مواطنون فيسبوكّيون شرفاء: دليل من ثلاث خطوات
 
 
صورة: أنديل
 

 الخطوة الأولى: أنشئي حسابًا ولا تكسّلي، فالمخاطرة قد تودي بكِ إلى السجن

 لم أكن أتذكّر متى بالتحديد قررت خلق هوية موازية لنفسي على فيسبوك. هل كان في أحد أيام الأسبوع الذي عقب مظاهرات 20 سبتمبر الماضية حين قرأت على صفحات التواصل الاجتماعي عن توقيف رجال الأمن مواطنين في شوارع وسط البلد وإجبارهم على إدخال كلمة السر لتليفوناتهم، ليتجولوا في تطبيقاتها، لعل وعسى يجدون ما قد يرونه معارض للنظام الحاكم؟

 هل كانت بعد المظاهرات بأسابيع؟ حين ولّى شعور الصدمة من أخبار الاعتقالات العشوائية، وأدركت إني كنت واهم. واهم بالسيناريو الذي كان قد رسمه ذهني تلقائيًا مع تواتر الأحداث. هل فعلا صدّقت إني يمكنني -إن وضعت في موقف يطلب مني ضابط أو أمين شرطة تليفوني- أن أرفض، وأن أؤكّد أن ذلك غير قانوني، وغير دستوري، بل وأنهم سيُفحمون ويتركوني لحالي، حتى لو بعد بعض الرخامة؟

 عندما تخيّلت أن ضابطًا يسألني على تليفوني كانت ردة فعلي الخيالية هي المواجهة والرفض، لإحساسي بالانتهاك، بل ولعلمي أنه انتهاك، فلا يحق لأي ضابط مهما علت رتبته الاطلاع على اتصالاتي الشخصية دون إذن قضائي مسبب. ولكن الواقع كما نعلم يتجاوز النصوص الدستورية والقانونية، باعتبارهم حسني النية أحيانًا، وليسوا بنفس واقعية الضرورة، والضرورة هنا هي منع أي تعبير سياسي معارض، فيصبح الجميع مشتبه به.

 بعد التفكير لبعض الوقت، تذكّرت. كنت قد قررت إنشاء حساب آخر بعدما أقنعني زميل لي في العمل أن عواقب المواجهة غير محسومة، وشدد على انتشار الاعتقال العشوائي، وسهولة تلفيق التهم لأي أحد، سواء كان عنده حساب سوشيال ميديا أم لم يكن. أقنعني أن المخاطرة ليست لها معنى، وبدت لي الجملة التي أنهى بها الحديث شديدة الحكمة: «ريّح نفسك وأعمل أكونت».

 في أثناء المظاهرات وفي أعقابها، اعتقلت القوات الأمنية ما يزيد عن أربعة آلاف شخص، ومن شهادات المحامين والعائلات والمعارف، يبدو أن الكثير منهم قبض عليهم لمجرد قربهم من أماكن التظاهر، حتى بعد انتهاء الاحتجاجات. منهم من قبض عليهم لاحتواء هواتفهم على محتوى مرتبط بالأحداث، والتي لم يسلم منها حتى الأجانب، مثل الطالب الأمريكي الذي قادته الشرطة إلى مقر أمن الدولة للتحقيق معه بعدما وجد الضابط على هاتفه رسائل لأصدقائه في الخارج تحتوي على أخبار عن التظاهرات في مصر.

 وقع تلك المضايقات عند سماعها من الأخبار أو من على مواقع التواصل الإجتماعي تختلف عن وقعها عندما تسمعها مباشرة من شخص جرت له. 

 عادل*، وهو صديق أحد أصدقائي، حكى لي عن واقعة تفتيش هاتفه بميدان التحرير اليوم التالي لمظاهرات 20 سبتمبر. قابل عادل صديقة بسيلانترو بشارع محمد محمود، وبعد ذلك مشيا إلى الميدان، فإذا بضابط بزي مدني يوقف عادل ويسأل على البطاقة، ثم الموبايل، بكل أريحية، كأنه شيء طبيعي ومقبول.

 لعلم عادل بالأحداث كان قد أوقف حسابه على فيسبوك اليوم السابق ومسحه من على هاتفه كما مسح تويتر، وبدا امتعاض الضابط من ذلك: «هو فيه حد معندوش فيسبوك؟»

 لكنه لم يضغط على عادل لفتح حسابه، وانتقل لرسائل الواتس آب، ما أثار حفيظة عادل، فقال للضابط بدعابة: «إنت كده يا باشا هاتخش على المزّة»

 أعاد الضابط الهاتف والبطاقة لعادل. ورغم أن أسلوب الضابط لم يكن عدائيًا، شعر عادل بالانتهاك: «حياتنا كلها بقت على التليفون، التليفون عليه كل مصايبنا». ورغم أن عادل اخذ احتياطاته، فهو كان على دراية من استحالة الأمان الشامل، فقد يكون فوّت خبرًا أرسله شخص إليه، أو صورة سياسية ساخرة أرسلها أحد على جروب.

 فلا تكسّلي وأنشئي حسابًا آخر خال من السياسة، فإن رجل الأمن قد لا يعجبه أنك لست لك امتدادًا في عالم التواصل الاجتماعي يمكّنه من أن يطل على ما يجري في بالك، ويقرر القبض عليكي نكاية.

 الخطوة الثانية: كن تافهًا ومجردًا من السياسة، حتى وإن كانت مؤيدة للنظام

 «قطط وكلاب»، قال بحماس شديد بعض من أصدقائي الذين قرروا مضطرين إنشاء حسابات موازية لحساباتهم على فيسبوك، مؤكّدين أن قمّة الحياد تتمثل في تلك الحيوانات الأليفة، ونصحوا بعمل لايك لأكبر عدد من الصفحات المكرسة لهم.

 الفلسفة العامة لحساباتهم هي القضاء على الشك، أن يستقرّ في يقين العابث في محتوى الهاتف أن ذلك الشخص «في البطاطا»، بحسب تعبير حازم*، الذي أنشأ بعد الأحداث على الفور حسابًا جديدًا تجنبًا لاحتمالية دخول أحد على حسابه الأصلي، الذي يزخر بالمحتوى السياسي والتعليقات المنتقدة للنظام والساخرة منه.

 في المقابل، زميل في العمل نصحني بأن أتابع صفحات الأخبار جميعًا، حتى يصبح التايملاين سيلًا من الأخبار العشوائية، فيكون الحساب بغير معالم، تنقصه الملامح التي من شأنها حصرك في إطار محدد.

 ولكن تلك الضبابية قد تجعلك عرضة للتفسير العشوائي أيضًا، وقد توضع في إطارات مختلفة في كل حال حسب أهواء وانحيازات وتاريخ المفتّش النفسي، ويستقر على تحليل لحسابك يجعلك تبدو متظاهرًا محتملًا، ويتم اقتيادك إلى سيارة ترحيلات.

 ولذلك فقد قررت الاعتماد على مزيج من العشوائية والتميّز. فضلًا عن صفحات الأخبار الكثيرة والجراء والقطط الصغيرة، بدأت في بناء شخصية عبر اللايك. شخصية توقد انطباع المتابع لحسابي إنني «في البطاطا» فعلًا، ولكني إنسان من شحم ولحم. ورغم سعيي للتميّز، حتى أبعد الشك إنّي لست حقيقيًا، فإني علي التميّز بالتشبّه؛ التشبه بملايين الشباب المصري المعاصر، المتمحور حول مجموعة رموز تقلّم مخالب أي طموح سياسي جاد، وتبعث السكينة في نفوس العابثين.

 بدأت في مسيرة خلق شخصيتي الجديدة بالإعجاب بصفحات الشيخ الشعراوي ومصطفى محمود، رغم أن أقصى صلتي بهم كان من خلال طرقة منزل الطفولة، حين يكون أحد أفراد أسرتي يشاهد التلفزيون أو تركه مفتوحًا. بعد تلك الصفحة بدأت الشعور براحة نفسية. الآن يمكنني المضي في تشكيل شخصيتي الأليفة.

 قررت أنني أحب البلاي ستيشن. نعم، أنا جيمر! وصفحات البلاي ستيشن المصرية لا حصر لها، الأمر سهل. بدأت في الإعجاب بالأنا الآخر، رغم تناقضه معي. فأنا اختلف عن الكثيرين في عدة أمور محورية، إحداها حب كرة القدم، نعم، فكرة أخرى! أي صفحة لها علاقة بمحمد صلاح وليفربول – لايك. النادي الأهلي المصري، أعضاء النادي الأهلي، عشّاق النادي الأهلي – لايك.

 كان الأمر مسليًا إلى حد كبير. تخيّلت نفسي شابًا بشوشًا، يحب الترفيه والضحك، يحترم الكبير (أعجبت بإحدى الصفحات المبجّلة للرئيس الشهيد محمد أنور السادات) ويغير على وطنه (أعجبت بصفحة شرف العسكرية المصرية)، ولديه نفور من السياسة. لا يتحدّث عنها، لأنه لا يفهم السياسة، ويشعر بأنها توتّر الأجواء دون داع. 

 حدّثت طريقة إدارتي للحساب. أنتقي من أصادقهم عليه. المسيسون أرفض طلباتهم للمصادقة، وقليلوا التفاعل على حساباتهم أضيفهم. أمّا محبّي النكات والأدعية والمواعظ الحياتية كثيرو الشير، فهم الصيد الثمين.

  أتعامل مع السوشيال ميديا بطريقة المسنين، فأعجب بأي بوست، وأشيّر بوستات بتعليقات مكونة من عدد خمسة إيموجي على الأقل، وأشيّر قططًا وكلابًا لأصبّح على أصدقائي وأمسّي عليهم.

 وعلى عكس توقّعي، فإن الحساب الجديد لم يثير اشمئزازي. ورغم إني كنت أتعامل معه على أنه دعابة ما أقوم بها، وربما على قوات الأمن في المستقبل، فإني بدأت التفاعل معه باستمرار.

 الخطوة الثالثة: تفاني في الانغماس في حسابك الموازي، حتى إن زاد انخراطك فيه عن حدّه

 الشعور بإني أمارس دعابة أضفى على الأمر كله إحساس بأنه مؤقّتًا، مثل حالة التأهّب التي انتابت الأجهزة الحاكمة عقب المظاهرات ودعوات المظاهرات اللاحقة لها. كأن ما أن تمر تلك الحالة، وتبدأ الأصابع في التراخي من على الأزندة، سأفقد اهتمامي بالحساب الجديد. إن وجدتي نفسك تشعرين بنفس الشعور، لا تتركي الحساب يسبح بخمول في الفضاء الإلكتروني، فالخطوة الثالثة هو أن الحساب لا بد وأن يعيش.

 ألحّت علي الضرورة حينما دخلت على الحساب بعد إنشاءه بفترة قصيرة، وبعد أيام من الابتعاد عن السوشيال ميديا، ولاحظت أن أصدقائي لا يتعدّون الـ 20، وأنّ تفاعلي محدود لدرجة تمكنّ أي شخص يدخل على صفحتي من الوصول إلى تاريخ إنشائي للصفحة بجرتَين على الماوس. بالإضافة إلى ذلك، كان التايملاين الخاص به يسيطر عليها بوستات صفحتان أو ثلاث من التي أعجبت بهم. لا، هذا ليس حسابًا حقيقيًا، لا بد أن أغوص أكثر.

 شرعت في إرسال طلبات الصداقة لعشرات الأصدقاء والمعارف (الأليفين بالطبع) والإعجاب بصفحات أكثر، بل بدأت في كتابة ستيتوس من حين لآخر، أسئلة عشوائية عن أشياء حياتية عادية.

 ولكن هل ذلك كافيًا؟ نعم قد أتفاعل وأعمّق وجودي الموازي الافتراضي ليوم ثم أنساه لأيام، وأتذكّر فأدخل واتفاعل بشدّة ثم أنسى، وفي الآخر قد يضيع جهدي هباء إن لم يكن التفاعل كافيًا. لا بد وأن أجعله مستدامًا. للأسف، سأحمّل تطبيق فيسبوك على هاتفي بعد سنوات كي أستطيع التفاعل باستمرار، وكان لذلك أثرًا غير متوقّع.

 «لم أعد أريد الرجوع لحسابي الأصلي»، هكذا أكّد لي حازم، وهو يضحك من عبث الاكتشاف. حكى لي أنه مرة شيّر «جيف» لقطة لمجرد التفاعل، دون أن يضغط عليه، ثم فوجئ بأكثر من صديق يعلّق عليه، واكتشف عندما ضغط عليه أنه مثيرًا للضحك، وكانت تلك بدايات انغماسه في الحساب الجديد، بل وتقديره له.

 «بدأت في التماس العذر للأشخاص الذين نعرفهم ونراهم على السوشيال ميديا ونعرف أنهم لا يدرون بأي شيء»، يشير حازم هنا إلى الشخصيات غير المعنية تمامًا بالشأن العام أو السياسة، مؤكدًا: «ارتحت نفسيًا بعد فترة، فحتى الأخبار التي تمر على التايملاين، ليس لها سياق ولا تحليل، تمر علي مرور الكرام، حتى إني بدأت ملاحظة ضيقي الشديد عند فتح حسابي الأصلي من محتواه الكئيب».

 صديقتي سناء* في المقابل لم تكن سعيدة بأثر حسابها الموازي عليها، فهي اضطرّت إلى إعادة التواصل مع أفراد عائلة كثيرين كانت حظرتهم على حسابها القديم نظرًا لانتماءاتهم الفكرية والسياسية المزعجة لها؛ في الحساب الجديد، رغم الإزعاج النفسي لسناء، فهي تراهم مساهمين أساسيين في بناء الشخصية الافتراضية المرجوة.

 «التايملاين يعج بالمواعظ والبوستات الذكورية وصور الخطوبة والزيجات والأطفال. أغلبهم أعضاء نموذجيين للطبقة الوسطى المصرية، وكما ترى فالتايملاين كله هراء».لا تخفي سناء فضول يكاد يكون انثروبولوجيا عن كل هؤلاء الأقارب، الذين زادوا نظرا لطلب أقارب أبعد لها صداقة شخصيتها الجديدة، نتيجة لظهورها مجددًا في دوائر الفيسبوك لأقاربها الأقرب إليها.

 انغماسي انا لم يكن للراحة أو الفضول، بل ربمًا كان من قوة الدفع، من عادة فتح التطبيق مرة أو اثنين في اليوم للتفاعل. كل ما أعرفه أننا جميعنا، شخصيات الفيسبوك الأليفة، ذوي صور البروفايل الباسمة، المسافرة، العائلية – بثّت فيها الحياة، وصرنا أكثر اقناعًا، ووجدنا الراحة أحيانا، والأمان دائمًا. 

 فإن شعرتي أنك قد تكوني في خطر، وجميعنا يعلم أن شبح الاحتجاج قد يزور في أي وقت، وأن خطر الانتهاك قائم دائمًا، فلا تدعي فيسبوكك الشريف يموت، وأهتمي به كالنبات، يأخذ من وقتك ربع ساعة كل يوم أو يومين، ففي المستقبل القريب أو البعيد، قد يكون هو منقذك.

  • * أسماء متسعارة
اعلان
 
 
سمير النمر 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن