معارك الـ«ATM» في العريش
 
 

في أجواء قارسة البرودة تليق بمدينة ساحلية في أواخر شهر ديسمبر، قضى محمد خالد ثلاث ساعات تنقل خلالها في طوابير أمام ماكينات الـ«ATM» المتواجدة في أفرع بنوك مدينة العريش، لكي يتمكن من سحب راتبه الشهري. بعد الساعة الواحدة صباحًا بقليل، وصل إلى واجهة الماكينة، ثم أدخل الكارت بيد مرتعشة من البرودة والخوف معًا لأن حالة حظر التجوال المفروضة على المدينة قد سرت. ومن دون أن يعد الأموال -بعد خروجها من الماكينة- وضعها في جيبه وبدأ رحلة عودته إلى منزله سالكًا طُرقًا خلفية في الظلام تحسبًا من مقابلة مدرعات الشرطة التي تمشط الشوارع بعد سريان حظر التجوال.

رحلة خالد، الرجل الأربعيني المُقيم في مدينة العريش٬ هي واحدة من مئات الرحلات التي يستعد لها كل مواطن يقيم داخل محافظة شمال سيناء يوم 25 من كل شهر ليتمكن من سحب راتبه الشهري سواء كان موظفًا في القطاع الحكومي أو الخاص، من الـ«ATM» المحدودة داخل مدينتين فقط في «شمال سيناء» من أصل 6 مدن. 

أما أزمة طوابير الـ«ATM» داخل المحافظة فهي أبرز الأزمات التي طفت على سطح معاناة المواطنين في منتصف ديسمبر الماضي بعد تعطل معظم الماكينات، وذلك بخلاف بقية الأزمات التي يواجهها المواطن السيناوي في الشق الخدمي المتعلق بالحياة اليومية والتي دائمًا ما تكون الظروف الأمنية الاستثنائية التي تمرّ بها المحافظة منذ سبع سنوات سببًا رئيسيًا فيها.

بالتزامن مع بدء صرف مرتبات شهر ديسمبر الماضي، شهدت الماكينات القليلة التي تعمل طوابير كبيرة أسفرت عن مشادات وتراشق بالألفاظ بين الأهالي، ما أدى إلى تنظيم هذه الطوابير من قِبل رجال الشُرطة المسؤولين عن تأمين أفرع البنوك.

حاولت محافظة شمال سيناء تدارك الأزمة المتفاقمة، من خلال نشر بيان يشير إلى الدفع بسيارتين متنقلتين كل واحدة تحمل ماكينتين، بالإضافة إلى تزويد المحافظة بخمس ماكينات جديدة.

اعتقد الأهالي أن تدخل المحافظة سيحل الأزمة، ولكن الطوابير لم تنته؛ لم تظهر إلا سيارة واحدة من سيارتي بنك «مصر» المُشار إليهما في بيان المحافظة، وحدث هذا الظهور في مدينة بئر العبد، وبعد يومين تعطلت إحدى ماكينتيها. أما السيارة الأخرى المخصصة لمدينة العريش فلم تظهر على الإطلاق. أما الخمس ماكينات التي ذكرت المحافظة أنها دفعت بها إلى المحافظة، فإن الأهالي لم يجدوا منها إلا ثلاثًا تتبع لـ«مصر»، وكانت الماكينات الثلاثة في صيانة خارج المحافظة.

يبلغ تعداد محافظة شمال سيناء قرابة 450 ألف نسمة، موزعين على 6 مدن، أربع منها على ساحل البحر المتوسط، واثنتين في وسط سيناء. تتركز الكتلة السكنية الأكبر في مدينة العريش العاصمة بقرابة 199 ألف نسمة، ومع سنوات الحرب السبع الماضية نزحت آلاف الأسر من مدينتي الشيخ زويد ورفح واستقروا داخل عاصمة المحافظة.

وبحسب الكتاب الإحصائي الصادر عن محافظة شمال سيناء في 2013 يعمل في القطاعين الحكومي والعام قرابة 46 ألف مواطن، وجميعهم يتقاضون رواتبهم من خلال ماكينات الصرف الآلي بناء على قرار وزارة المالية بصرف جميع مرتبات العاملين في قطاعات الدولة من خلال نظام الدفع الإلكتروني والذي صدر في 2015، فضلًا عن موظفي القطاع الخاص وأصحاب المعاشات.

يتواجد في المحافظة 7 أفرع من البنوك وهي: «الأهلي»، و«مصر»، و«القاهرة»، و«الإسكندرية»، و«التعمير والإسكان»، و«العقاري المصري»، و«الزراعي» وجميعها توجد في مدينة العريش، بينما يوجد فرع تابع لبنك «مصر» في مدينة بئر العبد، وتقدم تلك الأفرع خدمات سحب الأموال من خلال 26 ماكينة ATM منها 25 تتواجد في أفرع مدينة العريش، وماكينة واحدة فقط تابعة لـ«مصر» في مدينة بئر العبد التي يبلغ تعداد سكانها قرابة 102 ألف مواطن.

عدد الماكينات مقابل التعداد السكاني داخل مدن المحافظة نتج عنه أزمة طاحنة تظهر كل شهر في موعد سحب المرتبات، ومع زيادة الضغط على الماكينات وعدم صيانتها لأسباب أمنية تتعلق بمعوقات دخول فرق الصيانة، تعطل معظمها.

مصدر في فرع أحد البنوك سبق أن ذكر لـ«مدى مصر» أنه في 2018 أُصيب أحد أطقم إصلاح ماكينات الـ«ATM» بطلق نار عشوائي خلال مهمة عمل في العريش، ليتقرر بعد ذلك عدم تكليف أي فرق صيانة بمهام داخل المحافظة، وهو ما ترتب عليه اضطرار البنوك لإرسال الماكينات إلى أقرب محافظة لعمل الصيانة لها. وما تبقى من ماكينات يتعطل بين الحين والآخر بسبب ضعف شبكات الإنترنت.

خلال العامين الماضيين استمرت الأزمة دون حلول جذرية لها وهو ما حولها إلى كرة ثلج تكبر شيئًا فشيئًا، وأصبحت ماكينات الـ«ATM» في مدينة العريش تشبه المزارات الدينية التي يُشد إليها الرحال، لكن ذلك يحدث مع اليوم الخامس والعشرين من كل شهر، ويستمر «شدّ الرحال» حتى الأيام الأولى من الشهر الجديد. وفي أوقات محددة من العام مثل شهر رمضان أو شهور الصيف الحارة يتزود الأهالي بالمؤن مثل المياه أو بعض الحلويات لمَن يصطحب معه صغاره، بسبب ساعات الوقوف الطويلة.

يحاول الأهالي التحايل على الأزمة من خلال اختيار أوقات يُقترض أن يقلّ الزحام خلالها مثل فترة ما بعد صلاة الفجر، أو الساعة الأخيرة قبل سريان حظر التجوال. ولكن بحسب ياسر حامد، الموظف في التربية والتعليم، فإن كل المحاولات تفشل، ولا مفر من الوقوف في الطابور أمام الماكينة، لافتًا إلى أن التوقيت التالي لصلاة الفجر يشهد زحامًا لأن «الجميع يفكرون بالطريقة نفسها، ومن المفترض ألا توجد طوابير من الأصل».

يقول عاطف سليمان لـ«مدى مصر» إنه متعجب من تجاهل المسؤولين للأزمة على الرغم أنها واضحة تمامًا لكل مَن يسير في شوارع العريش وقت صرف المرتبات، بخلاف أن فرع بنك «مصر» «متواجد أمام مجلس مدينة العريش مباشرة ورئيس المجلس يرى الزحام أثناء دخوله وخروجه من المقر كل يوم، هذا فضلًا عن وقوف العشرات من كبار السن من النساء والرجال في طوابير طويلة لساعات، وحاليًا الجو قارس البرودة داخل المحافظة، ولا أحد من المسؤولين يحرك ساكنًا».

يرى سليمان أن إدارة البنوك مشاركة في الأزمة بسبب عدم تغذية الماكينات سوى مرة واحدة في اليوم، وإذا سُحبت كل الأموال، لا تُغذى الماكينة إلا اليوم التالي قرب الساعة العاشرة صباحًا، بعد موعد فتح فرع البنك اليومي، مما يزيد من أعداد الأهالي المنتظرة وزيادة أعداد الطوابير.

الطوابير الطويلة أمام ماكينات الـ«ATM» دفعت الأهالي إلى اللجوء إلى مكاتب البريد والتي تقدّم خدمة سحب المرتبات والمعاشات، ولكن الأهالي فوجئوا بطوابير طويلة أمام شبابيك مكاتب البريد.

تقول عبير محمد، موظفة في مديرية الزراعة في العريش، إنها على مدار يومين لم تستطع سحب مرتبها من مكتب بريد العريش الرئيسي وسط المدينة، بسبب الزحام الشديد وامتلاء ساحة الانتظار بالكامل.

توضح عبير أن الاهالي تنتظر أمام المكتب منذ الساعة السادسة صباحًا في انتظار فتح المكتب في الساعة التاسعة حتى يتمكنوا من اللحاق بدور في المقدمة. وتشير إلى سلوكيات غير محمودة من موظفي البريد مثل قيامهم بخدمة معارفهم وإنهاء عمليات سحب مرتبات هؤلاء المعارف بشكل سريع من خلف الشبابيك، مما يزيد الأمور «اشتعالًا» بين الأهالي والموظفين، بحسب تعبيرها. وفي اليوم الثالث قرابة الساعة الثانية عشرة ظهرًا تمكنت عبير من سحب راتبها.

في مدينة الشيخ زويد، التي تبعد عن مدينة العريش قرابة 40 كيلومترًا في الاتجاه الشرقي، لا تنقطع معاناة الصامدين الباقين في المدينة بعد سبع سنوات من الحرب، والذين يعتمدون على مكتب البريد بوسط المدينة في كل تعاملاتهم المادية ومنها سحب الرواتب والمعاشات. لا يوجد في المدينة بنوك أو ماكينات «ATM»، مما يضطر سكانها إلى إرسال «كروت الفيزا» مع أصدقائهم وأقربائهم القادمين إلى مدينة العريش حيث يمكن سحب الأموال، أو اللجوء إلى مكتب البريد والذي دائمًا يكون خارج الخدمة بسبب انقطاع الكهرباء المتكرر عن المدينة الذي يستمر لأيام، وفي أيام أخرى تنقطع خدمات الإنترنت.

مع مرور السنوات وتفاقم الأزمات المتعلقة بحياة الأهالي اليومية ومصادر أرزاقهم، وتنوعها مثل طوابير الـ«ATM»، وحظر دخول بضائع ومستلزمات تجارية، وتضييقات على التنقل والسفر، وإغلاق المنطقة الصناعية والورش وتجريف المزارع والقضاء على الرقعة الزراعية، مع عدم وجود حلول بديلة للأزمات، يتثبت هاجس لدى أهالي شمال سيناء أن هناك مَن يريد أن يدفعهم للهجرة من محافظتهم.

المقولة الدارجة بين الأهالي مُفادها «إحنا مش هنقولك أمشي، بس لو راجل خليك عايش فيها».

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن