مستعمرات الكربون وعقد جديد أخضر

في أوائل سبتمبر، اشتركت في موقع «إضراب من أجل المناخ» (Climate Strike) للحصول على الأخبار أولًا بأول. بعد تسجيل بريديّ الإلكتروني، ظهرت صفحة ثانية بها سؤال واحد: هل تريد تنظيم فعالية في مكان عملك أو مجتمعك؟

أجبت «لا».

بعد بضعة أسابيع، كنت أتابع على شاشة الكمبيوتر، بالتوازي، حسابين على تويتر.

في الجهة اليسرى كانت أخبار مصر. كان هذا يوم الجمعة 27 سبتمبر، وكانت البلاد تحت إغلاق شامل: أغلقوا 42 شارعًا في وسط البلد في القاهرة وحدها، ونشروا قوات مكافحة الشغب بأعداد كبيرة في كل الميادين المهمة في البلاد.

وفي الجهة اليمنى من الشاشة، كانت أخبار حركة «جريتا ثَنبِرج» من أجل المناخ ومسيراتها الحاشدة في تورينو، وهلسنكي، وروما.

قبل ذلك بأسبوع، شهدت مصر عددًا من المظاهرات الصغيرة العفوية، أثارها كشف معلومات تفصيلية حول فساد الدولة، كشفها محمد علي، رجل الأعمال المستفيد الذي تحول إلى كاشف للفساد. لمدة أسبوع، كان موضوع حديثنا هو كيف تغيَّرت استراتيجيات الاحتجاج: مسيرة العودة الكبرى في غزة، السترات الصفراء في باريس، مظاهرات هونج كونج . الاحتجاجات الآن صغيرة ومتكررة ومرنة. مواجهة الدولة شديدة المركزية تتطلب أفعالًا مبعثرة لا مركزية.

ثم دعا محمد علي -من مقره الآمن في إسبانيا- إلى مليونية، يوم الجمعة، بعد الصلاة. شكل احتجاجي شديد الألفة لم يُشعل أي حماس عند قدامى النشطاء (نشطاء فترة 2011-2014)، ولم ينجح في إلهام الجيل الجديد الذي كان قد خرج إلى الشوارع بعد المباراة (#afterthematch ) في الأسبوع السابق، وأيضًا لم يشكل تحدٍ كبيرًا للدولة الأمنية التي وجدت التصدي له أمرًا روتينيًا.

تابعنا الأخبار من منزلي، أنا وزوجتي وابن خالتي علاء عبدالفتاح. رأينا البعض يحاول القيام بمسيرات في الوراق وحلوان وربما في سوهاج، لكن الشرطة كانت منتشرة بدرجة منعت تَكَوّن أي زخم.

في الخامسة مساءً، طرقت والدة علاء الباب؛ أتت لتصحبه إلى قسم الشرطة، حيث كان عليه أن يبيت كل ليلة تنفيذًا لحكم خمسة سنين مراقبة ملحقًا إلى خمسة سنين قضاها سجينًا بتهمة تنظيم مظاهرة لم يكن قد نظمها. اليوم، لم تُرِد له أمه أن يتحرك وحيدًا في شوارع المدينة المغلقة.

غربت الشمس وأنا أمام الشاشة أبحث وأبحث عن أخبار حراك في مصر، وفي يمين الشاشة تتوالى مسيرات الـ«إضراب من أجل المناخ» مسيرة بعد مسيرة: بودابست، نابولي، برشلونة.

بقيت أمام الشاشة ساعات، أرقب الشمس تشرق على مدن جديدة ومسيرات جديدة: مونتريال، فانكوفر، سانتياجو دي تشيلي، فالبارايسو. 

وفي مصر، لا شيء. انتصر الأمن الوطني.

سبعة ملايين إنسان شاركوا في مسيرات «إضراب من أجل المناخ»، أما في مصر، فالحملة الأمنية التي بدأت في ذلك الأسبوع أدت إلى القبض على أكثر من أربعة آلاف شخص.

كيف يمكن لهذين الحدثين أن يتواجدا في العالم بهذا التوازي؟

مصر -التي يعيش فيها نصف مليون لاجئ بالإضافة إلى مائة مليون من المصريين أو يزيد- تقف على الخطوط الأمامية لفوضى المناخ: درجات الحرارة ترتفع والمحاصيل تتناقص، الأراضي الزراعية تغرق والمياه الجوفية يرشح فيها الملح، الأمطار تطول وتزداد غزارة وتغرق الطرق في المدن، بينما في الصيف تطول فترات الجفاف. كل ذلك على وقع طبول حرب مياه مع أثيوبيا.

لكننا لا نستطيع أن نطلق مسيرات «إضراب من أجل المناخ» في مصر. لا نستطيع حتى أن نعلن إضرابًا شخصيًا عن الطعام دون أن يأتي الأمن ليأخذنا من بيوتنا كما حدث في 15 أكتوبر مع المحامي عمرو إمام.

فجر الأحد 29 سبتمبر، جاء ضباط أمن الدولة وأخذوا علاء من مراقبته في قسم الدقي. هو الآن سجين في «مشدد 2» في مجمع سجون طرة جنوب القاهرة.

مظاهرات إضراب من أجل المناخ في 20 سبتمبر 2019 - المصدر: Stephen Smith

1- الوقت البطيء

الوقت نفسه يتغير. الرأسمالية تُسرّع الحياة إلى الأمام في إيقاعات متزايدة، وتُجَرِّف الطرق أمامها.

يعتقد علماء البيئة أن أمامنا حتى عام 2030 لخفض انبعاثات الغازات في العالم إلى النصف، وأن علينا ألا نسمح لدرجة الحرارة في العالم أن تزيد عن درجة الحرارة عما كانت عليه قبل الثورة الصناعية  بأكثر من درجتين مئويتين، وأن هذا هو الحد الذي يمكن أن تبدأ بعده ردود أفعال مناخية لا نستطيع حتى التنبؤ بآثارها. 

أمامنا عشرة أعوام لنغير مسارنا بشكل جذري.

في مصر، نتعامل مع مفارقة عجيبة في ميقاتنا. فعلى الإنترنت، التي تتمركز حولها اليوم أي حياة عامة لنا، يصعقنا سيل لا ينقطع من المعلومات والاتصالات وسبل الإلهاء، أما في الحياة فنشعر وكأن الزمن لا نهاية له: عبدالفتاح السيسي يرأس السلطة منذ ستة سنوات، القضاة يحكمون بالسجن مدى الحياة دون أن يرمش لهم جفن، وكلاء النيابات يستحضرون ملفات قضايا من أزمنة سحيقة.

تمتعت الدولة دائمًا بالسيطرة على الزمن؛ يمكنها أن تُدخل الوقت في بيات شتوي حتى تمر ثورة، أو إيقاظه لحصد مليارات الدقائق كل يوم في السجون والبيروقراطية والفساد والقسوة. الدولة تتصرف وكأنها ستدوم حتى بعد فناء الكوكب. 

كمدني محاصر بين حواجز التفتيش ومذيعي برامج التلفزيون والتلوث والتحرش ومؤتمرات الشباب والطرق المُجَرَّفة والأشجار المقتلَعةـ كيف يمكنك أن تقاوم؟ كيف يمكننا ألا نلين، ألا ننزلق إلى فقاعتهم المُخَدِّرة المليئة بأول أكسيد الكربون؟

سنعثر على إجاباتنا في السجون: ماهينور المصري وعلاء عبد الفتاح ومحمد الباقر وزياد العليمي وشادي الغزالي حرب وهيثم محمدين وعبد المنعم أبوالفتوح. سجوننا زاخرة بهؤلاء الذين يقاومون الدولة بالحيوية، وبالأفكار، وبِفَتح آفاق الممكن.

لذلك يبعدونهم عن الواقع السياسي. الدولة تحتاج منا أن نستوعب ونعيش زمنها الطويل البطيء الأليم. لكن ما نحتاجه نحن هو أن نعيش في زمن الكوكب، وأن نُسرِع.

تقول نعومي كلاين في كتابها الجديد، «قضية عاجلة: الحاجة المُلحة لاتفاق أخضر جديد»:

«كان لديّ دائمًا شعور ضاغط باحتياجنا المُلح للانتقال إلى نظام اقتصادي أكثر إنسانية. لكن هذا الضغط المُلحّ تغير الآن تغيرًا نوعيًا، لأن ما يحدث هو أننا نعيش الآن اللحظة الأخيرة التي يعني فيها تغيير المسار إنقاذ أرواح على نطاق لا يمكن تصوره». 

تصادف أننا نحن من نعيش اليوم.

نحن آخر من سيمكنهم تغيير المسار.

إذًا، ماذا نستطيع أن نفعل؟  

من مظاهرات 20 سبتمبر 2019

2- سلسلة الكربون

الآثار السلبية لتغير المناخ لن تقع في مستقبل مفترض، هي ليست حتى على بعد 12 عامًا. بالنسبة لمن يعيش في مستعمرات الموارد الموجودة هنا والآن: انبعاثات الكربون هي ضمان للبؤس الجوي والإداري على حد سواء؛ الهواء من حولنا ملوث وحياتنا المدنية ملوثة.

مستعمرة موارد مثل مصر مربوطة بالعديد من المصالح داخل منظومة اقتصاد الكربون العالمي، بعضها يتعاون، وبعضها يتنافس، وكلها -كما أرى-  تفتح لنا طرقًا محتملة نحو الفعل.

سأقدم ثلاثة أمثلة:

سلسلة الكربون 1: حقل ظهر

في أغسطس 2015، أعلنت شركة الطاقة الإيطالية الضخمة إيني  (ENI)، اكتشاف حقل «ظهر»، أكبر حقل للغاز الطبيعي في البحر المتوسط، وبشرنا الإعلام بأن مصر، تحت قيادة الرئيس السيسي، سوف تحقق ـأخيرًاـ الاكتفاء الذاتي من الطاقة.

بعد أشغال ملحوظة السرعة، تدفق الغاز في ديسمبر 2017.

لكن، وبعد ذلك مباشرة، في 2018 و2019، ارتفع سعر الكهرباء في مصر -التي تُوَلَّد أساسًا باستخدام الغاز الطبيعي-  بنحو 22% للاستعمال المنزلي و51% بالنسبة للأسر الأقل دخلًا. الدولة الأمنية التي ورثها السيسي عن مبارك قد شحذها صندوق النقد الدولي فصارت سكينًا صارمة. ففي نفس الوقت الذي رُفِع فيه الدعم عن الغاز الطبيعي والبوتاجاز والوقود عمومًا وعن المياه، تم تعويم الجنيه المصري فانخفضت قيمته إلى النصف.

من الواضح إذًا أنه على الرغم من أن «ظُهر» يضخ 2.7 مليار قدمًا مكعبًا من الغاز يوميًا (وهو حجم تنتج عنه انبعاثات ثاني أكسيد كربون تعادل ما تنتجه  المغرب أو النمسا في اليوم)، إلا أن فوائده الاقتصادية لا تصل إلى سكان البلاد، لأن أرباحه تستخدم لسداد الديون الخارجية. فمنذ أن وصل هذا النظام إلى السلطة، تضاعف الدين الخارجي ثلاث مرات: من 38 مليار دولار إلى 110 مليارات دولار. كما تم توقيع عقود عسكرية ضخمة غير خاضعة لأي رقابة، تضمنها البنوك الألمانية بأسعار فوائد غير معلنة.

يتدفق «ظهر» بالغاز، ويُلقَي عبء ديون النظام على كاهل الشعب. هذه هي رأسمالية التقشف:  ديون الطبقة الحاكمة تُحَمَّل على تكلفة الحياة اليومية للشعب، البنوك تُنقَذ من أزماتها، والقصور الرئاسية تُشَيَّد، وإمكانات المستقبل وآماله تصبح رهينة ديون للبنوك الدولية- ديون يستحيل سدادها. فحتى إذا رحل نظام السيسي، فأي حكومة جديدة ستواجه على الفور أزمة سيولة إذا حاولت الطعن في شرعية هذه الديون.

اليوم، مع كل قدم مكعب من الغاز يحترق في دورة الفساد المستقر التي صنعها النظام، يُهدر مخزون الأرض من الكربون، ويرتفع الماء في البحار، وتزداد التربة في الدلتا ملوحة.

سلسلة الكربون 2: حقل لِفاياثان

«لِفاياثان» هو ثاني أكبر حقل للغاز في البحر المتوسط. وفي حين بدأ إنتاج حقل «ظهر» خلال ما يزيد قليلًا عن عامين، كان طريق لفاياثان إلى الإنتاج أكثر تعقيدًا.

منذ أن حققت إسرائيل وجودها في السهل الساحلي لفلسطين وهي تدفع بنفسها إلى الأمام بعنف تاريخي لا يلين؛ تُصقل سرديتها عن العودة المُتنبأ بها وتعيد إذاعتها في كل فرصة: الأمة الناشئة ذات الدعم الإمبراطوري تستعمر أرض الهلال الخصيب الوعرة. لكن المورد الوحيد الذي لم تنعم به إسرائيل هو الطاقة؛ فبالرغم من أنها مُحاطة بدول النفط، لم يكن لديها حقول نفط ولا غاز، واضطرت للاعتماد على الاستيراد.

دخل إلى المشهد حسين سالم، رجل الأعمال الذي تمتع بمكانة مميزة في دائرة الرئيس مبارك، وتقدم بمشروع لمد خط أنابيب إلى إسرائيل. بدأ الغاز في التدفق شمالًا عام 2008. غضب المصريون لكنهم لم يملكوا إيقافه. لم يكن مبارك فقط يبيع الغاز إلى العدو، بل كان يبيعه بسعر أقل من قيمته في السوق؛ ففي الوقت الذي كانت فيه تركيا واليونان وإيطاليا تدفع ما بين 7 إلى 10 دولارات لكل مليون وحدة حرارية (btu)، كانت إسرائيل، التي لا تملك خيارًا آخر للاستيراد عبر الأنابيب، تدفع أربعة دولارات. 

في وقت لاحق، خلال محاكمة مبارك عام 2011، سيُقَدِّر المدعي العام أن هذا البيع كلّف الشعب المصري 714 مليون دولار، بينما قرر بعض المتخصصين في الطاقة أن الخسارة قد تصل إلى 11 مليار دولار.

خط أنابيب الغاز هذا أصبح أحد أقوى الرموز لخنوع نظام مبارك. خلال الفترة 2011 إلى 2013، تعرض الخط للتفجير اثنتي عشر مرة. وفي المرة الثالثة عشر، توقفوا عن إصلاحه. وفي فترة حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة، أُلغيت الصفقة.

لكن القدر يلعب دوره، فقد اكتُشِف حقل « لِفاياثان» في بحر حيفا، فلم يعد لإسرائيل كعب أخيل يضنيها. إلا أنه كانت هناك مشكلة: اتضح أن ضخ الغاز من «لِفاياثان» للاستخدام المنزلي المحلي وحده لن يكون مربحًا بما فيه الكفاية. وفي ظل موجة الالتزامات البيئية المتزايدة والتشريعات التي تلوح في الأفق، كان مطلوبًا ضخ الغاز واستهلاكه بسرعة.

ظل الحقل غير مُستغل لمدة خمس سنوات، حتى تدخل الأردن، في صفقة قوبلت بسخط شعبي كبير، بعرض عشرة مليارات دولار لاستيراد الغاز من إسرائيل للاستعمال المنزلي في الأردن. وبعد سنتين، في 2018، وقّعت شركة مصرية صفقة بـ 15 مليار لتعكس مسار خط أنابيب حسين سالم القديم، فيتجه من إسرائيل إلى محطات الغاز الطبيعي المُسال على الساحل الشمالي، ليضاف إلى إنتاج حقل «ظهر» وتتحول مصر إلى «محور للطاقة».

وقعت العقد شركة تسمى «دولفينوس هولدنجز»، في محاولة لتفادي الانتقادات في الداخل مع إشباع نهم دائني مصر الخارجيين لتحرير السوق. إلا أن الصحفي الاستقصائي، حسام بهجت، كشف في موقع «مدى مصر»، أن جهاز المخابرات العامة المصرية، تحت ستار شبكة من الشركات الوهمية، هو من سيجني بالفعل أرباح بيع الغاز المستورد.

سَهَّل تشابك النظم الاستعمارية المتنوعة حرق ثاني أكبر حقل للغاز في بحارنا: بئر غاطس، الذي يحتوي 16 ترليون قدم مكعب من الغاز -يعادل كل ما تبثه ألمانيا من غاز ثاني أكسيد الكربون في عام كامل- سيحترق، سيتسع احتلال فلسطين ويتعمق، وستظل المنطقة كلها في حالة شلل وتفكك.

خريطة شركة ديليك الإسرائيلية تظهر مسار الغاز من حقلي تمار وليفايثان في إسرائيل إلى عسقلان الإسرائيلية ومنها إلى العريش المصرية

سلسلة الكربون 3: أرامكو

المملكة العربية السعودية هي مستعمرة النفط الأكثر تميزًا، تعيد استثمار أرباحها النفطية الهائلة في معدات عسكرية غربية لا تستطيع استعمالها في الدفاع عن نفسها ولا تنفعها في هزيمة جيران لا يملكون سلاحًا مماثلًا. كفليها في واشنطن يرضيه أنها تُكَوِّن وتصون شبكة إقليمية من الحكومات العميلة والرجعية، ومن المنظّرين وأدوات الإعلام المناصرة للحكم الديني. هي محور رئيسي ليس فقط في الحفاظ على استمرارية حركة اقتصاد النفط العالمي، ولكن في تثبيت هذه الحركة على إيقاع أنجلو-أمريكي. وبالرغم من أن الولايات المتحدة نجحت في شق طريقها إلى الاكتفاء الذاتي في الطاقة، إلا أن احتياطيات شبه الجزيرة العربية الضخمة -وسيطرة الغرب عليها- تقع في القلب من تنافس الغرب القادم مع الصين والهند واليابان.

منذ تَفَجَّر الربيع العربي، تعاظم دور المملكة والإمارات العربية المتحدة في مساندة ودعم النظم الرجعية في المنطقة، بدءًا من توفير الملجأ الآمن لرئيس تونس المخلوع زين العابدين بن علي، إلى ثلاثة مليار دولار في حزمة معونات للمجلس العسكري الانتقالي في السودان، إلى حربها الكارثية والوضيعة في اليمن، ونشاطها الأمني في البحرين، وتدخلاتها بالوكالة في ليبيا وسوريا، ومحاولتها الهزلية لإشراك نفسها في «صفقة القرن» (والتي من الممكن أن تُسَمَّى «فلسطين للبيع»). 

الرياض هي الضامن الرئيسي لنظام عبدالفتاح السيسي، تدعم الحكم العسكري بالقروض والهدايا والمشروعات المشتركة وشراء الجزر بما قيمته على الأقل 78 مليار دولار، فلولا أموال المملكة لكانت الحياة السياسية في مصر أقل تصلبًا.

تشغل مصر مواقع مختلفة ومتباينة في سلسلة الكربون، من دولة تابعة إلى قوة استعمارية  إلى مُستَعمرة موارد.

ونرى أن حياتنا السياسة تحكمها شبكة صناعية ضخمة، شبكة تتمتع بالسلطة والثقل والقوة الصلبة، لكن بها أيضًا نقاط ضعف. 

3- الشبكة الصناعية

الشبكة الصناعية يزيد عمرها عن 250 عامًا: تُبحر على متن المراكب الشراعية من ساوثامبتون وأنتويرب ولوريان وكيل لترسو في مانيلا وريو دي جانيرو ونيو أورلينز وبورت أو برانس وكالكتا وهونج كونج. حركة دائبة لسفن تجارة الرقيق، والسكك الحديدية، والطرق الأسفلتية، وقنوات الملاحة وأسلاك التلغراف وأمواج الأثير وأنابيب البترول والمحطات الفضائية والحاويات والكابلات التي قيدت الدنيا في وحدة مكان وزمان تزداد إحكامًا، تنهار فيها الاختلافات التي تميز ما بين القارات، وتخلق نظامًا عالميًا هرميًا من الطبقية والإثنية.

اشتبك الفائزون، أحيانًا، في حروب ضد بعضهم البعض. لكن، ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي، شهدنا الظهورالواضح لفاعل طبقي موحَّد عابر للوطنيات، يتشارك في اللغة والأيديولوجية:

التقدم (أي إزالة القوانين واللوائح التي تسعى لاحتواء دافع الربح في نشاط رأس المال الدولي).

الأمن (أي تطوير وتطبيق تقنيات مراقبة المدنيين والتحكم فيهم).

الاستقرار الاقتصادي (أي حكومات ثابتة لا تتغير وتحافظ على ظروف تحقيق الربح لرأس المال العالمي). 

من دافوس إلى وول ستريت إلى ساو باولو إلى بكين، ظهرت مجموعة، يطلق عليها الـ 1% العالمية، نجحت في مراكمة مستويات من الثروة كانت في الماضي لا تفككها إلا حرب كبرى. 

لكن الحرب ليست المستقبل الأكثر رعبًا لنا اليوم؛ بل الرعب هو أن يدوم حالنا اليوم فيصبح هذا هو شكل السلام. حروب اليوم هي حروب الأغنياء ضد الفقراء، الحروب ضد التمرد، الحروب على الإرهاب والمخدرات والجريمة. إنها حروب الشرطة. النخب في جميع أنحاء العالم تتحصن وراء أنظمة أمنية متماثلة: تقنيات مراقبة، قوات شرطة مسلحة مُجَيَّشة، وحدود جامدة، بينما رأس المال سهل الحركة، آمن في مصارف، لا يخضع للمراقبة. أما الدور الذي كانت تقوم به الطبقة الوسطى من عزل بين النخبة والطبقة العاملة، فتستبدله النخبة اليوم بالتوسع في الأجهزة الأمنية. 

في الحالة المصرية نتمتع بالنعمتين: البيروقراطية الهائلة لدولة اشتراكية تأسست لتتدخل في جميع جوانب الحياة، وتُستغَل اليوم لتفعيل عقيدة تقشف نيوليبرالية صارمة. ودمج مخيف يحيل دور الدولة إلى الحماية العنيفة لمصادر الثروة لمصلحة المتواطئين مع النظام- المحليين منهم والأغراب. أصبحت مصر اليوم من طلائع تجربة الدمج النخبوي: إلى أي مدى تستطيع فرض برنامج تقشف عنيف على الشعب قبل أن تُواجَه بِرَد فعل من الشعب. 

4- انشطار مزدوج

من أجل الحفاظ على وجودها، تنفق الدولة طاقات هائلة لإبقاء مواطنيها منشطرين وغير قادرين على التنظيم: تعتقل الأحزاب السياسية الناشئة، تُغرق الشوارع بالمخبرين، تستخدم الجنود لكسر الإضرابات والسجون كرادع لمن يفكر في الحراك، تمنع التجمعات وتدمر المساحات العامة؛ تفرغ المقاهي وتفرغ ملاعب الكرة من الجمهور، تفتت المدن بالأسوار والجدران والطرق السريعة، وتُشَظِّي وتخنق الإنتاج الثقافي المستقل بينما تسيطر على وسائل الإعلام.

معًا، قامت أجهزة الدولة المختلفة بهندسة حياة عامة، المُكَوِّن الأساسي في تفاصيلها هو الفساد، وبهذا ضمنت الانقسام والنزاع بين المواطنين في جميع تفاعلاتهم اليومية. 

لضمان احتواء الطاقات- طاقاتنا. لضمان توقيع عقود الطاقة- عقودهم.

من الصعب، حين تتأمل وحشية النظام وتبلده، ألا يصيبك اليأس.

هل يمكن أن تمدنا حالة الطوارئ المناخية والبيئية برؤية أبعد، رؤية تتجاوز تَجَسُّد نظامنا الحالي القبيح؟ بطريق للهروب من محاولته إيقاف الزمن؟ بطريق للكفاح ضد الشبكة الصناعية؟ بأسلوب تفكير سياسي وقناعة سياسية لا يستطيع النظام منع الناس من ممارستها؟

5- الطاقة النظيفة

كل محور من المحاور الثلاثة للاستعمار الكربوني لمصر يتيح فرصًا للتفكير والفعل السياسي الذي لا يستطيع ممثلو الدولة -أو داعموها من مستخرجي الطاقة- احتوائه.

سلسلة الكربون 1: حقل «ظهر» (والتضامن العابر للأوطان) 

تمتلك شركة الطاقة الإيطالية إيني (ENI) حقل «ظهر»، مع حصص صغيرة تمتلكها شركة روسنفت الروسية (30%) وBP البريطانية (10%). وفي ظل النظام الحالي، لا يملك من يعيشون في مصر محاولة منع إيني من الضخ. لكن الحقيقة البسيطة الواضحة هي أن عوادم الغاز المُحترق في مصر تنتشر في سماوات مُشتركة. إيني شركة إيطالية، لنفكر إذًا كيف يمكن مواجهتها في إيطاليا.

في البلاد التي تتمتع بمؤسسات ديمقراطية، يمكن استهداف الشركات المتواطئة بالأفعال الاحتجاجية المباشرة وبالدعاوى القضائية. يمكن التحري عن مصادر دعم أعضاء البرلمانات وغيرهم من أصحاب القرار المنتخبين، يمكن تصميم واقتراح التشريعات والنضال من أجل تبنيها، يمكن خوض الانتخابات والفوز بها.

نشهد حاليًا موجة دولية من الدعاوى القضائية. تنظر المحاكم الأمريكية حاليًا 15 قضية هامة تتعلق بالمسؤولية المناخية: مدينة بالتيمور تطالب بتكلفة الحماية من الفيضان، وسان فرانسيسكو تطالب بتكلفة حاجز الأمواج، وولاية رود آيلند تطالب بالتعويض عن انخفاض قيمة العقارات الساحلية. القضية الشهيرة، جوليانا ضد الولايات المتحدة، التي رفعها 21 من الشباب، دخلت الآن عامها الخامس، وهي واحدة من عشرات القضايا في أماكن متفرقة من العالم يرفعها أطفال يشكون انتهاك حقوقهم المُستقبلية. 

هناك بالفعل انتصارات ملحوظة، وأهمها قضية يورجيندا ضد الحكومة الهولندية. أمرت المحكمة الحكومة الهولندية بخفض انبعاثاتها بحلول هذا العام إلى 25% أقل من مستويات عام 1990. ويُستند إلى هذه القضية في 1442 قضية مرفوعة اليوم في بلاد مختلفة تتهم الحكومات بانتهاك الحقوق الإنسانية لمواطنيها بعدم التحرك لتأمين وصيانة بيئة صحية للمعيشة.

وفي بلاد أخرى، وبالذات في هولندا وفرنسا، هناك دعوات قضائية مهمة تُنظر الآن ضد شركتي شل، وتوتال.

ما هي القضايا الأخرى التي يمكن رفعها؟ وكيف يمكن لمن يعيشون تحت وطأة الديكتاتورية توجيه الجهود القانونية الدولية؟ في الأغلب، شركة مثل إيني تسهل مواجهتها أمام القضاء الإيطالي على أكثر من جبهة: من حق الإيطاليين أنفسهم، مثلاً، في بيئة صحية وبحر متوسط مشترك، وحتى اتهامها بالعمل ضد سياسة الدولة الخارجية (المعلنة في «استعراض الأقران العالمي» الأخير)، أو طلب التحقيق في ممارساتها المالية. كما يمكن طلب التحقيق فيما تقوم به من تواطؤ ودعم لنظام عسكري سجل انتهاكاته لحقوق الإنسان حافل، بما في ذلك المؤشرات، التي تكاد ترقى إلى اليقين، على تورطه في قتل مواطن إيطالي واحد على الأقل: جوليو ريجيني.

من الصعب مقاضاة الشركات الدولية بتهم جنائية، لكن هناك بشائر تَقَدُّم في المحاكم الدولية والمحلية يمكن البناء عليها.

الدعم الإيطالي لنظام السيسي لا يأتي فقط من شركة إيني. على الخطوط الأمامية لعنف الدولة، نرى شعارًا إيطاليًا على سيارات مكافحة الشغب التي تهاجمنا: «إيفيكو»، وفي صباح اليوم التالي، نلتقط عبوات الرصاص فنقرأ عليها «فيوكّي». حين نغطي عين الكاميرا في الكمبيوتر ونضع هواتفنا في الميكروويف فإن من نحاول الاختباء منهم هم «فريق ميلانو للقرصنة الإلكترونية» و«إيريا سبا».

الشرطة تطلق النار على متظاهرين في «محمد محمود»

وليس ما يُسال ويُضخّ هو الغاز فقط، بل رأس المال أيضًا. رأس المال الإيطالي يهرب من لوائح تنظيم العمل داخل دول الشمال فيجد ملاذًا سعيدًا في هذه الديكتاتورية الجنوبية، حيث تم تجريف النقابات منذ زمن طويل، وحيث تُواجَه التحركات العمالية بالقمع المسلح. ترتبط أزمة العمل الحالية في إيطاليا (33% من الشباب مُعطّل عن العمل) ارتباطًا وثيقًا بالاستبداد المصري وارتفاع معدل العوائد التي تتمتع بها النخب هنا وهناك بإبقاء رؤوس أموالهم عابرة للقوميات.

تحافظ الدولة المصرية، مستخدمة المعدات الإيطالية، على «بيئة عمل مستقرة». وهذه البيئة يمكن مواجهتها، ليس في المحاكم الإيطالية فقط، ولكن في الشوارع، وفي السوق، وفي مجالات السمعة والأفكار. لا بد من زعزعة بيئة العمل. الجهود العابرة للوطنيات تمنحنا فرصًا لا حصر لهذا.

الأمر ذاته ينطبق -مع قوائم مختلفة من جرائم الشركات- على شركات في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وبريطانيا وألمانيا وأستراليا وفرنسا والنرويج، وبدرجة أقل في اليونان وقبرص والجمهورية التشيكية والمجر وفنلندا.

هذه بلاد توجد فيها طرق لاتخاذ إجراءات مباشرة وديمقراطية، ونقاط يمكننا أن نوظفها -نحن الكثيرون والمتزايدون من راغبي الحفاظ على البيئة- لنجد طرقًا للبناء والتفكير والنضال معًا.
 يجب أن تتزامن أفعالنا في الشمال وفي الجنوب.

سلسلة الكربون 2: لِفاياثان (والتضامن العابر للقومية)

نحن حبيسو شبكات الاتصالات الرأسمالية، تشطرنا -حَرفيًا- التجارة العالمية التي تتدفق عبر قناة السويس. مع هذا، فإن  أحد الانتصارات الباقية للاستعمار هي أن جميع طرق التجارة في المنطقة تمر عبر محاور أوروبية. مثلًا، تشكل الواردات المصرية من جارتها المباشرة، الأردن،0.22% فقط من إجمالي حجم التجارة الخارجية المصرية. كثير من دول الجنوب العالمي ليست أكثر من وحدات جغرافية للسيطرة. جيراننا في غزة يعانون تحت حصارنا، يشوههم إعلامنا بلا هوادة، أُغرقت أنفاقهم، ودُمرت رفح. فقط الغاز هو الذي يمر عبر سيناء دون عناء: من «لِفاياثان» إلى إدكو ثم إلى أوروبا.

لكن، نحن أيضًا لدينا شبكة للمعلومات والأفعال تمتد عبر جميع أنحاء الكوكب إذا نجحنا في استخدام عناصر قوتنا: ملايين الأشخاص في كل بقعة من الأرض؛ المزايا المزدوجة التي تتيحها لنا لغة واحدة التي تخترق الحدود الاستعمارية، وأخرى تتيح لنا التواصل عبر العالم.

ضمن موجة من التقاضي المناخي، هناك حالات مصممة لتجاوز الحدود الوطنية. «سول ليويا» مزارع من بيرو، يقاضي حاليًا أكبر منتج للكهرباء في ألمانيا، RWE، في محكمة ألمانية. يطالب بأن تدفع الشركة 0.47٪ من تكلفة الحماية من الفيضانات في مدينته، هذه النسبة، هي حصة الشركة السنوية من الانبعاثات المُسببة للاحتباس الحراري عالميًا. وعلى الرغم من رفض القضية في البداية، إلا أنها تتحرك الآن إلى الأمام في محكمة الاستئناف الإقليمية في إيسن.

وفي الفلبين، أرست لجنة حقوق الإنسان في البلاد سابقة عالمية بالتحقيق الذي أجرته حول كيفية تأثير شركات الكربون الكبرى (الخمسون شركة المُسجلة في البورصة) على حقوق الإنسان في الفلبين. تقول اللجنة إنها «تسعى إلى رفع قضية ضد الشركات التي لا يقع مقرها الرئيسي في الفلبين على أساس الآثار العابرة للحدود التي تنجم عن عملياتها التجارية».

الشركات التي تحقق أرباحًا في مصر لها مقار رئيسية في أماكن مختلفة من العالم. ما هي القضايا الجديدة التي يمكن رفعها ضدهم؟ ما هي السوابق القانونية التي يمكن إرسائها؟ ما هي الأرباح التي يمكن عرقلتها في المحاكم؟ هناك فرص على المستوى العابر للقوميات لإيجاد نقاط ضغط على الشركات إلى أن يلحق بنا المشرعون.

وفقًا لتقدير اللجنة الفلبينية لحقوق الإنسان، فإن شركة إيني الإيطالية مسؤولة عن 0.41% من إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم منذ عام 1751. ما هي نسبة 0.41% من تكلفة الدفاعات الساحلية اللازمة لحماية الإسكندرية؟ ما هي نسبة 0.41% من قيمة الأراضي الزراعية التي نخسرها بسبب التمليح الذي لا يمكن كبحه بجدار؟ ما هي نسبة 0.41% من خسارتنا بسبب تدهور أحوال الشعاب المرجانية في سيناء؟

الخسارة التي يتسبب فيها الكربون عابرة للقوميات، فأين يمكننا أن نجد إمكانيات جديدة؟ ما هي الدروس التي يمكن أن نتعلمها ونطورها من نشطاء وادي القمر الذين حصلوا على حكم ضد شركة «تيتان» للأسمنت في فرنسا، ونشطاء إدكو الذين قاضوا شركة BP البريطانية، لكنهم خسروا في النهاية؟

التنظيمات التي تجاوزت حدود المستوى الوطني تشمل اليوم: خطوط التنسيق بين السكان الأصليين لنصف العالم الغربي، وخطابها العالمي وتضامنها؛ عمال الشحن في مينائي الإسكندرية وأوكلاند الذين رفضوا تفريغ الأسلحة الإسرائيلية ونظرائهم في ميناء جنوة الإيطالي الذين رفضوا تحميل أسلحة متجهة إلى المملكة العربية السعودية؛ فضلًا عن عشرات من شبكات الدعم غير الرسمية للاجئين التي انتشرت في جميع أنحاء أوروبا.

انتشرت مثل هذه الأعمال والأفكار انتشارًا واسعًا بين عامي 2011 و2013، ويمكن لها أن تشتعل مرة أخرى.

سؤال وجدته مكتوبًا في إحدى كراساتي، كتبته بعد بضعة أشهر من انقلاب السيسي: لماذا يدخل معلم بمدرسة ابتدائية في إسبانيا في إضراب من أجل مصر؟ كيف يمكننا جميعًا أن نعطل الآلة ذاتها؟

الإجابة تكمن في السؤال نفسه، لكنني أفهمها الآن على نحو أفضل: أصبحنا ندرك الآن أن الآلة سوف تقتلنا جميعًا. نحن جميعًا نعيش في نفس البيئة. أفعالنا فردية، لكن مسؤولياتنا عالمية. الإعلام الصناعي يوهمنا أن هذا ضعف، وأن التفكير على مستوى الكوكب سوف يشلنا عن الحركة، لكن الحقيقة أن العكس هو الصحيح، لأن هذا الإدراك يمنح المعنى والقيمة لكل لحظة من لحظات حياتنا، ويجعل كل عمل تضامن ليس ممكنًا فحسب، بل ومنطقيًا كذلك.

سلسلة الكربون 3: المملكة العربية السعودية (ونهاية النفط) 

نهاية رأسمالية الكربون ستؤدي إلى انهيار النظام السعودي وتبخر شبكته الإقليمية الواسعة من الحكام الرجعيين.

شركة أرامكو السعودية -«الأغلى» في العالم، وأثمن ممتلكات النظام السعودي ومصدر أكبر كم من التلوث البيئي في التاريخ- طُرِحَت للبيع. لماذا؟ لماذا تبيع العمود الفقري لبلادك لمستثمرين هدفهم الوحيد هو استخلاص الأرباح؟ لأن الوقت ينفد.

​​سِعر مصادر الطاقة المتجددة ينخفض سنويًا. قريبًا ستكون تكلفة بناء محطات طاقة رياح وطاقة شمسية جديدة أقل من تكلفة صيانة المحطات الموجودة بالفعل والتي تنتج الطاقة من البترول والغاز. حاليًا، 79% من المحطات التي تستخدم الفحم تحقق خسائر بسبب منافسة الطاقة المتجددة. خلال خمس سنوات -حتى بحسب التقديرات المحافظة للوكالة الدولية للطاقة- سيتساوى استعمال الطاقة المتجددة مع حجم استعمال الفحم. في العام الماضي، تزايدت انبعاثات الهند بنسبة 2%، لكنها كانت أدنى زيادة منذ 20 عامًا بسبب تنامي استخدام طاقة الرياح والطاقة الشمسية. البرتغال أعلنت مؤخرًا عن مناقصة منخفضة السعر بشكل غير مسبوق لتوليد الكهرباء في أول مزاد للطاقة الشمسية في البلاد. وأعلن تقرير تاريخي جديد (مرة أخرى، من وكالة الطاقة الدولية المحافظة) أن الرياح البحرية وحدها تستطيع أن تلبي 11 ضعف متطلبات الطاقة في العالم بأسره.

إلى جانب الإسهام في انهيار شبكة المملكة العربية السعودية الإقليمية من الحكام الرجعيين، سيغير توفر الطاقة المتجددة متعددة المصادر الأوضاع في المنطقة تغييرًا جذريًا، حيث السيطرة على موارد الهيدروكربون سمة مميزة للنظام العسكري في الجزائر، والانقسام في ليبيا، والعداء الداخلي في السودان، والتدخل العسكري التركي في شرق المتوسط، وقمع الأكراد، والحرب الباردة السعودية الإيرانية، وسياسة ترامب «لنستولي على النفط» في سوريا، والإمبريالية المبتدئة للإمارات وقطر، وتدمير العراق، ودكتاتوريات أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان والأوزبك.

نشهد في العالم اليوم تحركًا سياسيًا وتكنولوجيًا قويًا ومتناميًا. من يعانون منا تحت حكم ديكتاتوري عليهم أن يصبحوا جزءًا من الإمكانات التحررية للحراك البيئي الراديكالي. فكما رأينا في أحداث «ستاندنج روك»، التي كانت محركًا أساسيًا لتمكن «العقد الاجتماعي الأخضر الجديد» من المخيلة الأمريكية،  فإن مزج النضال الحالي ضد الاستعمار مع النشاط من أجل البيئة مفيد ومنشط للنضالين.

من خلال النضال ضد التدمير المتعمد للبيئة الطبيعية، ضد التفتيت والإلهاء، ضد الاطمئنان غير المبرر من جهة واليأس من جهة، نحن نخوض نضالًا سياسيًا. ومن خلال العمل لإنهاء عصر البترول، نحن نعمل أيضًا على إنهاء السياسة الحاكمة للعصر.

6- العقد الجديد الخاطئ

«العقد الجديد الأخضر» ليس خطة ثابتة. إنه مجموعة متغيرة من الأفكار والفرص والمعارك. عملية سياسية علينا أن نشتبك ونتعامل معها على وجه السرعة، لأن هناك عددًا من النقاط  في «العقد الجديد الأخضر» ليست في مصلحة الجنوب العالمي.

هناك «عقد جديد أخضر» يستعمل فيه المستهلكون من الشمال ومن الصين سيارات كهربائية وتوربينات رياح، ويتسامح العالم مع طغاة دول الجنوب طالما ضمنوا توفير الكوبالت والتنتالوم والنحاس الأحمر الذي سيكون مطلوبًا للتكنولوجيا التي تحافظ على أنماط حياة استهلاكية مُترفة، وفي نفس الوقت تحافظ على البيئة وعلى توقف انبعاثات الغازات السامة عند «صفر صافي». «عقد جديد أخضر» ينطلق بحثًا عن المعادن (التي تدخل في صناعة مولدات الطاقة المتجددة)، وتتحول أمامه دول الجنوب -حتى تلك ذات الإدارات شبه الفعالة- إلى «جمهوريات تنتالوم».

هناك «عقد جديد أخضر» يقرر فيه ناشطو البيئة من دول الشمال، بعد أن حققوا «صفر صافي» في بلادهم، أن ينبذوا البلاد التي -بالتأكيد- ستكون متأخرة عنهم، فيعيدوا تصوير «البدائي/الإرهابي/الأصولي» على أنه «مُلَوِّث»، ويُحكِموا الحدود ويتجاهلوا الدين الفادح المُستَحَق عليهم من الكربون والاستعمار ليحافظوا على وضع معهود ومستقر.

تمتلك مصر رابع أكبر احتياطي للتنتالوم في العالم، وهو مورد سترتفع قيمته ارتفاعات خيالية مع الهجمة الخضراء. ستصبح الكونغو نموذجًا للقارة كلها. أفريقيا مرقطة بمحاجر «يدوية»، يسيطر عليها أمراء حرب صغار.

من السهل تخيل مستقبل تتم فيه التضحية بأفريقيا وآسيا الوسطى لإنقاذ الكوكب. مستقبل ليس مختلفًا كثيرًا عن الحاضر.

ومع ذلك، هناك إمكانات إيجابية يوصلنا إليها التفكير في كيفية تجنب مثل هذه السيناريوهات.

ربما يكون الحل في إنشاء تكتل تجاري أفريقي له احتياطي ضامن من المعدن. وكما كان الذهب هو المعيار قبل ثمانينيات القرن الماضي، يحل الكوبالت محله. يقوم هذا التكتل بتطبيق سياسات  للاستخراج والمعايير والتصدير على مستوى القارة. وللحصول على تراخيص الشراء، يتعين على المشترين الأجانب تسوية الديون الوطنية البغيضة التي اقترضها الطغاة السابقون، ودفع تعويضات عن الأضرار الاستعمارية، والإسهام في صندوق لحماية المناخ إسهامًا يتناسب مع حجم ما استعملته الدولة المشترية من ميزانية الكربون العالمية. فعلى الرغم من أننا في أفريقيا يحكمنا حاليًا تشكيلة من الطغاة الفاسدين، إلا أنه ربما يمكن إقناعهم أن هذه هي أفضل فرصة لهم للإفلات من دورات الخضوع الاستعماري التي تبدو حتمية.

سنحتاج نظامًا لإعادة التوزيع يكافئ البلاد التي تمتلك احتياطيات كبيرة من الوقود (مثل موزمبيق) لكنها تفتقر ربما إلى الاحتياطيات المعدنية، يكافئها على عدم استغلال احتياطها من الوقود الأحفوري. ويمكن مثلًا تكليف موريشيوس -وهي دولة من الممكن أن تتلاشى قريبًا ولذا ليس لديها أي وقت للفساد- بالرقابة على أجهزة فرض القانون.

هذا، بالطبع، اقتراح من داخل الرأسمالية نفسها. لكنه اقتراح يمكن استخدامه للعبور نحو مستقبل مختلف.

استعمال النشاط البيئي كسِتار- ملحوظة جانبية

بما أننا نتحدث عن خطوات انتقالية داخل الرأسمالية: قد نفتقر حاليًا إلى الهيئات التشريعية الفاعلة، لكن لدينا قطاع خاص كبيرًا، وهو حساس من ناحية الدعاية والسمعة. شركة إيكيا، مثلاً، تحب أن تتفاخر بأنها قامت بتركيب مليون لوح للطاقة الشمسية على متاجرها، لكننا لا نرى لوحًا واحدًا من تلك الألواح على أسطح متاجرها في مصر أو الأردن أو المغرب أو المملكة العربية السعودية أو الكويت أو دبي أو اليونان أو تركيا أو قطر أو البحرين أو سنغافورة. مولات التسوق، والبنوك، ومجموعات الفنادق العالمية، وشركات المقاولات الكبرى، ومطاعم الوجبات السريعة، والشركات متعددة الجنسيات: هؤلاء مستفيدون من رأسمالية الكربون ونستطيع الوصول إليهم. هذه هي الجهود الفعالة التي نستطيع أن نبادر بها بما أن شوارعنا تحت سيطرة الشرطة.

7- إعادة الإحياء

تعودنا على قياس حياتنا في وحدات: في تراكم العملة واندماج الذرات، في توفير أو إنفاق الوقت والمال والنفس، في علامات اللايك، وعدد الأصدقاء، والنقاط، والوزن، والسعرات الحرارية، والسنوات.

لكن الوحدة الأخيرة وغير القابلة للتجزئة في وجودنا هي الطاقة.

بدأت الثورة الصناعية في اللحظة التي أطلقت فيها بريطانيا الطاقة من الفحم، عندها انفصلنا عن إمدادات العالم الطبيعي اليومية من الطاقة وبدأنا في استغلال الطاقة القديمة والمتراكمة في الحفريات.

الخلاص البيئي يتطلب منا أن نعود لنعيش في اللحظة الحاضرة، أن نستمد طاقتنا من الشمس والرياح، أن نبني عالمًا لا يعتمد على تخزين الطاقة الخاصة في بطاريات السيارات الخاصة، بل على خطوط ترام عامة تستمد طاقتها من شبكات قارية. يتطلب منا أن نعيش في زمن الكوكب، بشكل عاجل، لكن بتركيز.

نحن الآن في حالة طوارئ.

معها تأتي فرصة لإعادة تخيل حياتنا اليومية؛ ليس باعتبارنا أشخاصًا يعيشون في ظل نزوات الطغاة، ولكن كجزء من وعي عالمي متزايد يستعد لتفتيت سلطتهم. في تفاعلاتنا اليومية، في الحركة والاستهلاك، في اللغة وفي أنماط التفكير، هناك المئات من الفرص اليومية متاحة أمامنا كي نصبح كائنات سياسية، لنستجيب لحالة الطوارئ، لنتضامن مع الآخرين في جميع أنحاء العالم ونتصرف بطرق لا يمكن لغيرنا السيطرة عليها.

«.. ما يحدث هو أننا نعيش الآن اللحظة الأخيرة التي يعني فيها تغيير المسار إنقاذ أرواح على نطاق لا يمكن تصوره..»

هل سنقول للأجيال القادمة أننا خسرنا 10 أو 15 أو 20 عامًا حاسمة أمام هذه الأنظمة البالية وسياساتها التافهة؟ أم سنستطيع الانتصار عليها، وتجاوزها؟

اعلان
 
 
عمر روبرت هاميلتون 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن