إذ أدى ارتباط اسم مازوخ بعلة نفسية وقتها، أواخر القرن التاسع عشر، إلى إهمال النظر إلى الفرادة الأدبية والجمالية للنص الروائي. مع تغير نظرة المختصين الآن إلى المازوخية؛ بات يُنظر إليها كنوع من الفانتازيا الجنسية، أو اضطراب يخص الخيالات الجنسية ربما لا يحتاج إلى علاج، إلا في حالة القيام بتصرفات مخالفة للقانون مثل العنف المفرط، أو ضد رغبة أحد الطرفين. لكن اختلاف الرؤية المختصة إلى المازوخية هو ما يُحيي رواية مازوخ، وليس العكس. كان مازوخ مستاءً من الربط بين اسمه والمصطلح الطبي، وتخوف من تأثير ذلك على منجزه كأديب.

«فينوس في الفراء» تأمل فلسفي جمالي في تاريخ المسيحية، الأدب والفن، الرومانتيكية الجرمانية والميثولوجيا الإغريقية، وجذور الأسطورة في اللاوعي الجمعي. والأهم، أنها تعبير صادق وجريء من ساشر مازوخ عن ذاته ورغباته وعاطفته. استلهم مازوخ أحداث الرواية من سيرته الشخصية وعلاقته مع عشيقته السيدة فاني فون بيستور. وتحمل انعكاسات ذاكرة الطفولة عن عمته الكونتيسة القاسية.  

تقدم الرواية تجربة إنسانية لا حالة طبية تقتضي العلاج. هكذا يجب قراءتها. تصور العاطفة كمرض، في تناص مع الفكرة الكلاسيكية عن الهوى، داء العشق، في مختلف الثقافات الإنسانية. فمثلًا من تراث الشعر العربي، يقول الشاعر أبو فراس الحمداني: «لكن الهوى للبلى جسر». أي أن الهوى طريقٌ للفناء.

يمتزج الألم الجسدي مع الألم النفسي. يشحذ كل منهما الآخر. في أحد مشاهد الرواية، تخبر فاندا سيفرين أن جنونه «ليس إلا شهوانية شيطانية غير مشبعة، إن جانبنا الوحشي هو ما يولد هذه الأمراض».

بعد الموافقة على طلبات سيفرين، تتجاوب فاندا مع رغباته. وتمعن في جلده وتعذيبه. يصاحبها في سفرها إلى فلورنسا حيث تعامله كعبد خادم، وتسميه غريغور.

تطلب فاندا من سيفرين أن يوقع على عقد عبودية يضمن انسحاقه التام وامتثاله لأوامرها، وعليها أن ترتدي الفراء عندما تمارس ضده شتى صنوف القسوة والعذاب، تمثيلًا لصورة الغواية المثالية في خياله. تضمن الوثيقة الأولى ألا يعود للانتقام بعد عتقه، إضافة إلى توقيعه على وثيقة أخرى تنص على أنه مات منتحرًا حتى تنفي أي مسؤولية أو شبهات حولها.

تتفاقم قسوة فاندا بعد توقيع سيفرين. وكلما أمعنت في تعذيبه وإذلاله، قابلها سيفرين بالمزيد من الخضوع والحب والركوع عند قدميها، مع رعبه المتزايد من احتمالية فقدها. تقول له ﭭاندا:

«بأنقى نية في العالم أريد مساعدتك لكنني أعلم أنه لا شيء بإمكانه أن يشفيك».

تحاول الرواية سبر أغوار النفس البشرية، والكشف عن المضمر والمجهول والصادم في علاقة الإنسان بذاته والآخر.

كما تفحص إغراء السلطة المطلقة، وكيف أيقظ سيفرين داخل ﭭاندا نوازع القسوة والسادية بخضوعه التام. تتلاقى في الرواية ثنائيات عدة: الألوهية والعبودية، الجسد والروح، المقدس والمدنس. وتتلاشى الحدود بين الأضداد: بين الإيروس (الدافع أو الرغبة فى الحياة والطاقة الجنسية) فى مواجهة ثاناتوس (إله الموت عند الإغريق ويرمز إلى الدافع للموت)، الحب والكراهية، اللذة والألم، اليقظة والحلم.

يحيل النص الروائي إلى أسطورة فاوست التي جذبت كُتابًا بقامة جوته ومارلو وتوماس مان. يُبرم فاوست عقدًا مع الشيطان، يُسلم بموجبه روحه إليه في مقابل الحصول على المعرفة المطلقة والملذات الدنيوية. في إحدى لحظات الرواية، يتولد شعور لدى سيفرين أنه قد باع نفسه أو استعبد روحه للشيطان. 

وتكاد الرواية بصفحاتها القليلة، وشخصياتها الأقل، أن تُعيد كتابة  تاريخ الفن الأوروبي حيث تتناول أعمال تيتيان ورافائيل وغيرهما، وتوظف من الميثولوجيا الإغريقية أساطير بجماليون وديونسيوس وأبولو، مع نقد المفاهيم المسيحية كذلك. فسيفرين مولع بأساطير القديسين، تحدوه الرغبة في معاناة نفس عذابات الشهداء. كما يتجلى فعل الخيانة ﻜ «وثنية بهيجة»، بتعبير الرواية، حيث أن «الطابع المتسامي الذي أرادت المرأة دمغه في الحب قادها إلى الخداع». وغيرها من الرؤى المناقضة للأفكار الراسخة في التراث المسيحي والفلسفة المثالية.

يبين جاك لاكان أن الهدف الحقيقي للمازوخي «ليس توليد المتعة في الآخر، بل تقديم قلقها». يعني هذا أن المازوخي رغم أنه يُخضع نفسه لتعذيب الآخر، فإنه هو نفسه يحدد قواعد عبوديته. والقلق عند الآخر، كما يرى لاكان، يتولد من «القرب المفرط لرغبة المازوخي».

يمكننا أن نلاحظ أوجه التأثر برواية مازوخ في رواية «معلمة البيانو» للكاتبة النمساوية الحائزة على نوبل ألفريدة يلينك. فمعلمة البيانو المقموعة إثر تربيتها المحافظة، ترد على المبادرات العاطفية لتلميذها الشاب بوثيقة مكتوبة تتضمن قائمة مفصلة بسيناريوهات مازوخية. والمطالب مكتوبة «لأن ما يتم تسجيله على الورق صادم traumatic لدرجة أنه لا يمكن التفوه به»، كما يقول سلافوي جيجك. لذلك، فإن رواية مازوخ تطلق العنان لأعمق فانتازيا ممكنة للألم.

الألم في «فينوس في الفراء» ينبع من رغبة شخصية. لا وجود لداء قاتل أو عدوى خطيرة. المرض هنا لا يمكن علاجه بالفعل لأنه مجرد مجاز لا وجود له في قوائم علم الأمراض.  كأن الروح مسكونة بالألم، لو لم تجد سببًا له، لاخترعته. أو أنها في حاجة دائمة للألم عند مقاربتها لغيرها من الأرواح، ربما كصدى لعلاقة الألم الأبدية بين الإنسان والسماء.

اعلان
 
 
محمد عمر جنادي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن