لعبة الأسئلة: السينما العربية في 2019
 
 
من فيلم "لابد أنها الجنة" (2019) للمخرج الفلسطيني إيليا سليمان
 

ينتهي العام، 2019، وسط ضجيج المهرجانات وتفضيلات الأفلام والجوائز بحصاد من التساؤلات عن أحوال السينما العربية تتعلق بصناعة السينما والمناخ العام الذي يحكمها. تساؤلات تكونت عبر ملاحظة الظواهر السينمائية الأبرز لهذا العام، نحملها إلى العام وربما الأعوام القادمة. فبعضها أثار جدلًا لم يحسم، وبعضها نثر ملحًا على جروح مفتوحة تزداد عمقًا. بينما يجذبنا بعضها الآخر لمحاولة النظر لما تحت السطح بقليل لتأمل الأمور بواقعية تتجاوز الفرح القريب. ربما يكتشف القارئ إجاباته الخاصة على بعض التساؤلات، وربما يشاركنا طرحها مضيفًا إليها المزيد.

السينما السودانية.. كم خطوة للأمام؟

2019 هو عام السينما السودانية بلا منازع، فقد افتتح فيلمان تسجيليان سودانيان هما أوفسايد الخرطوم لمروة زين، والحديث عن الأشجار لصهيب قسم الباري، عروضهما العالمية الأولى بمهرجان برلين، ليحصد الأخير جائزتين لأفضل فيلم وثائقي واختيار الجمهور. ثم انضم لهما في النصف الأخير من العام فيلم أمجد أبوالعلا الروائي الطويل ستموت في العشرين الذي افتتح عروضه العالمية بمهرجان فينيسا ليقتنص الأسد الذهبي لأفضل عمل أول، قبل أن يشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان تورنتو. شاركت الأفلام السودانية الثلاثة وهي الأعمال الطويلة الأولى لمخرجيها في عدد كبير من المهرجانات العالمية في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية إما فرادى أو مجتمعين. ولم تكن المهرجانات العربية استثناء من كرنفال الاحتفاء بالسينما السودانية فقد منح مهرجان الجونة السينمائي أهم جوائزه في مسابقتي الأفلام الروائية والتسجيلية لفيلمي أمجد أبوالعلا وصهيب قسم الباري. مهرجان قرطاج منح الأول جائزة أفضل سيناريو والثاني جائزة أفضل فيلم وثائقي، بينما منح مروة زين جائزة أفضل عمل أول قبل أن يشارك فيلمها في مسابقة «آفاق السينما العربية» بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي.

مشهد من فيلم: الحديث عن الأشجار، لصهيب قسم الباري

مهرجان إدفا الأهم في مضمار السينما التسجيلية خصص برنامجًا تضمن بالإضافة إلى الأفلام الثلاثة الجديدة، الفيلم التسجيلي دقات اﻷنتونوف لحجوج كوكا (2014)، كما خصص مهرجان برلين برنامجًا كاملًا لعرض أفلام جماعة الفيلم السوداني وهي سبعة أفلام قصيرة ترجع إلى السبعينيات والثمانينيات لثلاثة من رواد السينما السودانية، الطيب صالح، وإبراهيم شداد، وسليمان النور. لعب الثلاثة دور البطولة في فيلم «الحديث عن الأشجار» الذي يدور حول جهود جماعتهم في إحياء الثقافة السينمائية في السودان بعد ثلاثة عقود من البوار. فكأن الصحوة الجديدة التي يقودها صناع أفلام شبان قضى أغلبهم حياته خارج السودان موصول بتاريخ روادها. وهي السمة الغالبة على مجمل الإنتاج السوداني الجديد. فأحد أبطال «ستموت في العشرين» مصور سينمائي عجوز يحاول الأخذ بيد الفتى المراهق المشغول بنبوءة عن موته إلى آفاق أرحب، إلى «نور السينما». أما «أوفسايد الخرطوم» فتتخذ مخرجته من حكاية فريق كرة قدم نسائية في الخرطوم مجالًا لتصول بالكاميرا بين أرجاء العاصمة كاشفة عن شوق صناع الأفلام القادمين من المنافي الاختيارية أو الإجبارية  لاكتشاف بلادهم. ربما لا يمتلك المشهد السوداني في الوقت الحالي مقومات ما يمكن وصفه بصناعة سينما بيد أن جيلًا جديدًا من الصناع بدأ كبيرًا في 2019 بالتزامن مع المتغير السياسي في البلاد، وهو ما يبشر بوعي قد يحرق المراحل في اتجاه المستقبل، خاصة وأن الصحوة الجديدة ليست وليدة الصدفة، ولا هي قاصرة على ما أحرزته الأفلام الثلاثة فقط، بل هي تتويج لجهود طويلة المدى بدأت قبل عقدين على الأكثر بيد شباب سودانيون داخل السودان وخارجها. لكن المشهد ينقصه الكثير من أسس البنية التحتية لصناعة سينما وعلى رأسها أشكال محلية لدعم الإنتاج، والتوزيع، والتدريب.

مشهد من «أوفسايد الخرطوم»

ربما يكون السؤال الأبرز في هذا المضمار هو عدد الخطوات التي من الممكن أن تخطوها الجهود الفردية المتناثرة لتحقق استقرارًا نسبيًا للإنتاج السينمائي في السودان على المدى القريب؟

السينما المصرية.. تساؤلات مزمنة

تزامنًا مع كتابة هذه السطور أعلن عن القائمة القصيرة المرشحة للمشاركة في مسابقة أفلام الأوسكار 2020. تضمنت القائمة اسم صانعي أفلام من أصول مصرية هما كريم عامر وجيهان نجيم بفيلم من إخراجهما وإنتاجهما هو الاختراق الكبير ضمن قائمة مسابقة الأفلام التسجيلية الطويلة. وهما اسمان مألوفان لدينا إذ تشاركا أيضًا في إخراج وإنتاج فيلم الميدان 2013 الذي ترشح بدوره للأوسكار في حينه بينما حصد 16 جائزة من بينها أفضل فيلم تسجيلي بمهرجان دبي وجائزة الجمهور بمهرجاني صن دانس وتورنتو. ضمت قائمة الأفلام التسجيلية الطويلة فيلمين لمخرجين سوريين هما فيلم الكهف لفراس فياض، ومن أجل سما لوعد الخطيب وإدوارد واطس، وكلاهما من إنتاج الولايات المتحدة. بينما خلت القائمة القصيرة لأفضل فيلم أجنبي من أي فيلم عربي ومن بينها ورد مسموم لأحمد فوزي صالح المرشح المصري للمسابقة الأمريكية.

من فيلم: الاختراق الكبير

ذكرني إعلان الأوسكار بأنه لم يحدث حتى الآن في تاريخ المسابقة أن تمكن فيلم إنتاج مصري من المرور إليها (هذا في المرات التي تذكرت فيها لجنتنا للترشيح للأوسكار موعد أو وجود المسابقة من الأساس)، بيد أن اسم نجيم وعامر يجلبا إلى الذهن أيضًا الجدل المعتاد حول هل يحق لنا كمصريين أن نفرح أم نشعر باللامبالاة حقًا عندما «يفعلها» أحد أبنائنا أو أبناء أبنائنا في الخارج. وهو سؤال حيرنا أيضًا عندما رأينا رامي مالك ومينا مسعود على منصة التتويج في المهرجان نفسه العام الماضي وهما النجمان المنتميان لمهاجرين من أصول مصرية.

في كل الأحوال ومع نهاية عام جديد لا يبدو أن حال السينما المصرية بخير، وربما يزداد سوءًا حتى بالمقارنة بمشهد الإنتاج السينمائي في بعض دول المنطقة الأحدث تاريخًا في المجال السينمائي. ولو اتفقنا على أن مشاركة الأفلام في المهرجانات الدولية صارت واحدًا من مقاييس الحالة الصحية للصناعة فإن عدد الأفلام المصرية هذا العام التي تمكنت من المشاركة حتى في المهرجانات المصرية لم يكف أصابع اليد الواحدة بحصيلة لم تتجاوز ثلاثة أفلام روائية طويلة قدر لها الوصول إلى قوائم المهرجانات. إحداها بعلم الوصول وهو الروائي الطويل الأول للمخرج هشام صقر وشهد عرضه العالمي الأول بمهرجان تورنتو. أما الفيلمان الآخران فهما لما بنتولد وهو الروائي الطويل الثاني للمخرج تامر عزت، وفيلم الفارس والأميرة وهو فيلم تحريك تعثر إنتاجه (مصري -سعودي) منذ أواخر التسعينيات، للسيناريست والمخرج المصري بشير الديك. وكلاهما شارك في قسم الاختيار الرسمي خارج المسابقة لمهرجان الجونة السينمائي. بينما خلا مهرجان القاهرة السينمائي الدولي على سبيل المثال من أي فيلم روائي طويل.

من فيلم: لما بنتولد

ولم تكن الأفلام التسجيلية الطويلة أفضل حظًا. فقد اختتم العام بانطلاق عروض احكيلي من إخراج ماريان خوري الذي شهد عرضه الأول بمهرجان إدفا، ليصبح الفيلم المصري الوحيد في المسابقة الدولية لمهرجان القاهرة السينمائي حاصدًا جائزة الجمهور، بينما مثل فيلم «نوم الديك في الحبل» وهو التسجيلي الطويل الأول لسيف عبدالله السينما المصرية في مسابقة آفاق عربية بمهرجان القاهرة. افتتح العام بحصول فيلم «رمسيس راح فين» للمخرج عمرو بيومي في عرضه العالمي الأول على الجائزة الكبرى بمهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة والذي شارك لاحقًا في المسابقة الدولية لمهرجان ليبزج الدولي للأفلام التسجيلية والتحريك. مهرجان الإسماعيلية شهد أيضًا العرض المصري الأول لفيلم المخرجة أمل رمسيس تأتون من بعيد  وحصوله على جائزتين بعد عرضه لأول مرة بمهرجان قرطاج 2018 حاصلًا على التانيت الفضي.

من فيلم: احكي لي

على صعيد الأفلام القصيرة يبدو أن فيلم المخرجة ندى رياض فخًا. هو أهم المشاركات المصرية خلال العام مفتتحًا عروضه الدولية بأسبوع النقاد في مهرجان كان، ثم مشاركًا في مهرجان تورنتو، وحاصلًا على تنويه خاص من لجنة تحكيم مسابقة سينما الغد بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي. ربما يلح سؤال عن هل يوجد مخرج واقعي وقريب في وعي القائمين على السينما المصرية وصناعها؟

من فيلم: فخ

السينما المغاربية.. من يقرأ التجربة؟

واصلت سينما المغرب العربي في 2019 تألقها كمًا وكيفًا بمجموعة مهمة من الأفلام أغلبها ينتمي لفئة العمل الأول أو الثاني لمخرجه، والتي حجزت مقاعدها بين المهرجانات الدولية المرموقة. من بينها خمسة أفلام طويلة بمهرجان كان السينمائي، وهي آدم، للمخرجة المغربية مريم توزاني والذي وصف بأحد أهم الأفلام العربية التي تتناول قضايا نسوية هذا العام، ويناقش المصائر المأسوية المتقاطعة للنساء مع اختلاف أوضاعهم الاجتماعية والثقافية. وحاز برونزية مهرجان الجونة، وجائزتي التصوير والمونتاج لمهرجان قرطاج ضمن مشاركات عربية ودولية أخرى. أما فيلم بابيشا للجزائرية مونيا مدور فلا يبتعد كثيرًا عن التعاطي مع معضلة الجسد الأنثوي في مواجهة العالم، بيد أنه يدور في أجواء أيام الجزائر الأكثر حلكة أواخر التسعينيات. حاز على جائزة أفضل فيلم عربي بمهرجان الجونة، وكلاهما في قسم نظرة ما بمهرجان كان.

من فيلم: آدم

واستوعب أسبوع النقاد في «كان» فيلمين من شمال إفريقيا أحدهما أبو ليلى للجزائري أمين سيدي بومدين الذي لا يبتعد بدوره عن جزائر التسعينيات متميزًا بأسلوب سرد غير تقليدي في استكشاف الحدود الشائكة بين الضحايا والجلادين. حصل بطل الفيلم ليث سالم على أفضل ممثل بمهرجان قرطاج، كما شارك الفيلم في أسبوع نقاد مهرجان القاهرة السينمائي الدولي. أما الفيلم الآخر فهو معجزة القديس المجهول للمغربي علاء الدين جم، والذي تميز بالتعاطي مع التناقضات الاجتماعية بأسلوب يقترب من الكوميديا السوداء. فأموال اللص المسروقة تتحول إلى ضريح لولي يزوره المريدون دون أن يدركوا حقيقة ما يختبىء تحت القبة. شارك الفيلم بمهرجان لندن ومراكش السينمائي الدولي من بين مهرجانات أخرى، جنبًا إلى جنب مع طلامس، فيلم التونسي علاء الدين سليم الذي شارك في برنامج أسبوعين المخرجين بمهرجان كان، وحصد جائزة أفضل مخرج بمهرجان مراكش.  ومثل فيلمه الطويل الأول آخر واحد فينا 2016 الذي اقتنص جائزة أفضل عمل أول بأسبوع نقاد مهرجان فينيسيا، وأفضل تصوير بمهرجان قرطاج اعتمد سليم في فيلمه الجديد على اللغة البصرية والكثير من التجريب في التعبير عن شغله الشاغل، محاولات الإنسان المعاصر الهروب من مآلاته إلى جوهر الطبيعة الأم.

من فيلم: أبو ليلى

غير أن بيك نعيش للتونسي مهدي البرصاوي يظل واحدًا من الأفلام المميزة في عام 2019 وهو الروائي الطويل الأول لمخرجه. افتتح الفيلم عروضه الدولية بمهرجان فينسيا حيث حصل بطله سامي بوعجيلة على جائزة أفضل ممثل بمسابقة آفاق، كما شارك في مهرجان لندن ومومبي وهامبروج الذي حاز فيه جائزة أفضل فيلم روائي. غير أن مهرجان القاهرة كان الأكثر احتفاء بالفيلم حيث حصد ثلاث من جوائزه وهي أفضل فيلم عربي وجائزة لجنة التحكيم الخاصة، وصندوق الأمم المتحدة للسكان. فمن خلال رحلة البحث عن كبد بديل لطفل مصاب يناقش الفيلم طيف من الموضوعات عن معنى الأبوة والانتماء العائلي، والشرف، وكذلك قوانين نقل الأعضاء ومافيا الإتجار فيها.

من فيلم: بيك نعيش

واعتبر 143 طريق الصحراء للجزائري حسن فرحاني واحدًا من أجمل الأفلام التسجيلية العربية لعام 2019 خاصة على مستوى الإيقاع وأسلوب السرد والتصوير. افتتح الفيلم عروضه الدولية بمهرجان لوكارنو مقتنصًا جائزة أفضل عمل أول، كما حاز على تنويه خاص للجنة تحكيم مهرجان مونتريال للفيلم التسجيلي، وجائزة أفضل فيلم تسجيلي بمهرجان تورينو، والجائزة الكبرى لمهرجان سول، والنجمة الفضية لمهرجان الجونة، كما شارك بمهرجان تورنتو، واحتفى به مهرجان ادفا في قسم أفضل أفلام المهرجانات. وهو فيلم عن العالم من وجهة نظر مليكة صاحبة مقهى وحيدة وسط الصحراء.

من فيلم: 143 طريق الصحراء

وحظي فيلم نورا تحلم وهو الروائي الطويل الأول للتونسية هند بوجمعة باحتفاء خاص في المهرجانات العربية كونه أحد التجارب المستقلة التي تلعب بطولتها النجمة التونسية المقيمة بمصر هند صبري، والتي حصدت من خلاله جائزة أحسن ممثلة في مهرجاني الجونة وقرطاج كما حصل على جائزة لجنة التحكيم الدولية فيبريسي بمهرجان تورينو. افتتح الفيلم عروضه الدولية بمهرجان تورنتو وشارك أيضًا في مهرجاني سان ساباستيان ولندن. وهو يدور في إطار درامي عن الصعوبات التي تواجه نورا كامرأة عربية في اتخاذ أبسط القرارات التي تتعلق بمصيرها وحياتها اليومية.

لكن العام شهد أيضًا عودة أحد مخرجي المغرب العربي المخضرمين، نوري بوزيد بفيلم عرايس الخوف الذي افتتح عروضه العالمية الأولى بمهرجان فينيسيا حائزًا جائزة حقوق الإنسان الخاصة. ويأتي الفيلم الذي افتتح مهرجان قرطاج بعد نحو 8 أعوام من فيلمه الأخير مانموتش (2012) مواصلًا من خلاله التعاطي مع تيمته الأثيرة في نقد التشدد الديني والتقاليد الاجتماعية الجامدة التي كانت عاملًا مشتركًا في كل أفلامه بداية من ريح السد (1986).

تمتد قائمة الأفلام القادمة من المغرب العربي، والتي حظيت بمشاركات دولية وعربية هذا العام للمزيد من الأمثلة. ولعل جزء من الاستقرار النسبي لصناعة السينما الجديدة في الدول الثلاث مرتبط بالبيئة التشريعية الصديقة للإنتاج المشترك فضلًا عن الصناديق الوطنية الوليدة لدعم إنتاج الأفلام

.بالنسبة لي يظل السؤال الأكثر إلحاحًا هو متى ينوي القائمين على السينما في مصر الاستفادة من التجربة السينمائية المغاربية في دعم الإنتاج السينمائي والتي تثبت نجاحها سنويًا؟

هيفاء المنصور.. أسئلة شائكة

لعبت السياسة في 2019 جورها في الحكم على العلاقة بين الجمهور وربما المهرجانات العربية ببعض الأفلام. وربما كانت واقعة افتتاح مهرجان القدس للمرأة في الأرض المحتلة بفيلم المرشحة المثالية للمخرجة السعودية هيفاء المنصور أبرز الوقائع التي أثارت حملة عارمة من الاستهجان. وقد زاد من حدة الغضب كون السينما السعودية الوليدة كانت مصدرًا للحفاوة العربية خلال الفترة الماضية خاصة مع التغيرات التي تجري هناك مع افتتاح صالات العرض السينمائي، واقتراب تدشين مهرجان البحر الأحمر السينمائي، وهو الأول من نوعه في السعودية. ولطالما تلقت المنصور صاحبة وجدة حاصد الجوائز الدولية، جانبًا كبيرًا من احتفاء السينمائيين والنقاد العرب كونها عادة ما تلقب بأول مخرجة سعودية. وكان فيلمها الأخير قد نال الكثير من الاهتمام بعد إعلان عرضه العالمي الأول بمهرجان فينيسيا ثم اختياره مرشحًا للسعودية في مسابقة الأوسكار.

من فيلم: المرشحة المثالية

كانت المنصور قد سارعت قبل عام بنفي تصريحات نسبت لها بتطلعها للعمل مع مخرجين إسرائيليين، إلا أنها هذه المرة فضلت الصمت في مواجهة الاستنكار وبقى اسم فيلمها في جدول المخرجان الإسرائيلي الذي انطلق 16 الشهر الجاري. الكثيرون اعتبروا الخطوة متماشية مع الموقف السياسي السعودي من التطبيع الثقافي. لتبقى الكثير من الأسئلة المعلقة للعام القادم، ومن بينها والحال كذلك.كيف سيجري مهرجان البحر الأحمر السعودي المرتقب الذي يتطلع إليه كثير من السينمائيين العرب باعتباره بديلًا لغياب مهرجانات الخليج الكبرى كدبي، وأبو ظبي، والدوحة التي ساهمت في إحداث نقلة نوعية في دعم الإنتاج السينمائي العربي خلال العقدين الماضيين؟

عن أخلاقيات العمل السينمائي

بحدة أقل تعرض المخرج اللبناني أحمد غصين لانتقادات خاصة من جهة المعارضة السورية بسبب تصويره مشاهدًا للدمار في قرية الزبداني السورية المدمرة واستخدامها في فيلمه جدار الصوت. الانتقادات شككت في أخلاقية استغلال الدمار السوري كديكور في فيلم يتناول بالأساس حرب الـ2006 التي شنتها إسرائيل على لبنان، وهو ما اعتبر إهمالًا جسيمًا للضحايا الغائبين عن المشهد. فيما رد غصين على منتقديه بأن فيلمه وإن اتخذ من لبنان مسرحًا للأحداث فإنه يتناول بالضرورة الخراب الذي تسببه الحروب بشكل عام، والتي تتشابه مهما تغيرت المواقع/ وبالتالي فإن فيلمه يدين المتسببين في الحروب سواء في لبنان أو سوريا أو أي مكان آخر. «جدار الصوت» وهو الروائي الطويل الأول لغصين حاز على ثلاث جوائز بمهرجان فينيسيا، كما شارك بمسابقة «آفاق عربية» بمهرجان القاهرة. لم يحسم الجدل الأخلاقي حول أسلوب تصوير الفيلم. ولعله من بين الأسئلة التي ستظل معلقة للعام القادم؟

.

من فيلم: جدار الصوت

الرقابة والإبداع والعقاب

لا يعتبر بغداد في خيالي الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرج لسمير العراقي الأصل سويسري الجنسية، الذي اختار لنفسه منذ سنوات اسمًا سينمائيًا مفردًا منزوعًا من التأويل الديني أو الطائفي، مكتفيًا بما يعني المؤنس بحكاياته. لكنها المرة الأولى التي يلتقي فيها بجمهوره العربي بفيلم روائي طويل بعد أفلامه التسجيلية الأشهر (انس بغداد- 2002) عن علاقة يهود عراقيين في الأرض المحتلة ببلادهم الأم و(أوديسا عراقية- 2014) عن حكاية شتات عائلته نموذجًا لحكاية العراق. لكنه في فيلمه الجديد الذي افتتح عروضه العالمية بلوكارنو ثم مهرجانات أخرى قبل أن يشارك في مهرجان القاهرة، قرر دمج مجموعة من القضايا الشائكة في حكاية واحدة يتشاركها مهاجرون عراقيون في مقهى أبونواس المتخيل بالعاصمة لندن: نشطاء سياسيون سابقون، أدباء غير محظوظون، مثليون، وفتيات هاربات من قيود التنميط الديني والجنسي. من خلالهم يفجر سمير قنابله الصغيرة في وجه التابوهات وفي مواجهة الرقابة الذاتية قبل مقص الرقيب.  في حوار مع موقع سويسري يقول سمير «كنت أعلم أن التابوهات التي يناقشها الفيلم ستجر علي المشكلات خاصة إذا حاولت التصوير في العراق، لكن كون أبطال فيلمي جزء من مجتمع المهجر المتقوقع حول ذاته في لندن ربما خفف من حدة التحديات المتوقعة. مع ذلك كان من الصعب اقناع الممثلين بأدوارهم» على أرض الواقع جرى العرض الأول للفيلم في الشرق الأوسط في قاعة صغيرة للفن التشكيلي ببيروت دعى لها 80 شخصًا وصفهم سمير بأنهم «ينتمون لبيئة فنية» ولأن الحوار أجري قبيل عرض الفيلم في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي فقد أشار سمير إلى محاورته أنه علم من إدارة المهرجان اضطرارها لاستخدام مقص الرقيب على بعض أجزاء من الفيلم. ربما يجرنا الموضوع لأسئلة كبيرة حول حرية الإبداع ومقص الرقيب. لكن بالنسبة لي ساورني سؤال واحد خلال مشاهدة الفيلم ربما تؤجل إجابته إلى أجل غير مسمى «هل من الممكن أن يعرض فيلم كهذا في دور العرض المصرية يومًا ما خاليًا من لمسات مقص الرقيب»؟

من فيلم: بغداد في خيالي

لعل جزء من الإجابة في نموذج مخرج آخر من أصول عربية يحمل الجنسية الفرنسية هو عبداللطيف كشيش. فقد واصل المخرج التونسي الأصل إثارة الجدل خلال 2019 بفيلمه الجديد مكتوب حبي: اللحن الفاصل، والذي افتتح عروضه بمهرجان كان. جدل يذكر بفيلميه السابقين مكتوب حبي: الغناء واحد (2017) وحياة أديل أو الأزرق أدفئ الألوان (2013) صاحب سعفة كان الذهبية. فجميعها أثارت الزوابع في وجه كشيش وخاصة من قبل النقاد العرب الذين استبشروا به خيرًا في كسكسي بالبوري  (2007) بينما صارت أفلامه الأخيرة في حكم الممنوعة من العرض مقدمًا. ويتهم كشيش في سلسة أفلامه الأخيرة بالإغراق في المشاهد الجنسية، ووصف نقاد فرنسيون هذه المرة فيلمه الأخير بوصلة جنسية طويلة بلا فواصل امتدت لأكثر من ثلاث ساعات كما اتهموه باستغلال ممثليه بصورة غير لائقة لأداء مشاهد جنسية. من جهته يصر المخرج على أن أفلامه محاولة لتجريب طرق أخرى للسرد والاحتفاء بالحياة والحب والموسيقى، والجسد. ربما لا يمكن الحكم على نوايا كشيش أو نقاده، لكن على الأقل عبر جمهور الفيلم عن موقفهم خلال عرضه في كان بالخروج جماعات من قاعة السينما دون ضجيج.

فلسطين في القلب وفي كل مكان

بعد نحو عشرة أعوام عاد المخرج الفلسطيني إيليا سليمان بفيلمه «لا بد أنها الجنة» الذي اقتنص تنويهًا خاصًا من لجنة حكام المسابقة الرسمية لمهرجان كان فضلًا عن جائزة لجنة الحكام الدوليين الفيبريسي، بالإضافة لعدد من الجوائز والترشيحات الدولية قبل أن يعرض بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي. الفيلم يضيف لسلسلة أفلام سليمان الذاتية «سجل اختفاء» (1996)، و«يد إلهية» (2002 ) و«الزمن الباقي» (2009) وقد اختير كمرشح السينما الفلسطينية لمسابقة الأوسكار على غرار فيلمه «يد الهية»، المرشح الفلسطيني الأول.

بعكس أفلامه الثلاثة السابقة لا تحتل الأرض المحتلة مكانيًا سوى مساحة صغيرة من أحداث الفيلم الذي ينطلق من الناصرة، ثم تتوالى مجرياته ما بين نيويورك وباريس المدينتين التي قضى فيهما سليمان شطرًا كبيرًا من حياته بعد خروجه الاضطراري من بلاده يافعًا أواخر السبعينيات. ولا يتخلى ابن الناصرة عن عناصره السينمائية الأبرز مثل لعبه الدور الرئيسي في أفلام تبدو بأسلوب السرد اللا خطي كلوحات تشكيلية متوازية ومتقاطعة في آن. وهو في فيلمه الأخير يختار دور البطل المتفرج عاقدًا ذراعيه خلف ظهره في مشهد ذكر النقاد بحنظلة ناجي العلي.

من فيلم: لابد أنها الجنة

بحسب تعبيره في حوار لتليفزيون البي بي سي فإن العنف وانعدام الأمن على أرض فلسطين صار سمة عامة في كل مكان بالعالم، «دائمًا كنت أقول أنني اصنع أفلامًا في فلسطين تعكس صورة مصغرة للعالم، أما هذا الفيلم فهو عن العالم كصورة مصغرة لفلسطين». فكأن الوقت الذي استغرقه اختمار الفيلم في عقل سليمان يوازي قدرته على تأمل ما صار العالم إليه في عشر سنوات بالتزامن مع أحداث الربيع العربي وتوابعه. وهو لا يتخلى عن أسلوبه في مد أواصر الحوار مع عقل المشاهد «بطلي يتأمل الأحداث مثل المشاهد دون أن يفرض عليه زاوية معينة فمن حقه التطلع إلى الجهة التي يريد» يقول سليمان واصفًا أسلوبه بدمقرطة المشاهدة. ليس من قبيل النوستالجيا إذًا أن يختار سليمان للإعلان التشويقي لفيلمه أغنية نجاة الصغيرة (بحلم معاك) التي تقول فيها «بحلم معاك بسفينة، وبمينا ترسينا.. العالم كله بأسراره، عايش ويايا، عايش جوايا، طول ما أنت في الرحلة معايا» وكأنه يؤهب جمهوره من البداية لرحلة البحث عن ميناء بلا جدوى، ودون أن يفقد حسه الواقعي الغارق في الكوميديا السوداء. ويبقى السؤال المشوق هنا هو كما سيستغرق إيليا سليمان من السنوات ليحكي حكايته القادمة عن فلسطين وكيف وأين؟

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن