قبل أن ينتهي يناير: محاولة لاستئناف حكم مبتسر على القوى المدنية

إحدى المسلمات الكبرى فى الحياة السياسية المصرية في السنوات الأخيرة هي خلوها التام من أي قوى مدنية ذات شأن في الحاضر وفي المستقبل القريب. الأحزاب المعارضة الجادة محاصرة بالإقصاء من خارجها، وبالخلافات والاستقالات وانخفاض العضوية والنقص الفادح في التمويل، وبالتالي الشعور باليأس من داخلها. كذلك الأمر مع منظمات المجتمع المدني والتشكيلات النقابية المهنية والعمالية والطلابية، وأيضًا اتحاد الصناعات والغرف التجارية.

بل حتى أن أحزاب الموالاة وسائر التشكيلات المؤيدة للحكم ليس لها أي أدوار حقيقية، لا في مجلس النواب ولا بين المواطنين. وإنما هي أقرب إلى تجمع ظرفي وظيفي، وليس حتى تجمع مصالح بالمعنى السياسي المألوف.

القول الرائج لدى أغلب المعنيين هو أن ذبول ثم تلاشي الدور السياسي للمدنيين يعود إلى لحظة أو قرار الانفضاض الطوعي لجبهة الإنقاذ الوطني، التي تشكلت ضد حكم جماعة الإخوان المسلمين ردًا على الإعلان الدستوري الشمولي في نوفمبر 2012. في رأي هؤلاء أن جبهة الإنقاذ كانت لحظة الذروة للدور السياسي المتصاعد للمدنيين منذ عام 2005، حتى ثورة يناير 2011، وصولًا إلى يوم 30 يونيو 2013 وما بعده.

هذا التحليل يفترض ضمنًا أنه كان بالإمكان، بل من الواجب، أن تستمر جبهة الإنقاذ تلك في الوجود التنظيمي، وأن تقود المشاركة المدنية في عملية بناء النظام السياسي الجديد، ليس من خلال مشاركة بعض وجوهها في وضع الدستور الحالي فقط كما حدث، ولكن من خلال التفاوض والاتفاق مع الدولة العميقة على كل مرحلة، وعلى كل إجراء، ثم من خلال العمل الجماهيري وخوض الانتخابات.

في اعتقادي، لا يوجد في التحليلات أو التقويمات لمجريات هذه الفترة ومآلاتها ما هو خطأ أكثر من هذا الرأي، لسبب بسيط وجوهري في الوقت ذاته، وهو أن تلك الجبهة تألفت من أشخاص لهم شهرة وليست لهم تنظيمات عميقة الجذور وواسعة الانتشار. هم لم يكونوا ممثلين لأحزاب أو قوى راسخة في البيئة السياسية تمثل مصالح محددة لشركاء اتفقوا على رؤية أو برنامج طويل الأجل، أو حتى متوسط الأجل للتحول الديمقراطي في مصر. فمن كان يمثل عمرو موسى أو محمد البرادعي مثلًا من القوى الاجتماعية، أكانت رأسمالية أم عمالية أم مهنية أم بيروقراطية؟ 

وكذلك الآخرون بمن فيهم رؤساء وقيادات أحزاب كانت شبه قوية نسبيًا وقتها. إذ أن معظم هؤلاء تداعوا أو انضموا إلى الجبهة بصفتهم الشخصية في الأغلب، بهدف محدد هو التخلص من حكم جماعة الإخوان فقط. هكذا، دون خطة، ولا أقول رؤية، لبعد ذلك. إذ أنهم أصلًا لم تكن لديهم خطة لكيفية إسقاط الإخوان سوى الشعار الفضفاض بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وبإجبار الجماعة على القبول بهذا المطلب عن طريق الضغط الجماهيري الاحتجاجي، فقط لاغير.

وبما أن القوات المسلحة أمسكت زمام الموقف يوم 3 يوليو 2013، مثلما أمسكت به يوم 11 فبراير 2011، ومثلما أمسكت به يوم 23 يوليو 1952، فقد كان أكثر الأمور منطقية هو أن من يعزل القائم في السلطة تؤول إليه هذه السلطة، دون مشاركة ممن لا يملك غير المطالبة، وبالتالي فقد كان انفضاض جبهة الإنقاذ هو طبيعة الأمور في تلك اللحظة.

قبل أن نغادر هذه النقطة من المهم التأكيد على أن لا يُفهم هذا التحليل من جانبنا على أنه انتقاد لجبهة الإنقاذ ولأشخاصها ولدورها، أو على أنه تقريط لكل ذلك، وإنما هو تحليل موضوعي محض يعيد الموقف المركب الى عناصر تكوينه الأصلية، كما يفعل طبيب تحليل الدم مثلًا.

في الفقرات التالية أقطع سياق الحديث مؤقتًا للعودة قليلًا (ولكن بعيدًا) إلى التاريخ، لنرصد معًا ظاهرة تكرار إخفاق القوى المدنية في السياسة المصرية عن تعديل موازين أو علاقات القوى داخل الدولة والمجتمع. إذ طوال القرن العشرين لم يتأت لهذه القوى نصيب من النجاح سوى مرتين: الأولى من خلال ثورة 1919 التي أدخلت الشعب المصري طرفًا في معادلة السلطة المكونة من سلطة الاحتلال الفعلية، وسلطة القصر الشرعية، فأصبح للمعادلة طرفًا ثالثًا. والثانية بعد ثورة الطلبة عام 1935، حين فرضت هذه الثورة على القصر والأحزاب الموالية له قبول قيادة حزب الوفد الممثل للأغلبية الشعبية، للانضمام للجبهة الوطنية التي تفاوضت مع بريطانيا على معاهدة 1936.

أما في ما تلا ذلك من تطورات، ورغم سنوات الغليان السياسي بعد الحرب العالمية الثانية، فلم تتمكن القوى المدنية من إحداث تغيير حقيقي في معادلة الحكم والسياسة في البلاد. وكان قصاراها أن مهدت لاستيلاء ضباط يوليو على السلطة، بمعنى إضعاف النظام القائم حتى الأيلولة للسقوط، دون أن تكون قادرة على إسقاطه بنفسها، والحلول مكانه.

يجب أن يستلفت نظرنا أن عودة الزخم إلى الدور المدني في الحياة السياسية المصرية بعد هزيمة 1967 لم يتجاوز أيضًا دائرة الضغط الاحتجاجي أو المطلبي، وهو ما ظل نمطًا مطردًا طوال ما تبقى من سنوات رئاسة جمال عبدالناصر، ثم رئاسة السادات، فرئاسة حسني مبارك. بمعنى أنه لم يحدث طوال تلك الحقب أن تحول الفعل المدني في السياسة المصرية إلى مشروع يمتلك جسده التنظيمي وقواعده الجماهيرية المنظمة أو الطبقية أو الفئوية كحالة حزب الوفد في ثورة 1919، على الرغم من وفرة الرؤى والأفكار المتناثرة في هواء السياسة. ذلك باستثناء جماعة الإخوان المسلمين بالطبع، والتي لا يمكن تصنيفها ضمن البدائل المدنية لحكم أو المشاركة في حكم دولة وطنية ديمقراطية طبقًا لأدبياتها المعلنة، وممارساتها المعهودة.

لا غرابة إذن في أن تعجز القوى المدنية خلال ثورة يناير عام 2011، وما تلاها من تطورات في أثناء المرحلة الانتقالية، ثم تحت حكم الإخوان، وتحت قيادة جبهة الإنقاذ عن أن تكون شريكًا في عملية تحول ديمقراطي، فضلًا عن أن تكون بديلًا يعول عليه لأي نظام قائم. لكنه سيكون من الظلم والتعسف الوصول من هذا العرض إلى استنتاج عدم أهمية أو جدوى دور المدنيين في الحياة السياسية المصرية، بما أننا رأينا توًا أنه وفي جميع المحطات الفاصلة في التاريخ المصري كان المدنيون هم الذين يصنعون الظرف ويخلقون الفرصة للتغيير، وهو دور يعود في حقيقة الأمر إلى بداية تأسيس الدولة الحديثة في مصر على يد محمد علي. لولا الحركة الشعبية المساندة لمحمد علي التى استمرت منذ الثورات على الحملة الفرنسية، لما توافق السلطان العثماني مع فرنسا وبريطانيا (صاحبتا النفوذ الأجنبي الأقوى في البلاد وقتها) على تولية محمد علي. كذلك لولا انضمام الحزب الوطني الأول (المدني) إلى العسكريين لظلت الحركة العرابية مجرد تمرد فئوي، وما اكتسبت طابع وزخم الثورة الوطنية الدستورية. وكانت ثورة 1919 بالمخاض السابق عليها من تعاظم دور منظمات المجتمع المدني والنخبة المثقفة وفي كل تطوراتها ثورة مدنية بالكامل. وكذلك لولا المناخ الذي صنعه المدنيون بعد الحرب العالمية الثانية ما كان يمكن لضباط يوليو التحرك. وكذلك فقد سبقت الإشارة أيضًا إلى أن المدنيين هم من تحملوا وحدهم عبء الضغط على رؤساء نظام يوليو الواحد تلو الآخر بعد هزيمة 1967، وحققوا بعض النجاحات الملفتة وإن كانت قد عجزت عن تغيير علاقات القوى داخل المجتمع والدولة.

وفي ذكرى ثورة يناير، سيكون من الظلم والمغالطة عدم الاعتراف بأن المدنيين هم الذين شقوا روافد هذه الثورة اعتبارًا من عام 2005. ولنتذكر فقط حركة كفاية وحركة استقلال القضاء وكذلك حركة استقلال الجامعات وشباب 6 أبريل وعشرات الإضرابات والاحتجاجات من العمال والموظفين إلخ.

إذن، لم يكن المدنيون رغم عجزهم المزمن عن تغيير علاقات القوى السياسية في مصر صفرًَا على اليسار، كما يراد لنا أن نقر ونعترف، حتى وإن لم يتحولوا بعد إلى رقم صحيح، فهل هذا وضع سرمدي أو حكم غير قابل للاستئناف أو النقض؟

الإجابة على هذا السؤال تبدأ بالتسليم برفض ما يمكن أن يسمى بالجبرية أو الحتمية التاريخية. فليس في التاريخ حتميات تفرض الثبات والجمود إلى الأبد. والحتمية الوحيدة المعترف بها هي حتمية التطور والتغيير، التي تنطبق أيضًا على وعي القوى المدنية المصرية بتاريخها، وبأسباب عجزها المتكرر، وبشروط تدارك هذا العجز.

بعيدًا عن الوصفات المعلبة، فإنني أرصد من خلال متابعة المناقشات السياسية والأكاديمية على منتديات التواصل الاجتماعي، وداخل بعض الأحزاب، وبين الشخصيات العامة اهتمامًا جادًا بهذه الشروط وتلك الأسباب. كما أرصد أنماطًا جديدة من التفكير، أُجملها في تبلور الوعي بالحاجة إلى مشروع لحل وسط تاريخي بين النخبة السياسية ممثلة للمجتمع، وبين الدولة العميقة، يبدأ ببناء الثقة بين الطرفين ويؤدي إلى حوار ومن ثم اتفاق على تقسيم وظيفي للمهام والأدوار، ومن ثم يستأنف إن لم ينقض الحكم «الابتدائي» الرائج حاليًا بإفلاس القوى المدنية، واليأس منها مسبقًا.

أترك خاتمة هذا المقال لصديقي وزميلي المهندس أشرف حلمي، القيادي في حزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، الذي كتب يقول إن أهم عناصر النجاح هي القدرة على بناء تنظيم واسع الأفق، متعدد الاتجاهات، لأننا سنبقى خارج أي معادلة سياسية بدون هذا التنظيم، مضيفًا أننا لن ننجح في تحقيق الحلم ببناء دولة ديمقراطية حديثة إلا بالاتفاق المتوازن على مرحلة انتقالية طويلة وآمنة بين القوى الرئيسية في المجتمع، وهي القوى الديمقراطية وبيروقراطية الدولة والجيش ونسخة غير إقصائية أو انعزالية من التيار الإسلامي والأقباط، وعلينا أن نؤمن بأن إقصاء أي طرف لن يؤدي إلى تحقيق ذلك الحلم.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن