هل تكره الدولة القاهرة؟

هل يمكن ألا يحب الحاكم، أو حتى أن يكره جزءًا من بلاده، ولو كان أكبر مدنها أو عاصمتها؟

بالطبع ممكن، والسوابق كثيرة. في كتب التاريخ القديم روايات زاخرة بالتفاصيل عن الإمبراطور الروماني نيرون الذي شاهد روما تحترق دون أن يحرك ساكنًا. وحديثًا، قيل أيضًا إن الزعيم النازي أدولف هتلر لم يكن يحمل في قلبه حبًا لبرلين، وأنه كان يفضل عليها الإقامة في ميونيخ أو في خلوة بيته المنعزل بجبال الألب البافارية. وفي المنطقة العربية، كانت المدن شوكة في حلق السلطات الاستعمارية لطبيعتها «المتمردة». في سوريا العشرينيات والثلاثينيات مثلًا، كانت المدن الكبيرة مثل دمشق وحلب هي معقل الحركات الوطنية المطالبة بالاستقلال، ومن هنا سعى الفرنسيون -وفق سياسة «فرق تسد»- إلى تأليب سكان الريف عليها، لإضعاف المدينة وكسر مقاومتها.   

بالمثل، لا يمكن فهم تناقضات الواقع السوري في مرحلة ما بعد الاستعمار، وبالتحديد منذ الانقلاب البعثي في عام 1963، دون التطرق إلى العلاقة المتوترة، بل والمخضبة بالدماء، بين سكان المدن والأرياف. اعتمدت السلطة البعثية على العلويين طائفةً، الريفيين موطنًا، لتعضيد سلطتها الوليدة. ولأن هؤلاء كانت تستعر في نفوسهم مشاعر بغض كبيرة نحو المدينة وأهلها، ناجمة عن خلفيات تاريخية عانى العلويون فيها -وهم الفلاحون الفقراء القاطنون في الجبال- من استغلال واضطهاد المُلاَّك الإقطاعيين، فقد بات المشهد مرشحًا لتجدّد الصراع. من هنا يمكن فهم غزوهم التتاري للعاصمة دمشق بعد 1963، والذي شجعت عليه السلطة في ما يمكن أن يسمى بسياسة «الاستيطان الطائفي». ثم اكتسى الثأر الطائفي القروي دمًا ودمارًا بحلول بداية الثمانينيات. في إطاره، دُمر حي الكيلانية في حماة عن بكرة أبيه أثناء الحملة العسكرية الشرسة ضد المتمردين الإسلاميين في عام 1982. 

لقد كان آل كيلاني من كبار المُلاك في المدينة. وأثناء انتفاضة للفلاحين في قرى العلويين عام 1953 قاموا بمساعدة الشرطة في اضطهاد الفلاحين باستخدام أساليب بالغة الوحشية، مثل ربطهم بأذيال الأحصنة ورمي أطفالهم عراة على الثلوج. دار الزمن دائرته إذًا، وصارت السلطة البعثية العلوية تمثّل «ثأر الأرياف» كما وصفها الكاتب الفرنسي إريك رولو. تبدلت الأدوار، انقلب المضطَهَد مُضطهِدًا، والعكس صحيح.

وفي تاريخ مصر الحديث، نجد عبر الخمسين سنة الماضية هروبًا رئاسيًا لا تخطئه عين من القاهرة، والتحاقًا بحواضن أخرى بعيدة لا تشبهها البتة. هناك الحالة الفجة للرئيس الأسبق أنور السادات الذي كان يمقت القاهرة، ويفضل قضاء أغلب أوقاته خارجها، إما في منزله الريفي بميت أبو الكوم أو في الاستراحات الرئاسية المنتشرة في ربوع الجمهورية من الإسكندرية إلى أسوان. كان السادات ينفر من القاهرة، لأنها مركز المعارضة والحراك النقابي والطلابي المناوئ له، واشتدت حدة النفور بعد انتفاضة الخبز في عام 1977. في فورات غضبه، كان يحلو له وصف المثقفين، وأغلبهم من القاطنين في القاهرة، بـ«الأفندية الأرازل». وما فتئ طوال سنين حكمه يبشر بـ«أخلاق القرية»، في إشارة ضمنية إلى أنها أفضل وأكثر أصالة من أخلاق أهل المدن. 

ثم جاء حسني مبارك، فبدأ شيئًا فشيئًا في هجر القاهرة والإقامة لفترات مطولة في شرم الشيخ، ونقل لقاءاته ومؤتمراته إليها، حتى صارت الصحافة تطلق عليها أحيانًا وصف «عاصمة الرئيس». 

الرئيس عبد الفتاح السيسي ذهب إلى آماد أبعد من سلفيه، مقررًا نزع صفة العاصمة عن القاهرة، مدينة الألف عام والألف مئذنة والنهر العظيم، واستبدالها بمدينة من مدن الزجاج الصحراوية، أو ما يسمى الآن، وحتى الاستقرار على اسم لها، بـ«العاصمة الإدارية الجديدة».

لماذا نفر كل هؤلاء الرؤساء من القاهرة، هاربين منها إلى قلب الريف أو ساحل البحر أو عمق الصحراء؟ لماذا صارت العاصمة المركزية عامل طرد للرؤساء؟ والأهم، ماذا عن علاقة السلطة الحالية بالقاهرة؟ 

للإجابة عن السؤال الأخير، ثمة حدثين متتاليين لا يمكن إهمالهما أو غض الطرف عن العلاقة بينهما. الأول هو ثورة يناير في 2011، والثاني هو قرار الرئيس السيسي بعدها بأربع سنوات إنشاء عاصمة جديدة لمصر. 

لم تكن القاهرة، وهي المدينة العارمة المنهمرة الصاخبة الحانقة، عاصمة الثورة المصرية بامتياز فحسب، بل كانت هي الثورة تقريبًا. كانت ثورة يناير بشكل عام مدينية فيما آثر الريف، رغم طول التهميش، الصمت والمشاهدة. وحتى بين المدن المصرية الكبرى، كانت القاهرة هي قاطرة الثورة، رغم المشاركة الفعّالة لمدن أخرى مثل الإسكندرية والسويس والمنصورة. ومن قلب القاهرة، بزغ ميدان التحرير، فارضًا نفسه كرمز أيقوني للثورة، ولذلك كان إطلاق  نعت «الميدان» -هكذا مجردًا من أي إشارة تفصيلية إلى كنيته أو مكانه- كافيًا حتى يدرك المستمع أن المقصود هو ميدان التحرير. ونظرًا لقوة الميدان المغناطيسية النابعة من الموقع والحجم والرمز، حج الثوار إلى محرابه أفواجًا من كل فج عميق. وفيما ألحت أصوات حكومية بعد رحيل مبارك على أن يناير كانت «ثورة الفيسبوك» (فيما يشبه نعي الذات وذم المستجدات التكنولوجية التي سمحت بقيام الثورة)، فإن الثورة الحقيقية كانت معركة السيطرة على الأرض، وبالذات في القاهرة، وتحديدًا فوق صفحة «الميدان».    

بالفعل، وقع الميدان في السنوات من 2011 إلى 2013 في قلب محاولات استعادة المدينة. ومن ضمنها أن يكون الميدان، حرفيًا، ميدانًا للقاء والتجمع والتعبير والصراع، لا مجرد مساحة دائرية الشكل يمر منها الناس غدوًا ورواحًا. ثم جاءت الثورة المضادة لتعكس الآية بمعاول مادية ومعنوية. على المستوى المادي، تعرض «الميدان»، والمنطقة المحيطة به، لسائر المحاولات الهندسية لتطويعه وتغيير ملامحه، من إقامة الأسوار ونصب الحواجز والتقسيم إلى كانتونات ومحو رسوم الجرافيتي والإغلاق المتكرر لمحطة مترو السادات وإقامة نصب تذكاري يرمز لقوة السلطة لا إرادة الشعب، (فعلت البحرين بالمناسبة الشيء نفسه، إذ أزالت دوار اللؤلؤة، مركز ثورتها في 2011). أما معنويًا، فما فتئ الإلحاح الإعلامي والسياسي، حتى بعد مرور السنوات وزوال الخطر واستتباب السلطة، يصب في الأكواب خمرًا من هراء، مصورًا أن يناير كانت مؤامرة، وأن الثورة رجس، وأن الحكم -في مصر «المحروسة»- لمَن غلب، وأنه لا راد لقضاء ولاة أمرها المدججين بالسوط والطيلسان.        

برغم العودة المنتشية على أسنة الرماح، تركت القاهرة غصة حقيقية في حلق النخب الحاكمة. والواقع أن الهزيمة الأكبر للنظام السياسي الحالي منذ ولادته في 1952 ليست -في مخيلة هذه النخب- كما هو شائع هي هزيمة 1967 على فداحتها، بل صاعقة 2011 رغم قصرها. 

لقد راج بعد نكسة 1967 في أوساط النخب ودعاياتهم أن مصر لم تهزم في الحرب أمام إسرائيل. وذلك على قاعدة أن إسرائيل ما أرادت بالعدوان سوى إسقاط نظام عبد الناصر، وبما أن الزعيم استمر في موقعه رغم كره الكارهين، فقد حُرمت إسرائيل من مبتغاها ولم تكسب الحرب. باختصار، الكارثة ليست سوى محض «نكسة». الثغرات في هذا المنطق كثيرة بالطبع، لكن لاحظ أن المعيار المستخدم لتحديد «النصر» أو «الهزيمة» هو بقاء الرئيس أو النظام في موقعه، بعيدًا عن اعتبارات أخرى جوهرية، مثل هزيمة الجيش أو ضياع الأرض أو سقوط الشهداء أو زوال الهيبة. لاحظ أيضًا في نفس السياق ذلك الاستخدام الكثيف منذ عقود لتعبير «الجبهة الداخلية» في مصر (وسائر الدول العربية) للإشارة إلى الأوضاع الداخلية. والتعبير كاشف، إذ يشير من طرف خفي إلى أن «الداخل» ليس سوى «جبهة» ينبغي التصدي لها كما تواجه الجبهات الخارجية. بعبارة أخرى -أليمة لكن حقيقية- الوطن هو العدو.

القاهرة وفق منطق «الجبهة الداخلية» هذا كانت معقل ما أسماه الرئيس السيسي بـ «الوعي الزائف» الذي زلزل الأطواد وأقض المضاجع، وقاعدة انطلاق محاولات «كسر الدولة» وإضعاف موقفها في قضية سد النهضة. والقاهرة موجودة في الخلفية حين يغلظ الرئيس للمصريين القول من مقعده الوثير، تارة محذرًا من أن ما وقع لن يتكرر، وتارة متوعدًا أن ست ساعات تكفي لإجهاض أي تحركات شعبية. 

وبالعودة إلى عنوان المقال، فالكراهية المقصودة ليست بطبيعة الحال للمدينة بنظرة تجريدية، بل إلى الصراع فيها، والخطر الذي تمثّله، والمتاعب التي تأتي منها. القاهرة بهذا المنطق ليست محض مكان مصمت، نقطة ملساء على خريطة أو مجرد اسم في أطلس، أو مركز سكاني معدوم الشخصية والروح، بل هي في جوهرها البشر وتركيبتهم وعلاقاتهم ومواقفهم من السلطة. باختصار، المدن ليست مرادف الجغرافيا، بل مرادف الديموغرافيا، أي تفاعل كل من الأرض والسكان والمعمار في إطار سياسي واجتماعي.  

هي إذًا في المقام الأول معركة سياسية تدور رحاها في الفضاء العام. وفق هذا المنظور، تصبح القاهرة ليست مقر سكن، بل ميدان صراع بين ما يسمى بسياسات الشارع (street politics) وخطط السلطة، بين القاهرة كمدينة منتصرة بناسها ومقهورة بسيف السلطة. وإذا كانت سيطرة الدولة على الريف أسهل عبر الاعتماد على شبكة العائلات والعشائر التقليدية، كما هو الحال منذ عشرات السنين، فإن المدن الكبيرة أكثر مراوغة وتملصًا. وكما أشارت دراسة للباحثة في علم الاجتماع ساسكيا ساسين، فإن الكثافة السكانية وتقارب المسافات وتداخل العلاقات المجتمعية وتوافر وسائل المواصلات معطيات تحد من «قوة» الدولة في المدن وتزيد من قوة المعارضة في المقابل. 

وبعبارة صاغها صحفي أمريكي لوصف ممارسات السلطة الحاكمة في ميانمار فما يحدث هو «الديكتاتورية برسم الخرائط».. ببساطة حين يصدأ سيف القهر في غمده، تلجأ الدول السلطوية إلى التخطيط العمراني.

اعلان
 
 
ندى شاهين 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن