1- «كلبي الهَرِم.. كلبي الحبيب».. المرض كبطاقة هوية
الحلقة الأولى في برنامج قراءة من 4 حلقات: كيف نفهم الألم؟
 
 
 
صورة: سهير شرارة
 

جديد من كوكبة: كيف نفهم الألم؟  

«إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟»

بهذه الكلمات من الكتاب المقدس، يناجي المسيح ربه وهو فوق صليبه. ربما تكون هذه من اللحظات الفريدة التي توحد فيها الإنساني مع الإلهي. وفق المنظور المسيحي، فإن ألم المسيح هو التجلي الأشد سطوعًا لعدل الله، معاناته وتجربته لا تجسد انفصال اللاهوت عنه قدر ما تعكس الحكمة الإلهية للألم. إنها اختبار الابن الأزلي لمعاناة البشر من بعده، الخلاص والفداء.

لكن هل يخضع الألم، كخبرة إنسانية، لحكمة الله؟ ألا يمكن النظر إلى تجربة المسيح بوصفها تأبيد للألم كشرط أساسي في العلاقة بين الأرض والسماء، لا مجرد اهتمام من الرب الرحيم بمشكلة الألم؟

 في القصص/الموروث الديني، يمكننا أن نجد تأويلات عدة لسؤال الألم. تخبرنا قصة النبي أيوب عن فضيلة الصبر. يخصص الكتاب المقدس سِفرًا كاملًا للحديث عن معاناة أيوب وآلامه وخسارته. في القرآن، نرى أن مرض أيوب ومعاناته نوع من ابتلاء الله له، لذلك وجب على نبيه الصبر حتى ينجح في الاختبار الإلهي. ومثل مفهوم «الشر»، الذي يمكننا من وجهة نظر شِعرية وأسطورية أن نعزو الطبيعة الشريرة عند الإنسان إلى نوع من الخطيئة المتأصلة المتوارثة من القاتل الأول إلى أبنائه من بعده، فإننا يمكن أن نخلق مجازات للألم: الألم كعقاب، الألم كابتلاء.

لكن بعيدًا عن الرؤى الميتافيزيقية، قدمت البشرية محاولات عدة في فهم طبيعة الألم وأثره على السلوك الإنساني. تاريخ الأدب والثقافة الإنسانية حافل بالشخصيات الرازحة تحت وطأة الآلام النفسية والذهنية. أوديب وهاملت، «الأمير ميشكين»، «فرتر»، و «إيما بوفاري».

في برنامج القراءة المُقترح سنركز اهتمامنا هنا على الألم الجسدي، المرض الذي يهدد الكيان المادي للإنسان، حيث تبدو العلاقة بين الكتابة والألم أبدية من وجهة نظر العديد من الكُتاب والفلاسفة والمفكرين.

يقول نيتشه إن أكثر المشاريع البشرية تحققًا تبدو غير قابلة للانفصال عن «درجة ما من العذاب»، ومصادر «مسراتنا العظمى تبدو قريبة على نحو غريب من مصادر آلامنا العظمى». يتحدث نيتشه عن مشروعية «الألم» وضرورته من أجل إنتاج عمل فني عظيم. يصف نيتشه المعاناة والمكابدات التي عايشها الكاتب الفرنسي ستندال من أجل أن يكتب رواية «الأحمر والأسود». ويشير إلى أن معظم الأعمال الأدبية أقل أهمية من «الأحمر والأسود» لا لأن مؤلفيها يفتقرون إلى العبقرية بل لأن لديهم «فكرة مغلوطة عن مدى الألم المطلوب».

نقدم من خلال ثيمة الألم/المرض ترشيحات لعدد من الكتب التي تناولت تجربة الألم، وطرحت أسئلة أكثر جدلية عن ماهيته وغايته، وكيفية مقاومته. سنحاول أن نتناول علاقة الكتابة بالألم والمرض الجسدي، سواء في شكلها الروائي الخيالي، أو الشهادات الواقعية والتجارب الشخصية.  وكذلك ما يمكن أن نسميه «أدبيات السرطان»، حيث ظهرت مؤخرًا عدة كتب تحاول أن تبحث في تاريخ المرض ومجازاته وأسراره.

1- «كلبي الهَرِم.. كلبي الحبيب».. المرض كبطاقة هوية

في رواية بول أوستر «الغرفة الموصدة» يصف الراوي كتابات صديقه فانشو قائلًا: «كانت عين فانشو قد أصبحت حادة، على نحو لا يصدق، ويحس المرء بأن الكلمات تواتيه طائعة وكأنما ضاقت المسافة بين الرؤية والكتابة».

وفي القول المأثور للمتصوف النفري: «كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة». وكما يشحذ الألم الحواس، يوقظها، ويجعلها أكثر حدة، فإن الشاعر الراحل أسامة الدناصوري في كتابه النثري «كلبي الهرم.. كلبي الحبيب» يمتلك عينًا حادة كتلك التي وصفها أوستر، ولغةً متقشفة كالتي يتحدث عنها النفري، متحررة من البلاغة التقليدية والتراكيب اللغوية. 

ينفذ سرد الدناصوري إلى قلب الألم بدقة مدهشة وصدقٍ موجع. يحكي في «كلبي الهرم.. كلبي الحبيب» عن مرضه الذي لازمه من الطفولة حتى وفاته. الكتاب تسجيل ليوميات ومشاهدات حياتية، وحكايات عن الطفولة والأسرة والحب والكتابة والبانجو والفشل الكلوي. يُقلّب الدناصوري في ذاكرة الألم، ويتنقل بين جنباتها، ويفند مواضع الألم في جسده الذي صار كخارطة للمرض، يوجز تاريخًا من الصراع والمعاناة.

يختلف «كلبي الهرم.. كلبي الحبيب» عن كتب أخرى استثنائية تناولت محنة المرض مثل: «مسار الأزرق الحزين» للشاعر والكاتب علاء خالد، أحد أهم الشعراء المعاصرين والصديق المقرب للدناصوري، وكذلك كتاب «بذلة الغوص والفراشة» للكاتب الفرنسي جون دومينيك بوبي. فكلا الكتابين نتيجة مواجهة مفاجئة مع المرض. في «مسار الأزرق الحزين» يتأمل علاء خالد في عاقبة تعرضه لخطأ طبي جسيم أثناء خضوعه لعملية جراحية بسيطة. وبعد عملية ثانية يدخل قسم العناية المركزة وهو بين الحياة والموت. أما رواية جون دومينيك بوبي فكتبها بعد تعرضه لجلطة دماغية أصابته بشلل تام. وبعد غيبوبة دامت ثلاثة أسابيع يصحو في حالة نادرة الحدوث تسمى «متلازمة المنحبس». وكتب بوبي الرواية عن طريق الرمش بعينه اليسرى، العضو الوحيد الذي يمكنه التحكم فيه.

المرض في الكتابين حدث استثنائي، ناقوس للموت. يأخذ، في حالة علاء خالد، شكلًا مغايرًا للحياة، تجربة مغايرة كتجربة السجن أو السفر، يرصدها خالد في تأمل شعري وسرد استبطاني. أما دومينيك بوبي، فيستعين بقوة الإرادة والخيال على جسده المشلول. مات بوبي بعد صدور الرواية بثلاثة أيام. وفي العملين، تكشف الكتابة عن جذور اللاوعي الجمعي المشترك بين البشر.

لكن في تجربة أسامة الدناصوري، لا ينفصل المرض عن الحياة، والعلاقة بينهما لا يمكن فصمها. المرض مكون أصيل لهوية الدناصوري الفردية. وهنا تكمن أهمية كتاب الدناصوري، روايته أو يومياته.

يقول أسامة الدناصوري: «الفشل الكلوي ليس مرضًا. إنه أنا.. أنا العادي جدًا». وهو يرى المرض بوصفه «الخيط الذي يلضم حياتي كلها منذ مولدي وحتى الآن»، حسب تعبيره. تصير الكتابة محاولة تتبع هذا الخيط، فتستبعد كل ما هو بعيد عن سياق المرض، وتركز على المشاهد الحياتية المرتبطة بمحوره بطريقة أو بأخرى، لأن المرض كما يقول الدناصوري هو «العمود الفقري الذي ينمو حوله الكتاب فصلًا فصلًا”.

لذلك فكتابة الدناصوري هي عن الحياة، وما يفعله بها المرض، لا عن الموت وما يستدعيه الصراع معه من أفكار وتأملات. لكن الغاية من فعل الكتابة مماثلة لكتابة علاء خالد ودومينيك بوبي، فهي وسيلة إنقاذ، وسيلة للتعافي. ومثلت بالنسبة لأسامة الدناصوري مصدرًا للسعادة، وسببًا للعيش. كانت وفاة الشاعر بعد انتهائه من الكتاب بشهور قليلة.

يتمثل سرد أسامة الدناصوري عادية الألم. يحكي عن بدايات المرض وآثاره ومراحل تطوره. كيف بدأ مشواره مع الألم، وكيف أُصيب ﺑ «المثانة العصبية» كأثر جانبي لإصابته بفيروس مسبب لالتهاب الأعصاب وهو في الصف الثاني الإعدادي. تسببت «المثانة العصبية» في احتباس البول نهارًا والتبول اللاإرادي ليلًا. يقول: «وهكذا.. أمضيت صباي وصدر شبابي: احتباس بول بالنهار. وتبول لا إرادي بالليل». وعلى مدار اثنين وعشرين عامًا، أدى ارتجاع البول إلى الكليتين مع تدهور وظائف الكلى إلى الفشل الكلوي، والذي رافقه بدوره لاثني عشر عامًا حتى وفاته مطلع عام 2007.

لا يسير السرد وفق التعاقب الزمني، بل يتنقل الدناصوري بين الأحداث والمشاهد، ويمزج بين التسجيل اليومي والاستذكار. يسرد التفاصيل الدقيقة لمرضه، وتنقلاته بين وحدات الغسيل الكلوي، وصداقاته مع المرضى والأطباء والممرضين والممرضات، والآثار الجانبية للعلاج مثل هشاشة العظام وضعف السمع.

رغم تطابق حياة الدناصوري مع تعبير سوزان «سونتاج الإقامة في مملكة المرض»، إلى حد اعتباره عنوانًا لحياته، فإن نثر أسامة الدناصوري يحقق ما حسبته سونتاج مستحيلًا عند الكتابة عن المرض، وهو «مقاومة التفكير المجازي» لأن ذلك هو «الطريق الأصح الذي يجب عبوره حين تكون مريضًا»، كما تقول سونتاج.

في كتابها «المرض كاستعارة» هدفت سونتاج إلى إيضاح الاستعارات والمجازات المتخلقة حول ما تسميه «الإقامة في مملكة المرض». تسعى سونتاج إلى «مقاومة التفكير المجازي» لأن هذا هو الطريق الأصح الذي يجب عبوره حين تكون مريضًا.

في الثالثة والأربعين من عمرها، أصيبت سونتاج بسرطان الدم، وظلت تقاومه لأكثر من 25 عامًا. تقول سونتاج: «مرضان ارتهنا بشكل مذهل، وبالمثل، بزخارف الاستعارة: السل والسرطان». وتوضح كيف أيقظ السل قديمًا، ومن بعده السرطان، «طرزا قديمة من الفزع».  يبين كتاب سونتاج العلاقة بين الكتابة والمرض، وعلى الرغم من إعلانها في بداية الكتاب عن الرغبة في التحرر من الاستعارة، فإن الكتاب حافل بالمجاز لأنه ضروري ولازم في وصف الشعور بالألم، وهو تأمل فريد في مرض السرطان وتاريخه وما يحيط به من مجاز تكشف الكتابة عن دور المرض في سبر أغوار الهوية الفردية، وعن علاقة المريض بمحيطه الاجتماعي.

التحرر من الاستعارة، تخلي اللغة عن الجماليات النمطية، جفافها، خلوها من المجازات وبُعدها عن التركيب، من السمات الرئيسية في كتابة الدناصوري. ويوضح أن الأهم هو «روح الكلام»، وأن الجمال يمكن أن ينشأ رغم التخلي عن كل ما سبق، ينشأ من «العلاقات داخل بنية الجملة»، و«التدقيق في وجود اللفظة بمكانها الصحيح» واحترام «صوتية اللفظة».

لكن إن شئنا الدقة، فإن سرد الدناصوري لا يتحرر من المجاز كليًا. ولعل أهم تجليات المجاز يمكن تبينها من خلال العنوان. فعبارة «كلبي الهرم كلبي الحبيب» لا يُفهم معناها الضمني إلا بعد قراءة أحد فصول الكتاب وعنوانه «مرثية». من خلال هذا الفصل، نتبين أن الكاتب يقصد ذكورته «المختالة»، والغاربة. يُرثيها بلا مرارة بل يبدأ الفصل بنكتة:

«س قابل ص وسأله:

– إزي الحال..

– واللهي الحال واقف اليومين دول.

– طب يا شيخ احمد ربنا إنك لسه عندك حاجة بتُقف».

يرسم الدناصوري مشهدًا لكلب سلوقي هرِم «أنظر لحالي، فأرى كلبي الهرِم، كلبي الحبيب، الذي يرقد بجواري على السرير».  يفاجئه بإفاقته وارتعاشة عضلات جسده ويتخيله يقول: «أنا هو كلبك السلوقي، الذي طالما قنص من أجلك الطرائد، وطالما ملأك بالزهو الصامت». «ثم لا يلبث أن يعود لسُباته العميق. نم يا صديقي. نم وحرر نفسك من الخجل وإحساسك الدائم بالتقصير..».

يبدو ذلك الفصل مغايرًا في أسلوبه عن بقية الكتاب/الرواية، ولا نقرأ مثيلًا له إلا بعد فصول عدة. فصل قصير للغاية يشبه القصيدة بعنوان «طائر الفينيق»:

«مثلما يُبعث طائر الفينيق من رماده،

اليوم.. هب الكلب الهرم من مرقده،

وعاد

مهرولًا إلى

صباه».

لا يكتفي الدناصوري بالتحول من مجاز الكلب الهرم إلى طائر الفينيق (أو العنقاء)، وإنما يلجأ إلى تشبيه مجازي آخر حين يتحدث عن بداية دخوله إلى عالم الفشل الكلوي فيقول: «ثم جاء الفشل الكلوي أخيرًا، واكتشفت أنا أن ذلك الأسد المرعب، الذي أمضيت عمرًا كاملًا أتهيب لقائه، ما هو إلا قط أليف، يرقد في حجري طوال اثني عشر عامًا».

لو اقتصر الكتاب على السرد الوصفي الدقيق والتفصيلي للمرض ومضاعفاته لكان جرعة ألم خالصة غير قابلة للتناول، تقرير حالة لا نعاود قراءته. ما يُميز «كلبي الهَرِم..» هو روحه التهكمية وكشفه عن رغبة فريدة في الحياة. رغبة الشاعر في الحياة ليست تمسكًا ذليلًا بها، أو تقشفًا وحرمانًا وتقيدًا بالمحاذير الطبية أملًا في إطالة أمد بقائه على الأرض. فالكتاب يكشف عن ممارسة الدناصوري لما يحبه في الحياة دون نقصان كلما أمكن ذلك، يدخن بشراهة ويأكل ما يشتهيه. ويختار بمحض إرادته ألا يرتدي سماعة أذن، أو يرفض إجراءً جراحيًا كحل دائم لنوبات ارتجاع البول؛ لأنه سيُضطر إلى تركيب قسطرة دائمة. لكنه في الوقت نفسه يحترم مرضه، يعتبره رفيقًا، يتهكم على ذاته ولا يرثيها في عاطفية مبتذلة. ولا يتهاون في الطقوس التي فرضها عليه التبول اللا إرادي مثلًا، يقول: «إنه النار الهادئة التي نضجت عليها». كما يُعنون فصلًا ﺑ «جنة الفشل الكلوي» لأنه أراحه من «عذابات الاحتباس، والارتجاع، والمغص الكلوي القاتل..».

يمكننا القول إن حياة أسامة الدناصوري القصيرة كانت بين قوسين، أحدهما: الكتابة، والآخر هو عشق الحياة إلى درجة غفرانه لها كل ما حدث، أو كما يقول في واحدة من قصائده:

«يبدو أن الحياة جميلة كما يقولون

حقًا.. إنها جديرة بأن تعاش

لقد غفرتُ لها كل ما مضى».

اعلان
 
 
محمد عمر جنادي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن