ديتوكس| عقد وانفرط
 
 
المصدر: تصميم الفنانة سهير شرارة - صورة: سهير شرارة
 

#جو عام

العَقد [2010-2020] يكاد يكتمل بعد أيام، نشعر كأننا كبرنا عشر سنوات مرة واحدة، هذا ما وعيناه ونحن نجهز هذا العدد، سميناه ديتوكس «نهاية العالم» من هول الصدمة. 

سريعًا مرت عشر سنوات، كأن عِقدًا انفرط فجأة. تسربت الأيام سريعًا، صار الشخص الذي كان مراهقًا شابًا ثم كهلًا، وهكذا هي الحياة.

للتأكد أنها مرت سريعًا مثل «غمضة عين»، كما يقول فؤاد حداد، شاهد بعضًا من أبرز أحداثها في تقرير «سي إن إن»:

كل هذا جرى، هل لمحتَ الصورة المرتبطة بمصر؟ 

نحن تخطينا كل ذلك، اليوم يتلو الآخر حتى اكتمل عَقد، وكأن عِقدنا قد انفرط، والعُمر كذلك.

في أغنية تقول شادية «إيه يا أيام الزمن يا ترى مخبية إيه»، ليتها تجيب لأن استيعاب الزمن وما يقدّمه لنا ليس بالاستيعاب الهين. بعد أيام سنشهد دخولنا عامًا جديدًا نتمنى أن يخيب توقعاتنا ويسعدنا.

بين تأمّل الزمن الذي مرّ وترقب ما سيقدمه لنا، أعددنا لكم هذا الديتوكس، وسط تردد الكثير من كاتباته وكتابه مع إدراكهن وإدراكهم صعوبة التفكير في الماضي والمستقبل معًا. 

بالتأكيد آثار اللحظات المفصلية ونقلات الزمن يدمرا الأعصاب بالفعل، وسط هذا التوتر تراجعت الكثيرات والكثيرون من الضيفات والضيوف، والكاتبات والكُتاب، ومَن صمدن وصمدوا لهذا الاختبار الصعب فإن ما كتبنه/ كتبوه في الأقسام التالية.

 

#قراءة

 بالأصفار 

أحمد وائل

هذا حديث الأصفار لتأمل الزمن، حينما جاء عام 2000، توقعنا أن العالم سيتغيّر.

كانت تخيلات الإنسان أكبر من التحقق. حُشدت كل المبالغات الممكنة حول ما سيجري مع دخولنا ألفية جديدة. لكن الواقع قدّم لنا أول صدمة، فبدلًا من المستقبل الباهر، عطلنا أمام الصفر، وأزمته.  

وبينما لم نتوقع الكثير من صفر الـ 2010، (على سيرة الصفر، هل تذكرون سعي مصر لتنظيم كأس العالم؟). لكن بعده توالت الأحداث عاصفة؛ ثورة، اشتباكات، طموحات، تغييرات، احتجاجات، انتخابات. 

ومع اقتراب الصفر الجديد كنّا قد اُنهكنا تمامًا، ما الذي نتوقعه من 2020؟

سنرى. لكن بالنظر للخلف أجد أنني خلال السنوات العشر الماضيات، لم أعد أكتب كثيرًا عما أقرأ، أو لم أعد أحب ذلك مستمتعًا باكتشاف ذوقي.

كما تعلمتُ ألا أناقش ذوق أحد، ولا مشاعره، ربما يمكن أن يغيّر المرء أفكار أو انحيازات أحدهم، بالتحليل أو المعلومات أو المجادلة، لكن القلب والذوق فأمر كلاهما صعب.  

خلال العقد نُشرت ترجمة جديدة لرواية وجيه غالي «بيرة في نادي البلياردو»، لريم الريس وإيمان مرسال، و«تقرير موضوعي عن سعادة مدمن المورفين» للألماني هانس فلادا (ترجمها سمير جريس)، و«أدب رخيص» لبوكوفسكي ( ترجمتها إيمان حرزالله). كما صدر «كيف تختفي» و«كتاب النوم» لهيثم الورداني، وسبقهما كتابه القصصي «حلم يقظة»، في هذا العقد عدتُ لقراءة القصص بحماس كبير، بل أعدتُ قراءة قصص نجيب محفوظ؛ «دنيا الله». القصة هو الفن الذي يمكن هضمه على مهل، ويضمّ الأعمال بتأني وصبر، ومن متع القص أيضًا ما كتبه محمد عبدالنبي -صاحب «في غرفة العنكبوت»– في «كان يا مكان»، ومحمد الحاج في «لا أحد يرثي لقطط المدينة». 

كما أُعيدت طباعة أعمال لبدر الديب (1926-2005)، أحببتُ «حديث شخصي» (الكرمة، 2015)، تلك التنويعات الأربع التي يقدم فيها تجارب شخصيات، هو حديث بلا كذب أو درس في الشجاعة. تعترف الشخصيات الأربع، إحداهن سيدة تعمل خياطة وتقتل زوجها بمقص، متحدثة من سجنها، وهناك أستاذة الأدب الأمريكي التي لوت عنق الأدب لتخدم أغراض البروباجاندا الناصرية. تتجلى الحساسية المفرطة في رسم النفوس البشرية المعقدة ثم فكّها في حديث عميق وسلس، مثلما تنفرط عَقْد اللسان فجأة. القصص الأربع التي تجمعها ثيمة الحديث الشخصي كانت من أبرز ما قرأت في العَقد، ربما لهذا أرى أن قائمة أفضل إصدارات السنوات العشر ليست مفيدة بقدر ما آمل الحكي عما اكتشفته في العَقد، مثل إعادة قراءة «العنقاء أو تاريخ حسن مفتاح» للويس عوض في طبعتها الأحدث عن «المحروسة». 

قبل اكتماله صدر كتاب تتبع فيه إيمان مرسال «أثر عنايات الزيات»، يُحار المرء في وصف هذا الكتاب البحثي الذي يقوم على الأدب.

على سيرة العقد أيضًا، فإنه ارتبط في عالم الأدب بتشكّل جيل، تعودنا أن يحدد «النقد» سمات كُتّاب مختلفين بانتمائهم جميعًا لجيل واحد، هكذا تُضم كتابات كل من ألّف أدبًا إلى بعضها البعض بشكل قسري، ويصبح أصحابها أصحابًا. وبسبب هذا الرابط الزمني يفترض، استساهلًا وتكاسلًا، أنهم يعبّرون عن مفاهيم جمالية واحدة، وإن اختلفت الأساليب وتباينت الرؤى.

بفضل تجربة جيل التسعينيات، وفرادة تجاربهم الفردية، فقد صار «الجيل الأدبي» مفهومًا قاصرًا، فلم يعد يربط الأعمال المنتجة ضمن السنوات العشر في لُّحّمة.

الأدباء صاروا طلقاء، في هذه النقطة تحديدًا، وإن صاروا أسرى رقابة سابقة على النشر، طُبعت روايات قليلة خارج مصر لتعذر نشرها محليًا، وحبس ناشر عسكريًا خمس سنوات بسبب إصداره لترجمة كتاب.

دمر التسعينيون كجيل مشكورين مفهوم الجيل، إن جاز التعبير، هكذا لم يعد أحد مسؤولًا عن الدفاع عن كيان أدبي وهمي يسميه النقد «الجيل».. هكذا تخلصت كلمة الجيل من ثقلها الأدبي. لكن الأيام قدّمت لنا فيما بعد تصنيف أغرب يقسم البشر؛ الناس التي رأت العالم قبل أن يتصل بالإنترنت، والآخرين الذين جاءوا إليه بعد أن اتصل بها.

بينما صار الأدب قائمًا على مفاجآت ظهور أو اكتشاف نص فارق كل فترة، سواء صدر حديثًا، أو عثر عليه القارئ حديثًا، فليست الحياة سباقًا.

بعيدًا عن القراءة كفعل اكتشاف ولذة، يحدث السباق حول المبيعات، أقصد الكتب التي تُباع جيدًا وتسعد الناشرين وتحقق لكُتّابها الشهرة في مصر، هذه  الشهرة غير النخبوية.. ربنا يسعدهم.

لن أناقش الأذواق وملابسات ظهور كُتّاب بدوا أكثر تعبيرًا عن مزاج جديد، وحققوا جماهيرية، لكن يبدو أن الأمر مرتبط بخطوط حمراء، فإذا تحمل أحدهم مسؤولية الشهرة بالكلام، مثل علاء الأسواني، فإن نشر أدبه سيكون أمر غير مُستحب. 

وهكذا مع اكتمال العقد، صرنا مهاجرين أو رُحل أو مهددين أو بؤساء أو لا نبالي رُغم بداية العقد الطموحة. 

#مشاهدة

رحلة غير موضوعية عبر عقد سينمائي

ياسمين زهدي 

[هذه استعادة تعني في الأساس بما حدث على المشهد السينمائي «المستقل»، دون التطرق إلى أفلام السوق الصادرة في تلك الفترة]

أتذكر يوم بارد في نوفمبر 2010، ذهبت فيه لمشاهدة فيلم «ميكروفون» في سينما فاميلي بالمعادي. كان العرض الأول للفيلم، في سياق مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، ولا أعلم إلى اليوم لم اختاروا هذا المكان لعرضه. كانت القاعة على آخرها، البعض جلس على الأرض، وامتلأت الأجواء بالحماس. لدي الكثير من المشاكل مع «ميكروفون» اليوم (يتعلق أغلبها بتصويره الرومانسي وغير الواقعي للمشهد الفني في الإسكندرية)، ولكن عرضه وقتها كان حدثًا. كنت أنظر حولي وبالكاد أصدق أن كل هؤلاء قد أتوا لمشاهدة فيلم «مستقل»، لأحمد عبد الله السيد، المخرج الذي شاهدت فيلمه الأول، «هليوبوليس» في سينما رينيسانس (رحمها الله) بالعام السابق، ولم يكن في القاعة سوى ثلاثة أشخاص غيري. ربما ارتبط الإقبال على فيلم عبد الله الثاني بالفرق الموسيقية التي لعبت دورًا كبيرًا فيه، فكان جزء كبير من جمهوره هو جمهور المشهد الموسيقي البديل في مصر.

في «ميكروفون»، تحاول مجموعة من الموسيقيين إحياء حفل في الإسكندرية، يحضرون له طوال الفيلم، ولكن بالطبع تنهار خططهم في اللحظة الأخيرة، حيث تتكاتف ضدهم قوى المجتمع (متمثلة في مجموعة من الرجال المتدينين الذين يصرون على صلاة الجمعة في المساحة المقرر فيها بناء المسرح) وقوى الأمن، الذي يمنع الحفل بدعوى عدم وجود التصاريح اللازمة. ينتهي الفيلم بمشهد حزين وتأملي إلى حد ما، يقف فيه أبطاله على مصدات الأمواج بمحاذاة الشاطئ، وعلى ما أتذكر يطلق أحدهم سمكته التي كان يربيها في وعاء زجاجي في البحر. تلك كانت البداية السينمائية للعقد بالنسبة لي. 

كان 25 يناير 2011 يوم ثلاثاء، وكان الأربعاء 26 يناير موعد إطلاق «ميكروفون» للعرض العام في السينمات. لم يأخذ الفيلم فرصته تجاريًا بالطبع، فقد كان جمهوره المتوقع بأكمله في الشارع، حتى المخرج نفسه. لكن الفيلم -وتحديدًا مشهده الأخير- ظل، على عيوبه، معبرًا عن شعور معين جدًا بالإحباط الساذج بعض الشيء الذي لازمنا في السنين الأخيرة من حكم مبارك، ولم يخل واقع قيام الثورة قبل يوم من عرضه (في ظل النهاية التي اختارها المخرج للفيلم) من شاعرية ما. 

بعد الثورة توالت محاولات تصوير الحدث على الشاشة الكبيرة، بين فيلم «18يوم» (مجموعة من الأفلام القصيرة لعدد من المخرجين، من ضمنهم أيضًا أحمد عبد الله السيد) الذي عرض في دورة 2011 من مهرجان كان ولم يعرض أبدًا في القاهرة لسبب لا نعلمه، والوثائقي المكون من ثلاثة أقسام «الطيب والشرس والسياسي» (2011، من إخراج أيتن أمين وعمرو سلامة وتامر عزت)، و«الشتا اللي فات» لإبراهيم البطوط (والذي اختاره كبير نقاد الجارديان بيتر برادشو من ضمن أهم أفلام 2012 واختلف الكثيرون هنا معه)، «بعد الموقعة» ليسري نصر الله (الذي اختارته لجنة مهرجان كان للمنافسة على السعفة الذهبية، ومرة أخرى اختلف الكثيرون هنا معهم)، وفيلم «الميدان» لجيهان نجيم (2013)، والذي بدوره قدم تصورًا مختزلًا وخالي من أي عمق أو تعقيد للسنوات الأولى من الثورة، وتحديدًا حتى وصول الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم (منع الفيلم من العرض في القاهرة كذلك، وجدير بالذكر إنه كان أول فيلم مصري يرشّح لجائزة الأوسكار، ونعم، هذه المرة أيضًا اختلفنا مع الأكاديمية).  

ولكن بغض النظر عن «الميدان»، ورغم الهزيمة السياسية الأليمة التي أصابتنا في 2013، فقد كان عامًا جيدًا على المستوى السينمائي، جاء بعدد من الأعمال المبشرة، كالفيلم الروائي الأول للمخرجة أيتن أمين «فيلا 69» (والذي اعتبره الناقد السينمائي الراحل سمير فريد أفضل أفلام السنة)، والفيلم الأول كذلك للمخرجة نادين خان «هرج ومرج» (أُنتج في 2012 ولكن عُرض في العام التالي له، وأعتقد أنه حتى اليوم لم يأخذ حقه في المشاهدة أو النقاش الجدي الذي يستحقه)، والفيلم الثالث لأحمد عبد الله السيد، «فرش وغطا». 

في ندوة حضرتها عن تناول الأحداث السياسية الضخمة في الأدب، قال أحد الضيوف شيئَا أعود إليه دومًا، وهو أن الوسيلة الوحيدة للكتابة عن أحداث كتلك دون إخلال، هي أن ننظر إليها «بالجنب»، أي من زاوية منحرفة، لا كحدث رئيسي. ربما لذلك يبرز فيلم أحمد عبد الله الثالث، «فرش وغطا» (2013) ضمن الأعمال التي تناولت الثورة ضمن أحداثها، لأنها جاءت فقط على الهامش، فكان الفيلم الأول الذي لم يسع لالتقاط مشهديتها، بل ركز على انعكاس تبعاتها على حياة شخصية واحدة غير مشتبكة سياسيًا، سجين هرب عند فتح السجون في 28 يناير، لا نعلم حتى لما كان محبوسًا. لم يوفق المخرج في بعض اختياراته الفنية (إصراره على ألا يكون هناك حوار مثلًا، حتى حينما بدا ذلك مفتعلًا بشكل صعب تجاهله)، ولكني أعتبر «فرش وغطا» علامة فارقة في أفلام العقد المنصرم، لما به من تجريب على مستوى الشكل والسرد السينمائي. ولكن لم يشفع وجود نجم كآسر ياسين في الفيلم لدى أصحاب السينمات في القاهرة، فمنحوه أسبوعًا واحدًا في دور العرض، وأسبوعًا ثانيًا حين زاد عدد التذاكر المباعة عن المتوقع، وحينها بدا ذلك (على بؤسه) انتصارًا صغيرًا لشكل مغاير من السينما. 

مع ميلاد زاوية في 2014، لم نعد بحاجة إلى القلق بشأن فرص عرض تلك النوعية من الأفلام في السينمات، حيث وفر المشروع الجديد المساحة لذلك، لا فقط كقاعة عرض ولكن أيضًا كموزع. ورغم أن برنامج زاوية فيما يخص الأفلام الأجنبية التي تختارها للعرض العام صار أقل مغامرة من عاميها الأولين، ما زال دورها في دعم الأفلام المصرية المستقلة محوريًا. فدون زاوية على الأغلب لما أتتنا الفرصة لمشاهدة عدد من الأفلام المصرية التي لاقت حفاوة نقدية بالمهرجانات العالمية خلال النصف الثاني من العقد، مثل «الخروج للنهار» لهالة لطفي (2015) و«أخضر يابس» لمحمد حماد (2016)، و«صيف تجريبي» لمحمود لطفي و«زهرة الصبار» لهالة القوصي (كلاهما من إنتاج 2017)، و«ورد مسموم» لأحمد فوزي صالح (رغم فوزه بجائزتين في مهرجان القاهرة، وكونه اختير لتمثيل مصر في سباق الأوسكار لأحسن فيلم أجنبي) والوثائقي «الحلم البعيد» لمروان عمارة (كلاهما من إنتاج 2018). [أما بالنسبة لأحمد عبد الله، فقد أخذت أعماله منحى تجاريًا إلى حد ما بعد «فرش وغطا»، وعُرض «ديكور» (2014) و«ليل خارجي» (2018) في عدد كبير من دور العرض لأسابيع متتالية دون مشاكل.] 

تلقى الذراع التوزيعي لزاوية وفريق فيلم «آخر أيام المدينة» لتامر السعيد ضربة كبيرة في 2016، حين منع الفيلم من العرض في القاهرة بعد أن اختير للمشاركة في المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة. بالنسبة لي، فيلم «آخر أيام المدينة» هو الفيلم المصري -وربما العربي- الأهم في هذا العقد الذي يوشك على الانتهاء. تعبيريًا، وصل السعيد في هذا الفيلم -والذي استغرق في صناعته عشرة سنوات- إلى درجة من النضج السينمائى لا أتذكرها في فيلم آخر شاهدته من المنطقة في الآونة الأخيرة، بالإضافة لقرب موضوع الفيلم -علاقة البطل المعقدة بالقاهرة- مني بشكل شخصي. لا أريد أن أكرر نفسي، لذا يمكنكم قراءة ما كتبته عن تجربة مشاهدتي للفيلم في مقدمة حوار أجريناه مع المخرج العام الماضي. 

بالإضافة إلى مشكلة السعيد مع الرقابة ومهرجان القاهرة، كان النقاش السينمائي الأبرز ذلك العام حول فيلم «اشتباك» لمحمد دياب، المستوحى من الحادثة الحقيقية لقتل 37 محتجزًا في سيارة ترحيلات على يد قوات الأمن في أعقاب 30 يونيو. بخلاف الماكيت الورقي لسيارة الترحيلات الذي وضعته الشركة الموزعة في السينمات وحثت أفراد الجمهور على التقاط صورة معه، الأمر الذي أثار ضجة على شبكات التواصل الاجتماعي بطبيعة الحال، ولّد الفيلم حوارًا واسعًا في دوائر المهتمين بالسينما عن كيفية اشتباكه مع اللحظة الحرجة التي يصورها، وتمثيله لدور الشرطة تحديدًا. رشح «اشتباك» ضمن مسابقة «نظرة ما» في مهرجان كان وقتها، باعتباره فيلمًا سياسيًا هامًا وهكذا، ولكن أصر المخرج أن فيلمه «إنساني» لا «سياسي»، ظنًا منه أن ذلك قد يضمن جمهورًا أكبر ويجنبه أي مضايقات أمنية. 

ورغم تميز «اشتباك» فعلًا على المستوى البصري والتقني، فلم يكن في واقع الأمر سوى امتدادًا لموجة معينة من الأفلام التي يمكننا القول أنها صارت مينستريمًا جديدًا خلال العشر سنوات الماضية، أفلام «تمسك العصاية من النص»: متماسكة نسبيًا على المستوى السينمائي وتختلف في شكلها ومضمونها عن أفلام السوق التقليدية ولكن بها العناصر اللازمة لجذب الجمهور في نفس الوقت، تتناول مواضيع جريئة ظاهريًا ولكن تتحاشى أي صدام فعلي وترفض أن تضايق أحدًا (إلى هذه الموجة، تنتمي أفلام المخرج عمرو سلامة، ومنها «أسماء» (2011) و«لا مؤاخذة» (2013) و«الشيخ جاكسون» (2017).

وعلى ذكر الصدام، لم يتوقف التعسف الرقابي عند «آخر أيام المدينة»، ولكن امتد ليشمل أفلامًا أخرى في العامين التاليين، أبرزهم فيلم «اللي حصل في الهيلتون» لطارق صالح (والذي حاز على جائزة لجنة التحكيم بمهرجان صندانس في 2017، وكان من المقرر عرضه في زاوية ضمن برنامج بانوراما الفيلم الأوروبي) والفيلم الوثائقي «نهايات سعيدة» لندى رياض وأيمن الأمير (وكان من المقرر عرضه أيضًا في زاوية ضمن الدورة الثانية من أيام القاهرة السينمائية في 2018). لم يعد الأمر مفاجئًا، وعلى عكس تامر السعيد فضّل صناع الفيلمين ألا يخوضوا معركة علنية مع جهاز الرقابة، لأسباب مفهومة، فمن عام لعام تضيق المساحات أكثر، ويصبح الحذر شرطًا أساسيًا إذا أردت الاستمرار في العمل هنا. 

ورغم أن 2018 كان عامًا ثريًا، قدم لنا بالإضافة إلى «ورد مسموم» و«الحلم البعيد» و«ليل خارجي» فيلم «يوم الدين» للمخرج أبو بكر شوقي (الذي رشح للسعفة الذهبية في مهرجان كان، وهو أمر نادر الحدوث بالنسبة لعمل أول)، جاء 2019 محبطًا جدًا، بلا إنتاجات تُذكر على المشهد السينمائي «المستقل» (لم يرشح فيلمًا مصريًا في مسابقتي مهرجان الجونة ومهرجان القاهرة سوى الفيلم الوثائقي «احكيلي» لماريان خوري، والمنتظر عرضه الشهر المقبل). حتى على مستوى السوق، فالشركات الناشطة على الساحة والتي كانت قليلة من الأصل ولطالما اشتكينا من احتكارها للإنتاج السينمائي، نصفها على الأقل غير فاعل الآن، في ظل القيود المتزايدة والتدخلات الأمنية الصريحة في صناعة السينما وغيرها من المجالات الفنية والثقافية، والتي تجلت في الحدث السينمائي الأبرز هذا العام: عرض فيلم «الممر» على قناتين مملوكتين لجهاز المخابرات العامة في الذكرى السنوية لحرب أكتوبر. 

#سماع 

أحمد الصباغ يقدّم لكم عشر سنوات في قائمة مدتها سبع ساعات:

يمكن سماعها على سبوتيفاي، ويوتيوب:

قبل بداية العقد والعام الجديدين، نسقتُ لكم قائمة لا تضم بالضرورة أفضل أغاني العقد الماضي، لكنها يحتمل أن تعبّر عن تطور الموسيقى والصناعة في هذا العقد. تعتمد الترشيحات على الذاكرة الشخصية، والتراكات التي اخترتها ضمن قائمة الأغاني المفضلة. وإذا أُعدت بأيام قبل أو بعد، يحتمل أن تختلف ترشيحات القائمة.

تعبّر أيضًا القائمة عن الحركات والموجات الأبرز في هذه الفترة، والتي نحاول أن نفهمها.

في مقاله المنشور في مجلة «بتش فورك»، يعتقد جايسون جرين أن الموسيقى المستقلة أصبحت في السنوات الأخيرة تحاكي البوب والعكس صحيح، تطورت طريقة استهلاك الموسيقى في السنوات الماضية فبعد أن كانت تعتمد على شراء ملفات الـ mp3، والأقراص، أو تنزيلها بالمجان (قرصنة) أصبح سماع الموسيقى الآن يعتمد بشكل أساسي على المنصات التي تُتيح البث الاختياري للأغاني كـ «سبوتيفاي» و«أنغامي»، و«ديزر»، وبالتالي أصبحت الوحدة الأساسية للموسيقى هي الأغنية أو التراك، وليس الألبوم. كما أن التطور المذهل في تكنولوجيا إنتاج الموسيقى أتاح لفنانين مستقلين إنتاج موسيقى بأقل كلفة، والمنافسة جنبًا إلى جنب مع الفنانين المرتبطين بشركات التسجيلات.

مع بداية العقد أصبحت الموسيقى الإلكترونية الراقصة أكثر تماشيًا مع التيار السائد في موسيقى البوب، خاصة بعد تعاون عدد من أفضل المنتجين  كدافيد جيتا وكالفن هاريس مع عدد من فنانين البوب الشهيرين.

وخلال العَقد أيضًا، تطور هذا النوع من الموسيقى ليتماهى مع البوب مع ظهور منتجين كميجور ليزر وديسكلوجر، إضافة إلى فنانين جدد كتوف لو، وجرايمز.

وفي مصر بدأت محاولات لمزج موسيقى المهرجانات الشعبية مع الموسيقى الإلكترونية والتِراب.

 كما تردد خلال العقد السؤال المتكرر عن استمرارية الروك: هل ماتت موسيقى الروك؟ 

نحاول نحن أيضًا أن نفهم ماذا حدث للروك في الأعوام القليلة الماضية، ولكن من المؤكد أن الروك كغيرها من أنواع الموسيقى تغيّرت إلى حد كبير، صارت فِرق الروك تعتمد الآن على الآلات الإلكترونية بجانب الجيتار والبايس والدرامز، وأصبحنا نرى عامًا تلو الآخر كيف تتلاشى الفروقات بين البوب والروك بشكل عام، وبين البوب والبوب الروك، أو البوب والآرت روك، سواء في الموسيقى أو الألحان أو الكلمات.

كما حظيت أيضًا هذه الفترة بإصدارات روك متقنة كألبوم راديوهيد الأخير وألبوم يونجر برازر الذي صدر في 2011، أو إصدارات كل من كورتني بارنت وكيرت فايل المنفردة في منتصف العقد بالإضافة إلى مشروعهما المشترك.

تظل موسيقى الهيب الهوب والتِراب الأكثر شعبية عالميًا والتي تصاعدت شعبيتها في الأعوام الأخيرة حتى تماهت هي أيضًا مع موسيقى البوب.

وفي المنطقة العربية بدأت أيضًا موجة جديدة لهذا النوع من الموسيقى في منتصف العقد في المغرب العربي، وامتدت إلى السودان وفلسطين والأردن ومصر.

تجدون في القائمة الكثير من تراكات الهيب هوب والتِراب.

في الختام أعتقد أن العشرة أعوام الأخيرة كانت الأفضل في البوب من حيث التنوع والانفتاح على التجارب المختلفة، وهو اتجاه مُبشر بشكل عام.

#دردشة 

بعد العام الأول من العقد حدثت ثورة، ثم توالت الأحداث، حراك، وتغيير، الكثير من الـ «انتصارات الصغيرة»، وخيبات كبيرة أكثر. 

شهدنا كيف دخلت وتشابكت الهتافات والحريات مع السياسة والمجتمع مع القوانين والصحة النفسية وتقارير الطب الشرعي، مررنا بجدل الاختلافات السياسية والفكرية، عشنا لأول مرة المجال العام، وصنعنا جوًا عامًا، جرت نقاشات، وكتبت مقالات، وانطلقت مبادرات، كما كُتبت مسودات دساتير. كثير من الأمور جرت في عقد، كثير مما محته ذاكرتنا، وربما سقط من الأرشيف الرسمي. 

قبل نهاية العام الأول ما الذي كنا نتوقعه، ما الذي طمحنا إليه، وكيف مرت سنوات  حتى اكتمل عَقدنا، وانفرط عَقْدنا. حول ذلك راسلنا ضيوفنا على دردشة خلال الـ «الويك إندات» السابقة، ونقدم لكم هنا الإجابات التي وصلتنا ممن تمكن من تجاوز صدمة استيعاب أن عشر سنوات مرت منذ 2010. 

لم نرسل أسئلة لعلاء عبدالفتاح، أول ضيوف دردشة، المحبوس احتياطيًا حاليًا مع محاميه على ذمة قضية جديدة. قضى عبدالفتاح خمس سنوات من العقد الذي نشهد نهايته خلال أيام سجينًا، وحينما خرج ليقضي ما بقى من العقد خاضعًا لمراقبة شرطية تلزمه بأن يُحبس نصف يوم كل يوم، لم ينته الأمر عند هذا الحد، بل أُدخل لمتاهة قانونية أخرى مع قضية جديدة حبسته احتياطيًا اليوم بطوله. 

نجد أن حالة علاء بين آمال التغيير والحبس هو الأكثر تعبيرًا عن العقد الذي ينصرم.

[يمكن قراءة دردشة مع علاء عبد الفتاح هنا

تدردش عائدة الكاشف، المخرجة السينمائية، قائلة:

قبل:

في 2010، توقعتُ إني حبقى مخرجة مهمة ومعروفة وعندي أربعة أفلام، وعندي شركتي [لإنتاج السينما] اسمها جنوب، وبعد كده حصلت ثورة. 

اختفيت مع عالم السينما فترة، بعد كده مبقاش فيه سينما، لسه معملتش ولا فيلم طويل.

وبعد:

من يومين نزلت يوم تصوير؛ خارجي وداخلي. خارجيًا، صورت في سوق لاظوغلي بكاميرا صغيرة (مش بروفيشنال). لمّا صورت افتكرت أيام الثورة، كنت بستخدم فيها الكاميرا نفسها. التصوير في الشارع والحركة براحتي حسستني أني لقيت مكاني بعيد عن تضييقات الأمن، والمنع من التصوير في الشارع.. لقيت نفسي. مشيت في الشارع من غير خوف من التحرش مثلًا. أما التصوير الداخلي فَـ كان في بيت عائلة، فيها أطياف مختلفة تضمّ شيوعيين وإخوان وناصريين، تركيبة العيلة حسستني بأني بتحرك براحتي.

اتعلمت حاجات كتير في الـ 10 سنين اللي فاتت، من الوعي بالصحة النفسية، للتعرّف على أنواع من التحرش الجنسي، ودراية بنظام السجون، ووقائع التعذيب، تحولنا لخبراء في مجالات مكنتش متخيّلة وأنا صغيرة أننا حيبقى عندنا معرفة بكل المجالات دي. 

وفي نهاية العَقد بستضيف عندي في البيت كلب بشكل مؤقت، هو اتعرّض لحادثة، وفَقَدَ رجل. وهو منسجم مع كلبتي، خصوصًا أنه أول كلب من فصيلته، الضيف الجديد اسمه «هوبفول» وهو اسم مؤقت. وأحب أقول للعقد مرسيه شكرًا منشوفكش تاني، أنا حاسة إنها نهاية 100 سنة، أو نهاية العالم مش نهاية عقد. 

[لقراءة دردشتنا السابقة مع الكاشف اضغط هنا]

حول السؤالين دردشنا مع صلاح باديس، الكاتب والمترجم الجزائري. صدرت لباديس «ضجر البواخر» مجموعة شعرية (2016)، «هذه أمور تحدث»، قصص (2019)، وصدرت مؤخًرا ترجمته لنص «كونغو» لإريك فويار.

قبل:

في 2010 كان عندي 16 سنة، وما كنتش واعي بما هو قادم، ولا بما مضى كأي شخص في هذه السن. لكن أظن أني دخلت عالمًا بدأ يتشكل، مع انتفاضات 2011، فلم أشهد حال ما قبل هذه الانتفاضات، لا ثقافيًا ولا سياسيًا. طموحي كان حسب ما أذكر أني أكتب وأسافر (سفر وليس هجرة)، ومع قليل من التغييرات أظن أني أحاول مواصلة هذا الطموح البسيط. 

وبعد: 

لست متعودًا على تقييم العشريات الصراحة، لكن أظنها جيدة جدًا، خاصة أني لا أتصور طريقة أخرى كان يمكن أن تمر بها عشرية 2010-2020. ولم أكن متوقعًا أيضًا أن تنتهي بحراك في البحيرة الراكدة المسماة الجزائر. 

وطموحي لسنة 2020 هو أن يستمر طموحي البسيط آنف الذكر في التحقق، وأن تواصل مياه البحيرة الراكدة في التحرك والتفرع لتذهب بعيدًا.

[يمكن قراءة دردشتنا السابقة مع باديس هنا]

سلمى الطرزي، مخرجة  «اللي يحب ربنا يرفع إيده فوق» (2013)، وقريبًا سيصدر كتابها «محاولة لتذكر وجهي» الذي تمزج فيه بين الكتابة والرسم، ولنقرأ مشاركتها في الدردشة:

قبل:

2010 تحديدًا كان عندي اكتئاب شديد جدًا لدرجة خلتني بـ أعمل كوارث في الشغل كان ممكن تكلف مئات الآلاف، ساعتها كنت باشتغل في الاعلانات، وبـ أعمل فلوس كويسة جدًا وشاطرة جدًا جدًا لحد ما جبت آخر في ديسمبر 2010، فاكرة ده كويس عشان كنتُ في لندن عشان شغل واتحبست هناك بسبب إعصار ما ورجعت مصر ليلة راس السنة، وصلت مصر أول ساعات من 2011 وأول ما فتحت التليفون عرفت خبر كنيسة القديسين وكانت أول حاجة في دماغي إني مش عايزة أعيش في العالم ده. 

فـ 2010 تحديدًا كانت كارثية، قبل كده كانت طموحاتي أكتر متعلقة بالشغل وبالحياة الاجتماعية، أحب، أو أفضل أحب، أو أفضل أتحب، كنت بدأت أخلع شوية من الإنتاج في السوق وأثبت رجلي كمخرجة، بس كان برضو السوق هو اللي مسيطر.. تقريبًا كمان كنت بـ استخبى ورا ده عشان كنت خايفة أعمل حاجات بتاعتي بجد وأكتشف إني فاشلة، فكنت بأسحل نفسي في الشغل والحب.

بعد: 

من ناحية حاسة إني كبرت وعجزت، شعري أبيّض وضهري بيوجعني، وبقيت باتضايق من الدوشة وكده.. بس في نفس الوقت حاسة إني صغرت، وإني دلوقتي أخف وألطف وأظرف بكتير من لما كنت في العشرينات.. رغم كل شيء. بالنسبة للسنوات المقبلة، فخير إن شاء الله:) 

[يمكن قراءة دردشتنا السابقة مع الطرزي هنا]

 

#سلام

في الختام، نترككم مع تِراك الكيميك الجديد «ما فا هي مي»، وهو من تأليف وأداء عمر مصطفى، وإنتاج A Q Laizar : [لسماع التراك اضغط هنا]

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن