الثورة في ذكراها التاسعة… كيف نقرأ ما حدث؟ (3-3)

(يواصل خالد منصور في الحلقة الأخيرة من المقال مناقشة كتاب «ثورة يناير: رؤية نقدية» (دار المرايا – 2020) الذي شارك في كتابته عمرو عادلي وعلي الرجّال ومحمود هدهود وحرره عمرو عبد الرحمن. ويتناول في هذا الجزء التيارات المدنية من خارج ثنائية الجيش والإخوان)

لا يمكننا فهم مآلات ثورة يناير بشكل أوسع دون النظر في أفكار وأفعال القوى اليسارية والليبرالية والقومية منذ نشأة حركة كفاية في 2004، وحتى مشاركة بعض رموزها في الحكومة المؤقتة بعد الإطاحة بالإخوان في يوليو 2013. ويقوم بهذا عمرو عبد الرحمن، محرر الكتاب، في فصل بعنوان «اللغة السياسية لحركات التغيير في مصر».

ويحلل عبد الرحمن التجليات السياسية لهذه القوى في السنوات العشر السابقة للثورة، مركزًا على اليساريين والديمقراطيين والقوميين والإسلاميين خارج عباءة الإخوان والسلفيين، وكلها بطبيعة الحال قوى متداخلة يمكن أن يكون الشخص منتميًا لأكثر من واحدة منها.

ويتناول عبد الرحمن عدة تيارات التقت في هذه التجمعات السياسية ومنها تيار «الإسلام الحضاري» الذي تأسس على يد مفكرين مؤثرين مثل طارق البشري ومحمد سليم العوا ومحمد عمارة، ثم عبد الوهاب المسيري وعادل حسين، ثم تيار زعماء الحركة الطلابية من السبعينيات الذي ضمّ ناصريين مستقلين مثل حمدين صباحي وعبد الحليم قنديل وعصام الإسلامبولي، أو يساريين مثل أحمد بهاء الدين شعبان، إضافة لشخصيات من حزب «التجمع» مثل حسين عبد الرازق وعبد الغفار شكر. وفي لقاءات هذه التجمعات حضر مرارًا بعض قادة «الإخوان المسلمين»، وخاصة عبد المنعم أبو الفتوح وعصام العريان.

ولكن كل هذه الأسماء اللامعة في حساب عبد الرحمن، باستثناء «الإخوان»، كانت تمثّل «بقايا تيارات أو على هوامش تيارات، تباعدت المسافة الزمنية بينها وبين آخر نشاط حزبي أو تنظيمي… واقتصر إسهامها على العمل الفكري والدعوي»، تؤيد الديمقراطية ولكن وفق سقف ثوابت العداء لإسرائيل ومناهضة الهيمنة الأمريكية ورفض التمويل الأجنبي للمجتمع المدني.

باختصار يقول عبد الرحمن إن كل هذه القوى التي ادعت العمل بالسياسة لم تكن أكثر من شِلل وجماعات فكرية لها بعض التأثير المحدود على الرأي العام، ولكنها عندما كانت تريد خوض بحر السياسة كانت في نهاية المطاف تحتمي بظل أجهزة دولة يوليو، أو تخضع لسطوتها، وفي مقدمتها الجيش، باستثناء هنا أو هناك.

في بداية حركة «كفاية» نشر العضو المؤسس عبد الحليم قنديل ثلاثة مقالات بعنوان «إذا حكم الجيش» لخصت وجهة نظر قطاع كبير من مؤيدي الحركة؛ مبارك وأسرته وبعض الفاسدين خاصة من رجال الأعمال ومسؤولي الدولة، هم المسؤولون عن تردي الأحوال السياسية والاقتصادية في البلاد، وهم الداء الذي تعاني منه الدولة، فبمجرد تطهير الدولة من هذه العناصر سيتوحد شعب البلاد وجيشها من أجل النهضة والتقدم.

لا أكثر مدعاة للسخرية من تصور كهذا للمجتمع والسياسة وإغفال للصراعات الحقيقية والمشاكل العويصة التي يتعين حلها. كان الوطنيون على حق منذ مائة عام بأن رحيل الاستعمار الإنجليزي هو الشرط الأساسي قبل بداية أي عمل سياسي داخلي. قذف رافعو شعارات «الشعب كله إيد واحدة» ثم «الشعب والجيش إيد واحدة» بكل المشاكل تحت أقدام مبارك، فلما قطعوها اكتشفوا أن المشاكل لم تتبخر، ولم يكن أحدهم مستعدًا أو مهتمًا أو ربما قادرًا على تقديم بدائل واضحة، ناهيك عن الحشد والتعبئة من أجلها، فلم يكن لديهم، بخلاف الإخوان والجيش، أتباع وحلفاء يناورون بهم في الشارع. لم يكن لديهم سوى «الزخم الإعلامي، والضغط الغربي، والتشققات البادية في جسم التحالف الحاكم».

وبالتوازي مع «كفاية»، وبعد حرب الخليج الثانية، نشأت «الحملة الشعبية من أجل التغيير»، ثم على مسار موازي، نشأت حركة « شباب 6 إبريل» ونشطت بصورة مختلفة وخلقت لنفسها قاعدة شعبية وسط أجيال الشباب، وعقبها، وفي مطلع 2010 ظهرت «الجمعية الوطنية للتغيير». وذابت كل هذه الأشكال مع ثورة يناير حتى ظهرت جبهة الإنقاذ الوطني لمعارضة حكومة «الإخوان» في أواخر 2012 وضمت معظمهم إضافة لعدد من الأحزاب القديمة الضعيفة مثل «الوفد» أو الجديدة الضعيفة مثل «الدستور» و«المصري الديمقراطي»، والتي لم يكن أعضاؤها من الفاعلين والعاملين يتجاوزوا عشرات الآلاف في أقصى تقدير.

ويرى عبد الرحمن أن «جبهة الإنقاذ» رأت في الإسلاميين إما «مهاويس» يجب أن تكبحهم دولة رشيدة أو «غرباء» عن شعب مختلف عنهم. ولعل تلك الغربة كما يوضح هدهود في فصله الخاص بالإخوان لم تكن كلها سمعة غير مستحقة عن جماعة كان مشروعها شموليًا لكل مَن ينضم إليها وإقصائيًا لمَن يختلف معهم، مشروع كما يذهب علي الرجّال في فصله المعنون «الثورة الضعيفة» مشروط «بالتقوقع داخل التنظيم، حيث يصبح من الصعب تخيّل معنى للحياة خارجه».

كانت مشكلة الإخوان واليسار عمومًا إذًا هي وجود قطيعة ما مع الناس، وفي حالة الإخوان كان الوضع أفضل لا شك من حيث عدد الأعضاء والمؤيدين الذي يصل في تقديرات متوسطة إلى مليون شخص، بيد أن الجماعة ظلت طائفة تهيمن العضوية فيها على كل مناحي الحياة من الولادة حتى الموت.

ويرصد الرجّال أهم روافد الخطاب والممارسات الثورية لدى جيل الشباب، أو أولئك المولودين بعد تولي مبارك السلطة في 1981. في هذه العقود الثلاثة تهاوت كل المؤسسات الانضباطية في مصر والتي تمنح للحياة معنى وإطارًا، فقد تآكل دور الأسرة مع ازدياد صعوبة الحياة المادية وسيطرة قيم الفردية والاستهلاك، وتحلل دور المدرسة لصالح الدروس الخصوصية و«السنتر»، وتخلت المستشفيات عن معظم دورها لصالح المستوصفات الخاصة والخيرية، وصارت السجون مدارس لدعم وتقوية شبكات الإجرام.

ويقول الرجّال إن الشرطة وخاصة في العقد الأخير من حكم مبارك «صارت رمزًا للخوف والفزع… وضعف دورها الجنائي بشكل غير مسبوق وأصبح كثيرًا من أفرادها ضالعين في شبكات الإجرام، كالمخدرات، والدعارة، وفرض الإتاوات… وغابت بشكلها المؤسسي اليومي عن مساحات اجتماعية كثيرة وواسعة وصارت تظهر فحسب في الحملات العنيفة للبطش المفاجئ» عندما يتفاقم الموقف ويجب لجم طوفان عنفه بسرعة وبعنف أشد.

تحطمت أدوار مؤسسات الدولة التي تغرس قيم اجتماعية عن طريق التربية والتعليم والانضباط، ولم يعد مطروحًا سوى العنف العاري من أي قناعات. وفقدت الدولة هكذا دورها الرئيسي في إنتاج مواطن يقبَل بالقوانين وبدور الدولة. لم تسقط هيبة الدولة في مصر بسبب مؤامرات خارجية، بل تآكلت من الداخل ولم يعد ينظر إليها الكثيرون بصفتها الحامي أو السند أو مقدم الخدمات أو محل الفخر الوطني، بل صارت الأغاني والأفلام الوطنية التي استثمرت فيها النظم المتتالية الكثير من الخمسينيات وحتى التسعينيات خاوية من المعنى، وسخر منها الشباب بأشكال مختلفة وبتأليف كلمات بديلة لها تعبيرًا عن اللامبالاة بمفهوم الوطن أو انتمائهم إليه أو إلى وحداته الرئيسية.

من أشهر هذه التبديلات حوار متخيل من فيلم «رد قلبي» الذي كتبه الضابط المتقاعد يوسف السباعي وظهر في عام 1957 ليكرس للهيمنة الصاعدة لطبقة متوسطة يقودها الجيش، وتسخر تلك الجملة من فكرة رئيسية في الفيلم حول التعارض بين حب الوطن وحب امرأة ارستقراطية. وفي الفيلم يقول البطل الضابط علي عبد الواحد (لعب دوره شكري سرحان): «حبي لإنجي يهون إذا كان ح ينسيني واجبي نحو بلادي»، وصارت الجملة الشائعة في السنوات العشرين الأخيرة على الأقل: «لو كان حب انجي ح ينسيني حب مصر يبقى ك.. (كلمة نابية) مصر». ومن التبديلات الأخرى الشهيرة كلمات تُغنى على لحن أوبريت «الحلم العربي» التي كانت من آخر التجليات الفنية الفارغة المفارقة للواقع عن القومية العربية عندما ظهرت في عام 1998. وبدلًا من كون «أجيال وراء أجيال» تتقدم وتضحي لتدافع عن الحلم العربي يغنّي شباب وأطفال شاعت كلماتهم بعد إنتاج الأوبريت بفترة قصيرة عن «أفيال ورا أفيال» تتدافع لتدهس على كل شيء في طريقها.

يشير الرجّال إلى إخفاق الثائرين في الشوارع في تقديم بديل واضح بصفته عاملًا لفشل الثورة، حيث إنها لم تخرج «من أجل تطبيق شرع ما، أو تحقيق نظام اقتصادي وسياسي معين… كانت في حقيقة الأمر ضد نمط ممارسات السلطة وليست ضد المنظومة الكاملة التي تسند السلطة».

لا يقول الرجّال مباشرة إنه ربما كانت هناك حاجة لتحطيم القائم فعلًا من أجل بناء بديل مُرضي، وإن تبني السياسي الإصلاحي محمد البرادعي وأمثاله وحتى «الإخوان المسلمين» لخطط إصلاحية تجميلية أمر لا يجدي في ضوء التفكك والتحلل السائد داخل مؤسسات الدولة. ويذهب الرجّال إلى أن فئات ثورية ردت مرارًا على النقد المحافظ حول أن الثورة لم تقدم بدائل إصلاحية «حيث قدمت بالفعل مئات المشاريع والبرامج الإصلاحية… لمعالجة كل اﻷزمات من الطاقة إلى الصحة».

ولكن المعضلة، وفقًا للرجّال، أن الثورة احتاجت إلى مشروع قيمي وسياسي يغيّر شكل ومضمون الدولة والمجتمع السياسي. وكان من المستحيل اجتراح هذا المشروع مع فقدان واضح في المجال العام لأي اهتمام أو إيمان بسردية كبرى قومية أو وطنية أو يسارية، ولم تعد هناك سوى سرديات إسلامية أو طائفية أو عرقية يمكنها حشد عدد هائل من الأنصار والاحتفاظ بهم لمدد طويلة. ولذا فإن ما ستتمخض عنه تجارب الجولة الثانية من الربيع العربي في السودان ولبنان والعراق ستكون مهمة للغاية بالنسبة لمصر وغيرها، وخاصة أنها تحدث في بلدان مرت بأقسى التجارب الطائفية والدموية الأهلية واختبرت الحشد والتنظيم على أْسس طائفية وقبلية ومذهبية طوال عقود.

بصورة عامة يرى الرجّال أن الثوار وخاصة من غير الإسلاميين يتفقون على رفض وصايا الكبار الذكور، الأبوية والعسكرة والأمننة والتفاوتات الاقتصادية الواسعة والقيود التقليدية على الجسد والسلوك الاجتماعي. وتنعكس هذه التوجهات في عدة أعمال أدبية كتبها شباب في العقد التالي للثورة وربما من أهمها: «الخروج من البلاعة» لنائل الطوخي (2018) و«لا أحد يرثي لقطط المدينة» لمحمد الحاج (2018)، و«جوائز للأبطال» لأحمد عوني (2019).

بات من الواضح لكثيرين أن مشروع دولة الاستقلال الوطني المولود في الخمسينيات ينهار، ولم يتبق من دافع لدى أنصاره سوى قلق عميق مما قد يحدث إذا انهارت الدولة جريًا على المثل الشعبي المصري «نُص العمى ولا العمى كله». ولا يرى أحد من أنصاف المكفوفين سياسيًا واجتماعيًا هؤلاء أن هناك أي إمكانيات أخرى للخروج من هذا المأزق الشيطاني. ويضمّ هذا المعسكر الدولتي بين جنباته مؤسسات الأزهر والكنيسة القبطية والمؤسسات الأمنية والشريحة العليا من الطبقات الرأسمالية والمستثمرين الأجانب، ناهيك عن دول متنفذة إقليميًا ودوليًا مثل الإمارات والسعودية وغرب أوروبا والولايات المتحدة، كل هؤلاء يدعمون الاستقرار بأي ثمن لأن المجهول بالنسبة لهم سيكون في الأغلب أفدح وأبهظ تكلفة، رغم أنها تكلفة يدفع معظمها عادة هؤلاء الأقل حظًا في الثروة والسلطة.

اعلان
 
 
خالد منصور 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن