على هامش كراهية العثمانيين وأصول الارتباك في الوطنية المصرية

لن أخفي ضجري من غباء الجدل أو اتسامى عليه. لن أخفي إشفاقي على نفسي من الاشتباك فيه. أشعر وكأننا نعيد كرة النقاش في أمور بدت وكأنها محسومة من 150 عامًا. التاريخ لا يعيد نفسه فقط، بل يعيد سحق ما ناضل من أجله ملايين وضحى من أجله الآلاف، نجد أنفسنا نعيد قراءة جمال الدين الأفغاني وعبدالرحمن الكواكبي ومحمد عبده وعبدالله النديم كأنهم رفاقًا معاصرين وليسوا تراثًا قديمًا مضى. يالخسة هذه الأيام.. ويالقسوة الهزيمة التي تعيدنا إلى مربعات الجدل الأولى.

تتعالى هذه الأيام صيحات الحرب بين مصر وتركيا، على الأقل على خلفية دعم كل دولة لأحد أطراف النزاع الأهلي الليبي. النزاع المصري التركي ليس نزاعًا استراتيجيًا بالطبع، فظرف العداء بين الدولتين ليس ابنًا لتناقضات استراتيجية أو نزاعًا وجوديًا، بل هو نتاج لأزمة يمكن تجاوزها وحلها على طاولات التفاوض وإيجاد حلول وسط. وذلك في ضوء ارتباط تلك الأزمات بشكل مباشر بعلاقة النظامين السياسيين في البلدين ببعضهما البعض والطبيعة الاستثنائية لكل منهما. في قول آخر هذه ليست علاقة مع إسرائيل حيث الأصل فيها العداء الاستراتيجي والاضطراب الوجودي مهما ظهر من صور التودد والاستحسان المتبادل والتعاون الأمني أحيانًا، كما في اللحظة الراهنة.

 في متن الصراع الآني يتم تقديم محتويات إعلامية تعبوية لتبرير طبيعته الشاذة وإيجاد أصل متوارث له. فيتم الغوص في أرشيف التاريخ من أجل تأكيد «أصالة» الكراهية المصرية التركية المتبادلة وإثبات صحة نسبها وإسقاطها على اللحظة الراهنة. ويتجدد الحديث مرة أخرى عن علاقة «الوطنية المصرية» بـ «الاحتلال العثماني» البائد.

 المخزي في خطابات وجدالات اللحظة الراهنة أنها إعادة مجترة مملة غبية لمنطق الوطنية المصرية عن نفسها. وهي وجود ذات مصرية مكتملة متبلورة عبر التاريخ تستقبل الغزاة وتعيش معهم قصة عنوانها من المرارة بين المقاومة والاستسلام، يكون ناتجها صرخة تعلو قائلة «لقد أخذتم أجسادنا ولم تأخذوا منا سر أرواحنا، نكرهكم بعد أن حملنا سفاحًا من اغتصاباتكم وهضمناكم في أرحامنا ثم لفظناكم لاحقًا». من هذا المدخل التعيس يتم عنونة العثمانيين كمحض غزاة، ويتم وسم ما يقارب الـ 400 عام من الانتماء للدولة العثمانية كاحتلال، بدون تعريف لمعنى التحرر ومعنى الخضوع إلا باعتباره تعبير عن مذلة للحكم الأجنبي.

لا مجال بالطبع لمنطقة هذه المقولات الحمقاء المتناقضة بينما لا تزال البرجوازية المصرية تفخر بنسبها التركي كعلامة للرقي الاجتماعي. ولا يزال بياض البشرة واحمرارها علامة على النعمة وحيثيّة الأصل، المصريون مضطربون لأنهم لا يعرفون لماذا أصبحوا مصريون، ومعنى أنهم مصريون، ما معنى تحررهم وما الدافع الأصلي خلفه، وهل تحرروا أصلًا أم لا. بل أدعي أنهم يكرهون فهم ذلك لما له من استحقاقات معاصرة ونتائج مستقبلية أكثر من مضغ لعنتريات خطابية بشأن الماضي.

في 1517 حين دخلت الجيوش العثمانية القاهرة وأسقطت دولة سلاطين المماليك، لم يكن هذا غزوًا لمصر ولا فتحًا لها، كان انتقالًا للسلطة بقوة السيف من جماعة عسكرية تتحدث التركية لجماعة عسكرية أخرى تتحدث نفس اللغة، ولكن مركزها إسطنبول عوضًا عن القاهرة. كان الغازي سليم الأول العثماني أناضوليًا وكان سلاطين المماليك البرجية خشقدم وبرسباى وجقمق وأينال وقايتباي وغوري وطومانباي شراكسة. أما نحن فكنا مجرد فلاحين ننتقل بين حكم تحالف عسكري تركي إقطاعي وآخر، ونُحكم باسم شرعية الخليفة العباسي الخاضع تمامًا لسلاطين المماليك والذي يعرف الناس اسمه من دعوات المنابر ولا يعرفون شكله. كنا في ديار الإسلام حيث الحكم للمتغلب بالسيف وبالشرعية الاسمية لإمام المسلمين العربي القرشي الذي قطع العثمانيين اسمه ونصبوا نفسهم بدلًا منه. لم يكن أجدادنا أكثر من فلاحين بؤساء في الريف يضربون بسياط كل هؤلاء العسكر لانتزاع الخراج والجزية من قراهم.

 أصبحنا عثمانيين، مثلما كنا قبلها عباسيين. حقائق مجردة لتاريخ ليس عنوانه الفرح أو الحزن أو الفخر أو الخزي. مثلنا كان سكان دمشق وحلب والقدس ومكة خاضعين لمدة قرون لحكم سلاطين المماليك ولم يعتبروا ذلك «احتلالًا مصريًا» لهم. كان كل هذا حكم الإسلام وسيفه ومنطقه في عالمه القديم، عالمًا إقطاعيًا خراجيًا، كانت هذه هي شروط الصراع فيه ولغته وصيغته «الأيديولجية»، ومن ثم مآلاته الدائمة التي ظلت تعيد إنتاج نفسها لقرون.

 ظللنا عثمانيين لثلاثة قرون تحت حكم سلطان المسلمين في الدولة العلية في إسطنبول من دون مشكلة أو أزمة اللهم إلا تخلفنا نحن وسائر العرب والأتراك عن ركب التحديث والثورة الصناعية الذي بدأ يعم أوروبا، والذي ما لبث حتى عبر عن نفسه بغزو الفرنسيين لمصر في أواخر القرن الثامن عشر. هذا الغزو القصير الذي لم يستمر ثلاث سنوات وترك في نفوس وعقول المصريين الكثير ليبدأوا من بعده رحلة جديدة وطويلة مع مصريتهم. فسكان مصر الذين تم ارتهانهم من الفرنسيين ثلاث سنوات قاوموا هذا الارتهان بأنفسهم مرتين في ثورتين اندلعتا في القاهرة، كان أبطالها عوام الناس وليس عسكر المماليك المدحورين. ليدرك وجهاء القاهرة وأشرافها وأعيان تجارها أن لهم سهمًا ما في تقرير مصير ديارهم المسلمة، وهو ما انعكس لاحقًا في مقاومتهم لقرار السلطان سليم الثالث بتعيين خورشيد باشا واليًا للديار واتفاقهم على الأرناؤوطي محمد علي واليًا عليهم على غير الإرادة الكاملة للباب العالي مع استمرار تثبيت ولايته على غير قواعد النظام العثماني.

 مرضت الدولة العثمانية بعد أن غرقت في مجارير تخلفها العطن لقرنين من الزمان، فجاء القرن التاسع عشر قرنًا للتحديث الإجباري الذي لا بديل عنه إلا الانهيار والخضوع الكامل للسلطان الأوروبي. ومن قلب هذا التحديث في عموم السلطنة نالت مصر قسطًا كبيرًا منه نظرًا للاستقلال النسبي لقرارها السياسي النابع من الصلاحيات الواسعة التي حصل عليها الوالي محمد علي باشا، والتي مكنته من تنفيذ تصوراته هو عن التحديث بما يلائم البيئة المصرية وشروطها من وجهة نظره، والتي كان من أهم انجازاتها هو تمكين الفلاحين المصريين من أن يكونوا جنودًا في جيوش بلادهم الحديث.. ياله من نصر تاريخى!

مع تحديث الدقائق الأخيرة، كان مطروحًا على «سلطنتنا» العثمانية عدة خيارات تفضي إلى مآلات مختلفة. فالتحديث يعني أن الشعب كفكرة وكقوة مادية قادم لا محالة، وأن الجمهورية ستأتي ولو بعد حين، والشعب في الدولة العثمانية ليس واحدًا بل شعوبًا، عشرات القوميات أكبرها التركية والعربية، أقليات يصعب إحصائها، موزاييك ديني فريد من نوعه، أجناس أوروبية خضعت لقرون للحكم السلطاني بقسوة السيف المرعب كونهم غير مسلمين. كانت الشعوب قادمة لا محالة، بعضها مسلم الدين وبعضها مسيحي، وكلها في مواجهة نمط من الحكم الاستبدادي المتقادم.

 صراع القرن التاسع عشر المتأخر داخل السلطنة كان عنوانه البحث عن المساواة والمواطنة والتمثيل للمكونات القومية والاجتماعية والبرجوازيات المحلية الصاعدة داخل السلطنة متسعة الأرجاء. وجاءت رياح التحديث أعتى من استجابة المحدثين المركزيين في السلطنة، فخرجت القوميات المسيحية على الحكم العثماني واندلعت ثورات التحرر «الديمقراطي» و«القومي» في مكان لصيق بقلب السلطنة وهو اليونان. وكان أمام السلطنة منطقين للتفاعل مع التطورات، إما اعتبار التحديث بالمجمل مؤامرة غربية لتفتيت السلطنة، أو استكمال مقوماته الصحيحة حتى لو كانت بعضًا من نتائجها هو تفتيت السلطنة فعلًا.

البائس أن خيار السلطنة كان مزيجًا من الاثنين. اختارت الاستمرار في التحديث كفعل مادي بنيوي للبقاء مع الشك فيه كأساس قيمي وأخلاقي للتقدم واعتباره نوعًا من الاستسلام للغرب فجاءت الدولة الإسلامية المعاصرة بكل ارتبكاتها التي نحياها إلى الآن في مصر وتركيا وإيران وشتى الديار، وكان السلطان عبدالحميد الثاني الذي حكم بين عامي 1876 و1909 هو العنوان الفج لهذا التناقض، فهو من عمق تأسيس الدولة العثمانية الحديثة، ولكن كدولة استبداد أمني وعصاب قومي وديني، فكان التقدم له فرعين سيثبت التاريخ أنهما لا يلتقيا. فعبدالحميد حامي الديار في نظر إسلاميي القرن العشرين هو من فقد الديار فعلًا، وشهد عصره المد الإمبريالي البريطاني الفرنسي على ديار السلطنة. وعبدالحميد حامي الديار هو من ساهم في وأد إرهاصات جنين الثورة الديمقراطية الوطنية في مصر حين أعلن من موقعه الديني الإمامي عصيان أحمد عرابي، ليسلم مصر عمليًا للبريطانيين. وعبدالحميد الثاني هو إمام الإسلاميين السلطويين الفعلي وليس عمر بن الخطاب، فعمر من التاريخ وكان مجازه السياسي عن الحكم الرشيد هو منع تعثر النياق في الشام، بينما عبدالحميد تاريخًا إسلاميًا حاضرًا بلحم ودم، وصراعًا له آثاره الحية إلى الآن. مع عبدالحميد عشنا كعثمانيين كل تناقضتنا الحية إلى اللحظة الراهنة. هذا الاضطراب بين مفهوم الدولة القوية المستقلة تحت حكم المستبد العادل، أم الدولة متعددة مراكز القوى الديمقراطية بما يعنى هذا من احتمالات تشظي وتفكك. الهاجس الحميدي حي إلى الآن في كل مكان. فالدولة المصرية الحالية، دولة الإسلام المعاصر ما زالت تحارب أشباح التفكيك والتقسيم المتهم بها أقليات مسكينة كالنوبيين والأقباط.

 يقينًا، مشكلتنا المعاصرة مع الإرث العثماني ليست كونه غزوًا أجنبيًا لوث نقائنا المصري، بل حقبة مهمة من تاريخنا، سمة مراحله الأخيرة الاستبداد والعناد ومقاومة حركة التاريخ. فلو تمكنت النخبة العثمانية مبكرًا من خلق صيغة مواطنية حديثة قائمة على ثنائية القومية بين العرب والأتراك دون روح الاستعلاء التى تسود النفسية التركية علينا -حتى الآن- لما حدث كل ما حدث. القومية العثمانية كانت فكرة ممكنة ولكنها لم تحدث لأن الاستعلاء التركي، بحكم السلطة المادية للثروة والتصورات النفسية المثالية، هزم ما عاداه، فلم يكن هناك بدًا من الاستمساك بعروبتنا. مشاعرنا السلبية ناحية الأتراك ليس مردها كونهم أغرابًا أغيارًا بل كونهم إقطاعيين عسكر قساة مستعليين يحملون البنادق والسياط، من هنا يأتي هذا الحاجز النفسي القادر على تجديد نفسه عند كل محطة تخاشن عربية تركية.

 جوهر الأمر كان الديمقراطية والمساواة والسعي نحو الجمهورية، نبذ الاستعلاء والحكم الاستحقاقي البلطجي وإدعاء الشرعية القادمة من السماء لا من الأرض، وهنا يستوي اضطراب علاقتنا كمصريين بالعثمانيين الأتراك، وبين اضطراب علاقتنا كمصريين بالسودانيين ولكن من موقع عكسي. فالحركة الوطنية المصرية التي نادت بوحدة مصر والسودان لم تطرح أبدًا تلك الوحدة من موقع ندي، بل كانت تعلن فاروقًا وفؤادًا ملوكًا طبيعيين على شطري الوادي، ولم تطرح أبدًا أو تتصور للحظة أن مصر والسودان يمكن أن يحكمها رجلًا سودانيًا بحكم موقعه كمواطن متساو مع سعد زغلول ومصطفى النحاس مثلًا. وربما تكون التجربة الأكثر عبثًا وماساوية وغرابة هي قصة الوحدة المصرية السورية التي بدأت بترجي النخبة السورية لبطل العروبة جمال عبدالناصر من أجل إتمام وحدة اندماجية بين البلدين في التو واللحظة، والتي انتهت بعد أربع سنوات فقط بتوافق سوري على ضرورة طرد ما سموه «الاستعلاء المصري»، شارك فيه الوحدويون قبل الانفصاليين. لم يكن إشكال عبدالناصر في سوريا أنه مصريًا أو غريبًا، إشكال عبدالناصر كان أنه ديكتاتور مستبد غشوم متسلط.. قضى على الوحدة لأنه قضى على الديمقراطية والحرية، فكان الانفصال.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن