4 حقول غاز في شرق المتوسط تغير خريطة المنطقة
 
 

حظيت منطقة الشرق الأوسط باهتمام العالم في النصف الثاني من القرن الماضي، مع تحول النفط لعصب الاقتصاد العالمي، وتبارت الدول في فرض نفوذها وإقامة العلاقات حسب خريطة الطاقة التي أصبحت محورًا للصراع العالمي، ومنذ أكثر من عشر سنوات، ظهر موردًا جديدًا، ومعه صراعات تطورت على الساحة، وهو الغاز الطبيعي في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث تُقدر كميات الغاز بمليارات الأمتار المكعبة.

كان باكورة ثمار التنقيب في مناطق شرق البحر المتوسط قبالة السواحل الإسرائيلية، هي حقل «تمار» المُكتشف في يناير 2009، بكميات غاز بلغت 381 مليار متر مكعب، ما يعادل 14.6 مليون برميل غاز. تبعه في الاكتشافات حقل «ليفياثان»، عام 2010، الذي يحوي نحو ثلثي الغاز المُكتشف في المنطقة المُشاطئة لإسرائيل، بـ 605 مليارات متر مكعب من الغاز.

على بُعد 30 كيلومتر شمال غرب حقل «ليفياثان»، حيث تقع المنطقة الاقتصادية الخالصة لجزيرة قبرص، اكتُشف حقل «أفروديت»، في سبتمبر 2011، بكميات قُدرت بـ 129 مليار متر مكعب. وفي أغسطس 2015، اكتشفت شركة «إيني» الإيطالية للطاقة، حقل «ظُهر»، الذي يقع على مسافة 190 كيلو متر شمال بورسعيد، بثروات من الغاز الطبيعي تصل إلى 850 مليار متر مكعب، متفوقًا على سابقيه من حقول الغاز المُكتشفة.

نتحدث هنا عن قرابة اثنين تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي تكتنز بها كبار الحقول المُكتشفة حتى الآن، بخلاف الحقول «ضئيلة الإنتاج». في الوقت ذاته، لا يزال في جعبة خطط شركات التنقيب مناطق لم تُستكشف بعد، ما يعني مليارات الدولارات باتت تذخر بها منطقة شرق البحر المتوسط.

مصر محطة ليفياثان وتمار لعبور المتوسط 

من أهم تجليات ظهور ثروات الغاز في شرق المتوسط ما ترتب عليها من اتفاقات تمكن الدول المحيطة بهذه الثروات من الاستفادة منها. ومن آخر تلك الاتفاقات التعاون المصري الإسرائيلي الذي شهد أخيرًا الضوء بضخ إسرائيل أولى شحنات الغاز الطبيعي، في 15 يناير، إلى مصر، عبر خط أنبوب غاز شرق المتوسط، بكميات أولية تبلغ 200 مليون متر مكعب يوميًا، تزيد تدريجيًا عبر مدى زمني يقضي بتوريد كمية تتراوح ما بين مليار ونصف و ثلاثة مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي خلال عام 2020. ينص الاتفاق على تصدير 64 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي خلال عشر سنوات، بقيمة 15 مليار دولار.

يأتي تصدير الغاز الإسرائيلي كقصة نجاح بعد تمكن إسرائيل، التي كانت بلدًا فقيرًا في موارد الغاز الطبيعي من تلبية احتياجاتها المحلية بعد اكتشاف الحقلين، وذلك إثر عملية دقيقة من إعادة ترسيم الحدود خلفت نزاعًا حدوديًا بين لبنان وإسرائيل على مثلث في مياه المتوسط بمساحة 860 كيلو متر مربع لم يُحسم إلى الآن.

ولكن وراء الاتفاق  المصري الإسرائيلي لتصدير غاز الأولى قصة أخرى كون الغاز الإسرائيلي حبيسًا، وذلك يعود للبنية التحتية التي تلعب دورًا محوريًا في مسألة الغاز، إذ يختلف الغاز عن النفط، نظرًا لظروف نقله الخاصة: إما أن يتم نقله مباشرة من الحقول عبر أنابيب إمداد مباشرة إلى وجهته النهائية، أو أن يتم إسالته عبر محطات مخصصة ومن ثم تعبئته وتصديره عبر ناقلات غاز لأوروبا، واجهة التصدير الأساسية لغاز شرق المتوسط. يُعتبر الحل الأخير هو الأقل كلفة والأسهل مقارنة بالحل الأول، كذلك هو الحل المتاح في اللحظة الحالية في منطقة شرق المتوسط.

 الظروف الخاصة للغاز أعطت مصر ميزة تنافسية عالية لسيطرتها على محطتي إسالة الغاز الوحيدتين في المنطقة «إدكو» و«دمياط». تكلفت كلتا المحطتين وقت إنشائهما أقل من أربعة مليارات دولار، بينما قد تصل تكلفة إنشاء محطة إسالة، الآن إلى نحو عشرة مليارات دولار.

تم بناء محطة دمياط لإسالة الغاز الطبيعي في 2001، بتكلفة بلغت 1.3 مليار دولار وبطاقة استيعابية 5.5 مليون طن سنويًا من الغاز المُسال. تسيطر على المحطة الشركة الإسبانية المصرية للغاز «SEGAS» التي تمتلك فيها مصر  من خلال الهيئة العامة للبترول، والشركة القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» 10% لكل واحدة على حدة، كما تمتلك شركتي «يونيون فينوسا» الإسبانية و «إيني» الإيطالية الـ 80% الباقية.

كذلك أٌفتتحت محطة إدكو لتسييل الغاز الواقعة في محافظة البحيرة، عام 2005، بعد إنشائها بتكلفة 2 مليار دولار، وبقدرة استيعابية 4.1 مليون طن سنويًا من الغاز المُسال. وتمتلك الهيئة العامة للبترول 12% من المحطة، والشركة القابضة للغازات الطبيعية 12%، وشركة «بريتش جاز» الإنجليزية و«بترونس» الماليزية بنسبة 35.5% كلا على حدة، و5% لشركة «جاز دي فرانس». إذا كان لا بد من تعاون مصري إسرائيلي.

عقدت مصر وإسرائيل صفقة أولية في فبراير 2018، بين كلا من شركتي نوبل إنيرجي الأمريكية، وديليلك للحفر الإسرائيلية، صاحبتي امتياز حقلي الغاز الإسرائيليين، وبين شركة دولفينوس المصرية، والتي تتبع «مدى مصر» علاقاتها بأجهزة سيادية مصرية في تحقيق سابق. اعتبرت إسرائيل الصفقة هي الأهم على الإطلاق مع مصر منذ عقد اتفاقية السلام بين البلدين في 1979.

رغم كل نقاط القوة في الصفقة إلا أنه واجهتها عدة عقبات، بعضها فني تمثل في محدودية القدرة الاستيعابية للشبكة القومية للغاز الإسرائيلية، إذ يلزم تطبيق الاتفاق أن يمر الغاز عبر ثلاث مراحل، الأولى، أن ينقل من الحقول لشبكة الغاز المحلية في إسرائيل، والثانية، أن يمر عبر خط أنابيب شرق المتوسط بين عسقلان والعريش، والثالثة، أن يدخل شبكة الغاز القومية المصرية التي بدورها تنقل الغاز لمحطتي الإسالة في دمياط وإدكو. كانت القدرة الاستيعابية لشبكة الغاز الإسرائيلية تتراوح ما بين اثنين وثلاثة مليارات متر مكعب سنويًا، وهو أقل من نصف حجم المفترض ضخه في السنة من الحقول والمفترض أن يصل إلى سبعة مليارات متر مكعب سنويًا.

وفي أكتوبر من العام الماضي، عدل الاتفاق بين الثلاثة شركاء ليتضمن زيادة كميات الغاز، ومد فترة الإمداد لـ 15 عامًا بدلًا من عشرة أعوام. زاد حجم الإمدادات بعد تعديل الاتفاق ليصل لـ 85.3 مليار متر مكعب سنويًا. أي زيادة بنسبة 35 % في كمية الغاز، و 50 % في المدة المتعلقة بالاتفاق، لكن هذا ما زال رهينة إجراء التعديلات الفنية على شبكة  الغاز الإسرائيلية لتستوعب هذا الكم من الغاز.

تمثلت الضرورة الفنية الأخرى لتطبيق الاتفاق في إجراء تعديلات فنية على أنبوب شرق المتوسط الذي كان يستخدم سابقًا في توريد الغاز المصري لإسرائيل في ظل فقر إسرائيل في المحروقات قبل استخراج غاز حقول «تمار» و«ليفياثان»، ما استدعى في حينه إنشاء أنبوب غاز «شرق البحر الأبيض المتوسط» في عام 2000، الواصل بين عسقلان الإسرائيلية والعريش في مصر، بطول 90 كيلو متر، يقع غالبيته تحت سطح البحر، وتملكه شركة تحمل نفس الاسم، كان في هيكل ملكيتها الأول رجل الأعمال المصري حسين سالم، والإسرائيلي يوسي ميمان، والهيئة العامة للبترول. لكن هيكل ملكية الأنبوب تفتت على مدار العشرين عامًا الماضية لتستقر الملكية عند صفقة الاستحواذ الأخيرة على حصة أغلبية مملوكة لشركة «EMED» (التي تملك غاز الشرق التابعة للمخابرات العامة منها 50%) وشركة غاز الشرق نفسها إلى جانب الهيئة العامة للبترول.

أما التعديلات المطلوبة للأنبوب، فتمثلت في تأهيله لنقل الغاز في الاتجاه المعاكس من إسرائيل إلى مصر، بعدما كان يستخدم لنقل الغاز من مصر إلى إسرائيل، وهو ما تم بتكلفة 55 مليون جنيه.

أنقذت الصفقة الأخيرة مع إسرائيل مصر من الدعاوى التحكيمية التي رُفعت عليها جراء فسخ عقد تصدير الغاز إلى إسرائيل في أبريل 2012 من قبل الشركة القابضة للغازات الطبيعية بعد توقف إمدادات الغاز إلى إسرائيل إثر تعرض الأنبوب الذي كان ينقل الغاز لعدة هجمات تفجيرية في أعقاب ثورة يناير 2011 في مصر.

نتج عن فسخ العقد ذلك أربع دعاوى تحكيمية دولية على الحكومة المصرية، المتمثلة في الشركة القابضة والهيئة العامة للبترول، وأفضت تلك الدعاوى إلى أحكام بدفع تعويضات بلغت قرابة اثنين مليار دولار إلى الأطراف المتضررة، ومنها شركة الكهرباء الإسرائيلية.

تم رهن إنهاء وتسوية تلك المنازعات على إبرام صفقة الغاز الجديدة مع إسرائيل، فيما رهنت وزارة البترول، ضمنيًا، دخول صفقة الغاز حيز التنفيذ بإنهاء قضايا التحكيم الدولي كافة، ليستحوذ في الفترة التالية لتوقيع الاتفاقية، مشغلو حقل «تمار» و«ليفياثان» شركتا «نوبل إنيرجي» الأمريكية و«ديليك»  الإسرائيلية وشركة «غاز الشرق» المصرية، على حصة مالكة بنسبة 39% في شركة «غاز شرق المتوسط» المالكة لخط الغاز الواصل بين العريش وعسقلان، تمت صفقة الاستحواذ من خلال تكوين شركة «EMED» كتحالف بين الثلاث شركات، تمتلك فيه شركة غاز الشرق المصرية حصة 50%، و«نوبل إنيرجي» و«دليك» للحفر 25 % كلا على حدة.

 وبلغت قيمة صفقة الاستحواذ على الأنبوب 518 مليون دولار، دفعت الشركتين الإسرائيلية والأمريكية 375 مليون دولار مناصفةً، ودفعت «غاز شرق» 150 مليون دولار، من خلال قرض حصلت عليه من البنك الأهلي المصري، بحسب تصريحات المدير التنفيذي لـ «غاز الشرق».

تمثل صفقة الاستحواذ تسوية للنزاع من خلال حصول «EMED» على حصص الأطراف التي رفعت قضايا التحكيم على الجانب المصري، لتدور عجلة تصدير الغاز الإسرائيلي الحبيس إلى مصر، فالأولى مصلحتها أن يبدأ التصدير، والثانية مصلحتها أن تسوّي المنازعات. أما بالنسبة لشركة الكهرباء الإسرائيلية التي حُكم بتعويضها بحوالي اثنين مليار دولار، فقد تمت تسوية بين الجانبين لتدفع مصر 500 مليون دولار فقط على ثمان سنوات.

طريق مباشر إلى أوروبا 

في مقابلة لوزير الطاقة الإسرائيلي، يوفال شتاينتز، قبل عقد الصفقة المصرية الإسرائيلية، صرح بأن بغية تحقيق أعظم استفادة ممكنة من اكتشافات الغاز، يستوجب الأمر بناء شبكة من خطوط إمداد الغاز، وتحديدًا ثلاثة خطوط، الأول بين إسرائيل ومصر، والثاني من إسرائيل إلى تركيا مرورًا بالسواحل السورية واللبنانية، وآخر يربط ضفتي المتوسط، من إسرائيل مرورًا بقبرص وجزيرة كريت إنتهاءً في إيطاليا، ومن ثم إلى شبكة غاز أوروبا، التي تعد أهم مستهلك للغاز عالميًا، لأنها تستورد قرابة نصف احتياجها المحلي المُقدر بحوالي 250 مليار متر مكعب سنويًا.

بالتمعن في الخطة الإسرائيلية، نرى أن الخط بين مصر وإسرائيل بات متحققًا، والخط بين تركيا وإسرائيل لم يتحقق أي تقدم يذكر فيه. ويبقى، الأنبوب البحري الواصل إلى أوروبا مباشرة، وهو الأهم.

لم يعد أمر الأنبوب البحري الواصل من إسرائيل إلى أوروبا في طور النوايا فقط، بل شهد ثلاث مناسبات معلنة في إطار تحقيق هذا الحلم. آخرها كان مع مستهل العام الجديد، إذ أبرم وزراء الطاقة في إسرائيل واليونان وقبرص اتفاقًا أوليًا في شهر يناير، في العاصمة اليونانية، حول هذا الحلم الذي بات يُعرف بمشروع «إيست-ميد»، بحضور رؤساء الوزراء الدول الثلاث.

لم يكن هذا الاصطفاف حول مشروع «إيست-ميد» هو الأول، بل كان الأول في مطلع ديسمبر 2017، حين وقعت الثلاث دول مذكرة تفاهم تتمحور حول بناء خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي من حقول إسرائيل وقبرص إلى اليونان وإيطاليا وصولًا إلى شبكة أنابيب الغاز في الشمال والغرب الأوروبي للقارة التي تعد بمثابة رهينة للغاز الروسي، ونصت المذكرة على أن ينتهي العمل بالخط بحلول 2025.

من المخطط أن تمتد خطوط أنانبيب الغاز لـ «إيست-ميد» بطول يقرب 2000 كيلو متر، بطاقة استيعابية تبلغ عشرة مليارات متر مكعب سنويًا، بشكل مبدئي، وبتكلفة قُدرت بستة مليارات دولار.

 وأخذ مشروع الخط بُعدًا تجاريًا في المناسبة الثالثة، بعد أن تجسد في توقيع كلا من شركة خطوط الغاز الإسرائيلية «INGL» المملوكة بالكامل للحكومة الإسرائيلية وشركة «Poseidon» الإيطالية اليونانية، في نوفمبر 2019، مذكرة تفاهم حول مشروع «إيست ميد»، الذي يقع غالبيته تحت سطح المتوسط.

رغم تلك الخطوات الرسمية إزاء المشروع، لكن ثمّة تشكيكات كبيرة في قدرة الدول الثلاث إسرائيل وقبرص واليونان على بناء هذا الخط لارتفاع تكلفة الاستثمارات فيه، إذ يعتقد محللون في مجال الغاز أن إنشاء هذا الخط سوف يستغرق الكثير من الوقت والاستثمارات، ما لم يتدخل الاتحاد الأوروبي ومؤسساته في تمويل عملية الإنشاء، لأن فكرة تمويله من قبل القطاع الخاص تواجه صعوبات كبيرة.

صحيح أنه أعلن أن الاتحاد الأوروبي مول في 2015 دراسات ما قبل التنفيذ المتعلقة بالمشروع  كافة بمنحة بلغت قيمتها مليوني يورو، لكن يرى المتشككون في تحقق الحلم الإسرائيلي أن هناك إغفالًا للتوجه الجديد بالاتحاد الأوروبي في أجندة الطاقة والمتمثل في النزوح بقوة نحو الطاقة الخضراء الصديقة للبيئة، وأخذ خطوات لمحاصرة مصادر الطاقة الأحفورية، في ظل الأزمات البيئية عالميًا.

من ناحيتها، تؤكد مصر على التشكيك إزاء قدرة اسرائيل على توصيل غازها مباشرة لأوروبا، الأمر الذي قد يؤثر على الصفقة الأخيرة، وهو ما أوضحه وزير الطاقة المصري طارق الملا في لقاء تلفزيوني مؤخرًا بقوله إن غياب الجدوى الاقتصادية لهذا المشروع والمعارضة الإيطالية له استنادًا لأجندة الدولة البيئية واحتياج الغاز للمرور في مياه تابعة لدول متنازعة كلها أمور تشكك في المشروع.

ولكن الاجتماع الثلاثي في أثينا، مطلع يناير، قد يحمل في طياته رمزية سياسية أكثر من كونه تعبيًرا عن واقع مؤكد، ولتفكيك ذلك علينا إحضار الخرائط، وإضافة تركيا إلى المشهد، والرجوع أسابيع قليلة قبيل توقيع الثلاثي.

في نهاية نوفمبر الماضي، وقع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وفايز السراج قائد حكومة «الوفاق الوطني» المعترف بها دوليًا من قبل الأمم المتحدة في ليبيا، مذكرتي تفاهم تنصان على ترسيم حدود بحرية بين البلدين المتشاطئين بشكل متقابل، وعلى تعاون أمني عسكري لحكومة السراج، في مواجهة هجمات خليفة حفتر القائد العسكري لما يسمى بالجيش الوطني الليبي حول طرابلس منذ أبريل الماضي.

جاءت ردود الفعل الدولية كافة ومن بينها مصر تحتج على مذكرتي التفاهم، باعتبارها لا تحترم القوانين الدولية الخاصة بالبحار، وهنا يُذكر أن تركيا من الدول غير الموقعة على قانون البحار التابع للأمم المتحدة.

عند الإطلاع على الخرائط الممثلة لاتفاق ترسيم الحدود نجد أنه بمثابة «كمين بحري»/ «حائط بحري»، يلعب دور مسمار أردوغان، إذ إنه يقطع الطريق الواصلة بين حقول إسرائيل ووجهتها في إيطاليا، ما يجعل أي تحرك إسرائيلي نحو تنفيذ المشروع لا بد وأن تصبح تركيا جزءًا منه، إما عبر المفاوضات أو مواجهة عسكرية محتملة. ذلك بالرغم من تصريحات لمسؤولين تركيين في نوفمبر الماضي تحدثوا عن استعداد تركيا للتفاوض بشأن نقل إمدادات الغاز الإسرائيلية إلى أوروبا عبر المياه البحرية الإقليمية والأراضي التركية.

من جانبها، تقف الولايات المتحدة خلف تحالف الثلاثي، اليونان وقبرص وإسرائيل لإزاحة «الارتهان الأوروبي» للغاز من قبل روسيا، -ارتهانًا نسبته 40% مما تحتاجه القارة العجوز-، والذي يعود إلى ستينيات القرن الماضي منذ تضافرت حقول الغاز الروسي وتكنولوجيا الاستخراج الأوروبية، ليلبي كل منهما هدف الآخر. وهي أيضا علاقة الارتهان التي وصفها أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورجتاون «ثان جوستفسون»، بأنها طالما نجحت في أن تكون بمعزل عن كل الاضطرابات السياسية التي شهدتها العلاقات الأوروبية منذ الستينات، أي حقبة الاتحاد السوفيتي مرورًا بسقوطه، وصعود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

في الوقت نفسه، تريد تركيا الحفاظ على نفسها كبوابة للطاقة الأوروبية، وتريد روسيا لها كذلك أن تظل بوابة للغاز الروسي لأوروبا، ولذلك نشأ تحالف مصالح بين الدولتين، كان آخره، افتتاح خط أنبوب «Türk Stream» في 8 يناير الجاري، والذي يخترق بحر البلطيق بطول 930 كيلومتر ويمد الغاز إلى تركيا، إضافة إلى جنوب وجنوب شرق أوروبا عبر الأراضي التركية المتاخمة للحدود البلغارية.

انتهت كلا من شركتي إنتاج الغاز الروسية والتركية، «جازبروم» و«بوتاش»، من بناء الخطوط البحرية في نهاية 2018 وافتتحت في بداية يناير 2020.

من أفروديت  إلى أوروبا عبر مصر

ليس فقط الاتفاق المصري الإسرائيلي المعبر الوحيد عن طموحات مصر في أن تكون مركزًا إقليميًا للطاقة في المنطقة عبر محطات التسييل، لكن أيضًا اتفاق مصر وقبرص، في سبتمبر 2018، والذي يقضي ببناء خطوط أنابيب بين حقل أفروديت القبرصي ومصر لنقل الغاز القبرصي إلى محطات الإسالة المصرية، تمهيدا لتصديره مرة أخرى إلى أوروبا.

تصل الطاقة الاستيعابية للأنبوب البحري، لنحو  700 مليون متر مكعب سنويًا، على أن يبدأ التصدير فعليًا عام 2022. وقد وافق البرلمان على الاتفاقية في مارس 2019، ليلحقه تصديق رئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسي على الاتفاق في يوليو 2019.

وكانت مصر وقبرص قد وقعتا في 2003، اتفاقيات ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية.

تأثير ظهر على مصر

وصل انتاج حقل «ظُهر» الذي يقع على مساحة تبلغ 100 كيلومتر مربع إلى 2.7 مليار قدم مكعب يوميًا في أغسطس 2019، ومن المُخطط أن يزيد هذا الإنتاج اليومي إلى 3.2 مليار قدم مكعب يوميًا، تمهيدا لأن يصبح حقلًا مُصدرًا في القريب، إذ يضم الحقل حوالي 200 بئر، حتى إلى الآن يتم الإنتاج من 13 بئرًا فقط. ويستخدم الغاز المُنتج في الاستهلاك المحلي الذي يذهب 61% منه إلى قطاع الكهرباء منذ العام الماضي.

ويساهم الغاز المُستخرج من الحقل في تلبية الطلب المحلي بشكل أكبر. وأعلنت مصر في الربع الأخير من 2018 عن وصولها إلى الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي، ووجود فائض انتاج من الغاز بنحو مليار قدم مكعب يوميًا، من إجمالي حقول الغاز المصرية،  بما يساهم في زيادة صادراتها من الغاز لتحقق 172.8 مليار قدم مكعب صادرات من الغاز المُسال، عبر 45 ناقلة غاز بحرية، في العام المالي الماضي 2019/2018.

اعلان
 
 
سارة سيف الدين 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن