الخط الفاصل بين التهريج الفارغ والنقد الساخر
عن أغنية «سالمونيلا»
 
 
 

تعرضت للنقاش الدائر حول أغنية تميم يونس الجديدة «سالمونيلا» قبل أن أسمع أو أشاهد الأغنية نفسها. كانت صديقة قد شاركت الفيديو على فيسبوك مع تعليق حول كونها تحرّض على العنف ضد النساء اللاتي يجرؤن على رفض الدخول في علاقة ما، بينما ردت عليها صديقة أخرى قائلة إن الأغنية «تريقة» على الرجال الذين يتصرفون بهذا الشكل، ووصفت يونس بالشجاعة لتهكمه على هذا النمط من الأداء الذكوري. 

شاهدت الأغنية بعدها، ولم يساورني شك للحظة تجاه كونها فعلًا «تريقة»، إفيه قرر يونس أن يحوّله إلى أغنية وفيديو كليب، بما لديه كشاب ناجح في مجال الإعلانات من موهبة -والأهم من ذلك، معارف وإمكانيات وموارد- تمكنه من أن يحول تهريجه مع الأصدقاء إلى أعمال «فنية» بسلاسة وتلقائية، كما فعل من قبل. «سالمونيلا» تريقة، ولكنها ليست نقدًا ساخرًا، كما يدّعي يونس في الفيديو القصير الذي شاركه مع متابعيه في اليوم التالي لصدور الأغنية، عقب الجدل الواسع والعنيف الذي أثارته على مواقع التواصل الاجتماعي. هي مجرد نكتة فارغة، وعندما يتعلق الأمر بأشياء كتلك فلا مجال للنكات الفارغة، بمنتهى الصراحة. 

الشرط الأول والأهم حين ترغب في نقد أمر ما، هو تحديد موقعك منه. هنا، يسخر يونس من الذكورة المهزوزة التي تدفع ببعض الرجال للهوس وممارسة العنف ضد من ترفضنه من النساء، ولكنه يفعل ذلك عبر سردية بطلها أحد هؤلاء الرجال، ولا مكان فيها لأي وجهة نظر أخرى. لا وجود لتلك المرأة المطاردة والمهددة كشخصية في كلمات الأغنية ولا في الكليب المصوّر؛ في الواقع ليس هناك تواجد نسائي في الفيديو سوى لثلاث نساء ترقصن في الخلفية في بداية الأغنية، بالكاد تلحظ وجودهن في المشاهدة الأولى. يتحول الفيديو إلى خناقة بين مجموعة من المراهقين وفي منتصفها يونس، في محاولة -أعتقد- للتهكم على هذا النوع من الصراعات الطافحة بالتستوستيرون بين الذكور، ولكن ما يفعله يونس يقع في نفس تلك الخانة من التصرف الذكوري، بدرجة ما: فهو، كرجل يرى نفسه فوق تلك التصرفات ولا يحتاج للجوء إليها -لكونه يتمتع بقدر من الوسامة والنجاح وخفة الدم والقدرة المادية، إلخ- يسخر من نوع آخر من الرجال هو بالنسبة له مجرد ظاهرة مضحكة ومثيرة للشفقة، ولكن ليست مؤذية بالضرورة. بالتالي هي محاولة للـ«حطّ» على نوع آخر من الرجال يراه هو أقل منه رجولة (حتى الإهداء المصاحب للفيديو على يوتيوب موجه لهذا الرجل نفسه)، ولكنه غير معني حقًا بالأثر الذي يتركه هذا النوع من التصرفات على النساء اللاتي تتعرضن له، بل هو آخر اهتماماته. (هذا دون أن نتطرق إلى الشهادات التي ظهرت في الأيام التي تلت صدور الأغنية والتي تتهم يونس باتباع أساليب مشابهة في التعامل مع بعض النساء في حياته). حوّل يونس الظاهرة إلى سكيتش -والحق يقال، فقد تمكن من التقاط بعض ملامح هذا النوع من الرجال بذكاء ودقة- ولكن دون اشتباك حقيقي معها؛ مجرد محاكاة.

بالطبع مطالبة المجلس القومي للمرأة بحذف الأغنية من على الإنترنت أمر غير مقبول، والحل لا يكمن أبدًا في المزيد من القمع والرقابة، بل المزيد من النقاش وإتاحة المجال أمام صناع الفن لتطوير خطابهم وأدواتهم من أجل أعمال فنية أكثر وعيًا وحساسية. كذلك لم يقل أحد أن تلك القضايا لا تصلح للتناول في الأعمال الفنية، حتى الأعمال ذات الطابع الكوميدي. فعلها حمدي بتشان من قبل، في «إيه الحكاية» أو «الأسَتوك»، أغنية شعبية عن التحرش الجنسي، حتى إن لم يع صناعها ذلك وقتها. صدرت أغنية بتشان في أواخر الثمانينيات، قبل عقود من الصعود النسبي للوعي بالقضايا النسوية في مجتمعنا؛ زمان، حين كانوا لا يزالون يسمّون التحرش «معاكسة». ولكنها، على أكثر من مستوى، أكثر حساسية من «سالمونيلا»، التي يدعي صاحبها أنه ينقد الأداء الذكوري للرجال الذين يصورهم في الأغنية (وإن لم تكن تلك الحساسية مقصودة أو نتيجة عملية فكرية واعية في حالة بتشان). في «إيه الحكاية» بناء درامي بسيط ولكن فعّال، نسمع أصوات ثلاث شخصيات مختلفة، أحدهم صوت المرأة المعرّضة للتحرش وهي ترد على الرجل المتربص بها، بالإضافة إلى المتحرش نفسه، و«صوت العقل» متمثلًا في بتشان الذي يعنّفه ويحاول منعه عنها. بالطبع تصوير المتحرش في هذه الأغنية نمطي جدًا (ويرتكز نقد بتشان على كون المتحرش رجلًا كبيرًا في السن)، ونحن نعلم أن التحرش كثيرًا ما يأخذ أشكالًا أقل وضوحًا (أو أكثر عنفًا) من ذلك، ولكن على الأقل هنا يشتبك صاحب الأغنية مع الموقف، يحدد موقعه بشكل لا يحتمل اللبس. لذلك لا يشعر أحد بالإساءة حين تشتغل «إيه الحكاية» في الحفلات والأفراح، ويرقص الجميع بحماس، ولكني حتمًا سأشعر بالإساءة إذا اشتغلت «سالمونيلا» في مكان ما ورأيت الحضور يتجاوب معها بهذا الشكل، بكل ما تحتويه من لغة عنيفة -نختبرها في حياتنا بشكل يومي في كثير من كلام الرجال عن النساء- دون نقد من أي نوع. 

لا يعني ذلك أن الوسيلة الوحيدة لنقد قضية ما هي تناولها من وجهة نظر الضحية، أو حتى تضمين وجهة النظر تلك في العمل. في برنامجه «أخ كبير»، يتقمص الكاتب ورسام الكاريكاتير محمد أنديل شخصية رجل سلطوي، ذكوري وعنصري وطائفي وبه كل العبر، ويحلل الكثير من القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية من وجهة نظر هذا الرجل فقط، بشكل لاذع وبالغ التطرف. ولكن النقد الذي تتضمنه سخرية أنديل في «أخ كبير» واضح للجميع، ولم يكن أبدًا محل شك أو ارتباك (فضلًا عن كون «أخ كبير» برنامج مضحك فعلًا، وهو أمر يصعب وصف أغنية يونس به). فكرت مليًا في الأيام الأخيرة عن السبب وراء ذلك، وأعتقد أن الأمر يرجع لسببين، كلاهما يتعلق بأنديل كشخصية عامة لها مواقف واضحة مما يدور في المجال العام ويشاركها باستمرار مع متابعيه. السبب الأول هو الاختلاف التام بين أنديل وبين الشخصية التي يؤديها (وهي شخصية مبالغ فيها بوضوح)، والذي يظهر جليًا في العديد من التفاصيل الخاصة بالبرنامج، بداية من ملابس الأخ الكبير وطريقة كلامه والسبحة التي لا تترك يده وحتى عناصر الديكور التي نراها في الخلفية، والتي يقول كل منها شيئًا ما عن هذه الشخصية. السبب الثاني والأهم، هو أن أنديل نفسه ينتمي بشكل كامل إلى الفئة التي يضطهدها الأخ الكبير، فئة «الأشكال القذرة الزبالة»، أي المثقفين والفنانين وجميع المنتمين إلى الثورة بكل ما تمثله من قيم حقوقية وتحررية، وهذه كانت نقطة انطلاق البرنامج من الأصل؛ هذا هو موقع أنديل مما يتناوله في «أخ كبير».

على الجهة الأخرى، لم يظهر للجمهور من يونس مواقف واضحة تبين انحيازاته السياسية، بل أظهرت بعض فيديوهاته نقصًا ملحوظًا في وعيه الاجتماعي. لم يكن هذا ليهم لو كان استخدم يونس ما لديه من أدوات فنية للتعبير عن قصده بشكل واضح، ولكن الشخصية التي يمثلها يونس في «سالمونيلا» شخصية واقعية تمامًا، تمامًا، ولأنها كثيرًا ما تنتمي إلى نفس الشريحة الاجتماعية والثقافية التي ينتمي لها يونس، فلم يكن الفصل بينهما سهلًا. لا يوجد -على المستوى البصري على الأقل- ما يدفع المشاهد لافتراض أن هذا ليس يونس وأنه مجرد شخصية يتقمصها من باب السخرية؛ لا تخدم الخيارات الفنية أو الجمالية في الفيديو التنميط الذي يسعى يونس إليه، بل يأتي بعضها مشوشًا وغير مفهوم، والبعض الآخر يوحي بعكس ما يدعي صاحب الأغنية أنه يحاول قوله/فعله من خلالها. مثلًا، لا يعلم أحد دلالة الدم السائل من فم يونس، ولم اختار أن يظهر في هذه الهيئة طوال الأغنية تقريبًا؛ ماذا يقول ذلك عنه، أو عن المرأة التي يهددها؟ وما معنى انتهاء الأغنية بكادر يظهر في صدارته يونس مع مجموعة من الرجال الواقفين «في ضهره» وعلى وجوههم تشكيلة من نظرات الغضب والوعيد؟ 

من الواضح أن يونس ليست لديه أي فكرة كم أن رصة الرجال تلك، بحركة «التهويش» التي يقومون بها في آخر ثانية في الفيديو، قادرة على إشعار أي امرأة بعدم الراحة، لما تتعرض له من احتكاكات شبيهة بصفة يومية: هي الحركة الأقدم والأسخف في تاريخ تحرشات الشارع المعتادة؛ أنثى تمشي في أمان الله، يقترب منها ذكر فجأة و«يهوّشها» بنفس الطريقة، تنتفض هي من المفاجأة ويطلع هو يجري ضاحكًا. ينتهي فيديو «سالمونيلا» ببطله منتصرًا في صحبة حلفائه من الرجال، ولا تشعر المتفرجة -التي يزعم يونس أنه في صفها- بأي انتصار، بل بثقل وضيق ملموسين. مما يأخذنا للفرق الثاني بين ما يفعله يونس هنا وما يفعله أنديل في «أخ كبير»: لم يكن يونس أبدًا مستهدفًا من قبل شخصية كتلك التي يؤديها في أغنيته، لم يكن أبدًا امرأة مطاردة ومهددة، ويبدو أنه لم يهتم حتى بالقدر الكافي للتشاور مع إحداهن كي يفهم -ولو بشكل ضئيل- ماذا يعني أن تكون في موقع كهذا. 

قبل أن يتحول إلى كائن مهووس وعنيف، يظهر لنا الرجل الذي يرسمه يونس في الأغنية رومانسي و«كيوت»، يتصرف كـ«جنتلمان» فيعرض سترته على حبيبته في السينما ويشتري لها الورود، جميع وعوده تتعلق بأمور مادية، كالشقة والشبكة، وأحيانًا مرتبطة بـ«لايف ستايل» الشرائح الأعلى من الطبقة المتوسطة كنادي الجزيرة (كما يعايرها بالفيزا الشنجن)، وبنفس المنطق، يكون الإيقاع المصاحب للمقاطع التي يتحبب يونس فيها إلى المرأة التي تعجبه إيقاع ينتمي بوضوح لموسيقى البوب، قبل أن يتحول إلى إيقاع مهرجانات في المقاطع التي يهددها فيها (مع إيفيكت يحاكي صوت فتح مطوة في الخلفية)، وهو الجنرا (نوع) الموسيقي المرتبط بشرائح اجتماعية أفقر. ولكن لعل أذكى تنميطة هي ظهور محمود العسيلي، كرمز للشكل المثالي للعلاقات في عالم الطبقة المتوسطة المتعلمة، رومانسية تنتهي دومًا للزواج بشكل محدد جدًا، فقد أصبح العسيلي بمثابة سفير ما للزواج في البوب المصري، بأغنيات مثل «تبات ونبات» و«إحساسك إيه» و«الفستان الأبيض» و«فرحة» وغيرها، وكلها أغاني تحتفي بالتقاليد المحيطة بالزواج (الشبكة التي يلف بها على المعازيم والباب المقفول علينا، كما يعد يونس المرأة محل هوسه في «سالمونيلا»). ولكن هناك أغنية أخرى للعسيلي أجدر بالنقاش في هذا السياق، وهي أغنية «سهلة وبسيطة»، التي يعطي فيها العسيلي، كشاب روش ومقطع السمكة وديلها، نصائح لشاب آخر محتاس في علاقاته بالنساء، وتتلخص هذه النصائح في أنه مهما قاومتك امرأة وبدت غير مهتمة، فهي في واقع الأمر ترغبك، وكل ما عليك فعله هو ألا تكون مدلوقًا، وأن تكشم لها، لأن «كل البنات بيحبوا اللي تاعبهم»، وفي النهاية «هتجري وراك». ينتهي الفيديو بمشهد للعسيلي مع أربع نساء تتنافسن لإبهاره: إحداهن تجلب له الشيشة، وأخرى تغسل له قدميه وتدلك له قفاه، واثنتان ترقصان له. 

بالتالي، من الواضح جدًا أن العسيلي أيضًا يفتقر إلى أي نوع من الوعي الجندري، وبينما وجوده كضيف «يسف» على نفسه في الأغنية كان لمسة صايعة (ويبدو أن الصياعة هي المعيار الأساسي الذي حكم كل اختيارات يونس في الأغنية)، إلا أن زيارة سريعة لحسابه على تويتر تظهر بوضوح مشكلة «سالمونيلا» والغياب التام للحساسية المطلوبة ضمن صناعها: تغريدات متتالية لبنات تعلقن بنفس الجملة: «لو عسيلي هيغني في فرحي أكيد مش هقول لأ!» ورجال يمدحون في خفة دم الأغنية، ويقوم عسيلي بمشاركتها كلها على حسابه، بمنتهى الانبساط. هذا ليس أداء شخص شارك في عمل يدرك أن به نقد ما لأي شيء. 

 على الأغلب لم أكن لأحاول الاشتباك مع هذه الأغنية بجدية لولا رد يونس على المعترضين وادعائه أن لسخريته هدفًا نسويًا بشكل ما، وفعليًا لا يعنيني يونس كشخص ولا نواياه الحقيقية. لُب الأمر بالنسبة لي هو كيفية تصوير القضايا النسوية وغيرها من القضايا الشائكة سياسيًا واجتماعيًا، تحديدًا تلك التي تتعلق بفئات مهمشة أو مضطهدة من قبل الأغلبية، في الأعمال الفنية. حينما يكون العمل كوميديًا، يتطلب الأمر المزيد من الوعي والحساسية، والاستعداد لخوض عملية ذهنية شديدة التركيب، يفكك فيها صانع العمل معتقداته ويستمع إلى الآخرين ممن يمسهم الأمر ويحدد موقعه وموقفه بوضوح ثم يقرر بأي منطق سيعرض موضوعه، ويغوص بشكل كامل في قلب ذلك المنطق حتى يتمكن من سرديته بشكل كليّ، وحتى بعد كل ذلك العمل المضني، عليه أن يكون منفتحًا لما سيتلقاه من نقد. بكل صراحة، لا أظن أن يونس كلف نفسه خوض هذه العملية. هو كما قال في الفيديو التوضيحي الذي نشره دفاعًا عن نفسه وعن أغنيته، بيحب الهزار، ويبدو أن معيار نجاح الأغنية بالنسبة له هو قدرتها على الإضحاك، ولا شيء أبعد من ذلك. ولكن أن يسميها نقدًا اجتماعيًا، فأبلغ كلمة للرد على ذلك، إذا أردنا أن نختصر، هي -بكل بساطة- «لأ».  

اعلان
 
 
ياسمين زهدي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن