2- «الحالة الحرجة للمدعو ك»: «هايكو» الألم
 
 
صورة: سهير شرارة
 

برنامج قراءة: كيف نفهم الألم؟  (4 حلقات)

*من سلسلة كوكبة

«إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟»

بهذه الكلمات من الكتاب المقدس، يناجي المسيح ربه وهو فوق صليبه. ربما تكون هذه من اللحظات الفريدة التي توحد فيها الإنساني مع الإلهي. وفق المنظور المسيحي، فإن ألم المسيح هو التجلي الأشد سطوعًا لعدل الله، معاناته وتجربته لا تجسد انفصال اللاهوت عنه قدر ما تعكس الحكمة الإلهية للألم. إنها اختبار الابن الأزلي لمعاناة البشر من بعده، الخلاص والفداء.

لكن هل يخضع الألم، كخبرة إنسانية، لحكمة الله؟ ألا يمكن النظر إلى تجربة المسيح بوصفها تأبيد للألم كشرط أساسي في العلاقة بين الأرض والسماء، لا مجرد اهتمام من الرب الرحيم بمشكلة الألم؟

لكن بعيدًا عن الرؤى الميتافيزيقية، قدمت البشرية محاولات عدة في فهم طبيعة الألم وأثره على السلوك الإنساني. تاريخ الأدب والثقافة الإنسانية حافل بالشخصيات الرازحة تحت وطأة الآلام النفسية والذهنية. أوديب وهاملت، «الأمير ميشكين»، «فرتر»، و «إيما بوفاري».

في برنامج القراءة المُقترح سنركز اهتمامنا على الألم الجسدي، المرض الذي يهدد الكيان المادي للإنسان، حيث تبدو العلاقة بين الكتابة والألم أبدية من وجهة نظر العديد من الكُتاب والفلاسفة والمفكرين. نقدم من خلال ثيمة الألم/المرض 4 ترشيحات في 4 حلقات لكتب تناولت تجربة الألم، وطرحت أسئلة أكثر جدلية عن ماهيته وغايته، وكيفية مقاومته. يمكنكم قراءة مقدمة البرنامج والحلقة الأولى هنا

2- «الحالة الحرجة للمدعو ك»: «هايكو» الألم

مثل قصيدة «هايكو»، يحاول الكاتب السعودي عزيز محمد، في روايته الأولى «الحالة الحرجة للمدعو ك» (2017- دار التنوير)، أن يُلخص الوجود بأكمله من خلال كلمات بسيطة. أن يُعبر -كما في هذا النوع من الشعر الياباني- عن مشاعر معقدة من الألم والخوف والاغتراب في عبارات كثيفة ذات دلالات عدة رغم بساطتها. ويخلق نوعًا من الحزن يشبه ما نشعر به بعد قصيدة منه. تتألف أشعار الهايكو من بيت واحد فقط، وتُكتب عادة في ثلاثة أسطر. وهي الكتابات التي لا يستطيع الراوي في «الحالة الحرجة للمدعو ك» أن يقرأ سواها على سرير المرض، نتيجة لضعف تركيزه وطاقته الذهنية وتشتته كآثار جانبية للعلاج.

 في «الحالة الحرجة» ننتقل مع الراوي، الموظف العشريني، بين ثلاثة عوالم: العمل والأسرة والأدب. يقرر الراوي أن يكتب يومياته، أسوة بكافكا، أحد كتابه المفضلين ومصدر العزاء والصبر على الوظيفة ومنظومة العمل. لا يذكر السرد اسما للراوي، بل يكتفي  بتسميته «ك» في إشارة إلى بطل كافكا في روايتيه «القلعة» و«المحاكمة». كذلك فضّل الكاتب تغييب اسم المكان وإخفاء أسماء الشخصيات معللًا ذلك بالخوف من وقوع مذكراته في يد «أي متطفل».

الوظيفة كمستعمرة عقاب.. والأسرة كجحيم

يتعامل الراوي مع وظيفته كتقني معلومات في شركة للبتروكيماويات بوصفها شرًا لا بد منه، منظومة عقاب قوامها التسلط والادعاء. يعاني من صعوبات في التأقلم والاندماج بين أقرانه ومع بيئة العمل. وهو في تساؤل دائم عن السبيل للخروج، للانعتاق من نير الوظيفة، وفي ضجر مستمر من السرديات التحفيزية عن قصص النجاح والخطط المستقبلية. 

أما موقفه من الأسرة فلا يختلف كثيرًا عما سبق. كانت الجملة الأثيرة لأبيه: «لا تُبالغ». يلوح بها في وجه الابن في شتى المواقف: في نوبات المرض والخوف، أو عند الشكوى وأوقات الفرح أو الحزن. حينما توفي  الأب كان الراوي في سن الثامنة عشر. ويكشف السرد عن التأثير الممتد لتلك الكلمة على حياة الراوي حيث دفعته إلى المزيد من الانطواء والتكتم والرغبة في العزلة.

يتخبط الراوي بين الأم والأخ والأخت. الأم دائمة اللوم والعتاب له. ترى في القراءة إحدى مسببات بؤسه ووحدته. ونشهد على حالة معقدة من انعدام التواصل بين الرواي وأمه. يُشكل الصمت جوهر العلاقة بين الراوي وأخيه الأكبر الذي يحاول جاهدًا أن يضطلع بدور الأب، لكنه يفشل دائمًا أو يتصدى الراوي لمحاولاته.

وأخيرًا، الأخت، وهي على النقيض من الراوي أو المدعو «ك»، فهي ملتزمة بأنساق المجتمع ومعايير النجاح، دائمة الحرص على صورتها هي وأسرتها أمام عائلة زوجها الثرية. والعلاقة بينها وبين الراوي قائمة على التناحر والجفاء.  

يتجلى عالم الأدب بوصفه الملاذ الوحيد للراوي. فهو دائم القراءة والكتابة في العمل، ويستمر في عقد التناظرات بين حياته وحياة كُتابه المفضلين أو شخوص رواياتهم. يحلم أن يصير كاتبًا مرموقًا، وأن يجمع مدخراته ورصيد إجازاته ليسافر إلى براغ مسقط رأس كافكا، أو بطرسبرغ موطن دوستويفسكي. يزخر السرد بالإحالات الأدبية المضفرة بعناية كما سنين لاحقًا.

 ما الذي يمكن أن يفعله المرض مع كل ما سبق؟

في معظم الأيام، يصحو «ك» من نومه مصابًا بالغثيان، وآثار دم متخثر على أنفه ووسادته. يسترجع الراوي ذكريات إصابته الدائمة ﺑ «الرعاف» أثناء طفولته. يستمر الغثيان كأحد الأعراض اليومية للاستيقاظ، وكذلك يداهمه النزيف في أوقات متفرقة. وفي أحد الأيام يُنقل للمستشفى جراء إصابته بالحمى وارتفاع حرارته، ويفقد صوته لبعض الوقت إثر تلك الإصابة.  يشير الراوي إلى ملمح غريب في شخصيته حيث يؤكد أنه حين كانت تبدو أحلام السفر مستبعدة، فإنه يلجأ إلى نوع آخر من الخيالات.

كان يتصور مصيبة شنيعة تحل به وتحرمه من «كل أمل في الحياة السعيدة». ويصف الفكرة بأنها مصحوبة بقدر من «المازوشية». يجد نفسه متلذذًا بكيفية تأقلمه مع تلك المصيبة وكيفية استثمارها لاحقًا في حياته. ويتخيل كيف ستستغني الشركة عن خدماته وتعوضه براتب تقاعدي. أعاد فقدانه صوته المؤقت تلك الفكرة إلى خياله، واصفًا فقدان الصوت كإعاقة يتمناها لأنها لن ترحمه سوى من التواصل مع البشر. يقول: «سأصبح معفيًا من الزيارات والواجبات الاجتماعية التي لطالما شعرت أني أخون ذاتي خلالها». أما الغاية النهائية فهي أمله في أن يُصرّف كامل طاقته التعبيرية في الكتابة. كأن المرض هو القطعة الناقصة لتشييد بنيان إلهامه.

هنا ينطوي السرد على عدة مفارقات بالغة الدلالة والذكاء. لم يكن «ك» يعلم أن واقع المرض سيفوق كل الخيالات الممكنة للمصيبة.

 الغثيان: بين سارتر والسرطان

أحد أهم المفارقات داخل السرد هو التلميح إلى «الغثيان» كأنه عَرَض من أعراض الرفض أو القلق الوجودي للراوي. فالراوي، في ترديده الدائم لبعض العبارات، وفي اعتبار الآخرين بأنهم الجحيم، يقترب من الملامح الوجودية لمقولات سارتر الفلسفية. تطالعنا عبارات مثل «يدرك المرء عناء أن يكون نفسه»، «كم هو مريع أنه على المرء أن يوجد». كما يعزي الراوي جميع الأعراض المرضية من إرهاق وخمول وأرق إلى الوظيفة وضغوطات العمل والبيئة العصرية، أو ما يسمى «متلازمة التعب المزمن»، وهو يستبعد كونه مريضًا إلا بالوظيفة فيقول ساخرًا حين يرى أن الكدمة على ذراعه قد انتشرت وازدادت قتامة: «كما لو كنت مريضًا بشيء آخر غير هذه الوظيفة».

لكننا نكتشف مع الراوي، كنتيجة للفحوصات والتحاليل التي أجراها في المستشفي خلال الحمى، إصابته بسرطان الدم، اللوكيميا.

تقوم حبكة الرواية على المرض كلحظة فاصلة، ما قبلها يختلف عما بعدها. في «كلبي الهرم.. كلبي الحبيب»، الذي عرضناه سابقًا، كان المرض غير مجهول، كأنه عملية تحصيل معرفي تحدث على الدوام في حياة الشاعر. أما في «الحالة الحرجة…» نتبين ثقل المرض كاكتشاف معرفي يُرمى على كاهل الإنسان. المرض حد فاصل بين الشك واليقين. وبالتالي، فإن الموت، هذا المجهول، يصير أكثر وضوحًا وجلاءً، أو ما يصفه عزيز محمد في بلاغة ﺑ «لحظة الفزع» التي لا عودة بعدها للأمان:

«كل غثيان، كل نزيف، كل صداع، كل كدمة جديدة، كل عرض بسيط، مهما كان، سيكتسب منذ الآن طابعًا أشد تهديدًا في ضوء المعطيات الأخيرة، وسيرتبط مباشرة بأصله الخبيث». نحن لن نتمكن من «رتق الفزع» الذي انشق في داخلنا «لحظة الاكتشاف».   

المرض كوسيلة للتمرد

يتوهم «ك» أنه يمكن أن يتخذ من المرض درعًا للتمرد على ما حوله، ووسيلة لتحقيق الفردانية المفقودة. لكن كل أوهام العزلة والتحرر من الضغوطات الاجتماعية تتبدد، بل إن المرض يزيد من أعباء «ك» ويجعل مَن حوله أشد تطلبًا. وتلك مفارقة أخرى. يصير لزامًا عليه إبلاغ العالم من حوله بطيبعة حالته. والأهم أن صورته يجب أن تتطابق مع الصور المتفائلة المتوقعة من محاربي السرطان.

لا يزيد المرض «ك» إلا عدوانيةً وجفاءً وعنادًا. يحاول مقاومة إملاءات الآخرين وتوجيهاتهم. تُصبح المعارك الصغيرة مع الأم والأخوة والزملاء والطبيب حول الأمور اليومية، والانتصارات الشخصية التافهة شاغله الأبرز، إلى أن يزيح الألم كل ما عداه. يقول «ك»: «الألم هو الحقيقة الوحيدة».

الكتابة على حافة الموت

يكتشف «ك» أنه لا شعرية في المرض، ولا إلهام من الألم. مع تطور المرض وتزايد الوهن الناتج عن العلاج الكيماوي، يبدأ في مَقت ذاته. ربما كان هذا المَقت هو بداية لاكتشاف نفسه. يرى «ك» صورته في الجد المحتضر. كلاهما على حافة الموت.

يكتشف «ك» زيف فكرته القديمة. يتيقن من أنه ليس ثمة صفاء ذهني في انتظار الموت، ليس ثمة «تدفقات تعبيرية خالدة، ولا اندلاعات فكرية ثاقبة ولا تجليات متوهجة». مع شعور اقتراب الموت ليس إلا «ترقب قلق ينخر الروح». يشعر أنه غير جدير بمرض كالسرطان، ﺑ«موت يستغرق وقته في التحضير» لأنه موت يليق بالمفكرين والأنبياء والشعراء والفلاسفة ومن يملكون كلمات أخيرة متماسكة».

توحي كلمات «ك» بنفوره من كتاباته، وإعلان فشله في ما ظل طويلًا يتخيل إمكانية تحقيقه؛ الكتابة. لكن حقيقة السرد الفعلي في الرواية تُفارق ما يوحي به راويها «ك». إذ يصير السرد أكثر شعرية وتأملًا. ولا يفقد روحه التهكمية وقدرته على إدراك التفاصيل.

يحشد النص الروائي تمثيلات عديدة للمرض في كتابات أخرى، وكذلك في حياة بعض الكتاب. لعل أهم كاتب يُلقي بظلاله على النص هو فرانز كافكا. ليس لأن الكافكاوية هي سمة فنية للكتاب، لكن لاستلهام حياة «ك» من حياة كافكا نفسها حيث تعطيل الوظيفة للكتابة، وأيضًا مرضه بالسل، المعادل القديم للسرطان. ربما يبدو السرطان في الرواية كابوسًا كافكاويًا لا يمكن الاستيقاظ منه. يُحيل النص كذلك إلى رواية توماس مان «الجبل السحري» التي يصاب بطلها بالسل ويظل في حالة إنكار مشابهة لحالة «ك» في البداية، وكتاب «المرض كاستعارة» لسوزان سونتاج الذي أشرنا إليه من قبل.

إلا أنه رغم سوداوية الرواية، فإن الأمل هو مفارقتها الأخيرة. مبعث الأمل هو المرض نفسه الذي قام بتعرية البطل أمام ذاته، وقوض كراهيته تجاه العالم والأشياء. ثقب المرض ثغرة في الحصن الذي أقامه «ك» حول روحه.

ربما ينجح السرطان فيما فشل فيه الأدب.

«الحالة الحرجة للمدعو ك» نصٌ خلاق من الكوميديا السوداء مُضفرة مع حكمة الهايكو. وكأي رواية فارقة، فإنها تتجاوز موضوعها. فكما أن رواية «العجوز والبحر» لأرنست همنجواي، التي يحبها «ك»، ليست عن عجوز يصطاد سمكة كبيرة، فإن رواية عزيز محمد ليست مجرد قصة عن موظف شاب يكره وظيفته وأسرته ويصاب بالسرطان. إنها رواية عن الوجود والقدر والاغتراب، عن الأسرة والمجتمع والموت. وتذكرنا بأن تعرية الألم، بجرأة وصدق، ربما تكون السبيل الوحيد للمقاومة. 

*سلسلة كوكبة هي سلسلة معنية بتقديم برامج قراءة ومشاهدة. كل برنامج عبارة توليفة لعدد من الأعمال الأدبية أو الفنية، تحت ثيمة معينة يختارها منسق/ة. تنشر الترشيحات على حلقات، كل منها يتضمن مراجعة للعمل الفني المقترح.

اعلان
 
 
محمد عمر جنادي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن