حرز مكمكم: القراءة والكتابة في السجن
مقتطفات من كتاب أحمد ناجي الذي سيصدر عن دار «صفصافة»
 
 
 
رسم للفنان ياسين محمد
 

فرش وتقديم

حملتُ الحقيبةَ الخضراء التي تحوي ما سمحوا لي بالاحتفاظ به من ملابس، وفي اليد الأُخرى الكيس البلاستيك الذي يحوي الطعام. تحت إبطي البطانية التي تكرّم ضابط المباحث بالسماح لي بإدخالها. كنتُ أتعثر في بدلة السجن الزرقاء الفضفاضة ذات الملمس الخشن. أربعة مُخبِرين يحيطون بي من كل اتجاه بينما ضَابط المباحث ورتبة أُخرى في المقدمة، وأنا أتبعهم.

خلفهم كنتُ، لكني كنتُ أتقدم..

عبرنا حديقة صغيرة، وسط أشجارها الكثير من الصبار. في زاويتها ينتصب تمثال نصفي، نُحت من الخشب لكن مشوه الأبعاد، يجسد شخصًا مُقيدًا من يديه، ويتلوى من مغص ما. رفعتُ رأسي في اتجاه المبنى الذي نتقدم نحوه؛ كان من طابقين مطليًّا باللون الأزرق السماوي. على واجهته جدارية تصور منظرًا طبيعيًّا استوائيًّا لشلال ينهمر من سطح المبنى حتى الأرض ليسير في جدول صغير داخل غابة استوائية تتكاثر فيها الأشجار والورود الملونة، لا تشوه انسيابية المشهد غير الثقوب التي تمثل النوافذ والباب الحديد للمبنى. توقفتُ مُتأملًا المشهد العجيب؛ آخر ما تصورت وجوده في السجن أن أقابل فن الكيتش مُكتملًا خرائيًّا مقززًا. لوحات المناظر الطبيعية التي كانت تُطبع على ورق الحائط في الثمانينيات والتسعينيات تغطي المبنى من الخارج والداخل، لكن هذه المرة مرسومة بجهد يليق بفنان بذل كل حرفيته ومُحنه محاولًا جعل مبنى السجن مبهجًا.

أنت في كابوس داخل رأسك، ولست في السجن، وإلا كيف يمكن أن يصمم أحدهم سجنًا يحتوي على مثل هذه التفاصيل الفنية التي تثير أعصابك واشمئزازك أنت بالذات بخلاف بقية البشر. لو كانت الجدران كالحة السواد أو صفراء مُتسخة، كما العادة في المباني العامة للمصَالح الحكوميةِ، ما كان هذا ليقبض قلبك مثل لوحات الطبيعة الاستوائية الصَامتة.

لكزني مُخبِر في كتفي، فولجتُ من الباب. تبعتُ السَادة الجدد -الضباط- نحو الطابق الثاني. على الجدران والسقف توالت صور الكيتش والخراء الملون. مشهد لغروب الشمس في غابة شجرية تنبسط أسفل تلة يعلوها كوخ خشبي أوربي الطراز. يجاورها منظر غروب آخر على شاطئ رملي يَصطف عليه النخيل، أما الفواصل التي يمكن فيها أن تريح عينك فهي لوحات لآيات من القرآن الكريم.

لوحات الكيتش الخرائي التصويري مرسومة بحرفية عَالية. مثلًا في إحداها تتخلل أشعة الشمس أوراق الأشجَار الخضراء، فنُشَاهدُ بوضوح ضربات الفرشاة تخلط اللون البرتقالي بالأخضر لتعكس صورة الغروب، هناك فنان أو نقاش استخدم فُرشَاة بمقاسِ صغير وأخذ بضربات متأنية على الحائط يلون أطرَاف أوراق الشجر الخضراء بأشعة الشمس البرتقالية. الأبعاد والعمق والمنظور إلى حد كبير مُنضبطة في معظم اللوحات. اندهشت لأن معظمها ذات عمق؛ ثلاثية الأبعاد وليست ثنائية الأبعاد فقط.

هذا كيتش مُنفذ بإخلاص وإتقان رغم ضحَالة الفكرة وقسوتها على عيني ومعدتي. أتذوق الفن من معدتي وبالتالي ينعكس العمل بألم أو لذة أو انقباض. تتفاعل أعضاء جهازي الهضمي من المعدة حتى الأمعاء ومجاري البول بشكل لا إرادي مع أي عمل فني.

هناؤك وشقاؤك، أول عذاب أدركت أنه سيكون خبزك اليومي في سجن عنبر الزراعة بطرة، حيث جئت مَحكُومًا عليك بالسجن لعامين بتهمة خدش الحياء العام.

تخيلتُ السجن دائمًا على هيئة غُرفة مَعزُولة عن العالمِ الخَارجي رمادية اللون. داخل هذا الحيز لا يولد أصلًا إلا اللون الرمادي. لكن حين أصبح السجن معيشتي، بدا خيالي وتصوراتي عن السجن صور رومانسية سَاذجة تشكلت من شذرات مُتنَاثرة من الأعمال الأدبية والفنية التي عالجت السجن. أما الواقع فمليء بالألوان ورسومات الرومانسية الأوربية التي تعتبر بالنسبة للمصري المعاصر لوحات جميلة يشترونها ويعلقونها في بيوتهم وعلى جدران محلات العصير. بمثل هذه الألوان تسعى الدولة والسلطة لتحسين سجلها في مجال حقوق الإنسان حتى يكون السجن جاهزًا لاستقبال الوفود والإعلاميين لكشف الأكاذيب والادعاءات المسيئة.

في أكثر من مُنَاسبة حينما يُعلن عن العفو عن عشرات الشباب أو بعض المسجونين كانوا يحبسوننا في الزنازين، ثم يطلبون من المجندين العاملين في الحراسة ارتداء ملابسهم المدنية والجلوس في الحديقة حيث تفتح أبواب السجن للصحفيين وكاميرات التلفزيون لتصويرهم باعتبارهم المساجين الذين تمّ العفو عنهم، على خلفية من لوحات الشواطئ الاستوائية والغابات النرويجية.

يرقصون ويضحكون للكاميرات ويسجدون مُعفرين جباههم بالتراب وهم يرفعون أيديهم بالدعَاءِ والشكر للرئيس ولوزير الداخلية ولرحمتهم، وسعة صدرهم، وحسن تربيتهم، وبياض سريرتهم.

حتى العزلة التي توهمتها مُرَافقة للونِ الرمادي في السجنِ لم تكن موجودة. حين أغلق السجَان باب العنبر وجدت نفسي في عنبر يتسع لستين سجينًا، لكن متكدس بأكثر من هذا العدد. استلقى بعضهم على الأرض وفي الحمامات أو المطبخ، بينما مُنحت سريرًا علويًّا، حيث السرير عبارة عن مصطبة خرسانية بطول متر و80 سم وعرض 30 سم. بعد أول ساعة مُحَاطًا بنظرات المساجين الذين دهشوا من الطريقة التي دخلتُ بها للعنبر مَصحوبًا برئيس المباحث شخصيًّا، الذي اختار بنفسه المكان الذي أرقد عليه، وجدتنى مُجبرًا على الصلاة معهم، بل شرب الشاي ومُمَارسة الابتسام والاستماع والسؤال وكل طقوس وأساليب الاندماج الاجتماعي.

لا مهرب من المجتمع حتى في السجنِ، لكن في مُقَابل عبء وثقل طقوس الاندماج الاجتماعي كان الترحيب والتعاون من الجميع. تقدم أحد الشباب وتناول حقائبي، نظف المصلب ومسحه بقطعة قماش مبللة، بينما أجلسني زميل آخر على مصلبه، وآخر أعد لي الشاي، ورابع عزم عليَّ بسيجارة. بعد تنظيف المصلب فرش الزميل البطانية التي سمحوا لى بإدخالها، وضعها بشكل مُزدوج لتصبح مرتبة في ذات الوقت بحيث أنام على نصف، وأتغطى بالنصف الآخر. كنا لا نزال في شهر فبراير والبرد والرطوبة يستهدفان العظام. بابتسامة على وجهه قال: «فرشتها لك ساندوتش».

علق زميل آخر مادحًا عمله: «فلان أحسن واحد بيفرش في السجن». تعالت الضحكات، حيث إن مثل هذه النكات والتعليقات والإفيهات التي هجرتها منذ مرحلة الثانوية العامة تعود هنا وسط أكثر من ستين ذكرًا لتصبح العناصر الأساسية التي تتشكل منها اللغة اليومية. فنطق أحدهم لكلمة «بيفرش» تستعدي ضحكات وتعليقات حول «التفريش» و«التقفيش» بالضرورة، كأن يقول مسجون لآخر عرضًا: «خد»، فيرد مسجون ثالث: «عيب كدا يا فلان ياخد فين»، ليضحك نصف العنبر على التلميح الجنسي السفيه. اللغة التي بسببها سُجنت أصبحت داخل السجن الحساء الذي أتناوله يوميًّا بصحبة فتافيت خبز الكيتش المصري. أعطنا كفافنا يا رب السموات يا مالك الملك تهبه مَن تشاء وتعفو عمَن تشاء وتذل من تشاء.

الحقيبة التي كانت مع الكاتب/ السجين في محبسه

اُبتكرت السجون بشكلها الحديث بداية من القرن التاسع عشر كوسيلة للتأهيل والإصلاح، لا العقاب. لكن في الدول التي لا تزال في حيرة بين شريعة دينية تستخدم العقوبات البدنية كوسيلة للترهيب والتقويم، وبين القانون الحديث الذي يهدف لاستقامة مسار الطاقة الإنتاجية للمجتمع من خلال تقويم الفرد وتأهيله. تكون النتيجة مُجتمعًا مُعطلًا تحت وصَاية سلطات دينية وثقافية واجتماعية مسؤوليتها إخصاء أي انتصاب، وردع أي اختلاف، وفرض خوائها كنموذج وحيد يُحتذى به.

لم يعَادِك المجتمع لا خارج السجن أو داخله. ولم تسعَ يومًا لتغييره، وباستثناء فترة في الطفولة حلمتَ فيها أنك المهدي المنتظر، وهو ما اكتشفتَ أنه فانتازيا متكررة لدى كل طفل مسلم.

لم أمتلك طرحًا كاملًا عن الحياة أو أي موضوع بما يؤهلني لتعليم الآخرين أي شيء أو هدايتهم أو تنفيرهم. كتبتُ رواية عن شتاتي الخاص. عن أصدقائي الذين أحببتهم، ولم يحبوني، والذين أحبوني بالرغم من أنني لم أرَ نفسي جديرًا بكل هذا الحب. عن المدينة التي ابتلعت سنوات شبابي، وصنعت مني جاهلًا غرورًا.

لم أكن جزءًا من صراع سياسي، لم يكن هناك إخوان أو سلفيين أو تيارات دينية مُتطرفة ليرفعوا علي القضية ويتهموني بخدش الحياء العام. بل مواطن مُتعلم يعمل بمهنة المحاماة، مدعوم من مواطن آخر أتفه منه يعمل بمهنة الصحافة. والنيابة العامة، أحد عناصر السلطة القضائية، هي مَن تولت القضية وحركتها، وهي مَن استأنفت على الحكم حينما حكمت محكمة أول درجة بالبراءة. كان الخصم مُخدوش الحياء هو السلطة التي تدعي أنها ليست دينية، والتي تلوح بنار الجحيم في يدها، وتدعي أنها نار التنوير.

الكتاب كقناع

يعتمد التخفي على كبت الآراء التي تعبّر عن مواقف طبقية أو سياسية أو دينية مع استعمال أكثر الصيغ الحيادية والمطروقة اجتمَاعيًّا في الإجَابةِ عن كل سؤال أو الرد على كل ايماءة، مع الكثير من عبارات مثل: معلهش، والله كريم، وربنا يعينك، إلى آخره.

يتطلب القناع رسم ابتسامة هادئة، تمثيل الود والمحبة وتقبل الشخاخ الذي ينطق به الآخر، مهما حمل الخطاب من كراهية، وغباء، وعنصرية. ابتسم واعتبره نكتة، تظاهر بالبراءة وعدم إدراك حقارته.

استعملتَ القناع بِنجَاح فائق في معظم المناسبات الاجتماعية التي فُرضت عليكَ، وفي الظروف التي تطلبت منك الوجود في أماكن عامة، أو الاندماج مع البيئات غير المألوفة.

أثبت القناع كفاءته داخل السجن، خصوصًا في اكتساب احترام ومودة المسجونين والسجانين، لكن عبء ارتداء القناع طوال الوقت كان أثقل فعل على قلبي وروحي في السجن، بعد عبء انتظار مرور الوقت بالطبع.

كانت الكتب في الفترة الأولى هي الاستراحة التي يمكن خلالها نزع هذا القناع. تعمدت الرد على كل مَن يقطع اندماجي في القراءة ردودًا سَاهمة قصيرة ميتة، لإيصال رسالة لهم بأنني غير موجود معهم في الوجود، حين أرتدي قناع الكتاب.

مَثل وجودي في مصلب علوي عبئًا أكبر، على عكس سكان المصَالب السفلية، فكل حركاتي وأشيائي الموضوعة في أكياس بلاستيك مُعلقة على مسامير في الجدار مكشوفة لجميع الأعين. كنتُ أعرف أن الغرض من وضعي هنا أن أكون تحت رقابة العصافير الموجودة في العنبر. كل كلمة أنطقها، وكل فعل، بل وماذا قرأتُ، ومع مَن تحدثتُ، وكم مرة دخلتُ الحمام، ومدة كل مرة، كل هذا يُنقل إلى الإدارة في تقارير مُتعددة من أكثر من مصدر، لكن أسفل قناع الكتاب أدخل في حجاب عن عالم المراقبة. في الكتاب أقابل أفرادًا لا حاجة لارتداء القناع معهم، بل نتناقش بجدية وحدة، ونرد على حجج بعضنا البعض، ونتخيل أحداثًا وافتراضات زمانية ومكانية، يندهش زميل ويهزني برفق: «أنت لسه في أول أسبوع، لحقت تكلم نفسك؟».

راحة بال السلطة

أعلى سُلْطة فِي السجن هي المأمور وضابط المباحث. ثم تتوالى الدرجات والتراتبية الشرطية. كل طلب وشأن يخصني يتطلب الحصول دائمًا على موافقة ضَابط المباحث أو «محما بيه» كما ينطق اسمه المخبرون.

لا يسمح للمسجونِ بالزيَارةِ في أول ثلاثين يومًا له في السجن، بينما يستقبل المحبوس احتياطيًّا الزيارة بعد 11 يومًا، لكن يمكن بإذن من النيابةِ العَامةِ تَجاوز هذه القيود. تلقيتُ بعد بضعة أيام من وصولي أول زيارة لي من قِبل المحامي محمود عثمان. أخبرني بينما نحن جلوس على مصطبة الزيارة يحيطنا ثلاثة مخبرين أنه أحضر لي كتبًا وخطابات من ياسمين والأصدقاء. بعد انتهاء الزيارة وانصرافه سألتُ عن الكتب والخطابات فأخبروني أنها عند «محما بيه» لفحصها أولًا.

فركتُ لثلاثة أيام مُتتَالية على مصلبي وفي أرجَاء العنبر، مُتصيدًا كل مخبر يعبر أمام الزنزانة، أو يدخل ليأخذ رغيف خبز، أو طبق مكرونة مما نطبخه. وحينما أمسك المخبر أمنحه علبة سجائر، وأسأله عن الخطابات أو الكتب وأطلب منه أن ينقل سؤالي لـ«محما بيه». في البداية كانوا يكذبون عليّ، يطيبون خاطري بكلمات: أصله مشي، أصله قافل على نفسه.

تطلب الأمر وقتًا أراقب خلاله تغيير قيادات السجن أحيانًا وصعود وهبوط الرتب، والنميمة التي يتناقلها المسجونون القدامى، والجمل التي يفضفض بها السجانون حينما تغدق عليهم بالسجائر أو الفاكهة. عبر هذه الشذرات المعرفية الشبيهة بنص لرولان بارت فهمت أن الأولوية لأي سلطة بما فيها «محما بيه» هي توسيع سلطاته من خلال الصراع الدائم وضرب الخوازيق في زملائه ورؤسائه. أما الهدف الثاني فهو راحة البال.

كل سلطة لا ترغب في أي إثارة، أو إزعاج نابع ممَن تتسلط عليهم، فيكفيه إزعاج مَن يماثله في القوة، أو مَن هم أعلى منه في الرتبة.

طلباتي وإصراري على خطاباتي وكتبي، ليست إلا مصدر إزعاج يأتي له من أسفل السلم.

المخبرون بدورهم -معظم الوقت- لم يحملوا طلباتي لمحما بيه؛ لأنهم لا يريدون إزعاجه، فكل إزعاج يسببونه له ينتقص من صورتهم أمامه ككلاب وظيفتها راحة بال السلطة. في النهاية هم كلاب الراعي/السجان، لذا اكتفوا باستغلال مذلتي وحاجتي في استحلاب المزيد من السجائر والمزيد من الفاكهة التي أقدّمها لهم قرابين يأكلونها ككهنة وثنيين، لا يوصلون صلواتي أبدًا للآلهة الحجرية.

الحب في غرفة الزيارة

شاهدتَ، في قاعة الزيارة حيث يجلس الجميع على مصاطب رخامية يرعى عليها النمل والصراصير، أعتى الرجال ينهارون على صدور أمهاتهم أو زوجاتهم أو حبيباتهم، كانت هذه النوبات تصيبك أحيانًا رغم محاولات التماسك.

يعرف المسجونُ أن إظهاره لضعفه أو حزنه لأهله لن يغيّر من واقعه شيئًا، بل سيزيد من همهم وقلقهم عليه.

في أول زيارةِ، يخبرك زميل أكثر خبرة بضرورة حلاقة ذقنك، وتصفيف شعرك. يعيرك أحدهم عُلبة كريم جيل، والآخر يسمح لك برش بخات من عطره المحفوظ في زجاجة بلاستيكية. ينصحك زميل آخر: «يجب أن تظهر أمام الأهل في أفضل حال، حتى لا تثير رُعبهم أو تزيد من بؤسهم وحزنهم، خصوصًا بعدما تكبدوا عناء الطريق والانتظار في الشمس لساعات طويلة منذ الصباح الباكر حتى يسمح لهم بالدخول».

مع اقتراب موعد كل زيارة أصبحت طقوس مثل «كيّ» البدلة بوضعها تحت المرتبة، ضبط قصة الشعر عند حلاق السجن مقابل علبة سجائر، الاستيقاظ مُبكرًا لحلق الذقن والاستحمام، كأنها استعدادات لموعد غرامي. في النِّهَايَةِ فَهَذِهِ هِي دقائق الغرام المُتَاحة لك، وبالمواظبة والتّركيز على كل تحضيرات الزيارة تروي هذا الغرام، وتحافظ عليه.

رسم للفنان ياسين محمد

يُرمى الرجل في السجن، فيجد كل الهيلمان والصحبة والزحام وقد اختفوا جميعًا، ولا يجد سوى الحبيبات أو الأمهات أو الزوجات هن مَن يسألن عليه، يواظبن على الزيارة وتحضير الأكل والحضن الخاطف عند اللقاء والوداع.

بعد ثاني زيارة، دعاني ضابط المباحث إلى مكتبه. أخبرني أن خطيبتي سألته عن إجراءات الزواج في السجن، وهو أخبرها، لكنه أراد أن يتأكد من موافقتي حتى لا يبدو الأمر أنه «يدبسني» وابتسامة صفراء ارتسمت على وجهه. على ما يبدو كان هذا الضابط، وضباط آخرون معجبون بقصةِ حبي وياسمين، لذا تغاضوا مؤقتًا عن القواعد وسمحوا لها بالزيارة باعتبارها قريبتي، لكن ظل هاجس تغيّر مزَاج الباشا والبشاوات يقلقني أنا وياسمين لذلك فكرتُ في مسألة الزواج حتى تتمكن من زيارتي بشكل رسمي، لكن خفنا من الفكرة. كنا نعرف أن السجن مهما طال فترة مؤقتة، ولا نريد لزواجنا أن يكون ذكرى مُحملة دائمًا بالابتسامات السمجة للسجانين وبالقيود وبدل السجن الزرقاء والصراصير التي ترعى عليها.

بعد مظاهرات تيران وصنافير، تمّ إيداع عدد من الشباب والمعتقلين في السجن الذي كنتُ فيه، مما رفع من درجة التأهب في السجن، وعصبية السجانين. نزلتُ في موعد زيارتي المحدد لأجد أمي دون أخي أو ياسمين، ارتعبتُ، وألف سيناريو تتدافع في رأسي؛ ما الذي يمكن أن يكون قد حدث؟ بعد لحظات أتى أخي خارجًا من غرفة رئيس مبَاحث السجن. قال: «لن يسمحوا بدخول ياسمين».

أهالي المعتقلين كانوا على الباب، وإدارة السجن قررت ألا تعترف بتصاريح الزيارة التي يحملونها، تدخلت ياسمين بصفتها محامية لمُساعدةِ الأهالي والضغط على إدارة السجن للسماح لهم بالزيارة، فغضبت إدَارة السجن وقرروا منعها من الزيَارةِ.

استدعاني الضَابطُ، أخذ في إلقاء مونولوج طويل كيف أنه خالف القواعد تسَامحًا وتقديرًا لقصة حبنا وسمح لها بالزيارة، لكن أن تثير هي البلبلة، وتتدخل فيما لا يعنيها، حينها سيضطر للتعامل طبقًا للقواعد، وقفتُ أمامه صَامتًا. كانت أسخف لعب السلطة تُمَارس عليّ. مثلما جرت على آلاف المصريين والنشطاء السياسيين. كان يعرف أنه لو خاطب ياسمين مباشرة فسوف تتمسك بالقانون وبدورها كمحامية وحق الأهالي في زيارة أبنائهم المعتقلين، لكن لو خاطبني أنا بسلطته كسجان وأنا كمسجون فسأخاطب ياسمين بكلماته وسأضغط عليها عاطفيًّا من أجل أن تقدّم مزيدًا من التنازلات، وتصبح مثلما يرغب هو. شعرتُ بالعجز التام، وأوصلني عجزي إلى طمأنينة اللاجدوى فخاطبته رافعًا رأسي للمرة الأولى في مواجهته قائلًا: «اعمل اللي أنت عايزه، بس أنا عايز اشوف ياسمين هذه الزيَارة».

سمح بدخول ياسمين لدقائق في نهاية الزيارة، وبلا كلمات وبعد أسابيع ترسخ ميثاق غير معلن بيني وبين رئيس المباحث، أصبح يعرف أن ما يهمني هو الكتب وزيارة ياسمين والخطابات المتبادلة بيننا، التي كان أفراد السجن يستلذون بقراءتها قبل أن تصلني، بعد تعرضها للفحص وعرضها على جهات أمنية مختلفة لأيام. بالتالي حافظ هو من جهته على وجود هذه العناصر الثلاثة واستخدامها لتطويعي من خلال الحجب أو السماح.

في كل مرة يسمح لي بالحصول على كتاب من الكتب  التي تأتيني، يقول: «خد حتة الأفيون بتاعتك».

في غرفة الزيارة تنطلق المشاعر، الدموع والضحكات، والتوتر الذي يعبّر عن مشاعر لم تأخذ شكلها النهائي، يحدث هذا تحت أنظار السجانين، والمسجونين الذين يراقبون بعضهم بعضًا. يكتسب الأمر مزيدًا من التعقيد في حالة السيدات المنقبات اللواتي يأتين لزيارة أزواجهن. أحد الزملاء اعترف في لحظة ضعف كيف أنه طوال 18 شهرًا لم يُشَاهد وجه زوجته، وبالتالي أصبحت الزيارة بالنسبة له امتدادًا للسجنِ. في الزيارة كما أثناء وجوده في الزنزانة يعيد من الذاكرة بناء وجه زوجته وتفاصيلها.

زميل آخر تحايل على قواعد غُرفة الزيارة بأن تقف أخته لتفرد سجَادة صلاة تصنع حاجزًا بينه وزوجته وبين بقية قاعة الزيارة لترفع الزوجة نقابها خلف الحجاب. تغاضى السجانون عن هذا الحجاب في البداية ثم تنحنح أحدهم بصوت عالٍ وقال: «ممنوع». تنزل الأخت سجادة الصلاة وترفع الزوجة نقابها فتختفي لحظة الخصوصية التي حاول خلقها.

ينصّ قانون السجون على ساعة كاملة لوقت الزيارة إلا أنه يندر الحصول على تلك الساعة كَاملة. فحسب مزَاج الضابط يبدأ وقت الزيارة، وحين يدق الجرس يأتي الوداع وأحضانه. المسجونون المحظوظون الذين نجحوا في بناء علاقات نفعية مع إدارة السجن اعتمادًا على الواسطة أو العمل كعصافير، يحصلون مُقَابل تجسسهم على زملائهم على وقت إضافي في الزيارة، أو بتعبير ضابط المباحث على قطعة أفيون عاطفي زيادة عن زملائهم.

شنبر، يشنبر، واسم الآلة الشنبرة

تُحظر الأدوات المعدنية الحَادة بكافة أشكالها، لذا تسود في السجون عمليات إعادة التدوير لكل ما يمكن تسريبه والحصول عليه لاستخدامه في غير ما صُمم له. أثارتني دائمًا التراكيب والكلمات التي تطلق على مثل هذه الأدوات المُعاد تدويرها. على سبيل المثال؛ علب الفول والتونة المعدنية، يُنزع غطائها بحرص ثم ينظف ويفرد، وتستخدم الحواف الحادة للغطاء الصفيح كسكين لتقطيع الخضراوات عند إعداد السلطة أو تقشير الفاكهة، وتقطيعها، أو حتى تقطيع اللحوم. ويطلق على هذه الأداة اسم «الشنبرة» والفعل «شنبر»، فيُقال شنبر الطماطم للسلطة بمعنى قطع الطماطم للسلطة، ويقول عند التهديد «والله هشنبرك» بمعنى سأستخدم الشنبرة كي أجرحك.

لا مكان لتلك الكلمات خارج السجن، لا حياة لتلك اللغة إلا داخل جدران السجن، كأنها لغة مسجونة معنا، رفيقة في الزنزانة.

طلقتي الطائشة

ليس لدي ميل ثوري ضد الاستعمار أو الإمبريالية في صورتها الليبرالية الرأسمَالية. هذه انشغَالات صُنع الله، وجيله، ودافعهم للبحث عن أدب ثوري حقيقي. صحيح أن صنع الله قضى مسيرته الأدبية يشيّد تركيبات معمَارية روائية معقدة وهرمونية ليثبت كل مرة أن الرأسمالية شريرة والشركات الكبرى ترث عرش الدم الأسود لاستعمار ما قبل الحرب العالمية الثانية، لكن في الأيام الأخيرة أعلنها في أحد الحوارات الصحفية واضحة صريحة: «المهم المتعة الفنية».

هل حقًّا يكتب الكاتب من أجل إمتاع الآخرين؟ إذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك على ما يبدو، فماذا عن مُتعته الخاصة؟ الضمير هنا أقصد به الكاتب، هذا الضمير الغائب دائمًا والقابل للنقد والتحليل والتأويل، بل والمحاكمة والسجن بسبب متعته الخاصة، مع ذلك لا يكون كافيًا أبدًا للمجتمع والجماعات المختلفة أن يبرر ما يفعله بمتعته الخاصة، بل يضع على هذه المتعة ألف ستار وستار، كالتنوير، والتثوير، والتأثير، والتعبير، والحوار.

طلقات طائشة متعددة يطلقها الكاتب ليشتت الانتباه عن لذته ومتعته الخاصة، بل يتصنع بعضهم الإيثار ويهمس بأن الغرض من الكتابة والأدب هو متعة القارئ، أما متعة الكاتب الخاصة فلا يجوز كشفها، وليس له حق التصريح بها أو مطالبة المجتمع باحترام حقه في تلك المتعة والفرح المختلس، فيأخذ في تعداد أفضال الأدب على التاريخ والحضارة والإنسانية، مثل مَن يبرر ممارسته الجنس كإسهام في دعم بقاء الجنس البشري.

منذ التحفظ عليّ، ثم نقلي في عربة المساجين من المحكمة للقسم، ومن قسم الشرطة إلى السجن، التقيتُ طوال الرحلة بمساجين من مختلف الجرائم الجنائية والسياسية، ومخبرين وعاملين في أجهزة الشرطة من رتبة أمين الشرطة وحتى لواء مساعد لوزير الداخلية. جميعهم كان لديهم فضول لمعرفة موضوع «القصة»، ولماذا، وكيف يُحكم عليَّ بسنتين سجن؟

بشكل آلي كنتُ أردد الخطوط العامة للقصة قائلًا إنها حول زلزال يضرب القاهرة في موسم رياح الخماسين فتغرق المدينة تحت التراب والرمال. العاملون في جهاز الشرطة كانوا يقاطعونني ويسألونني: «يعني غلطت في حد؟».

– لا الرواية مكنش فيها سياسية.

– لا بس زي ما أنت بتحكي كدا أكيد رميت كلام على حد.

– لا والله، هو قال لك علشان فيها كلمات.

– كلمات إيه؟

– كلمات عادى زي اللي بتقولها لما اثنين يتخانقوا أو أنت ماشي في الشارع زي «يا خول»، «كس أمك».. كدا يعني.

يمصمص رجل الأمن شفتيه، ثم ينصرف.

لواء كبير ورئيس قطاع أمني أوقف سيارة الترحيلات قبل انطلاقها من القسم، وطلب غسل السيارة من الداخل للخارج وأخذ يعاتب العساكر والأمناء على إهمالهم الصيانة وإهدارهم لموارد الوزارة، ثم توجه لي، أزاح نظاراته الشمسية من على عينيه وسألني بجدية:

– تفتكر نجيب محفوظ كان بيشرب حشيش؟

الإجابة التي كنتُ متأكدًا منها هي: «نعم، أكيد جربه». لكن في موقفي شعرتُ كأني أُبلغ عن نجيب محفوظ أو أُوشي به، فكرت هذه أيام مجنونة، وأنا في السجن منذ فترة طويلة لا أعلم ما يدور في العالم، وربما يلفقون قضية لنجيب محفوظ أو شبحه. تلعثمتُ، ثم اِلتزمتُ الصمت. لكن نظرات اللواء، وبدلته المزينة بالسيوف الذهبية ظلّت تشير لي أن أجيب، فقلت بعد تردد:

– مش عارف سيادتك.

ابتسم مستهزئًا من إجابتي:

– مش عارف! أُمال كاتب وصحفي إزاي؟ أقول لك أنا.. شوف الحشيش والمخدرات توسع الخيال، وتخليه يقدر يتخيّل ويشوف العوالم اللى بيكتب عنها، يعني عندك لما عمل شخصية سي السيد وأمينة، كل دا لازم له خيال. الحشيش يجيب الأفكار. بس كل الناس عادي بتشرب حشيش، لكن مش كل الناس تقدر تكتب أو تعمل اللي بيعمله نجيب محفوظ.

تظاهرت بالانبهار من بلاغة وعبقرية سيادته ورجحان عقله، فبعد أكثر من 300 يوم في السجن ومن العِشرة مع العاملين في وزارة الداخلية تعلمتُ الكثير عن أخلاق المداهنة والتعريص للرُتب الأكبر، فزدتُ وسألتُه إذا كان لسيادته ميول أدبية، وبالفعل كانت الإجابة كما توقعت.

هو واقف ببدلته الرسمية اللامعة ممسكًا باللاسلكى، الضباط الصغار وأمناء الشرطة حوله، المساجين ينظرون لي باندهاش ويتساءلون مَن هذا الذي يتبادل الضحكات مع سيادة اللواء. أنا ملابسي متسخة من النوم في القسم وآلام الحالب تضغط على مثانتي وكليتي. ولأكثر من 20 دقيقة أخذ يحكي عن شغفه بالكتابة وعن متعة الخيال، كان يفتح أصابع يده ويشير لأعلى كل مرة كان يقول فيها: «الخيال هو أعلى المتع الذهنية، وهذه أهم وأبقى حتى من متعة الجسد»، أهزّ رأسي، وأنا أفكر في جسده العريض المتهدل بفعل الشيخوخة، وأتخيّل أنواع المتع الجسدية الزائلة والمعنوية الباقية، وسيادته يقول:

– أنا كان لي محاولات أدبية زمان، لكن توقفتُ بسبب ضغوط العمل.أنتظر خروجي على المعاش للعودة مرة أخرى، لدي آلاف الحكايات، وأفكار عظيمة لعشرات المسلسلات التلفزيونية.

كلاكما تمنيتما التوفيق بعضكما لبعض في مسيرتيكما الإبداعية. أنت ركبت سيارة الترحيلات، وسيادته انطلق لتفقد القطاع الأمني الذي يتولى مسؤوليته.

ثغرة في الجدار

بعد ثلاثة أشهر من سجني، أصبحت محيطًا بشبكات العلاقات داخل السجن ومنطق الإدارة وسلطانها. حافظت على حضور خافت، لم أغادر مصلبي كثيرًا، أو أتحدث بجدية مع أي شخص. كنت نموذجًا للمسجون المحترم كما يعلق المخبرون. التزمت بتعليمات رئيس المباحث، رفضت كل عروض الكتابة والنشر أو تهريب أي شيء أكتبه لنشره في الخارج لأن ذلك قد يسبب حرجًا لرئيس المباحث وبالتالي سيثير حنقه ويوتر العلاقة التي تطلب تأسيسها وقتًا طويلًا. لم أدخل في أي صراع معهم وفضلت أسلوب المداهنة والصبر والرشوة؛ لأني دائمًا خفت أن يكون أول رد فعل لهم هو منع ياسمين من الزيارة، لم تكن لياسمين صفة رسمية لتزورني، ومع ذلك كانوا يسمحون بدخولها.

لم يكن لديَّ أي استعداد للرهان بخسران رؤية ياسمين، لكن أردت أن يسمحوا بدخول الكتب. المشكلة في مسألة الكتب أنه نظرًا لأني-وعلاء مثلي- أحمل تصنيف «عنصر أمني» فلا يمكن أن يسمح هو -كضابط مباحث- بدخول أى كتب لنا إلا بعد العرض على ضابط الأمن الوطني، والذي بدوره لا يأتي السجن إلا مرة كل شهر، وربما لا يأتي ويكتفي بزيارة سجن المزرعة المجاور.

أنهيتُ كل الكتب التي يمكن قراءتها في مكتبةِ السجن، والكتب والروايات المتاحة في العنبر التي يُدخلها سجناء آخرون. حاولت قراءة روايات البيست سيللر التي يقرأها الزملاء لكني لم أستطع معها صبرًا. لذا أمضيت الوقت أعيد قراءة الجبرتي، أو سيرة أبو زيد الهلالي، وسيرة علي الزيبق بل وصل الأمر أني قرأت كتاب «دلائل الإعجاز» لعبد القاهر الجرجاني كاملًا. بل وأوشكت على تفريغ نفسي لقراءة البداية والنهاية لابن كثير.

بطاقة استعارة من مكتبة السجن

سمحوا لي مرة واحدة فقط خلال هذه الفترة بإدخال كتابين، بينما بقيت كل الكتب في مكتب رئيس المباحث. في كل زيارة يحمل محمد أخي وياسمين معهم كتبًا جديدة طلبتها أو أرسلها الأصدقاء. تتراكم الكتب  في المكتب وأحصل على وعود من المخبرين بحصولي عليها قريبًا لكن لا شيء يصل.

حتى مَن لم يعتادوا قراءة الروايات والكتب كانوا بدافع السأم والملل يتحولون لقراء جدد، في كل عنبر ما يشبه نادي كتاب مصغر مُشكل من هؤلاء الذين يحبون القراءة وتصلهم كتب من الخارج. في سجننا كان من حظي أن المُسير قارئ نهم، وكلما التقيته أخذت أخبره عن الكتب التي تأتي ولا يُسمح بإدخالها وموجودة لدى رئيس المباحث. كنت أعرف مدى جنونه بروايات هاروكي موراكامي فطلبت إحضار نسخة من رواية «كافكا على الشاطئ» بالطبع لم يسمح الضابط بإدخال الرواية.

أخبرته:

– يا معلم انسى كل اللي أنت قريته لموراكامي قبل كدا، كل روايات الراجل دا كوم والرواية دي كوم.

لمعت عيناه مثل مدمن حقيقي:

– هي فين؟

– هتكون فين يعني عند محما بيه، ما تشوف لنا حل في الموضوع دا بقى.

بعدها بيومين أتى المُسير أمام باب عنبرنا الساعة السادسة، نادى عليَّ ومن ثغرة في الشبك الذي يغطي قضبان الباب أدخل لي أربعة كتب دُفعة واحدة؛ «لا تتكلم لغتي» لعبد الفتاح كيليطو، وروايات «ضباب» لميغيل دى أونامونو، و«اسأل الغبار» لجون فانتي، و«اختراع العزلة» لبول أوستر.

وصلت مع الإدارة ومن خلال المُسير إلى اتفاق غير معلن. في كل زيارة تدخل الكتب إلى غرفة رئيس المباحث طبقًا للقواعد، لكن بعد الساعة الخامسة وحينما ينصرف الموظفون ولا يبقى إلا السجانين ومخبري المباحث والضابط النبطشي. يسحب المُسير بموافقة رئيس المباحث ثلاثة أو أربعة كتب نقوم بقراءتها ثم إعادتها مرة أخرى إلى مكانها، ويسحب كتبًا أخرى بديلة. بالتالي إذا حصل أي تفتيش مفاجئ أو أتى ضابط الأمن الوطني يجد الكتب كما هي في انتظار العرض عليه، أما الجزء الأخير من الخطة فكل شهر وشهرين تخرج شنطة ممتلئة بالكتب التي تمت قراءتها، توضع بجوار حقيبة ملابسي وغياراتي الداخلية التي أخرجها في الزيارة، لتأخذ العائلة الكتب معهم ولا تتكدس في مكتب رئيس المباحث.

هذه الثغرة اللامرئية أثمن ما حققته طوال مدة إقامتك في السجن، وأهم ما عملت على الحفاظ عليه، ثقبك الخاص على العالم، فقط لتتأكد من استمرار وجوده فتنام على انتظار الأمل.

رقابة

لكن ظلت لضابط المباحث سلطة تحديد ما هي الكتب التي تدخل والكتب التي لا تدخل. فأي جريدة أو مجلة يذكر فيها اسمي أو تفاصيل عن القضية يتمّ منعها، كذلك أي كتاب عليه اسمي.

تشبثت في سجني بطموح أن تصدر مجموعتي القصصية «لغز المهرجان المشطور»، لكي أوهم نفسي بأني حرّ وبأن الأفكار لها أجنحة ولها طيز ممكن تشخ منها وهي طائرة، لكن رفض ضابط المباحث إدخال مسودات مجموعتي القصصية. انتهى الأمر بأن طلبت من أحمد وائل ونائل الطوخي تولي مسؤولية مراجعة المسودات النهائية، على أن يعودا إليَّ في حالة وجود أي نقاط خلافية، ولذلك كانت ياسمين تسألني -كل زيارة- عن كلمة في قصة ما، أو تخبرني أن وائل يرى خطأً في جملة ما ويقترح كذا وكذا، فأرد عليها بالموافقة أو مناقشة اقتراحه.

اعترض ضابط المباحث على رواية «الناجي الأخير» لتشاك بولانيك بحجة أن الرواية لها علاقة بي لأنها تحمل اسم الناجي، وذات مرة كنت في مكتبه أختارُ الكتب التي سآخذها، عرضت عليه ما اخترته، فقلب بأطراف أصابعه في الكتب كمَن يخشى التقاط عدوى ما، ثم توقف أمام كتاب يضم المراسلات المتبادلة بين حنا أرندت وأستاذها وحبيبها النازي أحيانًا مارتن هيدجر. حمل غلاف الكتاب صورة لمعسكرات الاعتقال النازية وسور تعلوه أسلاك شائكة. بحسه الأمني المتيقظ سأل: «دا كتاب جاسوسية وكدا يعني؟»، تلعثمت لثوانٍ، لم أعرف ما الإجابة المناسبة، إذا قلت «نعم» قد يقول إن كتب الجاسوسية ممنوعة، وإذا قلت «لا» قد يقول إن كتب الجاسوسية فقط هي المسموح بدخولها، اخترت الهبل:

– جاسوسية! يعني إيه؟

– جاسوسية يعني أكشن وهروب كدا.

سارعت بالنفي خوفًا من أن يعتقد بأن الكتاب يحتوي على خطة للهرب:

– لا… لا أبدًا دي قصة حب، ودا كتاب فيه الجوابات بين اثنين كانوا بيحبوا بعض وكدا.

بخفة الدم المعهودة لدى ضباط الشرطة المصريين قال:

– ياه كل دي جوابات، طيب ما كانوا يتقابلوا يعملوا واحد أحسن.

احترتُ -ومثلي علاء- في فهم كيفية عمل الرقابة داخل السجن، فهناك أسماء كتاب ممنوع دخول كُتبها، حتى السجناء العاديين لم يكن مسموحًا لهم بإدخال كتب بلال فضل أو إبراهيم عيسي. لكن في حالتي أنا -ومثلي علاء- تتنوع العناوين والاختيارات، فيختار الضابط ما يمنع ويسمح به بناءً على حاسته الأمنية.

سألتُ -ومعي علاء- ذات مرة المُسير عن المعايير المتبعة في إدخال الكتب أو رفضها حتى لا نطلب من البداية كتبًا لن يسمح بدخولها فأخبرني:

– شوف، أنا سألته، قال لي أحمد ناجي ممنوع يخش له أي كتب فيها قلة أدب، وعلاء ممنوع أي كتب فيها سياسية.

ضحك علاء وجاوبه:

– طيب بسيطة أنا أجيب كتب قلة الأدب وهو يجيب كتب السياسة.

 

الهوان

أيقظونا ذات يوم وطلبوا منا ارتداء الملابس الميري والخروج من العنبر. فتحت عيني، لم تتجاوز الساعة السادسة صباحًا، كل ما فهمته من العبارات المتناثرة أن هناك تفتيشًا من المصلحة. في الخارج سمعت نباح الكلاب وكنت أول مرة اسمعه في السجن، حركة غير عادية وهمهمات مكتومة.

ذهبت للحمام لغسل وجهي، وقفت في دوري أمام حوض غسيل الوجه حينما دخل الحمام مخبران لم أرهما قبل ذلك أخذا يزعقان ويأمران الجميع بالخروج، في الوقت نفسه كانا ينزعان الستائر من على الحمامات ويقلبان سلال النفايات، والحلل وأواني الطعام فوق النفايات.

خرجت مع الخارجين مُتحَاشيًا أن يراني المخبر الغاضب. في طريقي نحو باب العنبر فكرت في مخطوط الرواية، تظاهرت أني أتجرع رشفة ماء من الزجاجة البلاستيكية على مصلبي وسحبت الكراس من أسفل فراشي، ودفسته سريعًا وسط حقيبة ملابسي، لا أعرف ما ميزة المخبأ الثاني على الأول، لكن اعتقدت أن وجود الكراس تحت الفراش مثير للشبهات أكثر من وجوده في الحقيبة.

يحق للسجين أن يقرأ هذه الرواية

يتكرر تفتيش المصلحة كل ثلاثة أشهر تقريبًا. لا يتمّ إعلام أي من مسؤولي السجن بموعد التفتيش، بل تهبط قوة من إدارة مصلحة السجون التابعة لوزارة الداخلية على السجن، تقوم باستلام السجن من المأمور ومن الضباط الموجودين، ومراجعة كل السجلات والأوراق، والحصول على مفاتيح الزنازين لتفتيشها، يصبح السجن في قبضة سجانين لا نعرفهم.أثناء خروجنا من الزنزانة وقف أمين شرطة بثياب مدنية بجوار ضابط شاب ينادي على الأسماء ممسكًا بطاقات المساجين، والضابط يراجع ليتأكد أن من في التذكرة هو السجين المنادى عليه، ويكون ذلك بالنداء النصفي. فأمين الشرطة يقول الشطر الأول من اسمك وأنت عليك أن ترد مجيبًا بالشطر الأخير. كأن يقول «أحمد ناجي»، فتكمل أنت «أحمد حجازي» لكن الضابط أوقفني، نظر في بطاقة السجن في يده ثم سألني:

– أنت تهمتك أيه؟

– جريمة نشر.

– إيه؟ جريمة نشل؟

– لا يا افندم، نشر، بشتغل صحفي ونشرت حاجة.

– مكتوب هنا خدش حياء، يعني اغتصبت واحدة، ولا اتحرشت بيها.

– لا، أنا خدش حياء عام.

– مش أنثى يعنى؟

– لا، أنا حياء عام.

حشروني في ركن، وطلبوا منا القرفصة والجلوس على الأرض. أحدهم ظل واقفًا، شخط فيه الضابط الشاب أن أجلس، همهم بما معناه أنه لا يمكنه الجلوس على الأرض لمشكلة في ركبته، قبل أن يكمل الجملة قاطعه الضابط بلكمة في وجهه، تكوم الرجل أرضًا.

أتوا بالكلاب البوليسية أخذت تشمشم فينا ثم دخلوا بها إلى الزنازين.

في الدور الأرضي كان الوضع أشرس، الشتائم هي كل ما نسمعه، يمزقون المراتب والبطاطين بالسكاكين، أجبروا مجموعة من المساجين على خلع ملابسهم والوقوف ووجههم للحائط. ظللنا في هذا الوضع نحو أربع ساعات، بذلتُ فيها كل جهدي حتى أختفي. العنف في هذه الحالات غير مبرر وليس له أسباب، بل عنف استعراض القوة، واستمراء للذة التكبر والإهانة. بالتالي أنت حرفيًّا في مُقَابل الكلاب المسعورة، وهي تمزق كل شيء بحثًا عن أي مخالفات، وسلسلة المخالفات التي تبحث عنها تبدأ من الأقراص المخدرة وحتى المعالق المعدنية أو الأكواب الزجاجية إلى جانب الأجهزة الكهربائية والإلكترونية.

لا معركة لتفوز بها هنا.

لأي سبب إذا وقعت عيونه عليك ولم تعجبه أي حركة أو إصابه مظهرك بالضيق، فبإمكانه أن ينكل بك أمام الجميع، وإذا حدث هذا فيجب أن تتقبل الصفعات في رضا وانكسار، فأي بادرة مقاومة سوف تستفز هذه السلطة.

تتغذى كلاب السلطة على الإهانة، ومقاومتك لها تعني أن لديك شيئًا لم ينكسر بعد، ووظيفة الكلاب أن تكسره.

حينما سمحوا لنا بالعودة للعنبر كان كل ما في العنبر ملقى على الأرض، ملابسي فوقها كيس الطماطم والخضار، صادروا كنكة القهوة المعدنية، وطفاية السجائر التي كانت عبارة عن علبة تونة مستعملة، لكن لم يمسوا الكتب ولم يمسوا مخطوط الرواية.

الرعب من الكلاب السعرانة يلازمك، يستوطن قلبك حتى الآن.

الكلاب السعرانة هم غالبًا ضباط حديثو التخرج، أو أمناء الشرطة يعملون في المباحث الجنائية، أو أي ابن كلب مجنون يحمل مسدسًا في هذا البلد المتداعي.

تعلمتُ الدرس يومها، يجب ألا يراك المجنون، لكنك ارتكبت الخطأ في حجز قسم الخليفة أثناء ترحيلك للخروج من السجن، دخل ضابط ومعه أمين شرطة مجنون، طلب من الجميع أن يقفوا ووجوههم للحائط ويرفعوا أيديهم، لسبب ما لم تستطع أن تمنع نفسك ونظرت بطرف عينك إلى ضابط الشرطة وهو يخطو نحو الزنزانة، هوت الصفعة من يد أمين الشرطة على وجهك، ثم جرك بعيدًا عن الحائط، وبعنف دفعك إليه حتى اصطدمت به، كرر ذلك مرتين وهو يسب ويلعن، استكنت ولم تبدِ أي مقاومة، لا انفعال على وجهك، حتى جبهتك التي تورمت لم تتحسسها. هذا هو الهوان.

نجحت الاستراتيجية حين لم تبد مقاومة، تركك وصفع مسجونًا آخر يقف على ركبة ونصف، في قسم بولاق تكرر الأمر نفسه، لمحك ضابط حديث التخرج تدخن، فتح الزنزانة وصفعك، أمسك ملابسك وجرك خارج التخشيبة بينما كنت تعتذر وترتعش.

يومها فكرتُ: لن أكتب عن هذه التجربة، لن أحكي لأحد، وإن حكيت فسأجعلها قصة طريفة مرحة، مليئة بالمبالغات المتناقضة حتى تنتزع الضحكات، محشية بدراما الصراع بين الطبقات الاجتماعية المحشورة في زنزانة واحدة. فكرتُ: كيف يمكن الكتابة عن المهانة دون قناع البطل المهزوم؟ فكرتُ: المهانة التي في قلبي أسود من أن تكون ميلودراما. فكرتُ: الهوان وكسرة النفس لا يمكن أن تداويها الكتابة.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن