الذكرى الأولى للثورة السودانية| حكاية اختفاء «فضل»
ما مصير مفقودي الحراك الشعبي؟
 
 
 
المصدر: من صفحة مجموعة مفقود على فيسبوك
 

رأت روضة عبد القادر بخيت ابنها واسمه فضل أحمد محمد جيرو لآخر مرة في اليوم السابق للفضّ الدموي للاعتصام المطالب بإسقاط النظام حول مقر القوات المسلحة السودانية في 3 يونيو 2019.

تقول لـ «مدى مصر»: «أخبرني أنه سيحضر الإفطار مع زملائه في الاعتصام، وسوف يُحضر لي دواء السكري من الصيدلية وهو في طريق عودته».

بحثتَ هي وعائلتها بلا كلل عن أي أثر لفضل على مدى الأشهر الستة الماضية، وذهبوا إلى ضواحي الخرطوم حيث سرت شائعة بأن «قوات الدعم السريع»، وهي المجموعة العسكرية المُكلفة بالإبادة الجماعية في إقليم دارفور منذ أوائل الألفينيات والمسؤولة عن أعمال العنف في 3 يونيو، قد دفنت القتلى في مقابر جماعية هناك. ولكن طال انتظارهم، دون العثور على أي أثر لـ «فضل».

مرّ عام على اندلاع الثورة التي أطاحت بحكم الرئيس عُمر البشير، والذي استمر في السلطة لمدة 30 عامًا، وما زالت جثامين الأشخاص الذين اختفوا لفترة طويلة أثناء فترات الاحتجاج والعنف المقترن بها تظهر في المشرحة [ثلاثة مجهولين بحسب التقرير].

المجلس السيادي الانتقالي هو الذي يحكم البلاد في الوقت الراهن، وقد تشكّل نتيجة لاتفاق أغسطس الذي أبرمته المعارضة المدنية وشخصيات عسكرية. أحد مطالب الثورة المنوط بهذا المجلس القيام بتحقيقها هي القصاص من مُرتكبي العنف ضد المتظاهرين، والذي وقع ضحيته مئات القتلى، من بينهم أكثر من 100 شخص يوم فضّ الاعتصام في 3 يونيو، فضلًا عن اغتصاب العشرات من النساء، واختفاء عشرات آخرين مثل «فضل».

إلى جانب الجهود الفردية التي بذلتها، ناشدت بخيت الحكومة مباشرة، والتي تولت السلطة الرسمية للتحقيق في فضّ الاعتصام. «طلبتُ من رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وحكومة الثورة إعادة فضل إليّ على الفور. نريد أن نعرف مكانه، سواء كان حيًا أو ميتًا»، قالت لـ «مدى مصر».

لكن العدالة قضية معقدة في السودان؛ ففي حين يشكل جنرالات المجلس العسكري الانتقالي السابق، والذي تكون فور الإطاحة بالبشير، جزءًا من المجلس السيادي الحاكم حاليًا، وأهمهم نائب رئيس المجلس العسكري السوداني الجنرال محمد حمدان دقلو «حمدتي»، إلا أنهم المهندسون الرئيسيون للعنف واسع النطاق، بحسب تقارير إعلامية وحقوقية.

في ضوء هذا التعقيد، تحوّل البعض إلى مبادرات شعبية في محاولة لتنفيذ تطلعات الثورة في عدالة تبدأ من العثور على المفقودين خلال أحداث الثورة.

«مفقود» هي واحدة من المجموعات التطوعية التي تعمل على الجبهات القانونية والإنسانية لمساعدة أُسر المحتجين الذين اختفوا قبل وأثناء وبعد فضّ الاعتصام.

«على الرغم من العقبات والغياب الكامل للتعاون من جانب الشرطة، نجحنا في تشكيل جمعية لعائلات المفقودين»، تقول سارة هاشم، وهي عضو في المجموعة، لـ «مدى مصر». «إننا ننشر التوعية من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام والقنوات الأخرى لتشجيع الأُسر على الإبلاغ عن حالات الاختفاء، لأننا نعتقد أن العدد الحقيقي أكبر بكثير من الحالات الـ 20 المُسجلة».

كما شكلت الجمعية المهنية السودانية، وهي إحدى الهيئات الرائدة التي دعت إلى الإضراب والاحتجاجات في جميع أنحاء الانتفاضة الشعبية، لجنة لمتابعة قضايا المُختفين.

مؤكدًا على أن الرقم الحقيقي أكبر بكثير من الأرقام المذكورة، يقول محمد ناجي الأصم، المتحدث الرسمي باسم تجمع «المهنيين السودانيين»، إن اللجنة تمكنت من تحديد مكان بعض الأشخاص الـ 20 الذين تمكنت من تأكيد أنهم مفقودون.

«خمسة منهم ماتوا بالفعل، بينما تمكنّا من لّم شمل 10 آخرين بعائلاتهم. ولكن يعاني عدد منهم من إصابات ومشاكل نفسية»، يقول الأصم في مؤتمر صحفي بالخرطوم الشهر الماضي.

ونتيجة للضغط الشعبي، شكّلت الحكومة أيضًا لجنة للتحقيق في الظروف التي أدت إلى اختفاء العديد من الأشخاص. في 18 سبتمبر من العام الماضي، شكّل المدعي العام السوداني تاج السر الحبر، لجنة تحقيق تضمّ ممثلين من وزارتي الداخلية والعدل، وجمعية المحامين، والوحدة الحكومية التي ترصد العنف ضد المرأة. هدفت اللجنة إلى مساعدة العائلات على الإبلاغ عن حالات المفقودين في الفترة ما بين 6 أبريل و1 أكتوبر.

يرى محمد بدوي، الباحث في المركز الإفريقي لدراسات العدالة والسلام، أن وضع حقوق الإنسان في السودان قد تحسن منذ التسوية بين الجيش والمعارضة المدنية، إلا أن اتفاق تقاسم السلطة وضع العراقيل أمام إجراء تحقيق شفاف وموثوق بشأن مصير الذين قُتلوا أو ما زالوا مفقودين.

«إن السعي لتحقيق العدالة في السودان لأولئك الذين قتلوا أو فقدوا قد يؤدي إلى إدانة بعض الجنرالات من أعضاء المجلس السيادي. مثل هذه الخطوة من شأنها أن تؤدي إلى مواجهة مباشرة بين العناصر العسكرية والمدنية في الحكومة الانتقالية وقد تؤدي إلى انهيار العملية الانتقالية نفسها»، يقول بدوي.

في مواجهة هذا المأزق السياسي، ليس أمام بخيت وعدد لا يحصى من العائلات الأخرى سوى الانتظار، من أجل الحصول على بعض المعلومات حول ما حدث لأحبائهم.

اعلان
 
 
محمد الأمين 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن